د. عصام عبداللطيف الفليج

د. عصام عبداللطيف الفليج

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


أصبحت مصطلحات التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية من القواعد العامة في مختلف دول العالم، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 25 سبتمبر 2015م، ووضعت خطة التنمية المستدامة لعام 2030م، التي تتكون من 17 هدفاً للتنمية المستدامة، و169 هدفاً متصلاً بها، وضمان مشاركة جميع دول العالم في تحقيق تلك الأهداف.

ومحور تلك الأهداف هو "الإنسان"، وتوفير بيئة نظيفة وتعليم وصحة وحياة كريمة، ومكافحة الفقر، وضمان حقوق الإنسان، والأمن والسلام، ومساعدة اللاجئين والنازحين، وإغاثة المنكوبين.
لذا.. تعمد الحكومات وضع مفاهيم التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية ضمن خططها السنوية، وتعممها على جميع قطاعات الدولة، بما فيها المناهج الدراسية.
كما وضعت الأمم المتحدة مقاييس للشركات الكبرى المعتمدة، وهو ما تقدمه تلك الشركات لدعم تلك الأهداف محلياً ودولياً، فالشركات التي تضع في نظامها الأساس بنداً رئيساً في المسؤولية الاجتماعية (CSR)، والعمل المسؤول المستمر (SRB)، وتوثق ما قامت به في التقرير السنوي للشركة، فإنها تحظى بأولوية في التقدير العام، وفي العقود الكبرى.
ونحن نفخر في دولة الكويت أن الحكومة تولي اهتماماً كبيراً لتعميم مفاهيم التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية في مختلف قطاعاتها، وتقدم دعماً إعلامياً ولوجستياً وسياسياً وإدارياً لكل المشاريع ذات الارتباط، ولا يفوت يوماً إلا وتجد تلفزيون الكويت يتكلم عن ذلك.
وبخط مواز.. يحرص رجال الأعمال في الكويت مشكورين من خلال الشركات والبنوك والمؤسسات الكبرى على مواكبة هذا الاهتمام، واستشعار دورهم في المسؤولية المجتمعية، التي تقوم بدور ملموس وواضح في تحقيق هذا المفهوم بشكل تطوعي، فالمؤسسات الاقتصادية تدعم العديد من المشاريع التنموية داخل الكويت وخارجها، لأجل المصلحة العامة، وتساهم بتشجيع نمو وتطور المجتمعات، دون النظر إلى أي تصنيف سياسي أو فكري أو ديني أو مذهبي أو إقليمي أو قبلي أو غير ذلك، لا يبتغون غير الأجر من الله عز وجل.
وتقوم الجمعيات الخيرية الكويتية بدور رائد في هذا المجال، فهي إن صحت التسمية خلاصة كل تلك الجهود، فإن كانت أجهزة وقطاعات الدولة تقدم الخدمات الإعلامية والإدارية، وإن كانت المؤسسات التجارية والمتبرعين من أهل الخير يقدمون الدعم المالي، فإن الجمعيات الخيرية والفرق التطوعية هي من تقوم بالجانب التنفيذي لكل ذلك، فهي من تقوم بتنفيذ الحملات الإغاثية للاجئين والمنكوبين، ودفع رسوم تعليم وعلاج الفقراء، وبناء المدارس والمراكز الصحية، وحملات تنظيف البيئة البرية والبحرية.. وغير ذلك.
إذاً هو مثلث متساوي الأضلاع، متساوي الزوايا، يعمل من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية، وبقدر نجاح تنسيق هذه الأضلاع بشكل موضوعي، وتخطيط مسبق، يتم تحقيق نتائج إنسانية عالمية متميزة.
ولعلها دعوة لرجال الأعمال أفراد وشركات، وبنوك ومؤسسات، لمضاعفة العطاء في هذا المجال الإنساني، وتنويع الاختصاصات والمجالات، والمشاركة بحضور تنفيذ بعض تلك الفعاليات، داخل الكويت وخارجها، فبمشاركتهم واختلاطهم مع الجمعيات والفرق التطوعية، سيكتشفون مجالات كثيرة كانت غائبة عنهم، خصوصاً مع فئة الفقراء والمنكوبين، حتى لا يتركز الدعم في مشاريع التدريب والتنمية البشرية، والمعارض الفنية والثقافية.
كلمة قالها سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الصباح، حفظه الله، لا أنساها: "العمل الخيري تاج على رؤوس الكويتيين"، وقد صدق فيما قال، وأنا أؤكد أن "العمل الخيري صناعة كويتية"، وهو كذلك.
وإذا كنا نحتفي هذه الأيام بذكرى توقيع اتفاقية التنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية في الأمم المتحدة في 25 سبتمبر 2015م، فإن الكويت تعيش كل يوم احتفالات خيرية وإنسانية تحقق هذه الأهداف، فالعمل الخيري لم يتوقف يوماً ما بحمد الله، وسط أكثر من 150 جمعية خيرية ومبرة ووقفية، وأكثر من 500 فريق تطوعي، حتى منح أمير الكويت سمو الشيخ صباح الأحمد الصباح لقب "قائد الإنسانية"، والكويت "مركزاً إنسانياً عالمياً"، وما زال العمل الإنساني قائماً بكل خير.
_____
ينشر بالتزامن مع مجلة "فنار" الكويتية.

