محمود الرنتيسي

محمود الرنتيسي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أسفرت نتيجة الانتخابات عن خسارة حزب العدالة والتنمية لسباق بلدية إسطنبول وبفارق كبير هذه المرة يصل إلى 800 ألف صوت، بينما كان الفارق لصالح مرشح المعارضة 13 ألفاً في المرة الماضية مع نسبة مشاركة متشابهة تقريباً، حيث حصل مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو على 54%، بينما حصل بن علي يلدرم على حوالي 45%، ومع أن حزب العدالة والتنمية قام بإجراء عدد من الإصلاحات والتحسينات فإنه خسر بشكل أكبر في المرة الثانية.

في البداية، فلنقل: إن العوامل التي سببت خسارة الحزب في المرة الأولى بقيت قائمة كحالة الاستياء داخل البلد من الوضع الاقتصادي، ومن بعض المواقف السياسية، ومن سلوك عدد من المحسوبين على حزب العدالة والتنمية، وكذلك العوامل المتعلقة بالمنافسة بين المرشحين، وصورة وأداء كل واحد منهم، والجو السياسي المحتقن بشكل عام.

لكن السبب الجوهري لارتفاع أصوات مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو وتراجع أصوات مرشح حزب العدالة والتنمية يكمن في قرار إعادة الانتخابات، وسحب مضبطة البلدية من إمام أوغلو ابتداء، فبالرغم من أن القرار صدر من اللجنة العليا للانتخابات ووفق طعون قانونية، فإن قسماً كبيراً من الناخبين لم يقتنع بهذا، واعتبر ذلك إهانة لإرادته، كما أن مرشح المعارضة قام بالاستفادة من هذه المظلومية ورفع أصواته بشكل أكبر، ولهذا لم يهتم الناخب بكل التعديلات التي قام بها حزب العدالة والتنمية في حملته والوعود الجديدة التي أضافها، ومن جهة أخرى لم يكترث بالأخطاء التي وقع بها مرشح المعارضة، حيث إن الناخب اتخذ القرار رغماً عن كل شيء.

أما السبب الآخر، فقد كانت أخطاء الحسابات التي وقع بها حزب العدالة والتنمية، فقد ظن الحزب أنه يمكنه ثني الأكراد عن التصويت للمنافس، وقد قام بعدة خطوات لتحقيق ذلك، ولكن هذه الخطوات أتت بنتيجة عكسية، كما أن الحزب عمل أيضاً على استمالة عدد من أصوات مرشح حزب السعادة، وبالفعل خسر مرشح حزب السعادة لكن الأصوات ذهبت إلى أكرم إمام أوغلو وليس لحزب العدالة والتنمية، حيث يتخذ حزب السعادة موقفاً متشنجاً من حزب العدالة أكثر من الأحزاب العلمانية الأخرى.

ولهذا، فإن الحزب أمام هذا الانتصار المكرر للمعارضة في بلدية إسطنبول أمام اختبار جدي لترميم موقفه والحفاظ على صفوفه المهددة بحالات تشظٍّ مع اقتراب الإعلان عن أحزاب جديدة من قياداته السابقة مثل عبدالله غول، وعلي باباجان، وعليه العمل على إصلاح خطابه ومعالجة الأمور التي ينتقدها الناخب، ولا ننسى دور تراجع الاقتصاد في زيادة تركيز الناخب على الأخطاء، حيث كان الناخب مع مرور الوقت يتأثر بشكل أكبر بالمشكلة الاقتصادية، وبالتالي بدأ الاستياء من سياسة الدولة تجاه اللاجئين السوريين، واستخدام ذلك كمادة في الانتخابات، وكذلك العديد من مواقف الدولة وقراراتها بشكل عام.

يحتاج حزب العدالة لإعادة ضبط سياسته الداخلية ليتصالح مع الناخب من جديد، وقد كانت خطوة أردوغان التي عبرت عن احترام إرادة الناخب خطوة جيدة كبداية في هذا المجال، وينتظر أن يقوم أردوغان بمبادرات سياسية خارج الصندوق في ظل ضعف حليفه حزب الحركة القومية، ومن جهة أخرى كان فوز المعارضة في انتخابات شفافة أمراً إيجابياً لديمقراطية تركيا.

