د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 08 سبتمبر 2018 15:07

سفينة الاقتصاد.. قوارب النجاة

 

لقد تبارى الكتاب والحكماء منذ القدم في الوقوف على أسرار النجاح، والمسألة لا تحتاج إلى الكثير من البحث والاستقصاء.

فما دام المرء مسروراً من عمله واجداً فيه لذة ومتعة، كان النجاح حليفه، ومهما واصل الليل بالنهار وهو على مضض، أو فاتر الشعور نحوه، فالنتيجة التي لا مناص عنها هي الفشل في هذا العمل.

ولو أنَّ جيمس واط، وستيفنسون، وأديسون تطرق اليأس إلى نفوسهم، بعد أن فشلت تجاربهم مئات المرات، ورماهم الناس بالشذوذ وغرابة الأطوار –إن لم يكن بالجنون– فكفوا عن بذل الجهد والوقت والمال، وألقوا سلاحهم؛ لما كان هناك آلات وسفن بخارية، ولا سكك حديدية، ولا ضوء كهربائي، ولا هاتف، ولا فوتوغراف، ولا لاسلكي ولا بنسلين.

المثابر لا يتقهقر، ومعنى هذا أنه يتقدم، وما أروع المثل الذي يقدمه لنا ربان السفينة المشرفة على الغرق: انظر إليه وهو يهيئ قوارب النجاة لإنقاذ الأطفال والنساء، ثم الشيوخ فبقية المسافرين، فضباط السفينة، فبحارتها.

فإذا ما تبقى لوح من الخشب يتعلق به في لجة أليم الفائر كان بها، وإلا فيهوي إلى القاع مع حطام مركبه، مرتاح الضمير، بعد أن أدى واجبه، وليست كل الواجبات بهذه الخطورة، بيد أن أتفه الواجبات وأقلها أهمية، لها ضرورة وحتمية تعرفهما النفوس النبيلة، الواجب يدفع الأقلية من الناس إلى الفضيلة والأكثرية منهم إلى الضجر والبطر.

إنَّ كلاً من الجشع والتقتير تبذير، وكما أن الرجل الذي يمعن في المساومة نشال، كذلك المبذر لص يسرق نفسه، والصغائر كالثقوب في قاع السفينة، تؤدي بها إلى الغرق إن لم يكن عاجلاً فآجلاً، ومن الحكمة أن يبدأ الاقتصاد مبكراً، أي قبل أن تهرم الأعصاب ويتضاءل النظر، وتنخر الأسنان، وتشيخ المعدة.

ولو أننا سألنا كلاً من روكفلر، وفورد، وكارنيجي، وفندربلت، وهرست، ومورغان، وبفربروك، عن شعاره الذي كان له أكبر أثر في تكوين ثروته، لأجابك: "الوقت من ذهب".

ولو أننا وجهنا السؤال نفسه إلى كبار العلماء والسياسيين، والقادة، والمخترعين، والمكتشفين، وكل من شق طريقه في الحياة صعوداً إلى ذروة النجاح، لأجابنا بلا تردد: "الوقت من ذهب"، أفلا نعجب بعد ذلك أن نرى الملايين جلوساً سبهلالاً طيلة أوقاتهم.

أرأيت والداً أو مربياً ينهى ولده أو تلميذه عن الكذب ويأتي مثله؟! يظن الكثيرون ممن يتولون أمور الآخرين أن إسداء النصائح، وإلقاء العظات، كافية لتقويم ذلك الآخر وتهذيب خلقه، وإن كانوا هم مثالاً للاعوجاج والفساد، إنَّ من طبيعة الأشياء أنَّ التابع يقتفي المتبوع وينسج على منواله، رغم النصائح والعظات.

يظن بعض الناس أنَّ حكمة الاقتصاد تقتصر على المال، وفاتهم أنها تشمل ما هو أهم من هذا بكثير، تشمل الوقت والجهد، والحب والكراهية، واللطف والعنف، والرضا والسخط، والواقع والخيال.

 

مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الأحد, 26 أغسطس 2018 15:19

الحج.. والأمة الواحدة


كان العرب قبل الإسلام كسائر الأمم يحجون في عهد جاهليتهم إلى البيت الذي بناه إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام في مكة، حتى أن أبرهة عامل أصحمة ملك الحبشة باليمن ابتنى قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بنحو أربعين سنة كنيسة في صنعاء، وحاول أن يحمل العرب على الحج إليها، فلما لم ينجح في محاولته اعتزم أن يهدم الكعبة، فقصدها على رأس جيش ممتطياً صهوة فيل له، فردَّه الله عنها، ولم يبلغ مراده منها.

ولما جاء الإسلام جعل الحج ركناً من أركانه الخمسة، وهو أشد أركانه كلفة، لذلك أحاطه بكثير من وجوه الإعفاء جرياً على أسلوبه الحكيم في دفع الحرج عن متبعيه مصداقاً لقوله تعالى: ((وما جعل عليكم في الدين من حرج)) سورة الحج: آية 78. وقوله: ((ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم)) سورة المائدة: آية 6. فاشترط له الاستطاعة من صحة ومال، وكره أن يرهق فيه أحد نفسه ولو تطوعاً وتطلباً لزيادة الأجر.
يقول الأستاذ محمد فريد وجدي : لقد أقر الإسلام الحج، ولكنه لم يدعه على ما كان عليه في عهد الجاهلية، فإن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة الأجساد رجالاً ونساءً مشبكين بين أصابعهم، يصفرون فيها ويصفقون، وقد سجل الله عليهم ذلك، فقال تعالى: ((وما كان صلاتهم عند البيت إلا مُكاءً وتصدية)) سورة الأنفال: آية 35. المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم لما قوي سلطان الإسلام أن لا يدخل البيت عريان.
ونظم صلوات الله وسلامه عليه الحج فجعل له أميراً يتقدم الناس ويتفقدهم، ويدفع بوائق الطريق عنهم، حتى إذا انتهوا إلى البيت تولاهم هو وخطباؤه بالإرشاد لخيري الدنيا والدين.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد تعميم العلم بأمر من الأمور خطب به الناس في الموسم، أو أوعز إلى أميره أن يخطب الناس به هنالك.