الثلاثاء, 15 أكتوبر 2019 10:11

الاحتقان التنموي

يعاني الناس من احتقان تنموي في مختلف المجالات؛ الصحية والتعليمية والخدماتية بشكل عام، ولا يلامون وهم يرون التنمية تسبقهم في بلدان كانت الكويت سبباً في وجودها وتنميتها، ولا يتداولون ذلك من باب الترف الفكري، بقدر ما هو من باب الحرقة على هذا الوطن المعطاء، فالكويت لا تستحق هذا الإهمال والتقصير من البعض؛ مسؤولين وأفراداً ومواطنين ومستهلكين للخدمة، ولا ما يقوم به البعض في التركيز على جانب واحد من التنمية، وهو تنمية جيوبهم، فالكويت أعطتهم الكثير الكثير، فهلا أعطوها اليسير اليسير!

ومما يزيد الناس ضجراً، تضخيم صغار الأعمال، واعتبارها من الإنجازات التي طالما انتظرها الناس، فتقام الاحتفالات والحملات الإعلامية لمشاريع أقل من مستوى مفتتحيها، فيصاب الناس بالإحباط، خصوصاً عندما نرى اجتهادات الشباب في وسائل التواصل الاجتماعي في ربط صورة إنجاز «مضخم»، مقابل إنجازات ضخمة فعلاً في دول أخرى.

وأثقل ما في هذه الإنجازات تصريحات المدير، عندما يشكر كل مسؤوليه، فيقول: ولم يتحقق هذا الإنجاز إلا بتوجيهات الوزير فلان، ودعم الوكيل فلان، وإسناد الوكيل المساعد فلان، ومتابعة المدير العام فلان، وهكذا، حتى يكاد يأخذ ذلك نصف مساحة التصريح!

وقد يكون الوزير حديث عهد بالوزارة، ولا يعلم شيئاً عن الإنجاز الذي صار لهم سنتين يعملون به، فمن أين جاءت توجيهاته؟!

ويبالغ البعض بالثناء فيقول: «سيدي» معالي الوزير، وكلمة سيدي تقال عند العسكر فقط، فلِمَ هذا التزلف؟!

طيب، لو الوزير أو الوكيل لم يوجهك، ألن تقوم بدورك ووظيفتك ومهامك؟ ألن يتحقق هذا الإنجاز؟ ألن تنظم السير؟ ألن تغلق محلات الأطعمة الفاسدة؟ ألن تمنع المهربين؟ ألن.. ألن..؟!

لست مبالغاً إذا قلت: إن معظم المشاريع المنجزة إنما جاءت بتوجيهات مباشرة من صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد، حفظه الله، وإلا لما رأينا الجسور الكبيرة ومركز جابر الثقافي، ومستشفى جابر الأحمد، ومركز صباح الأحمد، ومركز عبدالله السالم الثقافي، وغيرها من الإنجازات الكبرى.

نعم، ليس من المناسب أن تتباهى أيها المسؤول بدورك العملي، ويحق لك أن تتباهى بدورك الإبداعي، ولا ينبغي أن تنسب الإنجاز لغير أهله، فالموظفون الشباب الذين تابعوا وعملوا هم أولى بالشكر والثناء.

ومن هنا، أدعو المسؤولين إلى تخفيف حفلات الافتتاح لكل شاردة وواردة؛ شارع، طيارة، مكتب خدمات، تنظيف العباسية.. وغيرها، لأن هذه مرحلة تجاوزناها، ونحتاج إلى قفزة وتميز في الإنجازات، نريد إنجازاً يتحدث عن نفسه، لا يتحدث عنه المسؤول، ونريد مشروعاً يفرح به المواطنون، لا التجار وحدهم يفرحون!

وأخيراً.. لنهتم بالتعليم قليلاً، أساس كل الوزارات والشركات، فمن التعليم تنطلق فرص الإبداع والتميز، ومن التعليم تتفتح الآفاق، ولن يكون ذلك إلا بالاهتمام بالمعلم والمناهج والإدارة، وفي الفم ماء.

 

_____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 08 أكتوبر 2019 12:20

البر بالأب البخيل

 

لا يعد البر بالوالدين أو والديهما منة، بل إنه واجب شرعي أخلاقي اجتماعي، التقت عليه جميع الأديان والأعراف والمجتمعات، لذلك تجد البركة فيمن يبر والديه حتى لو كان قليل الفكر والثقافة والدين.

ومن اللفتات الجميلة في بر الوالدين أن أقام رجل حفل زفاف ابنه في مركز التلطيف الذي يقيم فيه الجد وألبسوه البشت، وأحضروا له فرقة عرضة، وعقدوا الزواج في المركز، فأسعدوا الجد وأسعدوا المقيمين في المركز، فهم هنا اهتموا بوالدهم قبل أن يهتموا بالناس.

ويزيد الأمر إحساناً عندما يكون الأبناء متضررين من أبيهم، أو أن أباهم كان مقصراً معهم، فيقابلون الإساءة بالإحسان، كيف لا وهو والدهم.

وقد لفت نظري بر بعض الأبناء بآبائهم البخلاء، والبخل آفة ذميمة في الشرائع والمجتمعات، ووصف بعض الأقوام والأعراق تاريخياً بالبخل، وكتب الجاحظ فيهم كتاباً لنوادرهم أسماه «البخلاء»، كما أن هناك فرقاً بين البخل والحرص، فالأول مذموم، والثاني محمود إن لم يبالغ.