يوجد حوالي 4 سنوات أمام الانتخابات القادمة لتركيا التي تعبت من كثرة العمليات الانتخابية في السنوات الخمس الأخيرة، ولهذا من المرجح أن تكون هناك فترة راحة من العمليات الانتخابية، لكن هناك صوتاً خفيضاً يتحدث عن انتخابات مبكرة، مع أن هذا لا يمكن أن يتم دون رغبة حزب العدالة والتنمية، حيث يحتاج هذا القرار أغلبية في البرلمان، ولهذا ستعكف كافة الأحزاب على التقييم والمناورات الجديدة، ولكن المعارضة التركية لن تهدأ محاولاتها في جعل الفوز بإسطنبول رافعة لمكسب أكبر.

 

قبل أسبوع تقريباً من توجه سكان مدينة إسطنبول إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم لترجيح نتيجة بلدية اسطنبول بين مرشح تحالف الجمهور بن علي يلدرم ومرشح تحالف الأمة أكرم إمام أوغلو يوم 23 يونيو (حزيران) الحالي سوف تتجه الأنظار يوم 16 من هذا الشهر إلى المناظرة المفتوحة بين مرشحي بلدية اسطنبول في الوقت الذي تحتدم المنافسة بينهما حيث تشير أغلب استطلاعات الرأي أنهما على نفس المستوى ولا تحسم لأحدهما على الآخر مع العلم أن بعض الاستطلاعات لا تزال تضع إمام أوغلو في المقدمة ولكن بدرجة بسيطة.

لم يكن حزب العدالة والتنمية يقبل المناظرات التلفزيونية حيث قام بالغائها لأنها تسبب الاستقطاب ولكن لعل الحقيقة ربما أن الحزب كان في ذلك الوقت قوياً ولن تقدم له المناظرة الكثير وكان خصمه سوف يستفيد منها أكثر على حسابه واليوم مع تقارب الأصوات قبل الحزب بالمناظرة بعد توافق مع حزب الشعب الجمهوري.

لقد جاء التوافق مع حزب الشعب الجمهوري على المناظرة في لحظة حساسة من المنافسة بين الحزبين وخرج ممثلا الحزبين معاً وأعلنا عن التوافق على المناظرة ولعل في هذا إشارة إلى أن أكبر حزبين في تركيا يمكن أن يتوافقا وقد خرجت بعد انتخابات 31 مارس مباشرة تصريحات من الرئيس أردوغان تدعو إلى ما يسمى تحالف تركيا وقد فسره مقربون من الرئيس بأنه تحالف قد يضم أحزابا من المعارضة وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري.

ولكن السؤال لماذا قد يتحالف حزب الشعب الجمهوري أو قيادته الحالية مع حزب العدالة والتنمية وعند هذه النقطة يمكن أن نشير إلى أحد قراءات المشهد التركي الحالية وهي  أن قيادة حزب الشعب الجمهوري نفسه ممثلة بكمال كليجدار أوغلو لا تريد أن يفوز مرشحها أكرم إمام أوغلو برئاسة البلدية لأن عينه على رئاسة الحزب وأبعد من ذلك وقد ظهر أكثر من مرة في خطاباته وهو يتحدث عن كل تركيا وليس عن اسطنبول وكما أن هناك جهات داخلية وخارجية تريد أن يكون رئيس حزب الشعب الجمهوري سنياً وليس علوياً ليستطيع الحصول على أكبر دعم من الجمهور مما يهدد كليجدار أوغلو ويدفعه هو والقسم العلوي في الحزب والمسيطر حالياً إلى عدم الرغبة في فوز إمام أوغلو.