فحوَّل الإسلام الحج على هذا الوجه من عبادة جسدية لا روح فيها إلى عبادة اجتماعية روحية ذات أثر بليغ في ترقية شؤون المسلمين، وقد أشار الله تعالى إلى هذه المزايا العظيمة بقوله تعالى: ((وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات)) سورة الحج: الآيتان 27ـ28. وقد فسَّر العلماء المنافع بأنها دينية ودنيوية معاً، وهذا شأن الإسلام في كل ما فرضه على الناس: يراعى فيه مصلحة الحياتين جميعاً.
فلو أردنا أن نستقصي ما يمكن أن يثمره الحج للمسلمين كافة من وجوه المنافع الأدبية والمادية لضاق علينا المجال، فإن لم يكن فيها إلا تعارف الشعوب الإسلامية، وإلمام بعضها بحاجات بعض، لكفاها ذلك عاملاً قوياً في دفعها إلى تبادل الوسائل والتعاون على سد المفاقر، ولوصلت جميعاً على هذا النحو من التكافل إلى مستوى رفيع بين شعوب العالم.
ولكن هذه الثمرات الاجتماعية الجليلة لا يمكن أن تكون إلا إذا تطورت فكرة الحج لدى المسلمين حتى تبلغ المفهوم من مراد الله من الحج، فإن المشاهد لدى أكثر المسلمين الآن أنهم لا يلحظون فيه إلا الناحية الروحية وحدها، وكان لتجريده لهذه الناحية أثر ظاهر في حصره في طبقة من المسلمين لا تتعداها إلا نادراً.
إن حكم الحج كثيرة، وفي كل واحد من أعمال المناسك تذكرة للمتذكر وعبرة للمعتبر، وقد شرف الله البيت الحرام، بالإضافة إلى نفسه، ونصبه مقصداً لعباده وجعل ما حوله حرماً لبيته تفخيماً لأمره وأكد حرمة الموضع بتحريم صيده وشجره وفي الطواف بالبيت تشبه بالملائكة المقربين الحافين حول العرش، الطائفين حوله، وما القصد طواف الجسم فحسب، بل طواف القلب بذكر الرب.
وفي السعي بين الصفا والمروة إظهار للخلوص في الخدمة ورجاء للملاحظة بعين الرحمة. وفي الوقوف بعرفة وازدحام الخلق وارتفاع الأصوات باختلاف اللغات تذكر لاجتماع الأمم بين يدي الله تعالى يوم القيامة. وفي رمي الجمرات طاعة للرحمن وانقياد لأمره وإرغام للشيطان وقصم لظهره، وفي كل مشعر وكل شعيرة حكم ومقاصد نبيلة.
هذا قليل من كثير وغيض من فيض من مقاصد الحج وحكمه وفوائده. وما أفضل الحج وشد الرِّحال إلى المسجد الحرام في البلد الحرام موطن الرسول ومهبط الوحي ومطلع النور.
ما أعظم الحج في عاصمة الإسلام ومهوى أفئدة بنيه ومجتمع المسلمين كل عام من جميع أقطار الأرض على تعداد أجناسهم وتنوع لغاتهم وتنائي بلدانهم يجتمعون ليشهدوا منافع لهم روحية وجسدية، دينية ودنيوية، فضلاً من الله ونعمة.
ما أجمل رؤية الحجاج محرمين وملبيِّن، ولله درُّهم طائفين وعاكفين وراكعين وساجدين وساعين بين الصفا والمروة ومتعارفين متراحمين في بيت الله عز وجل، يبتغون فضلاً من الله ورضواناً.
إنّ مما ينبغي تأكيده أنّ للحج في شعائره حكماً وأسراراً، وإن في كل عمل من أعمال مناسك الحج تذكرة للمتذكر وعبرة للمعتبر، إذا انكشف بابها ظهر من أسرارها ما يقتضيه صفاء قلبه وغزاره علمه وفهمه.
ثم إن الحج هو مؤتمر المسلمين العام الذي يعقد كل عام في منزل الوحي وفي البلد الأمين، وفي المسجد الحرام مهد الإسلام ومطاف المسلمين، فما يظهر فيه من ألفة ومحبة يفوح شذى عَرْفه في سائر الأقطار الإسلامية، فيكون له أجمل وقع في نفس كل مسلم، فلا عجب إذا لبّى المسلمون نداء ربهم.
نعم يعتبر الحج ((المؤتمر الإسلامي الأكبر)) الذي يلتقي فيه المسلمون ـ على اختلاف شعوبهم وألوانهم وألسنتهم، وتباعد ديارهم وأقطارهم ـ ليتعارفوا ويتعاونوا على حل مشكلاتهم والفصل في قضاياهم، وتبادل الآراء والأفكار، وبذل المساعدات المادية والروحية حتى يحققوا قول الله تبارك وتعالى فيهم:
((كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله )) سورة آل عمران: آية 110.
وإذا كان الإحرام والتجرد من الثياب المخيطة هو رمز المساواة بين المسلمين جميعاً أمام خالقهم فلا تفاضل أو تميز بجاه أو مال أو ثياب، ولا بلون أو جنس أو لسان، بل الكل عباد وهم أمام الواحد القهار سواء، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود، إلا بتقوى الله والعمل الصالح.
وإذا كان الطواف حول الكعبة المشرفة واتجاه المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها إليها في كل صلاة، هو رمز لوحدة الهدف والغاية، وهي عبادة الله والفوز برضوانه.
وإذا كان رمي الجمار تمثيلاً رائعاً لطاعة الرحمن وعبادته، ورجماً للشياطين ومخالفته، والدفاع عن الحق ومواجهة الباطل وإنكاره.
وإذا كان النحر تحقيقاً للإخاء والتعاون والتكافل بين المسلمين بإطعام الفقراء والمساكين في يوم العيد.
إذا كانت كل هذه المناسك والشعائر هي رموز لهذه المقاصد السامية والغايات الشريفة والمبادئ الكريمة، فإن أروع ما في الحج ـ كما يقول الأستاذ صالح عشماوي ـ من مقاصد وأهداف وغايات، هو تجسيد معنى أن المسلمين ـ على اختلاف شعوبهم وألوانهم وجنسياتهم ـ هم ((أمة واحدة)) و ((وطن واحد)) وهذا يتجلى بأروع مظهر يوم الوقوف بعرفة.
فجميع الحجاج الذين وفدوا من كل بلد وقطر، وقفوا في ثياب واحدة بيضاء، رمز الطهر والصفاء، حاسرة رؤوسهم، يرفعون الأكف في ضراعة وخشوع وانكسار وخضوع، يذكرون رباً واحداً وخالقاً واحداً، ويسألونه المغفرة وقبول التوبة، والرحمة والعفو عن الذنوب والسيئات، ويدعون ويلحون عليه في الدعاء، راجين منه العون .
وفي هذا الموقف ترى العربي والهندي والفارسي والإفريقي والتركي والأفغاني والاندونيسي والأوروبي والأمريكي، يذكرون الله وحده بلسان عربي، لا بلغة أعجمية ولا بلهجة إقليمية مردِّدين: ((لا إله إلا الله محمد رسول الله))، ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)) ((سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)).
هناك على عرفات، ترى الشعوب الإسلامية ـ على اختلاف ديارها وتباعد أقطارها واختلاف ألوانها وألسنتها وأزيائها ـ قد انصهرت في بوتقة الإسلام ، هنا يتجلى ويتجسد معنى أن المسلمين ((أمة واحدة)) وأن ((الإسلام وطن وجنسية))! وصدق الله العظيم إذ يقول: ((إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)) سورة الأنبياء: آية 92.
فالمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها أمة واحدة، يعبدون رباً واحداً، ويتبعون رسولاً ونبياً واحداً، ويحكمون دستوراً وقرآناً واحداً، ويعيشون على رقعة من الأرض، إن اتسعت وامتدت من المحيط إلى المحيط، إلا أنها وطن واحد.
تُرى هل فقه الحجاج الواقفون على عرفات هذا المعنى؟ وهل أدركه المسلمون من غير الحجاج ـ وقد سُنّ لهم أن يصوموا يوم عرفة ـ ليتصلوا بقلوبهم وأرواحهم بإخوانهم الحجاج؟
وهل يسعى الجميع ليحققوا هذا الهدف النبيل والغاية السامية من مقاصد الحج؟
إذ في الحج توحيد الله تعالى والإيمان به إيماناً صادقاً، والتصديق بما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن أبرز مشاعر الحج هي التهليل والتكبير والتلبية، ولسان الحاج لا يفتر عن ذلك أينما حل أو رحل، وهو حين يؤدي مناسك حجه وعمرته يتتبع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما فعله عليه الصلاة والسلام .
حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما رأى الرَّمَل ـ وهو إسراع الناس بالمشي عند الطواف ـ أراد أن يمنع الناس من ذلك بحجة أن الرمَل إنما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مظهراً مقصوداً ليرى منه المشركون أن المؤمنين أقوياء أصحاء، لأنهم كانوا يقولون: لقد طحنتهم حمى يثرب، فظنوا بهم الضعف، فأراد المسلمون أن يظهروا بمظهر القوة في طوافهم، فكان ذلك الرمل، أي الإسراع، هكذا رأى عمر أولاً ثم عاد إلى نفسه، فقال: لا ينبغي أن نبطل شيئاً فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلعل الرمل مشروع تعبداً، أو لحكمة غير هذه لا نعلمها .
وبذلك بقي الرمل من سنن الطواف، وهذا اقتداء وإتباع للرسول صلى الله عليه وسلم، وكثير من أفعال الحج كذلك.
وقد قال عمر في تقبيل الحجر الأسود: والله إني لأعلم إنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبَّلتك.
يقول الأستاذ محمد محمد المدني : لو أننا تتبعنا الكثير من أعمال الحج من طواف وسعي ورمي وإحرام لوجدناها كلها إنما تنبعث من مبدأ الإيمان بالله والتصديق برسوله والرضا بما يحكمان به، وذلك لأنها أمور تعبدية قد لا تظهر حكمتها لكثير من الناس، فطاعة الله فيها هي بذاتها آية على صدق الإيمان بالله إلهاً واحداً، ومشرّعاً حكيماً، وصدق الإيمان برسوله نبياً هادياً، ومبلغاً يتبع ما يوحى إليه.
وفي الحج تؤدّى الصلوات المفروضة، ويزداد المصلي قرباً إلى الله بقربه من الكعبة المشرفة التي جعلها الله قبلة للمسلمين يولون شطرها وجوههم حيثما كانوا.