وهناك البخل والشح، فالأول يبخل على الآخرين، ويعيش صراعاً بين البخل والحرص، والثاني يبخل على نفسه وعلى الآخرين، وهذا لا علاج له سوى هداية الله أو التراب!

والبخيل لا يشعر بأنه بخيل، لأنه يمارس البخل بشكل طبيعي منذ صغره، لأسباب نفسية واجتماعية، إما بسبب الفقر أو الحرمان في فترة ما أو غير ذلك، كما أن البخل درجات، حتى إن بعض البخلاء ينتقدون من هم أشد بخلاً منهم!

ومن نماذج بر الأبناء بالأب البخيل أو الحريص المغالي، أنهم يشترون أشياء غالية لوالدهم (ساعة، قلماً.. إلخ)، ويدفع الأب ربع السعر، ويدعون أنهم حصلوا على خصم خاص، وأحياناً يدفعون كل الفاتورة.

أو يحجزون لوالدهم عند السفر على درجة رجال الأعمال، وفنادق فخمة، ولأنه لا يقبل الدفع المرتفع حتى لو كان من أبنائه، فإنهم يقولون له: إنهم حصلوا على عرض خاص من السفريات، وهم يدفعون الفرق، أما عند الولائم، فإنهم يقومون بكل شيء، سواء من بيوتهم أو مطاعم فاخرة، ويزعمون أنهم حصلوا على أسعار مخفضة، أو أن كل واحد ساهم بشيء ما، كما يشترون له بعض الألبسة والأحذية الراقية ليلبسها عند زياراته ولقاءاته، وغيرها من الممارسات بهدف إسعاد والدهم، وليس تجملاً أمام الآخرين، وتعويضه سنوات الحرمان التي عاشها في طفولته قسراً، وفي شبابه خوفاً، وغالباً سيغير ذلك من سلوك الأب البخيل إيجابياً مع الوقت عندما يعيش الأمن المالي والأمان النفسي والاجتماعي، فنعم البر ذاك.

وفي المقابل، رأيت أبناء لا يهتمون بوالدهم، ويعتبرون أن البخل اختياره، وليس لديهم أي استعداد لأن يدفعوا له من جيوبهم.

تقول إحدى النساء: كدنا ندعو على والدنا بعد وفاته، عندما اكتشفنا أنه يمتلك أموالاً طائلة، فقد ذقنا المر ببخله، وبالأخص أمنا المسكينة التي كانت تطبخ وتنفخ، ثم عندما تزوجنا وأثقلت كاهلنا الديون بسبب صعوبة الحياة، لم يمد يد العون لأحد أبداً!

قد يعذر الفقير بالبخل أو الحرص، لكن الغني ومتوسط الحال لا يعذر، فهو يعيش حياته محروماً هو وأسرته، ويستدعي الأعذار الواهية لعدم الإنفاق (إسراف، توفير، عدم قناعة.. إلخ)، ليكون «حارساً» على المال، ينتظر الناس وفاته.

اللهم إني أعوذ بك من البخل والشح والجبن وغلبة الدين وقهر الرجال.

 

____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

 

الخميس, 03 أكتوبر 2019 13:35

تقسيم المقسم

 

اهتمت الصهيونية العالمية بتوحيد الجهود الدولية لإسقاط الخلافة الإسلامية، تمهيداً لتفتيت دول العالم الإسلامي، وذلك عندما رأت استحالة قدرتها بذلك وحدها، أو دولة ما منفردة، فقد كان العالم الأوروبي في أوج انتصاراته في حروبه الخارجية، واستطاعت عدة دول مثل بريطانيا وفرنسا والبرتغال وهولندا وإسبانيا وروسيا وغيرها احتلال عشرات الدول الأفريقية والآسيوية وأمريكا الجنوبية منذ عدة قرون، واختلفت في أسلوب الاحتلال من إبادة واستعباد وفرض الدين المسيحي ولغة المحتل، وبين ترك البلاد للعباد والإدارة عن بعد.