 أما الأمر الآخر فهو الأخطاء التي وقع فيها إمام اوغلو نفسه مع المواطنين ومع الدولة من قبيل شتمه لوالي مدينة أوردو ثم تنصله من ذلك ولكن هل هذه الأخطاء هي مقصودة منه أم من حزبه هل يريد إمام أوغلو حقاً أن يفوز ببلدية أسطنبول أم يخسرها، لقد رسم الداعمون له مسارين في كل منهما فوائد فإن فاز إمام أوغلو يكون قد فاز مرتين وكرس فوزه على حزب العدالة في بلدية قد تكون أقوى من البرلمان نفسه وميزانيتها تفوق ميزانيات بعض الدول وبذلك يكون فتح لنفسه مجالاً للترشح للانتخابات القادمة.

أما إن خسر فسيكون تم صناعة شخصية معارضة مشهورة على مستوى تركيا تكون مفيدة لاحقاً للترشح أو قيادة جهود المعارضة كلها.

ولكن من الذي يدعم إمام أوغلو؟.. يتلقى إمام أوغلو الدعم من كافة أطياف المعارضة ولكن يظهر أن الداعم الرئيسي لإمام أوغلو حسب بعض وسائل الإعلام التركية هي شركة كوتش وهي شركة معروفة كجزء من الدولة العميقة في تركيا منذ انقلاب كنعان ايفرن حيث دعم رؤساء الشركة وهبي ورحمي كوتش الانقلابات في تركيا ووقفوا ضد تانسو تشيللر ووقفوا ضد أردوغان منذ 2002م، وحتى الآن، تدعم الشركة المعارضة وكان لها دور في دعم مظاهرات غيزي بارك، ولها علاقة بصفقات تنظيم غولن التجارية في أفريقيا وقد ذهب أحد رؤساء الشركة الحاليين عمر كوتش بنفسه لزيارة إمام أوغلو بعد إلغاء نتائج انتخابات اسطنبول وخصص له طائرة خاصة للتحرك بها.

يريد حزب العدالة والتنمية أن يفوز بالمناظرة نظراً لخبرة بن علي يلدرم ومعرفته لكافة تفاصيل المدينة فقد نفذ أغلب مشاريعها الكبرى مثل المرمراي والجسور وغيرها ولكن إمام أوغلو يتمتع بقدرات خطابية وبلاغية مهارة في الالتفاف على النصوص وتطويع الكلام بدرجة خطيرة ولذلك لم يكتف حزب العدالة والتنمية بهذا وهو حالياً يركز على عدة نقاط منها الاستفادة من أصوات المرشحين الأكراد: وهنا يتم العمل عبر تكثيف الزيارات واللقاءات في التجمعات الكردية، حتى أبعد من اسطنبول حيث يتم التواصل مع الاكراد في ديار بكر وأورفا وسيواس حيث أن أغلب أكراد اسطنبول هم من هذه المدن.

أما الأمر الآخر وهو في اتجاه مضاد وهو العمل على سحب تصريحات من المرشح المنافس ضد حزب العمال الكردستاني وهو ما يتجنبه أكرم إمام أوغلو حتى الآن.

ولعل المسار الثاني وهو اللقاءات مع تيار الميللي غوروش حيث يقوم يلدرم بلقاءات مع أقطاب وشخصيات من حركة الميللي غوروش وهي الحركة المحافظة الأوسع التي ينتمي لها حزب السعادة المعارض حالياً والذي يضم مجموعة من الأشخاص يتبنون موقف متشدد ضد حزب العدالة ويختلف عن الميللي غوروش الذي يعد في الوسط بين السعادة وحزب العدالة وتعد لقاءات يلدرم خطوة للحصول على الأصوات حيث حصل حزب السعادة على 100 ألف صوت تعد حاسمة في تحديد نتيجة الانتخابات.

وبالإضافة للوعود المبشرة التي يقدمها يلدرم للشباب والمتقاعدين ينشط  يلدرم في الزيارات والفعاليات واللقاء مع القطاعات المختلفة في اسطنبول أكثر من الانتخابات الماضية وخاصة اللقاء مع كافة الجماعات الدينية المؤثرة في شهر رمضان.

الصفحة 2 من 2
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top