فالمصلي حين يتجه إلى الكعبة وهو في بلده يهفو قلبه إلى هذه القبلة، ويشعر نحوها بالتعظيم والإجلال، وبالشوق والحنين، فإذا حج وطاف بالبيت وتمتع برؤية الكعبة المشرفة، وصلى متجهاً إليها وليس بينه وبينها فاصل بعد أن كان بينه وبينها آلاف الأميال، لا شك أنه حينذاك يشعر بالقرب ولذته، فيكون الاتجاه في الحج محسوساً ملموساً.
ثم إن المصلي يظل يعبد الله زماناً وهو بعيد عن حرمه وبيته، فإذا حج فقد دُعي بهذا الحج إلى زيارة بيت الله، فمثله كمثل رجل سمع من بعيد بعظيم من العظماء، فجعل يتصور عظمته، ويعمل كل ما يرضيه على بُعده، ثم يزوره في بيته، فلا شك أنه يجد من الفرحة واللذة والصلة والقرب والأنس أضعاف ما كان يجد وهو بعيد، ((ولله المثل الأعلى)).
وإذن فروح الصلاة وسرها وعمق معناها الذي توحي به، كل ذلك يتهيأ في الحج أكثر مما يتهيأ قبله، وبه تتوطد الصلة بين العابد والمعبود على أكمل وجه.
وفي الحج بعد ذلك بذلك المال والجود به، وهو المعنى الذي تصدر عنه الزكاة، بل إن بذل المال في سبيل الحج يقترن بأن الإنسان يترك عمله ومصادر رزقه، ويتخلى عن كل مورد من موارده ـ ولو إلى حين ـ كي يؤدي فريضة الحج، فالتضحية في الحج تضحية مزدوجة، لأنها تضحية في المورد، وتضحية في الصرف، أما الزكاة فإنها تضحية في الصرف فقط.
وفي الحج أيضاً رقابة للنفس كرقابة الصائم: إن من يفرض الحج على نفسه يجب أن يلتزم بأدب الحج التزاماً قوياً، فهو في حالة إحرام مادي حيناً، ومعنوي دائماً، فإذا كان الصائم يمتنع بعض يوم عن رغباته وشهواته، فإن الحاج يكف عن ذلك طول نهاره وطول ليله، ويمتد به هذا الحرمان أياماً، وربما امتدَّ أسابيع.
والإحرام الذي لا يفارقه الحاج هو ذلك الشعور الملازم له بأنه ضيف الله في حرمه، وأنه إنما قدم تاركاً أهله وماله وجميع مصالحه ليلتمس من الله رحمته ورضوانه، وليتطهر من ذنوبه، تحقيقاً للأمل الشريف المنبعث من قوله صلى الله عليه وسلم: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)).
لقد فرض الله الحج على المسلمين ليحققوا الحكمة الجليلة، والسر المجيد في قوله تعالى: ((يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)) سور الحجرات: آية 13.
يقول الأستاذ محمود إبراهيم طيره : يجتمع المسلمون في مكة، فيتعرف المصريّ بالهنديّ، والشاميّ بالمغربيّ، والفارسيّ بالعراقيّ، والحجازي بالأفغانيّ، واليمنيّ بالجاويّ، والنجديّ بالتركيّ، وهكذا تتقارب قلوبهم وإن تباعدت أجسادهم، وتجتمع كلمتهم وإن تفرق شملهم، وتنتظم صفوفهم وإن تبعثرت وحداتهم، فيصبحون على كثرتهم وتعدد أوطانهم، وتباعد بلادهم جسماً واحداً، إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائره بالحمى والسهر.
فهناك يجتمع المسلمون من أقاصي الأرض، مزودين بالأموال الطائلة، والخيرات العظيمة، يدرونها على إخوانهم المسلمين وفي هذا من التعاون المبني عليه نظام الكون ما لا يخفى على ذوي الألباب.
لقد شرع الله الحج رياضة للنفس، وتزكية للروح، وصفاء للقلب، وفرصة طيبة للرجوع إلى الله، فهنالك يجتمع المسلمون من فوق عرفات، أشباه حفاة عراة، قد جردوا أنفسهم من كل نعيم الحياة وزخارفها، واتجهوا إلى الله بقلب واحد، والمقصد الأسمى للجميع واحد، والمكان واحد، والرب واحد، وقالوا كلهم بلسان واحد: الله أكبر، لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وكفـِّر عنا سيئاتنا، وتوفـَّنا مع الأبرار، فيستجيب الله دعاءهم، ويخرجهم من ذنوبهم كما يخرج الطفل يوم ولدته أمه.
يجتمعون هكذا حفاة عراة مجردين من كل نعيم، اللهم إلا من قلب ينبض بذكر الله، ولسان ينطبق بعظمة الباري جل علاه، ليكون هذا الموقف الرهيب تذكيراً لهم بيوم المحشر، كل بنفسه مشغول وبعمله رهين ((يوم يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه)) سورة عبس: الآيات 34ـ37.
نعم شرع الله الحج على المسلمين ليعرف إليهم بلادهم الأولى، مشرق شمس النبوة، ومهبط الوحي حيث كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل الأمين من عند رب العالمين.
نعم، وجب على المسلم أن يحج بيت الله ليرى بعيني رأسه تلك البلاد المقدسة، التي بعثت أول قبس من نور العلوم والمعارف أضاء العالم، وهو يومئذ يتخبط في لُجَّة من الجهل والضلال والخسران، ونشر على المعمورة ألوية العدل والحرية والسلام في زمان الظلم والأنانية والاستبداد والاستعباد الضارب أطنابه في سائر الأمم والبلاد.
وا أسفاه ألا يمتع المسلم أنظاره بهذه المشاهد المشرفة، ويتعرف إلى هذه البلاد المقدسة، التي تشد إليها الرحال، وتنتهي عندها الغايات والآمال.
إن العمل العظيم في مغزاه ليصغر إذا جهل الناس هدفه ومرماه، وكذلك هذا الحج أقام الله به دعائم الصلاح والقوة في الحياة . ولكن وللأسف فقد أصبح عند بعض المسلمين عبادة آلية عادية يؤدونها وخيرهم من يرجو بها المثوبة والأجر، أما ما وراء ذلك من منافع مادية وروحية واجتماعية فإنهم لا يطيلون فيها التفكير، ولا ينظرون إليها نظرة الفاحص الخبير!
إذا تقرر هذا كان من أوجب واجباتنا أن ننوه بمنافع الحج للدين والدنيا معاً، وأن نكثر من ترويج هذه الحقيقة في الأذهان، وأن ننبه خطباء المساجد إلى ملاحظة هذا الأمر الجلل في شهور الموسم من كل عام.

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

للحج أهداف عظيمة، إذ هو امتثالٌ لأمر الشرع، وهو شحنة روحية وعاطفية، وهو فريضة لتبادل المنافع الاقتصادية.

يعتبر الحج مؤتمراً إسلامياً لحل المشكلات ومعالجة قضايا المسلمين المختلفة وخاصة الاقتصادية، حيث يفد إلى الأماكن المقدسة ملايين المسلمين من شتى البقاع، منهم العلماء المتخصصون في مجال الاقتصاد، فيكون ذلك فرصة طيبة لعقد المؤتمرات والندوات والحلقات الدراسية لمناقشة المشكلات الاقتصادية المتنوعة في سبيل الوصول إلى التكامل والتنسيق الاقتصادي المنشود بين دول العالم الإسلامي.

في الحج رواج اقتصادي للمسلمين؛ إذ يتسم موسم الحج بالرواج الاقتصادي؛ لما يتطلبه من سلع وخدمات لازمة لأداء مناسك الحج، فكم ينفق من النقود على وسائل الانتقال وشراء المأكولات والمشروبات وشراء الذبائح وتكاليف الإقامة.

في الحج دعوة إلى تطبيق الاقتصاد الإسلامي؛ إذ في الحج دعوة لتطهير المعاملات بين الناس من الخبائث والموبقات، من ربا واحتكار وغش وتدليس وغرر وجهالة وأكل لأموال الناس بالباطل. كما أنّ الحاج عليه أن يتجنب الإسراف والتبذير والإنفاق الترفي، فالحج دعوة صادقة لتطبيق مبادئ الاقتصاد الإسلامي وقيمه على مستوى دول العالم الإسلامي.

الحج مؤتمر إسلامي تلتقي فيه الخبرات العالمية الإسلامية؛ صناعين وتجاراً ومهنيين وبجميع التخصصات، وبهذا تنتهز الفرصة لتنمية العلاقات الاقتصادية بين المسلمين ومناقشة مشكلات الأمن الغذائي ومدارسة الخطوات الكفيلة بتحقيق الاكتفاء الذاتي لدول العالم الإسلامي.

في الحج فرصة لاغتنام منافع التجارات والعمل وكسب المعيشة، وكذلك منافع البُدْن والذبائح للفقراء والمساكين والمحتاجين، داخل الأماكن المقدسة وخارجها، يقول جل شأنه: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) (الحج: 36).

في الحج مدلول اقتصادي كبير؛ ذلكم أنه فرصة للكسب المادي، الشرعي، والكسب الروحي الأخروي؛ فهو عبادة مالية وبدنية، وثوابهما في الآخرة، يقول جلّ شأنه: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ) (البقرة: 198).

 

 

مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

الإثنين, 16 يوليو 2018 14:33

اقتصاد العالم الإسلامي

1- تخلف صناعي: وسببه افتقاد الأمة المبدعين والمبتكرين والمخترعين والفنيين في المجالات الصناعية المتنوعة، والسبب في هذا الافتقاد هو القصور أو التقصير في إعدادهم على النحو الذي يستطيعون به تحقيق حاجات الأمة في كل الصناعات، ويمكن القول: إنه إذا قامت الدول الإسلامية بتصنيع الخامات الطبيعية بدلاً من تصديرها إلى الدول الغربية، فإن ذلك يؤدي إلى أن يقفز الدخل الوطني فيها أضعافاً مضاعفة، ويرتفع تبعاً لذلك مستوى المعيشة ودخل الفرد في سائر الأقطار الإسلامية.

2- تخلف زراعي: وسببه التخلف العلمي في مجال الزراعة، لأن التقدم العلمي في هذا المجال يضيف إلى الإنتاج الزراعي أضعافاً مضاعفة من حيث استصلاح الأراضي الزراعية وتوسيع نطاقها، وإذا نظرنا إلى رقعة الأراضي في العالم الإسلامي وجدناها 40 مليون كم2، ويمثل هذا حوالي ربع مساحة اليابسة التي تقدّر بـ148.354.000كم2، ومع ذلك فإن الأراضي المزروعة في العالم الإسلامي تمثل فقط 11% من الأراضي الزراعية في العالم، ولذلك فإن كثيراً من الشعوب الإسلامية لا تستطيع إنتاج ما يكفيها من الغذاء وبعضها مهدّد بالجوع.

3- تخلف تجاري: وسببه يعود إلى عوامل عدة منها، الجهل بالحاجات العالمية إلى البضائع التي تصدرها وخصائصها بالنسبة للبضائع الأخرى، والتخلف في القوة الإعلامية لترويج البضائع، وعدم إيفاء التعهدات في موعدها والالتزام بالعهود والمواثيق الشخصية والجماعية والدولية، والجهل بأساليب التسويق للمنتجات، فقد تبيِّن نتيجة للإحصائيات أن الخسارة المالية في المنتجات الزراعية فقط كان 450 مليون دولار، وذلك على مستوى دولة واحدة في سنة واحدة. وذلك للجهل بأساليب التسويق والتجارة وعدم القدرة في المحافظة على المنتجات وحمايتها من التلف وهذه الخسارة خاصة بالمنتوجات من الخضروات والفواكه فقط .

4) إسراف وتبذير: يرجع أحياناً إلى العادات والتقاليد الاجتماعية مثل: الإسراف في الولائم والأفراح والمهور، وسبب ذلك التباهي والافتخار والاعتزاز بالمكانة الاجتماعية، وقد يرجع إلى عدم الوعي الكامل بأضرار الإسراف والتبذير على مستوى المجتمع أو على مستوى الأفراد والمؤسسات والدول في المناسبات وغيرها، وقد عملت دراسة ميدانية عن الإسراف والتبذير في المأكولات المرمية في مدينة واحدة في إحدى الدول الإسلامية، فكانت النتيجة أن الإسراف اليومي حوالي مليون دولار، والإسراف السنوي 365 مليون دولار، فما بالنا على مستوى العالم كله!

5- صرف أموال في غير موضعها: ولذلك أمثلة كثيرة، مثل صرف الأموال في الأمور الاستهلاكية والترفيهية، وبناء الملاعب والهياكل أو وضع الأموال في البنوك الأجنبية، وقد بلغت الأموال العربية الموضوعة في بنوك أوروبا مثلاً حوالي 620 مليار دولار في عام 1988م، بينما نجد الإنفاق في البحث العلمي وتطويره قليل جداً بالنسبة لإنفاق الدول المتقدمة. فإن نسبة إنفاق الدول النامية بما فيها الدول الإسلامية مجتمعة يمثل 2.09% من مجموع الإنفاق العالمي، ونجد نصيب دول الشمال الغنية يصل إلى 97.1%، مع أن سكان الدول النامية 3 مليارات مقابل 300 مليون نسمة لتلك الدول المتقدمة.