كما انتشرت البعثات التنصيرية والمستشرقون، واستطاعت أن تتوغل في البلاد الإسلامية، وتخترق القيادات السياسية والدينية والفكرية، وكوّنت قاعدة بيانات لتنطلق بعدها لتفتيت تلك الدول بأساليب عدة، ومن خلال رموزهم الوطنية.
وبدل أن تقوم الصهيونية بهذه الأدوار، فقد أوكلتها لتلك الدول الكبرى، لأن الصهيونية لا دولة لها ولا كيان، فكان «وعد بلفور» (وعد من لا يملك لمن لا يستحق)، وخيانة الشريف حسين مع «لورانس»، وغرس مبادئ القومية العربية في مصر وبلاد الشام بغلو غير طبيعي، واتفاقية «سايكس بيكو»، حتى إذا تهيأت الأجواء؛ أسقطت الخلافة العثمانية، وتشرذمت الأمة الإسلامية.
ولتدعيم التفتيت، أُنشئت جامعة الدول العربية؛ لترسيخ القومية العربية، ونسيان الخلافة الإسلامية، ونادى العلماء بإنشاء جامعة للدول الإسلامية دون مجيب، وكان البديل «منظمة التعاون الإسلامي».
وتم احتلال فلسطين، وحرق المسجد الأقصى، وتأسيس حزب البعث (ميشيل)، والأحزاب الشيوعية والاشتراكية من منطلقات عروبية، ونشر العلمانية والليبرالية؛ لتتشرذم القومية العربية بذاتها أكثر وأكثر.
هل اكتفوا بذلك؟ لا.. فهم يخططون ونحن ننفذ.
فقد تم إسقاط الملكيات السابقة باسم الثورات العربية، وكلها بتنسيق العسكر (المنقلبين) مع أوروبا ثم أمريكا، وأسقطت هيبة الأزهر، وأضعفت مؤسسات الدعوة في العالم الإسلامي، وانتشر الجهل، وأُنشئت ديانات جديدة (الأحمدية أو القاديانية)، ودعم العلوية.
وكان الاتجاه التالي نحو تأسيس تيارات إسلامية جديدة، لمواجهة القومية والليبرالية والعلمانية، وضربوا الإخوان بالسلفية، والسُّنة بالشيعة، والعرب بالأكراد والأمازيغ، وطالبان بالمجاهدين الأفغان، وظهور القاعدة وداعش والجامية، وتغير مصطلح العالم العربي إلى الشرق الأوسط.. والحبل على الجرار.
لم تتوقف الآلة الغربية التي تعمل بالوكالة عن الصهيونية العالمية، فتم إسقاط الشاه، واحتلال العراق للكويت، والسيطرة على العراق سياسياً، وأعلنت انطلاق «الفوضى الخلاقة» التي عصفت بالعالم العربي، ثم «خارطة الشرق الأوسط الجديد»، وحروب «الوكالة» في الشام واليمن وليبيا.
وبدأ ما يسمى «تقسيم المقسم»، فبعد تقسيم «سايكس بيكو»، بدأ فصل جنوب السودان بقرار أممي، ودعم غربي، في حين أن قضية كشمير ظلت معلقة إلى الآن، ودارفور بالانتظار، والحبل على الجرار.
لقد وصلت مرحلة الانقسامات إلى العنق، وأي انقسام قادم سيكون إلى الأسوأ، لأنه سيكون ذا قاعدة قومية عرقية قبلية دينية مذهبية، تلك الأمور التي يلعب على أوتارها الاحتلال البارد، ويطبقها بنو جلدتنا بالوكالة بكل فخر، متناسين مصير الشريف حسين الأخير!
نحتاج إلى وقفة تأمل لدراسة كيفية الخروج من هذا المأزق الكبير الذي نشترك بتنفيذه، حتى لا يكون مصيرنا كدويلات الأندلس، وحينها لا ينفع الندم.

الثلاثاء, 01 أكتوبر 2019 10:53

ثمانية مواقف غيّرت سلوك تلميذ

سأل التابعي الإمام إبراهيم بن أدهم تلميذه حاتم الأصم: منذ متى صحبتني؟

فقال حاتم: منذ ثلاث وثلاثين سنة.

فقال ابن أدهم: فما تعلمت مني في هذه المدة؟

قال حاتم: ثماني مسائل.

قال ابن أدهم: ذهب عمري معك ولم تتعلم إلا ثماني مسائل فقط! هات ما عندك لأسمع.

قال حاتم:

المسألة الأولى: رأيت كل واحد يتخذ صاحباً، فإذا ذهب إلى قبره فارقه صاحبه، فصاحبت الحسنات، حتى إذا دخلت القبر دخلت معي.

الثانية: نظرت في قوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى {40} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى {41}) (النازعات)، فأجهدت نفسي في دفع الهوى، حتى استقرت على طاعة الله.

الثالثة: رأيت أن من معه شيء له قيمة حفظه حتى لا يضيع، ونظرت إلى قوله تعالى: (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ) (النحل: 96)، فكلما وقع في يدي شيء له قيمة، وجهته لله ليحفظه عنده.

الرابعة: رأيت كلاً يتباهى بماله أو حسبه أو نسبه، ونظرت إلى قوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13)، فعملت في التقوى حتى أكون عند الله كريماً.

الخامسة: رأيت الناس وهم يتحاسدون على نعيم الدنيا، ونظرت إلى قوله تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الزخرف: 32)، فعلمت أن القسمة من عند الله، فتركت الحسد عني.

السادسة: رأيت الخلق يعادي بعضهم بعضاً، ويبغي بعضهم بعضاً، ويقاتل بعضهم بعضاً، ونظرت إلى قوله تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً) (فاطر: 6)، فتركت عداوة الخلق، وتفرغت لعداوة الشيطان وحده.

السابعة: رأيت كل واحد يكابد نفسه ويذلها في طلب الرزق، حتى أنه قد يدخل فيما لا يحل له، ونظرت إلى قوله تعالى: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا) (هود: 6)، فاشتغلت بما لله عليَّ، وتركت ما لي عنده.

الثامنة: رأيت كل مخلوق متوكلاً على مخلوق مثله، ونظرت إلى قوله تعالى: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: 3)، فتركت التوكل على المخلوق، واجتهدت في التوكل على الخالق.

فقال إبراهيم بن أدهم لحاتم الأصم: بارك الله فيك، نعم التلميذ الصالح أنت. (انتهى، منقول بتصرف).

تمر على الإنسان مواقف كثيرة في حياته، يتفاعل معها بمشاعره وعواطفه، وينعكس ذلك على كلامه وسلوكه، فينسى كثيراً مما تعلمه، حتى إذا فات الفوت ندم على ما قاله أو فعله، فتكون الخسائر أكثر من المكاسب، ومنها الاستجابة للغضب، متناسياً قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».

لنستدرك أقوالنا وأفعالنا قبل أن تخرج، ولندرب أنفسنا على الصبر وضبط النفس، وبالأخص مع الوالدين والأبناء والأرحام والأصدقاء، ولنترك فضول الكلام والملام، ولنحيي حسن النية وصفاء القلوب.