6- جهل بالموارد الطبيعية: فإننا نجد أنفسنا في هذا المجال جاهلين كثيراً بأرضنا وبترابها وخيراتها، وما يكتنز فيها من الذهب والفضة والمعادن الأخرى الثمينة، والأراضي الصالحة لأنواع من الزراعات والنبات التي يمكن أن تنتجها تلك الأراضي من المحاصيل، والسبب في ذلك جهلنا بطرق استخرج تلك الخيرات واستثمارها وصناعتها . وبالرغم من كل هذا، وعلى وجه العموم، فإن العالم الإسلامي غني بثرواته الزراعية وبإنتاجه الوفير من مختلف المحاصيل.

ويمكن القول بعد دراسة متأنية لما تنتجه الدول الإسلامية من محاصيل زراعية بأن العالم الإسلامي يحتل المرتبة الأولى في إنتاج القطن في العالم حيث ينتج 30% من الإنتاج العالمي، وفي المطاط يستأثر العالم الإسلامي بنحو 75% من الإنتاج العالمي، كما يحتل العالم الإسلامي المرتبة الثانية في إنتاج البن بنسبة 10% من الإنتاج العالمي، والمرتبة الثالثة في إنتاج الأرز بنسبة 15% من الإنتاج العالمي.

 

مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الخميس, 05 يوليو 2018 14:46

كيف نقيس كفاءة المجتمعات؟

لقد انتشرت تطبيقات المعلوماتية في جميع أرجاء المجتمع محلياً وإقليمياً وعالمياً، إذ لم تعد نظم الاتصالات تنقل الرسائل والأصوات كما كانت عليه الحال في الماضي، بل أصبحت تقوم أيضاً بخدمات أخرى مثل: نقل الأموال عبر ما يعرف بالتحويل الإلكتروني، ونقل الأسواق، ونقل الحضور حيث يمكن حالياً من خلال الإنترنت التواجد عن بعد أو ما يعرف بنقل الحضور، وذلك بفضل الله ثم نظم التحكم الآلي والروبوت، وتجري حالياً إضافة تقنية ما يعرف بالرؤوس الناطقة، إلى جانب نقل سلع اقتصاد المعرفة إلكترونياً، حيث يجري شحن كثير من سلع اقتصاد المعرفة –حالياً– عبر شبكات الاتصالات عن طريق ما يعرف بأسلوب تنزيل البيانات، حيث تنقل الكتب والجرائد والبرامج ونتائج الأبحاث العلمية وما شابه، إنها بحق شبكات اتصالات حاضرنا التي تنقل النص والصوت والشكل.

الاتصال –كما قيل– شرط من شروط بقاء الكائن البشري، وقد أصبحت كفاءة المجتمعات تقاس بمدى كفاءة شبكة اتصالاتها، بعد أن باتت هذه الشبكة بمنزلة الجهاز العصبي للمجتمع، ومن دونها تتفكك أوصاله.

أما عن شأنها الحالي، فقد أصبحت نظم الاتصالات أهم عناصر البنى التحتية لإقامة مجتمع المعلومات، وأصبح مدى كفاءتها أهم مؤشر لقياس مدى جاهزية المجتمع لدخول عصر اقتصاد المعرفة، وهي تعد بمنزلة بطاقة العضوية لنادي العولمة.

وربما يفسر هذا النقلة النوعية الحادة التي شهدها العالم في الحقبة الأخيرة على صعيد الاتصالات، وذلك نتيجة للعوامل التالية

1- ظهور الإنترنت الذي أصبح وسيط الاتصال الأول.

2- التحول من السلكي إلى اللاسلكي، المتمثل حالياً في الهواتف النقالة.

3- استخدام الألياف الضوئية ذات السعة الهائلة لتدفق المعلومات.

إنَّ العالم بموج حالياً بقنوات الاتصال، ما بين بحرية وأرضية وكوكبية وما فوق كوكبية، وتغلفه صوبة كثيفة من الأقمار الصناعية، بعضها يبث رسائل إعلامية، ويقيم حلقات الوصل بين أطراف المعمورة من أجل الاتصالات الهاتفية وتبادل المعلومات.

إنَّ الطلب على الاتصالات ينمو بمعدلات متصاعدة وتتضاعف سعى شبكات الاتصالات عالمياً كل بضعة أشهر وكل ما كان يجري تبادله عبر شبكة الإنترنت في نهاية القرن الماضي يُنقل حالياً عبر كابل واحد من الألياف الضوئية.

 

 

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الخميس, 14 يونيو 2018 12:41

أسس اقتصادية مهمة

 

المقاصد والقواعد:

إن من الأسس التي يجب معرفتها لمن يتصدّى لبيان حكم الله، ولمن يطلع على مراجع التراث الإسلامي أن يفرِّق بين ثلاثة اصطلاحات، هي: القواعد الفقهية، والمقاصد الشرعية، وأصول الفقه، فكثيراً ما يحدث لبس بينها، فيترتب عليه خطأ وخلط، ونتائج غير دقيقة.

فالقاعدة الفقهية "تستنبط من استقراء النصوص الجزئية المستدل بها على أحكام فرعية"، وهي تنبني على الأكثرية، فتشمل أحكام معظم الفروع التي تنطبق عليها.

وأما المقاصد الشرعية "فهي الأهداف العامة التي يتوخاها التشريع الإسلامي"، وهي تتعدد وتتدرج في أهميتها ما بين الضرورات والحاجيات والتحسينات.

وعلم أصول الفقه "يبحث في أدلة الفقه الإجمالية، ومعرفة كيفية استنباط الأحكام منها، وحال المستفيد لتلك الأحكام"، وهذه هي المعارف الثلاث لأصول الفقه:

أ- معرفة أدلة الفقه (ما هو متفق عليه، وما هو مختلف فيه).

ب- معرفة كيفية الاستنباط.

جـ- معرفة حال المستفيد (مجتهداً أو مقلداً).

وبعد معرفة الفوارق العلمية بين هذه المصطلحات، فإن الأمر يقتضي وعياً لما يكتب أو ينشر من آراء حول اقتصاديات الإسلام، تتجاوز النص، باسم المصلحة أو مقاصد الشريعة أو القواعد الكلية.

الضرورات والحاجات:

لقد عانت الإنسانية كثيراً من المشكلات، من الفلسفة الرأسمالية التي تقدم مصلحة الفرد على مصلحة الجماعة، ومن الفلسفة الاشتراكية التي تقدم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد، ولعلّ تجربة الفرد في أمريكا وروسيا أبلغ دليل على ذلك.

ومن هنا فقد وازن الإسلام بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، فأعطى الفرد القدر الذي لا يطغى به على الجماعة، وأعطى الجماعة كذلك قدراً لا تطغى به على الفرد، سواء من حيث الحقوق أو الواجبات، ومن ذلك:

1- الفرد مسؤول عن عمله مسؤولية فردية، قال تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (فاطر: 18)، وقال سبحانه: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ {38}) (المدثر).

2- الفرد مسؤول مسؤولية جماعية أيضاً، قال تعالى: (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً) (الأنفال: 25).

3- التكليف موجّه للجماعة في كثير من الأمور، قال سبحانه: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى: 38).

4) العلاقة بين الفرد والمجتمع في الأمة المسلمة علاقة تعاون لا علاقة صراع، قال تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: 2).

والشريعة الإسلامية تهدف -كما هو معلوم- إلى تحقيق الخير للناس في الدنيا والآخرة، فتجلب لهم المنافع، وتدفع عنهم المضار، من أجل تحرير المجتمع من الخوف والجوع، ومن أجل تحقيق الأمن والتكافل، وهذا كله من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية.

وبينما يقتصر الغرب على تقسيم الحاجات إلى ضرورية وكمالية، نجد الشريعة الإسلامية تقسّم المقاصد أو المصالح إلى ضرورية وهي ما لا يمكن أن تقوم بدونها الحياة، وحاجية وهي ما لا تُتحمل الحياة بدونها إلا بمشقة، وتحسينية وهي ما يُجمِّل الحياة ويُحسِّنها من مكارم الأخلاق ومحاسن العادات.

الطيبات والخبائث:

يعتبر الاقتصاد الوضعي اللذة غايته القصوى، ولذا يستبعد القيم والأخلاق من ميدان الدراسة، كما أنه لا يفرِّق بين الخبيث والطيِّب من السلع والخدمات، ولا يسترشد إلا بالرغبة الحسية بصرف النظر عن النتائج الصحية والنفسية والاجتماعية.

وأما في الاقتصاد الإسلامي فإن الطيِّب هو الحلال، والخبيث هو الحرام، وتحديد الطيب والخبيث في الإسلام يراعى فيه الجسد والروح معاً.

ولذا، فإن تحديد المنافع لابد أن يرتبط بالحلال والحرام، قال تعالى: (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ {216}) (البقرة).

وعلى سبيل المثال: الخمر: فيها منافع وآثام، ولكنّ إثمها يغلب نفعها، ولذا حرّمتها الشريعة الإسلامية، قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) (البقرة: 219)، وحين حرّم الله الخمر، فإن ذلك سببٌ في نجاة المجتمع من شرور ومصائب منها: إتلاف الصحة وإهلاكها، وضعف الإنتاجية، وانتشار العداوة والبغضاء في المجتمع.

 

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

السبت, 09 يونيو 2018 16:00

أتدرون ما الاقتصاد؟


جاء في تراثنا في بيان معنى الاقتصاد قول سفيان بن حسين - رحمه الله - لأصحابه وتلاميذه: أتدرون ما الاقتصاد؟! هو الشيء الذي ليس فيه غلو ولا تقصير؛ أي: ليس فيه إسراف ولا بخل.