 

____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 24 سبتمبر 2019 10:26

اليمين الخليجي غير

يعد «التيار اليميني» مصطلحاً سياسياً يرجع إلى زمن الثورة الفرنسية عام 1789م، وهو تيار موال للملكية، وتطورت أهدافه وسياساته مع تطور السياسة العالمية، إلا أنهم ما زالوا متمسكين بتقاليد المجتمع، ووجود طبقية اقتصادية واجتماعية بحسب الأصول والأعراق، والتمسك بالدين المسيحي حتى لو كانوا علمانيين.

وكلمة «اليمين» كان سببها جلوس أعضاء البرلمان المؤيدين للملكية والأرستقراطية في الجانب الأيمن، وانتشر المسمى لكل من يحمل هذا الفكر.

وظهر «اليمين المتطرف» الذين يستخدمون العنف لفرض التقاليد والقيم.

ومن أبرز عوامل انتشار اليمين واليمين المتطرف في السنوات الأخيرة:

1- بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ظهرت قوميات من آسيا الوسطى في أوروبا الشرقية تم تهجيرها قسراً في الماضي، فحصلت ردة عرقية أوروبية.

2- تسبب إلغاء حدود دول الاتحاد الأوروبي في هجرة الآلاف من أوروبا الشرقية (الفقيرة) نحو أوروبا الغربية (الغنية)، فانشغل الأوروبيون الغربيون بأصولهم القومية.

3- تزايد الهجرات الإنسانية إلى أوروبا الغربية بإشراف الأمم المتحدة، فضلاً عن التهريب، بسبب الحروب والمجاعات، أدى لانتشار البطالة والركود الاقتصادي في أوروبا، فرأوهم مزاحمين لهم على الوظائف.

4- التصعيد الإعلامي ضد المهاجرين بشكل عام، والمسلمين بشكل خاص.

كل هذه الأمور تسببت في ردود أفعال عدائية تجاه المهاجرين، وأصبحت برنامجاً انتخابياً للأحزاب اليمينية الأوروبية للتضييق عليهم، لدرجة تأسيس منظمة «مدن ضد الأسلمة» في بلجيكا، شاركت فيها عدة أحزاب أوروبية دعت فيها لإيقاف بناء المساجد، ووقف وصول مهاجرين مسلمين.

وهذا ما دعا كبار السن البريطانيين للتصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي، وكذا تأييد كبار السن لموقف الرئاسة الأمريكية تجاه المهاجرين، والحملة الإعلامية في فرنسا، واستخدام المتطرفين في أستراليا والنرويج وغيرهما بقتل الأبرياء.

وبنفس التفكير.. يتفاعل بعض المواطنين الخليجيين تجاه الوافدين و«البدون»، ليس كرهاً بهم أو حسداً أو حقداً، ولكنهم يرون أنهم هم أهل البلد وهم المؤسسون، وهم من بنوا البلاد أيام الفقر والغوص وبناء الأسوار وحماية الدار، فهم أولى بخيرها.

ففي الوقت الذي لا يجد كثير من المواطنين وظيفة مناسبة، وراتباً معقولاً، يتمتع بعض الوافدين بوظائف راقية ورواتب عالية، وللخروج من لوائح الدرجات الوظيفية، فقد توسع بعض الوزراء بشكل غير مسبوق بتعيين وافدين بوظائف مختلفة باسم «مستشار» بعقد خاص، وراتب ومزايا خاصة لا يحلم بها المواطن.

واختلط حال «البدون» الأصليين بـ«البدون» الجدد، فلا هم حصلوا على الجنسية، ولا «البدون» الآخرون تركوهم.

وللأسف.. يدعم ذلك كله بعض أعضاء مجلس الأمة، صاحب أسوأ قرارات بتاريخ الكويت بهذا الاتجاه.

لذا.. تجد انفعالاً من أهل البلد القدامى ضد هذه التجاوزات، وتقديم الآخرين عليهم، وهم أبناء البلد الأصليون.

وهؤلاء هم اليمينيون في الخليج، ولكن بشكل تلقائي ومبسط ودون تخطيط أو حملات إعلامية.

وأسأل الله أن يؤلف القلوب، ويحفظنا جميعاً من كل شر.

 

___________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

تواجه منظمة الصحة العالمية تحديات كبرى، وتتفاوت هذه التحديات من بلد لآخر، لكنها تبقى خطراً قائماً على البشرية، ما لم تتضافر الجهود لمواجهتها، خصوصاً إذا علمنا أن من أهم أسباب انتشارها الجهل، ورجال الاقتصاد بأشكالهم المختلفة.

وسأذكر بعضاً من هذه المشاكل من باب التوعية العامة، والحذر منها، علماً بأن الترتيب لا يعني الأولوية.

1- تتصدر المشاكل العالمية كارثة سورية، ففيها حرب مستعرة منذ 8 سنوات، استخدمت فيها الأسلحة المحرمة، وأصبحت منطقة منكوبة وموبوءة، وصار فيها دمار وتلوث وقتلى وجرحى ومجاعة وتشرد وأمراض كثيرة.

2- التلوث البيئي بأنواعه غير المحدودة، وتلوث الطقس والهواء.

3- فقدان السمع، حيث يوجد 360 مليون طفل يولدون بلا سمع، وهو ما يساوي 5% من سكان العالم.

4- تزايد عدد المدخنين عالمياً، فقد وجدوا أن 37% من المراهقين يقلدون المشاهير، وهذا ما يجعل شركات التدخين تدفع الملايين لمنتجي الأفلام ليظهر الممثلون والمشاهير، رجالاً ونساء، وهم يدخنون، لذا فإن 24% من الأفلام تحوي مشاهد تدخين، والنتيجة 8 ملايين قتيل التدخين سنوياً.

5- الرضاعة الصناعية، حيث بلغ استهلاك حليب الأطفال الصناعي 45 مليار دولار، ما جعل 40 دولة تصدر تشريعات تلزم الأمهات بالرضاعة الطبيعية.

6- شركاء الموت الثلاثة: الضغط، السكر والكوليسترول. (40% من سكان دول الخليج العربي مصابون بالسكر).

7- أمراض معدية وخطيرة، مثل: الملاريا، وإيبولا، وفيروس زيكا، وفيروس الالتهاب الكبدي.. وغيرها.

8- السرطان، وهو الأكثر انتشاراً في العالم، كونه عاملاً مشتركاً نهائياً لكل الأمراض والمشاكل الصحية والغذائية والبيئية والنفسية.

9- الزلازل وآثارها المدمرة، وكل ما ينتج عنها من تلوث ووباء.

10- 300 ألف امرأة تموت نفساء سنوياً، ومواجهتها بتحسين صحة الأمومة.

11- المباني المريضة أو تلوث المباني، من أصباغ وتكييف ومواد كيميائية ومواد بناء مسرطنة.. وغير ذلك.

12- مرض الجذام، حيث توجد 22 ألف حالة سنوياً تصاب بالمرض.

13- تراجع مستوى «الصحة النفسية» بسبب الضغوط الحياتية، الحقيقية والوهمية والمفتعلة.

14- مشاكل اللقاحات الطبية، وظهور آثارها السلبية على 25% من الأطفال.

15- وفاة 10 ملايين فرد سنوياً قبل عمر 60 سنة، لأسباب مختلفة.

16- انتشار استخدام البلاستيك بشكل كبير جداً في مختلف الصناعات الغذائية.

17- قلة عدد القوى العاملة في الخدمات الصحية، وضعفها أحياناً.

كل هذه الأرقام مأخوذة من إحصائيات منظمة الصحة العالمية لعام 2016م، ويوجد غيرها كثير، وينبغي على كل دولة أن تبدأ بدراسة أوضاعها الصحية بشكل واقعي ودقيق، بعيداً عن المجاملات، وتضع خطة قريبة وبعيدة المدى لتقليل آثارها السلبية، ووضع التشريعات المناسبة لها حماية لشعوبها بشكل عام، وللأجيال القادمة بشكل خاص.

ألا هل بلغت.. اللهم فاشهد.

 

________________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

السبت, 14 سبتمبر 2019 15:02

لماذا الإئتلافية محبوبة؟!

أربعون عاماً مضت والاتحاد الوطني لطلبة الكويت بقيادة القائمة الإئتلافية، فلم يا ترى الإئتلافية محبوبة لهذه الدرجة؟!
الإجابة باختصار هي أن الطلبة وجدوا فيها قيادة حقيقية، تسعى وتجاهد من أجل مصالح الطلبة.
اتسمت القائمة الإئتلافية عبر هذه السنوات الطويلة برفقة شقيقتها قائمة الاتحاد الإسلامي بالمصداقية والعقلانية، فلا تهور ولا فوضى، بل جدية وعقلانية، وحوار كبار مع الكبار، والحكمة ضالة المؤمن، واستطاعت بذلك تحقيق نتائج إيجابية كثيرة لصالح الطلبة عبر تلك السنوات، لم يحققها أحد مثلهم.
وعرفت القائمة الإئتلافية بالتواضع، فهي بمثابة الأخت الكبرى لجميع القوائم، وتتعامل معهم بكل ود واحترام، وتتحمل ما يكيد لها البعض، وتتسامى على الجراح من أجل استمرار مفهوم الأخوة بين الطلبة.
لم تعرف القائمة الإئتلافية الكبر والتعالي على الآخرين، ولا الضرب تحت الحزام، ولا إثارة الفتن الطائفية والسياسية والفكرية والاجتماعية، رغم كل المحاولات الاستفزازية، وأصبحت محضناً للجميع.
ولم يعهد على القائمة الإئتلافية الفجور في الخصومة، ولا الانتقام، ولا الكذب، بقدر ارتقائها خلقاً وسلوكاً ومنهجاً وفكراً وتربية، فأحبها الجميع.
وتفخر الإدارة الجامعية والأساتذة والإداريين برقي تعامل شباب وشابات القائمة الإئتلافية، الذين يقدمون العون لزملائهم الطلبة، ويتفاهمون مع أساتذتهم بكل أدب واحترام.
تاريخهم ناصع عبر 40 سنة مضت، على المستوى الطلابي داخل الجامعة، وعلى المستوى الوطني خارج أسوار الجامعة، وكانوا خير مؤازر لقيادتهم السياسية في أحلك الأوقات، فقد كان الاتحاد الوطني لطلبة الكويت (بقيادة القائمة الإئتلافية) المؤسسة الكويتية الوحيدة التي رفضت توقيع اتفاقية مع اتحاد الطلبة العراقي قبل الاحتلال.
ولا يخفى على أحد دور الاتحاد (بقيادة القائمة الإئتلافية) فترة الاحتلال الغاشم برفض أي تعاون مع النظام العراقي البائد، وعقد الاتحاد مؤتمراً دولياً للاتحادات الطلابية العربية والإسلامية والعالمية، وفضح جرائم الاحتلال العراقي النكراء، واتخاذ قرار بطرد اتحاد الطلبة العراقي من عضوية تلك الاتحادات.
وقاد الاتحاد (بإدارة القائمة الإئتلافية) بالتنسيق والتعاون مع اتحاد فرع بريطانيا، حملات إعلامية ومسيرات ضخمة في لندن ضد الاحتلال العراقي، ومظاهرات أمام السفارة العراقية هناك، وأعمال كثيرة ومتعددة شهد لها التاريخ وسجلها الإعلام.
وكان لشباب القائمة الإئتلافية شهداء وأسرى لدى النظام العراقي، حباً وولاءً ووفاءً لهذه الأرض، وهذا الوطن.
لا تتسع الصفحات، ولا تسعفنا الكلمات؛ في وصف تميز القائمة الإئتلافية وتاريخها الناصع، ومثل شباب وشابات القائمة الإئتلافية وقائمة الاتحاد الإسلامي أنموذجاً رائعاً في مفهوم الوحدة الوطنية وحب هذه الأرض.
ها هي السنوات تسير، والأعمار تمضي، فلا أجمل من هذه الذكريات بعد التخرج، والأجمل منها استمرار العلاقة الأخوية الطيبة بين الطلبة، فكما قيل: الانتخابات يوم، والعلاقة الأخوية دوم، فاجعلوا هذا اليوم ذكرى جميلة في نفوس الطلبة، والله الموفق لكل خير.
وأسأل الله عز وجل أن يلبس سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الصباح ثوب الصحة والعافية، وأن يوفقه في مساعيه الطيبة، وأن يعيده إلينا سالماً غانماً بإذن الله.