وليس ذلك إلا تبيين وتفسير للقوام الذي جاء في قوله - سبحانه -: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67]، فالاقتصاد هو المنزلة بين المنزلتين المتطرفتين؛ منزلة البخل والتقتير، ومنزلة الإسراف والتبذير.
وقد بيّن لنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - قيمة هذا الاقتصاد ومكانته في الإسلام، حين جعله من أجزاء النبوة، وذلك بقوله - عليه السلام -: ((السمت الصالح، والهَدْي الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة)).
كذلك، فقد ورد أن عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - كان يقول: "إن من أحب الأمر إلى الله - عز وجل - القصد في الغنى والعفو في المقدرة".
ولهذا، فقد كان الاقتصاد وعدم الإسراف من العلامات التي تميِّز المؤمن عن غيره؛ فعن الحسن البصري - رحمه الله - قال: "إن من علامة المؤمن: قوة في دين، وحزمًا في لين، وإمامًا في يقين، وحِلمًا في علم وكيسًا في مال، وإعطاءً في حق، وقصدًا في غنًى، وتجمُّلاً في فاقة، وإحسانًاً في قدرة..".
ولما كان التبذير يؤدي إلى الفقر، فقد لزم أن يؤدي الاقتصاد إلى الغنى، لهذا فقد نفى رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - الفقر عن المقتصد، فقال - عليه السلام -: ((ما عال مقتصد))، وفي رواية أخرى: ((السؤال نصف العلم، والرفق نصف العيش، وما عال من اقتصد)).
ولما كان المأكل والمشرب ضروريين لحياة البشر، فقد لزم عليهم الحفاظ عليهما وعدم الإهمال أو التفريط فيهما؛ إذ لا قوام لهم إلا بهما، وقد دعانا الله - سبحانه - لهذا، فقال - عز وجل -: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31].

وقيّد لنا - سبحانه وتعالى - هذا المأكل والمشرب بكونه حلالاً خالصًا بعيدًا عن شبهة الحرام، فقال - جل ذكره -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172]، وذلك بشرط عدم الإسراف أو التبذير؛ لأنه - تعالى - لا يحب المسرفين، ومن هنا فقد كان القصد طريقًا إلى نيل محبة الله.
وقد أظهر رسول الهدى - عليه السلام - بشاعة من يسرف في مأكله، وسمَّى ذلك شرًّا، بقوله - عليه السلام -: ((ما ملأ ابن آدم وعاء شرًّا من بطنه، حسب ابن آدم أكلات (لقيمات) يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث طعام، ثلث شراب، وثلث نفس)).
وقد أدرك الكثير من العلماء المتخصصين في العلوم الطبية في عصرنا الحاضر هذه الحقيقة، وبدأوا بعلاج الكثير من الأمراض انطلاقًا من مبدأ التقليل من الطعام.
ورد عن الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- قوله: "أيها الناس، إياكم والبطنة، فإنها مكسلة عن الصلاة، مفسدة للجسم، مؤشرة للسقم، ولكن عليكم بالقصد في قوتكم، فإنه أدنى من الإصلاح، وأبعد من السرف، وأقوى على عبادة الله - عز وجل - فإنه لن يُهلك عبد حتى يؤثر شهوته على دينه".
ومن هنا، فقد كانت البطنة مؤدية إلى الفقر؛ إذ هي في أولها إسراف في الأموال من أجل توفير الكثير من الطعام والشراب، وهي في آخرها إهدار للأموال لمعالجة ما لحق الإنسان المسرف من أمراض ومتاعب.
والأمر بالاقتصاد والاعتدال والتوسط يسري في كل مناحي الحياة الملبس والمسكن، والمركب والخادم، ووسائل الاتصالات والمواصلات والترفيه.
بيد أن هناك قضية مهمة، هي أن الاقتصاد في الحاجات الأساسية لا يعني أن يعيش المسلم بعيدًا عن التمتع في هذه الحياة وفق الضوابط الشرعية والقيود الأخلاقية.
ذلك لأن التمتع بهذه الدنيا ونعيمها لا يتنافى مع نظرة الإسلام الاقتصادية؛ يقول - صلى الله عليه وسلم -: ((ثلاث من نعيم الدنيا، وإن كانت لا نعيم لها، المسكن الواسع، والزوجة الصالحة والمركب الموافق)).
ورحم الله الحسن البصري القائل: إن المؤمن أخذ عن الله - تعالى - أدبًا حسنًا، إذا وسع عليه وسع، فإذا قتّر عليه قتر.
وصدق الله القائل: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77].

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. 

للتواصل : عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الإثنين, 04 يونيو 2018 22:24

الصحة من منظور اقتصادي

يُعدُّ رفع المستوى الصحي للسكان هدفاً أساساً يتوجب الوصول إليه سواء من أجل تأمين الرفاهية للفرد أو لرفع إنتاجية العمل.

إن الطبيعة المزدوجة للصحة وسيلة وغاية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في آن واحد لتؤكد ضرورة توفير الاعتمادات المالية الكافية، بحيث تكون قادرة على النهوض بالخدمات والبرامج الصحية، وكذا قادرة على معالجة أية مشكلات صحية جديدة قد تظهر في المستقبل.

فالصحة هدفها الإغاثة والعناية بالمريض، وذلك بالاستناد إلى الأخلاق المهنية للأطباء، أما الاقتصاد فهدفه المعرفة الموضوعية للظواهر ذات الارتباط بالاستهلاك والإنتاج والتوزيع والموارد على ضوء التكلفة. ومن ثم فكيف نجمـع بين هذين الاختصاصيين المتناقضين ظاهريـاً من حيث المفهوم؟!

بداية ينبغي أن نتذكر تطور المشاكل الصحية، إذ قبل خمسين عاماً كانت المشاكل الصحية والأمراض، لا تستدعيان النظر إليهما لا من الوجهة الاقتصادية، ولا حتى من الأوجه التي تهم المجتمع، عدا الأمراض الوبائية، فلقد كان الطب طباً فردياً.

وفي بداية هذا القرن أصبح الهدف الأساس هو وضع نظام للتأمين الطبي، وذلك لصالح المعوزين والعاجزين خاصة. والهدف الثاني هو تنمية وتطوير شبكة المستشفيات والمؤسسات للعناية والوقاية، والتي تسمح بدورها بنشر التقنية الجديدة المعروضة من خلال العلوم الطبية.

ففي أقل من نصف قرن انتقلت المشاكل الصحية من الحيز الفردي إلى الحيز الجماعي.

ومن ثم، فينبغي أن نحلل وبأسلوب علمي طبيعة الظواهر ذات الصلة بالاستهلاك الطبي لتكاليف السلع والخدمات المستخدمة في قطاع الصحة وإدارة مؤسسات الخدمات التي تتنافس في الحماية الصحية. وهذا هو المبرر الأول لظهور اقتصاديات الصحة.

ويترتب على هذا مبرر ثان، يتمثل في أهمية توفير الموارد الصحية الكافية لتحقيق المشاريع الصحية اللازمة لرفع المستوى الصحي.

إن هناك مجموعتين كبيرتين من الدراسات الاقتصادية الممكن عملها : تلك التي تحاول تحديد القسم الملائم تخصيصه للقطاع الصحي داخل مجموع اقتصاد البلد، حيث نهتم بتحديد معايير الاختيار بين الصحة والقطاعات الكبيرة الأخرى للاستثمار الجماعي كالزراعة والصناعة والنقل.

ويبدو أنه من المتعذر تنفيذ مثل هذه الدراسة في الوقت الحاضر. وذلك بسبب غياب وحدة قياس تبين الفوائد – التكاليف للاستثمارات في مختلف القطاعات الاقتصادية. حيث إن الوحدة المالية يصعب استخدامها في نطاق الصحة وخاصة أنه لا يوجد سعر للصحة. أما المجموعة الثانية من الدراسات الاقتصادية فهي التي تحاول تحديد نصيب كل قسم من أقسام القطاع الصحي من مجمل الموارد المخصصة لهذا القطاع ككل.

حيث نهتم بالاختيارات الداخلية الملائم عملها ضمن القطاع الصحي، وهدفها تحديد سلم الأفضلية لنماذج مختلفة من الأعمال، فهل نبدأ بالعناية في المستشفيات أولاً أم بالعناية الطبية المتنقلة (كالتلقيح)، أم بالطب المهني المتعلق بحوادث العمل ؟ وهل ترتكز الجهود الصحية لصالح فئة من السكان (كالقوة العاملة مثلاً) أم لفئة أخرى من السكان (كالمسنين). وهنا، نستطيع أن نتساءل على سبيل المثال، كيف توزع الجهود الجماعية بين العناية والوقاية والبحث العلمي الطبي؟!

ويبدو أن هذه الدراسة أكثر صلابة وعقلانية من الدراسة الأولى التي تهتم بتحديد معايير الاختيار بين الصحة والقطاعات الكبيرة الأخرى.

 

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

 للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {183}) (البقرة: 183).

أتى شهر رمضان، ونحن غافلون عن الثواب الكثير، ساهون عن الملك الكبير، لاهون عن لباس السندس والحرير، متقاعدون عن اليوم العبوس القمطرير، نائمون عما أتى به محمد البشير النذير، مصرون على الذنوب والعصيان، مقيمون على الآثام والعدوان، متمادون في الجهالة والطغيان، متكلمون بالغيبة والبهتان، قد تمكن من قلوبنا الشيطان، فألقى فيها الغفلة والنسيان.

أتى شهر رمضان، شهر الرحمة والغفران شهر البر والإحسان، شهر مغفرة الديّان، شهر العتق من النيران.

قـل لأهـل الذنـوبِ والآثـام قابلوا بالمتابِ شهر الصيام

إنه في الشهور شهرٌ جـليلٌ واجــبٌ حــقه وكـيدُ الزِّمام

شهر فيه جزيل الثواب، وهو شهر المتاب، لياليه أنور من الأيام، وأيامه مطهرة من دنس الآثام، وصيامه أفضل الصيام، وقيامه أجل القيام.

قال ابن الجوزي رحمه الله في كتابه "بستان الواعظين" عن شهر رمضان: شهرٌ فضّل الله به أمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، شهرٌ جعله الله مصباح العام، وواسطة النظام، وأشرف قواعد الإسلام، المشرق بنور الصلاة والصيام والقيام.

في شهر رمضان أنزل الله كتابه، وفتح للتائبين أبوابه، فلا دعاء فيه إلا مسموع، ولا عمل إلا مرفوع، ولا خير إلا مجموع، شهرٌ السيئات فيه مغفورة، والأعمال الحسنة فيه موفورة، والمساجد معمورة، وقلوب المؤمنين مسرورة.

أيـن أهـلُ القـيـام لله دأبـاً بذلوا الجهدَ في رضا الجبار

أنتم الآن في ليال عـظام قدرُهـا زائــدٌ عــلى الأقــدار

يقول ابن الجوزي رحمه الله: الصيام ينقسم إلى أحد عشر ضرباً، صيام الفرض (صيام شهر رمضان)، وصيام الظهار (كقول الرجل لامرأته أنت عليَّ كظهر أمي)، وصيام النقل (أي الانتقال من دين إلى دين الإسلام) وصيام الوطء في رمضان (وهو كفارة لمن وقع منه مثل ذلك)، وصيام كفارة اليمين، وصيام فدية الأذى، وصيام التمتع والقِران، وصيام إفساد الحج، وصيام كفارة قتل الصيد، وصيام النوافل، وصيام النذر.

وليحذر المسلم من صيام ستة أيام هي يوم الفطر (عيد الفطر)، ويوم الأضحية (عيد الأضحى)، (وثلاثة أيام بعد التشريق) (ويوم الشك اليوم الذي يشك فيه هل هو من شعبان أم من رمضان) على خلاف بين الفقهاء في بعض هذه الأيام، كما أن بعض العلماء يضيف إلى هذه الأيام أياماً أخرى، مثل يوم الجمعة الذي يكره صيامه منفرداً.

والصوم ثلاثة: صوم الروح وهو قصر الأمل، وصيام العقل وهو مخالفة الهوى، وصوم الجوارح وهو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع.

الـصـوم جــنـة أقــوام مــن الـنـار

والصوم حصنٌ لمن يخشى من النار

والصومُ سترٌ لأهل الخـيـر كـلهم

الـخــائــفــيـن مـن الأوزار والـعـــار

فـصـام فـيه رجــالٌ يـربـحـون به

ثــوابــهــم مـن عــظيـم الشأن غـفار

فأصبحوا في جنان الخلد قد نزلوا

مـن بـيــن حــور وأشــجـار وأنهـار

مَرَّ الحسن البصري رحمه الله بقوم يضحكون فوقف عليهم وقال: إن الله تعالى قد جعل شهر رمضان مضماراً لخلقِه يستبقون فيه بطاعته، فسبق أقوام ففازوا، وتخلف أقوام فخابوا، فالعجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه المسارعون وخاب فيه الباطلون.

وقد قيل: ليس في العبادات أفضل من الصيام، لأنه باب العبادة. وقد جعل الله تبارك وتعالى هذا الشهر العظيم كفارة للذنب العظيم وليس في الذنوب إلا عظيم، لأننا إنما نعصي بها الرب العظيم. وقد قالوا لا تنظر إلى صِغر ذنبك ولكن انظر إلى من عصيت!!.

والحكمة في فرض شهر رمضان، أنَّ الله تعالى أمرنا أن نصوم فيه ونجوع، لأن الجوع ملاك السلامة في باب الأديان والأبدان عند الحكماء والأطباء. فما ملأ ابن آدم وعاءً شرّاً من بطنه، والحكمة ملك لا يسكن إلا في بيت خال.

وقد قيل شعراً:

تجوّع فإن الجـوعَ يُورث أهله عواقب خير عمّها الدهرُ دائمُ

ولا تكُ ذا بطن رغيب وشهوة فـتصبح في الدنيا وقلبُك هائمُ

يقول ابن الجوزي رحمه الله في كتابه "رياض السامعين" الله الله عباده الله صوموا جوارحكم عن المنكرات، واستعملوها في الطاعات، تفوزوا بنعيم الأبد في قرار الجنات، والتمتع بالنظر إلى جبار الأرض والسموات.

وشهـر الـصـوم شاهـده عـلينا بأعمال القبائح والذنوبِ

فـيا رباه عـفـواً مـنك والطف بفضلك للمجير والكئيب

وهذا الصوم لا تجعله صوماً يُصيِّرنا إلى نـار اللهيب

فالصوم الشرعي هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع بنية من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ولا يخفى على كل لبيب وجه التناسب بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي للصيام.

إن شهر الصوم شهر عظيم، زكيّ مبارك كريم، من أطاع فيه الملك الجبار واتبع فيه السنة والآثار، غفر الله له ما قد سلف من الذنوب والأوزار، وخاصّه برحمته من عذاب النار، ومن عصى فيه الملك الجبار، وخالف القرآن والآثار، وعمل بأعمال الفجار، ولم يوقر شهراً عظمه الإله القهار، غضب عليه مقدر الأقدار، ولعنه كل شيء يختلج بالليل والنهار.

قال تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان)) البقرة/185.

وما جعله الله سبحانه وتعالى هدى فلا يكون ضلالة، وما جعله بياناً فلا يكون جهالة، وما ضُعف فيه الأجر فلا يجعل بطالة.

قيل: سُمي شهر رمضان بهذا الاسم، لشدة الحر فيه (يقال أرض رمضاء أي شديدة الالتهاب لشدة حرارتها)، وقيل أخذ من حرارة الحجارة لما يأخذ القلوب من حرارة الموعظة والفكرة والاعتبار بأمر الآخرة، فسمي رمضان بذلك لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها، وقيل سُمي بذلك لأنه شهر يغسل الأبدان غسلاً، ويطهر القلوب تطهيراً. وهو شهر الإيقان، وشهر القرآن، وشهر إغاثة اللهفان، وشهر التوسعة على الضيفان، وشهر تفتح فيه أبواب الجنان، ويصفد فيه كل شيطان، وهو شهر الأمان والضمان.

يقول ابن الجوزي رحمه الله: شهر رمضان شهر تزهر فيه القناديل، وينزل فيه بالرحمة جبريل، ويتلى فيه التنزيل، ويُسمح فيه للمسافر والعليل.

رمضان للعباد مثل الحرم في أم البلاد، رمضان في الدنيا، مثل الجنان في العقبى: سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، ملكه خلود.

قيل: الشهور الاثنا عشر كمثل أولاد يعقوب عليه السلام، وشهر رمضان بين الشهور كيوسف عليه السلام بين إخوانه، فكما أن يوسف أحب الأولاد إلى يعقوب، كذلك رمضان أحب الشهور إلى علام الغيوب.

فهذا شهر رمضان فيه من الرأفة والبركات، والنعمة والخيرات، والعتق من النار، والغفران من الملك القهار، ما يغلب جميع الشهور.

وقد ورد عن رسول الله عليه الصلاة والسلام قوله: " لو يعلم الناس ما لهم في شهر رمضان لتمنوا أن تكون السنة كلها رمضان..." وقال كذلك " من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه". وقال أيضاً: "إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين" وقال عليه الصلاة والسلام: "إنّ الجنة لتزين من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان، وقال صلى الله عليه وسلم (أتاكم شهر رمضان شهر خير وبركة...).

وفي الحديث القدسي قال عليه الصلاة والسلام يقول الله تعالى"... الصوم لي وأنا أجزي به"، فالله لله والحرمان، والتمادي في العصيان والرضى في أدياننا بالنقصان، في الشهر الفاضل شهر رمضان.

ثم إن اختصار وجبات الطعام اليومية من ثلاث وجبات إلى وجبتين اثنتين فرصة طيبة لخفض مستوى الاستهلاك، وهي فرصة مواتية لاقتصاداتنا خصوصاً ونحن أمة مستهلكة، أشارت كل الإحصاءات إلى أن أقطارنا كافة تستهلك أكثر من إنتاجها وتستورد أكثر من تصديرها، وما هذا الاستهلاك الزائد دائماً والاستيراد الزائد غالباً إلا عاملان اقتصاديان خطيران تشقى بويلاتهما الموازنات العامة وموازين المدفوعات.

ومن الواضح أن هناك علاقة طردية أصبحت بين شهر رمضان المبارك والاستهلاك المبالغ فيه، والمرء يدهش من هذا النهم الذي يستشري لدى الناس في هذا الشهر الكريم. فالكل يركض نحو دائرة الاستهلاك، والاستعداد للاستهلاك في رمضان يبدأ مبكراً، ومصحوباً بألوان الدعاية والإعلانات التي تحاصر الأسرة في كل وقت، ومن خلال أكثر من وسيلة.

وبالتالي يكون المرء مهيأً تماماً للوقوع في دائرة الاستهلاك الشره، والتي ليس لها حدودٌ دُنيا أو قصوى، وإنما هي حالة تستوطن الإنسان في شهر رمضان ولا تتركه إلا بعد أن تتجرد جيوبُه وحساباته، خاصة أصحاب الدخل الثابت والمحدود.

إن خطة شاملة لمكافحة الشراهة الاستهلاكية أصبحت مطلوبة في رمضان وغير رمضان.

إن الإنفاق البذخي في رمضان أمر لا يمكن أن يتسق مع وضعية مجتمعاتنا الإسلامية، التي في أغلبها مجتمعات نامية تتطلب المحافظة على كل جهد وكل إمكانية من الهدر، وما نصنعه في رمضان هو بكل تأكيد هدر لإمكانات مادية، وهدر لقيم سامية، وهدر لسلوك منزلة القناعة.

إنّ هذه الحالة من شراهة الاستهلاك المتنامية فينا تدل على مدى التخلف السلوكي الذي تعيشه مجتمعاتنا الإسلامية، وتعكس واقع المسافة بين المبدأ والفعل، والتي تتسع يوماً بعد يوم.