اختلف التربويون في بدايات وضع فلسفة التعليم أيها أهم: المعلم، أم المنهج، أم الطالب، أم المبنى المدرسي، أم الأنشطة.. وهكذا، وظلت العملية قيد التجربة الميدانية سنوات طويلة، مع اختلاف الفكر التعليمي في كل دولة، ووجدوا في النهاية أن المعلم هو محور العملية التعليمية، فإذا نجح المعلم نجحت العملية التعليمية والتربوية معاً، وباقي الأمور هي قضايا مساندة.

لذلك كلنا يذكر المعلم الناجح والمحبوب أكثر من المنهج والزملاء والأدوات والوسائل والأنشطة، ولعل ذلك المعلم يكون ذا كفاءة علمية متواضعة، وقدرات تعليمية عادية، ومهارات محدودة، لكن بأسلوبه المحبب يستطيع أن يجعل الطلبة يحبون المادة، فيقبلون عليها ذاتياً، وإذا أحبوه أحبوا المدرسة، وسارعوا بالمشاركة في الأنشطة العامة، وتبرع الوالدين للمدرسة.

رأينا فيديوهات عديدة في وسائل التواصل الاجتماعي لأساليب لطيفة في تعامل المعلمين مع طلبتهم، بنين وبنات، وكيف استطاعوا كسب ود الطلبة، وبالتالي حب المدرسة.

لا يختلف اثنان على أن معظم منتسبي سلك التعليم جاؤوا لأسباب رئيسة: راتب مرتفع، وعطلة صيفية طويلة، إضافة لعطلة الربيع، ومكان عمل مناسب للنساء (بالأخص في دول الخليج) لعدم وجود اختلاط، ويضاف للمعلمين الوافدين المكافآت الجانبية (دروس مسائية ولجان وكونترول.. إلخ) ودروس خصوصية، وبالتالي افتقدت المؤسسة التعليمية الهدف الحقيقي من التعليم، وتحولت من مهنة تربوية إلى وظيفة مالية، مثل أي وظيفة أخرى.

وإذا استثنينا الجادين والراغبين بهذه المهنة حقاً، فإنهم يواجهون بكم المسؤوليات الملقاة على عاتق المعلم، من عدد الحصص الكبير (باستثناء الاجتماعيات)، وتصحيح الكتب والدفاتر، والاختبارات، ورصد الدرجات، وإدارة الأنشطة، وتوالي الاجتماعات (القسم والإدارة والتوجيه..)، وكم المراقبين (رئيس القسم، ومساعد المدير، والمدير، والمراقب، والموجه..)، والمقصف والرحلات ومراقبة الساحات.. إلخ، وضغط الوزارة، وطلبات الإدارة، ومتابعات أولياء الأمور، ومواجهة الشللية (مجموعة الناظر، وربع الوكيلة..)، فيشغلونه بأمور خارج التعليم، فلا ينجح في تحقيق أهدافه.

ومع ذلك تبقى آمالنا كأولياء أمور معلقة بعد الله في «المعلم»، الذي نأمل أن يبدأ بنفسية جديدة، بعيدة عن كل هذه الضغوط والتوترات، لأن أبناءنا لا ذنب لهم، وغير مسؤولين عما يجري في المدرسة أو المنطقة أو التوجيه أو الوزارة، فكما استطعت معلمنا الفاضل أن تفصل بين ظروفك الاجتماعية والأسرية والعمل، ندعوك لأن تفصل بين ضغوط العمل وتربية الطلبة.