إن التأمل من بُعدٍ لصناديق وأكياس القمامة يؤكد أننا في حاجة إلى ضرورة إعادة النظر في قيمنا الاستهلاكية، وذلك بتعديلها لتصبح قيماً إنتاجية، أو قيماً استهلاكياً رشيدة.

والاستهلاك أو تزايد الاستهلاك معناه المزيد من الاعتماد على الخارج، ذلك لأننا لم نصل بَعدُ إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي، أو مستوى معقول لتوفير احتياجاتنا الاستهلاكية اعتماداً على مواردنا وجهودنا الذاتية، وهذا له بُعدٌ أخطر يتمثل في وجود حالة تبعية غذائية للآخر الذي يمتلك هذه الموارد، ويستطيع أن يتحكم في نوعيتها وجودتها، ووقت إرسالها إلينا.

ومن ثمَّ، كان للاستهلاك أبعاد خطيرة كثيرة تهدد حياتنا الاقتصادية، وتهدِّد أمننا الوطني فهل يكون شهر رمضان فرصة ومجالاً لامتلاك إرادة التصدي لحالة الشراهة التي تنتابنا في هذا الشهر الكريم؟.

لقد درجت أمانينا على اغتنام فرصة الصيام لتقويم الروح بفوائد روحية وتقويم الجسم بفوائد جسمية، فهل نتعود على اغتنام الفرصة لتقويم اقتصاد الأمة، وهو جسمها وروحها من داء عضال، هو داء الاستهلاك الدائم من غير إنتاج كاف؟!

إن بعض معاني الصوم أنه إمساك عن شهوة البطن، وبالمعنى الاقتصادي هو تخفيض الاستهلاك، أو على الأقل ضبط الاستهلاك.

إن استهلاك المسلم هو الكفاية لا التبذير، وإن منفعته وإشباعه يتحقق ليس فقط بالإشباع المادي، بل من خلال الإشباع الروحي بأداء الواجب نحو المسلمين من مال الله الذي رزقه إياه. وإن منفعته تتحقق حتى من قيامه بواجبه نحو أهله وزوجه وولده. ولذا، يسعى المسلم إلى مرضاة الله تعالى، فيشكر الله على نِعمه، ويحمده كلما وفقه إلى استهلاك شيء من رزق ربه. والمسلم ينفق ماله ليحقق منفعة بسد حاجته، وبلوغ متعته، والكفاية عن الحرام، وتحقيق مرضاة الله، ونيل ثوابه عز وجل.

إن شهر الصيام فرصة دورية للتعرف على قائمة النفقات الواجبة بالمفهوم الاقتصادي، وعلى قائمة الاستبعاد النفقي، ثم فرصة لترتيب سُلم الأولويات، ثم فرصة كذلك للتعرف على مستوى الفائض الممكن.

إن شهر الصوم فرصة لتحقيق ترشيد أفضل، ولتوسيع وعاء الفائض الممكن، ولكن شريطة أن يرتبط بالقاعدة القرآنية الإرشادية المعروفة: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا)، هذه القاعدة ولا شك هي ميدان الترشيد على المستوى الفردي والمستوى العام.

إن شهر رمضان فرصة للقادرين لاستجلاء مشاعر المحتاجين، بما يحدثه الصوم من أثر حقيقي في نفوس القادرين إزاء المحتاجين.

ومما سبق يمكن القول بأن الخصائص الاقتصادية المرتبطة بشهر رمضان هي خصائص كامنة في جوهر الصيام، باعتباره مرتبطاً بقوىً اقتصادية، مثل الاستهلاك والإنفاق والإشباع، ومقدار المنفعة ودرجة الحاجة.

وتحريك هذه الخصائص، وتنشيط فاعليتها هو مهمة البشر، على مستوى الأفراد لضبط استهلاكهم، وعلى مستوى المؤسسات بتوفير الوسائل الكفيلة بحسن توجيه الأموال، وحسن توظيف قوتها الاقتصادية.

ثم إن الصوم من أقوى العبادات على تهذيب النفوس والسمو بالأرواح، إذ فيه إعداد للنفوس، وتهيئة لها على تقوى الله ومراقبته.

وفي الصوم تربية على قوة الإرادة، وكبح جماح الشهوات وأنانية النفوس، ليقوى صاحبها على ترك ما يضره من مألوفاته، أكلاً، وشرباً، أو متاعاً.

والصوم ينمي في النفوس رعاية الأمانة، والإخلاص في العمل، وألا يراعي فيه غير وجه الله، دون مداهنة أو مجاملة.

والصوم يمثل ضرباً من ضروب الصبر، الذي هو الثبات في القيام بالواجب في كل شأن من شؤون الحياة.

ثم إن للصوم أسراراً يحسن العلم بها، وتتبين هذه الأسرار من خلال مراتب الصوم الثلاث، وهي: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص. فصوم العموم: هو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة. وصوم الخصوص يعني: كف النظر، واللسان، واليد، والرجل، والسمع، والبصر، وسائر الجوارح عن الآثام. وأما صوم خصوص الخصوص فهو صوم القلب عن الهمم الدنيئة.

الصوم تربية لروح المسلم وأخلاقه؛ حتى يشعر الغني بحاجة الفقراء والجوعى، فيزداد إيمانه بالله، ويقينه بضرورة أداء حق الفقراء في أمواله، بل ويزيد على ذلك الحق عندما يشعر بألم الجوع والعطش.

ومن الأسف أن بعض الناس اعتاد على بعض العادات السيئة الدخيلة على شهر رمضان، والتي تتمثل في طريقة الإنفاق الاستهلاكي، وهي ليست من الإسلام. فعندما يأتي شهر رمضان نرى أن أغلبية من المسلمين يرصدون ميزانية أسرية أكبر بكثير إن لم تكن ضعف الميزانية في الأشهر العادية، تبدأ بمضاعفة استهلاكها. ويكون النهار صوماً وكسلاً، والليل طعاماً واستهلاكاً غير عادي.

إن الطعام الزائد في الليل وبإفراط يؤدي إلى فقدان الكثير من تلك الفوائد، بل قد ينعكس ذلك بشكل سلبي على صحة الإنسان، فإذا أكل كثيراً في الليل يصبح كسلاناً بسبب تخمر الطعام في جهازه الهضمي.

والنصيحة التي يمكن أن نوجهها إلى المسلمين هي عدم التفريط في تناول الطعام في ليالي رمضان، والتزام القوام والاعتدال، ذلك أن أحد أسباب الكارثة التي حلت بنا اليوم هي البطر والإفراط في الاستهلاك، والتبذير والبعد عن الدين القيم. قال تعالى: (وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) (سورة النحل، الآية: 112). وكلنا يعلم قصة قارون كما وردت في القرآن الكريم (القصص/76ـ83)، وفرعون وغيرهم الذين جحدوا نعم الله.

فالإسراف والتبذير في الاستهلاك يعتبر سوء استخدام للموارد الاقتصادية، والسلع التي أنعم الله بها على العباد لينتفعوا بها وهو عمل يذمه الإسلام ذماً كبيراً، حيث وصف الله المبذرين بأنهم إخوان الشياطين ، لما لهذا العمل من آثار سيئة لا تقتصر على صاحبها الذي مارس الإسراف بل تمتد لتشمل المجتمع والعالم.

إن للصوم أبعاداً اقتصادية عظيمة، منها ما يدركها العقل البشري، كأثره على صحة الإنسان مثلاً، الثروة البشرية، ومنها ما لا يستطيع العقل البشري إدراكه. فطوبى لمن اقتدى، في صيامه وقيامه بمحمد صلى الله عليه وسلم.

إن من واجب المسلم أن يعمل على توفير ما تقوم به الحياة من مأكل، ومشرب، وملبس، ومسكن... إلخ من الضروريات، لصيانة دِينه، ونفسه، ونسله، ولحفظ عقله وماله. كما يفترض في المسلم أن يتجنب النزعة الاستهلاكية قدر الإمكان. وإن كان هذا يختلف من شخص لآخر، بحسب يساره المادي، وبقدر زهده في الدنيا ومباهجها، إلا أن هناك حدوداً لذلك على كل حال ينبغي مراعاتها.

إن الإنسان أهم بكثير من أي نموذج أو نظرية أو تفسير، هذا ما اكتشفه علماء الاقتصاد أخيراً، فالإنسان هو الذي يقرِّر مستوى رفاههِ ودرجة ثرائه، وكل الأمر متوقف على قراره وسلوكه، فبإمكانه إن أراد أن يكون معتدل الاستهلاك فيصبح حجم الوفر لديه بما يمكنه أن يصبح ثرياً، وبإمكانه إنْ كان نهمَ الاستهلاك كما هو حال الفرد في أغلب المجتمع الغربي أن يأكل ثروته.

وبعد أن كان علماء الاقتصاد مُصرين على أن الدولة وسياساتها هي العنصر الأهم في العملية الإنتاجية عادوا ليقرروا أن المستهلك والمنتج هم أسيادُ اللعبة. فيوم يُربي المجتمع عادات الاستهلاك ويهذبها ويوجهها، فإن عملية ترشيد واسعة ستؤدي إلى انتفاع هذا المجتمع بخيراته على أكمل وجه.

وهكذا فمفتاح حل الأزمات الحقيقي إنما يكمن في التربية الاستهلاكية، وهو مفهوم حديث نسبياً على المجتمعات الغربية، التي جعلت من الحرية المطلقة بلا ضوابط إلهاً يُعبَدُ من دون الله. فلقد كان هناك من يعتبر هذا النمط من التربية اعتداءً غير مبرر على حق المستهلك في أن يستهلك ما يشاء، وقت ما يشاء، وكيفما يشاء. ولكن اكتشفت العديد من المجتمعات أن تدليل المستهلك إلى هذا الحد باهظ الثمن، وأنها إذا استطاعت أن تلبيه اليوم، فقد لا تستطيع ذلك في الغد.