المعلمون الأحباب.. ثقوا تماماً بأن ابتسامة أو كلمة إيجابية منكم سترتقي بالطلبة إلى العلياء، وكلمة سلبية أو لحظة غضب قد تودي بهم إلى الهاوية، فاختاروا ما تحبوه لأبنائكم.

مارسوا اللعب بالتعليم، انشروا الضحكة بين الطلبة، استمتعوا بالتدريس، استشعروا المسؤولية التربوية، وحققوا نتيجة إيجابية.

راعوا الفروق الفردية في أنماط الشخصية، ففيهم الحركي والسمعي والبصري والحسي، وفيهم الحساس والموتور والمتنمر والدلوع، وفيهم اليتيم والمقهور، وفيهم الطفل والمراهق، وفيهم الغني والفقير، وفيهم الخلوق وسيئ الخلق، وفيهم المدخن والحشاش والمدمن، وفيهم الذكي والغبي، والبسيط والفطن، فأسأل الله أن يعينكم على التعامل مع كل هذه الأصناف من البشر، لكنها مسؤولية أنتم أهل لها.

___________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 03 سبتمبر 2019 10:30

ديفيد المبهور

تعرض الطالب عبدالله بن صالح لحادث مروري في بريطانيا، ونقلته الإسعاف إلى مستشفى «سان آرثر» في برايتون للعلاج، وانتهى به المآل في غرفة عمومية فيها مريضان بريطانيان؛ ديفيد، وإلن، وبقي في المستشفى سبعة عشر يوماً، لم تنقطع خلالها الاتصالات الهاتفية والزيارات بشكل يومي وعلى مدار الساعة، للاطمئنان على صحته، إضافة إلى باقات الورد وبطاقات التهنئة بالسلامة التي تملأ الغرفة، فضلاً عن الأكلات المتنوعة، في حين أن ديفيد، وإلن لم يسأل عنهما أحد، وكانت علامات التعجب تملأ وجهيهما!

وزاره أحد أقاربه ممن جاء للسياحة حين علم بما حدث له، وطلب من إدارة المستشفى أن يتكفل بتكلفة علاجه دون أن يعلم.

وكثيراً ما كان يضع له أصدقاؤه مالاً في يده أو تحت وسادته رغم عدم حاجته.

ووسط الانبهار الشديد، قال له ديفيد: يبدو أنك شخص مهم.

فأجابه عبدالله: لا.. لست مسؤولاً كبيراً ولا ثرياً من الأثرياء حتى أكون مهماً، فما أنا سوى طالب صغير في دراسة جامعية لا أكثر، وستجد ذلك التعامل لدى الفقراء والأغنياء، لأن الهدف من تلك الزيارات هو التواصل الاجتماعي وعيادة المريض التي فيها أجر كبير من الله عز وجل، فهذا جزء من عقيدتنا، واختلط هذا المبدأ بدمنا وعظمنا ولحمنا، وما تراه دليل على ما أقول.

قال ديفيد: لقد حضر إليك أصدقاء بعضهم ليسوا عرباً مثلك.

فرد عليه: إن المسلمين إخوة مهما كانت جنسياتهم وبلادهم وألوانهم.

خرج ديفيد وأخذ عنوان عبدالله، ثم خرج بعده بخمسة أيام حينما شفي من الإصابة.

وبعد فترة من الزمن فوجئ عبدالله برسالة من ديفيد في صندوقه البريدي، قال فيها: إنني مدين لتلك الأيام التي قضيتها معك في المستشفى، كنت بالقياس إليك كأنني منبوذ.. لا أحد يحبني، ولا أحد يزورني، ولا أحد يسأل عني، بالرغم من أن أقاربي في نفس المدينة، أما أنت فعالم آخر يبدو لي غير معقول أبداً.. باقات من الورد والزهور بألوان مختلفة، ورسائل تحية، ومكالمات كثيرة، وزوار لك من داخل المدينة ومن خارجها.

كنت أحسدك على ذلك، وأحسدك أكثر على الحب الذي ألحظه في علاقتهم بك، واستعداد الواحد منهم أن يقدم لك ما تريد من مساعدة، لقد قلت لي جملة واحدة: إنه الإسلام.

كان ذلك الموقف الذي رأيته يغني عن أي كلام منك لي.. كلمة واحدة بدأت بها مشوار تعرفي على هذا الدين الذي أنا في أشد الحاجة إليه، فبدأت بالقراءة عن الإسلام، وأنا الآن سعيد جداً.. لا تكاد تعرف حدود سعادتي وأنا أزف إليك خبر إسلامي. انتهت القصة.

هذه قصة حقيقية يرويها عبدالله، أسلم ديفيد دون أن يكلمه أحد عن الإسلام، ولكنه رأى سلوكاً إيجابياً وأخلاقاً حسنة، جعلته يبحث عن الحقيقة، فوجدها في الإسلام.

ولعلها فرصة لكل المسلمين في دول الغرب من المهاجرين والطلبة والموظفين والمرضى ليكونوا نموذجاً إيجابياً، لعل وعسى يدخل بسلوكهم أحد ما الإسلام، ولا أقل من تصحيح الصورة الذهنية عن الإسلام والمسلمين.

وما هذا الشهر المحرم إلا وسيلة للتعريف بهجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي ارتبط بداية العام الهجري بهجرته، وما واجهه من أجل نشر الحق والمحبة، لتجاوز من يقدم صورة سلبية عن الإسلام بقصد أو دون قصد.

 

____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الصفحة 1 من 25
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top