ولذلك عادت مفردات التدبير والتوفير، وحسن التصرف في المال تشق طريقها إلى الدراسات الاقتصادية الحديثة.

ووجدنا من الاقتصاديين من يقول: لقد تحدثنا كثيراً عن قوانين الاقتصاد، ورسمنا المزيد من المنحنيات والمعادلات، ولكننا نسينا المتغير الأكبر الذي يقرر صلاحية أو عدم صلاحية كل ما تحدثنا عنه وتوقعناه وهو الإنسان.

إن رمضان هو محاولة لصياغة نمط استهلاكي رشيد، وعملية تدريب مكثفة تستغرق شهراً واحداً تفهم الإنسان أن بإمكانه أن يعيش بإلغاء استهلاك بعض المفردات في حياته اليومية، ولساعات طويلة كل يوم. وإنه محاولة تربوية لكسر "النهم الاستهلاكي" الذي أجمعَ علماء النفس المعاصرون أنه حالة مرضية، وأن مجال علاجه في علم النفس وليس علم الاقتصاد. وإن كان يصيب بتأثيراته أوضاع الاقتصاد وأحواله.

إن رمضان مناسبة للمسلمين ليتذكروا بأن الجسد والعقل يعملان بكفاءة تامة خلال ساعات الصوم، وإنّ إمكان تحمل الجوع والعطش لفترات طويلة، والبقاء في حالة ذهنية أكثر صفاءً وحالة جسدية أكثر انتعاشاً وخفة، أمرٌ وارد ومشاهد.

وهذا الاكتشافُ الذي يتكرر مع كل قدوم للشهر المبارك هو الخلاص من الوقوع في الديانة الاستهلاكية التي أصُيبت بها بعض المجتمعات، والتي أصبح فيها السوبر ماركت هي أماكن عبادتها الجديدة، على حد تعبير الدكتور جمال حمدان في مؤلفه "مصر.. دراسة في عبقرية المكان".

وفي الختام نود أن نؤكد حقيقة مُسلمة أنه لابد من بناء الإنسان المستهلك باعتدال.

 

 

مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الأربعاء, 23 مايو 2018 14:22

ومضات رمضانية

 

ومضة (1)

لئن كان لكل خير مواسم، ولبعضها مناسبات أفراح فإنَّ شهر رمضان هو موسم جميع المسلمين الذي تتنافس فيه معطيات الخير في نفوسهم وتبرز معاني فطرهم الطيبة متحدية كل نوازع الشر والعبث.

شهر الصيام سيـد الشهـور         كـما أتى في الأثر المشهور

ولم يزل في سالف الدهور         مـحـتـرماً ذا بـهـجـةٍ ونــور

فيه كما في الخبر المذكور نـُزِّل بـالتـوراة يـوم الطـور

والذكر والإنجـيل والزبور فاستكثروا فـيه من القصور

في جـنة الخـلد بـلا قصور         واجتنبوا اللغو وقول الزور

وانتبهوا للعـرض والنشور قـبـل حـلـول ظـلـمـة القبور

ومضة (2)

 

إنَّ مَنْ يحرم إشراقات أيام وليالي رمضان المباركات وما خصها بها عز وجل من نعماء ومن جزيل العطاء، فإنه بلاشك قد حُرم الخير الكثير والفضل الذي لا يعوض في باقي الأيام.

أيا معشر الصوام وافتكم البشري        

وقـد نـشـر الباري بـمـدحـكم ذكرا

خُصصتم بشهر فيه عتق ورحمة

وقد أجزل الرحمن للصائم الأجرا

ولله فـي الـعـشـر الأواخـر لـيـلـة

لقد عـظمت أجـراً كما مُلئت خيراً

فطوبى لقـوم أدركـوها وشاهدوا

تـنـزل أمـلاكٍ بـهـا أيـــة كـبـــرى

وفازوا بغـفـران الإله فأصبحـوا

يُشم عليهم من شـذا عَرْفِها عِـطرا

ومضة (3)

كان أحد الحدادين يعمل في ظهيرة يوم صار من أيام شهر رمضان، وكان جبينه يتصبب عرقاً، فقيل له: كيف تتمكن من الصوم والحر شديد والعمل مضني؟ فأجاب: مَنْ يدرك قدر مَنْ يسأله، يهون عليه ما يبذله!!.

طـوبى لـعـبدٍ صـام لله عـــــن     مطعومه شهراً ومشروبه

وصانَ عن قول الخنا صومه     ولـــم يَـــشُــبـه بـأكـاذيـبه

والـتمـسَ الأجـرَ على صومه     من ربه في ترك محبوبه

فــالــصــومُ لله صـــح عـــــن     نــبــيــه والله يـجــزي به

ومضة (4)

لقد خضَّ الله عز وجل شهر الصيام شهر رمضان بخصائص منها: أنه سبحانه وتعالى جعله شهراً مباركاً وجعله شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وجعل فيه ليلة خير من ألف شهر، وجعل صيامه فريضة، وقيام ليلة تطوعاً، وهو شهر المواساة، وهو شهر أوله رحمه وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار.

يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله: المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات وفطامها عن المألوفات وتعديل قوتها الشهوانية لتستعد لطلب ما فيه سعادتها ونعيمها وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، ويكسر الظمأ والجوع من حدتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين وتضييق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب.

ومضة (5)

طلب بعض الصحابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحدثهم عن شهر رمضان هذا الشهر العظيم، فقال عليه الصلاة والسلام: إنَّ الجنة لتـُزين لرمضان من رأس الحول إلى الحول، فإذا كان أول رمضان هبت ريح من تحت العرش فصفقت ورق أشجار الجنة، فتنظر الحور إلى ذلك فيقلن: يا ربنا من عبادك في هذا الشهر أزواجاً تقر أعيننا بهم وتقر أعينهم بنا. ثم قال عليه الصلاة والسلام ((فما عبد يصوم يوماً في رمضان إلا زُوِّج زوجة من الحور العين في خيمة من درة.

إنَّ شهر الصيام مضمار نـُسك    وسباق إلى رضا المعبود

حـلبة خـيلها الصيام مع النـُسك    وإدخـالهـا جــنانَ الخــلود

ومضة (6)

كان المسلمون يقولون عند مقدم رمضان استقبالاً له: اللهم قد أظلنا شهر رمضان وحضر، فسلمه لنا وسلمنا له وارزقنا صيامه وقيامه وارزقنا فيه الجد والاجتهاد والقوة والنشاط وأعدنا فيه من الفتن.

ورد عن معلى بين الفضل رحمه الله قوله: كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم.

أتـى رمـضـان مزرعة العـباد     لتطهـير القلوب من الفـساد

فـــأدِّ حــقــوقـه قـولاً وفــعـلاً     وزادك فـــاتـخــذه لـلـمعــاد

فمَنْ زرعَ الحبوبَ وما سقاها     تـأوّه نــادمـاً يــومَ الحـصاد

ومضة (7)

إنَّ لشهر رمضان في الإسلام أسماء منها: أنه شهر القرآن، وشهر الغفران، وشهر العتق من النار، وشهر الله، وشهر الآلاء، وشهر النجاة، وشهر الصبر، وشهر المواساة، وشهر الخير، وشهر الكرم، وشهر البركات والخيرات، وشهر إجابة الدعوات، وشهر الإحسان، وشهر الرحمة.

يقول مصطفى صادق الرافعي رحمه الله: من قواعد النفس أنَّ الرحمة تنشأ عن الألم، وهذا بعض السر الاجتماعي العظيم في الصوم. إذ يبالغ المرء أشد المبالغة ويدقق كل التدقيق في منع الغذاء وسبه الغذاء عن البطن وحواشيه مدة آخرها آخر الطاقة. فهذه طريقة عملية لتربية الرحمة في النفس.

ومضة (8)

قال بعض السلف: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.

إذا لـم يكـن في الـسـمع مـنـي تصاونٌ

وفي بصري غضٌ وفي منطقي صَمْتُ

فحظيَّ إذا من صومي الجوعُ والظمأ

فإن قلتُ إني صُمْتُ يومي فـمـا صُمْتُ

أية معجزة إصلاحية أعجب من معجزة شهر رمضان المبارك التي تقضي أن يُحذف من الإنسانية كلها تاريخ البطن ثلاثين يوماً في كل سنة، ليحلَّ في محله تاريخ النفس.

ومضة (9)

ورد أنَّ مَنْ أتى عليه رمضان صحيحاً مسلماً، فصام نهاره وصلى ورداً من ليله، وغضَّ بصره، وحفظ مزجه ولسانه ويده، وحافظ على صلاته جماعة، وبكر إلى الجمعة، فقد صام الشهر واستكمل الأجر وفاز بجائزة الرب، التي لا تشبه جوائز الأمراء.

وصدق قتادة رحمه الله حين قال: مَنْ لم يغفر له في رمضان فمتى يغفر له.

نرحلَ شهر الصبر والهفاه وانصرما

واختصَّ بالفوز في الجنات مَنْ خدما

وأصـبـح الـغـافـل الـمـسكين منكسراً

مـثـلـي فياويحه يــا عُـظـم مـا حُــرم

مَنْ فـاتـه الزرع في وقت البدار فما

تــــراه يـحــصــدُ إلا الــهـمَّ والنـَّدما

ومضة (10)

أتى شهر رمضان، ونحن غافون عن الثواب الكثير، ساهون عن المُلك الكبير، لا هون عن لباس السندس والحرير.

في شهر رمضان أنزل الله كتابه، وفتح للتائبين أبوابه، فلا دعاء إلا مسموع، ولا عمل إلا مرفوع، ولا خير إلا مجموع، شهرٌ السيئات فيه مغفورة، والأعمال الحسنة فيه موفورة، والمساجد معمورة، وقلوب المؤمنين مسرورة.

أيــنَ أهـلُ القـيام لله دأباً             بذلوا الجهدَ في رضا الجبّار

أنتمُ الآنَ في ليال عظام             قـدُرهــا زائدٌ عــلى الأقـدار

الصفحة 1 من 27
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top