د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 27 مايو 2017 13:11

أخلاق الصوم وآدابه

لقد نظمت الشريعة الإسلامية الفقه في المعاملات والعقود، فوضعت له منهجاً عاماً يسلكه الأفراد في معاملاتهم المختلفة لبناء أخلاقهم من خلال قضاء حاجاتهم وتحقيق أغراضهم. وهذا المنهج الإسلامي في بناء الأخلاق اقتضى أن يكون الأساس في عقود المعاملات هو مصالح المجتمع ومقاصد الأفراد.

فلا عجب أن يكون من أخلاق الإسلام: غرس التعاون والإخاء والمحبة والتكافل والرحمة والعدل وما يؤدي إلى إزالة الفوارق الشاسعة بين الأفراد  فلا إسراف ولا ترف ولا تبذير، بحيث يبلغ الغني حد النعيم والرخاء المنهي عنه، وينزل بالفقير الجوع والمسغبة، فما جاع فقير إلا بما متع أو منع غني وكل سرف فبإزائه حق مضيع.

والله تعالى جل شأنه أكّد على القوام العدل بقوله ((والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً))، وقال سبحانه محذِّراً من التبذير ((ولا تبذِّر تبذيراً، إن المبذرِّين كانوا إخوان الشياطين)) وقال سبحانه في شأن الترف هادم المجتمعات ((وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً)).

لذا، فإن من الأخلاق الاجتماعية التي تنميّها فريضة الصوم الصبر وقوة العزيمة وأسمى أنواع الأمانات، وكلها من مبادئ الأخلاق في العقود والمعاملات، فالصبر يغرس في النفس احتمال الجوع والعطش وهما من ضروريات حياتها وبقائها، والصبر على الضروريات من أشد ما تكابره النفس وتعانيه، وبهذا يكون الصبر عليها أقوى وأشدّ.

والصبر الذي يغرسه الصوم له دور فعّال في مجال العقود والمعاملات، فهو سلاح قوي يقاوم الشطط في الأسواق ويحارب شهوات النفس في حبها للمال وجمعه بشتى الوسائل ويوزن التصرفات المالية على أساس من الحكمة والاتزان ووضع الأمور في نصابها الصحيح. وإذا كان أحد المتعاقدين صابراً يضبط نفسه فإن النجاح والتوفيق يكون حليف المتعاقدين في العقود والتصرفات والمعاملات.

وكذلك الصوم يربّي في النفس أسمى أنواع الأمانات وما أحوجنا في العقود والمعاملات إلى هذا النوع السامي من الأمانة التي يغرسها الصيام في النفس، بحيث يتعامل الناس فيما بينهم ابتغاء مرضاة الله عز وجل وتحت مراقبته، فلا تظالم ولا أكل لأموال الناس بالباطل   ولا هوى أو رياء أو مظاهر كاذبة.

إنّ الأخلاق التي تنميّها العبادات في النفس ليس المقصود منها أن تكون أخلاقاً أنانية ذاتية للشخص نفسه فحسب، ولكن المقصود منها هو أن تكون أخلاقاً اجتماعية يتعامل بها مع الناس.  لهذا كان المقصود من العبادات والغاية منها هو تربية الأخلاق في النفس وتنميتها لكي تحسن المعاملات والعقود التي تجري مع الناس تبعاً لسنة الحياة وناموس الطبيعة الإنسانية الاجتماعية.

 

للتواصل : عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

السبت, 13 مايو 2017 13:33

بيع الأحلام!

لقد أصبح الإعلان صناعة تقوم على أسس فنية وعلمية، وتعمل فيها فرق متعددة الاختصاصات.

حيث تقوم جماعة من الخبراء بإطلاق العنان لخيال أعضائها كي تولّد الأفكار الأكثر طرافة وجِدّة، وإمكانية تأثير ونفاذ، أو خروج عن المألوف، كي تصاغ في إعلانات مشغولة عن مختلف السلع.

ومن ثم، تكتسب السلعة (موضوع الإعلان) قيمة استهلاكية وخيالية ووجدانية ليست لها بالأصل، فالبيبسي تركز على مرح الشباب وجمال الصورة واللون وإرواء العطش، حتى صارت تعتبر مشروب الشباب.

والعطورات ومساحيق الجمال أصبحت ترتبط بالحسناوات وملكات الجمال، وأما أغذية الأطفال فإنها ترتبط بالطفل المدهش جمالاً وصحة وسعادة.

وهكذا تقوم سياسة الإعلان على بيع الأحلام، ودغدغة المشاعر وإثارة الرغبات من خلال مختلف أشكال الربط ما بين السلعة والصحة أو الجمال أو الجاه أو الشباب.

والإعلان ابنٌ لاقتصاد السوق، فهو إعلان استهلاكي، ندر أن وجدنا إعلانات عن الأداء أو الإنتاج، وإذا أغرق المشاهد بالإعلانات الاستهلاكية، فإننا سنكون أمام صناعة ثقافة الاستهلاك ليس إلّا، الاستهلاك يصبح إذن هو القيمة وهو المرجع والموجّه.

ولكن، ماذا بخصوص من لا يملكون القدرة على الاستهلاك؟ كيف سيمارسون حقهم في الاختيار إذاً؟ إنها أسئلة تظل مطروحة على الساحة في حاجة ملحة لإجابات مقنعة.

والحقيقة، فليس هناك من حالة تعبِّر عن ثقافة السوق بقدر الإعلانات التي تدعو إلى متعة الاستهلاك الآني، إننا بصدد الإثارة والمتعة، على الأقل إذا استعرضنا واقع الإعلان التجاري الذي يغمر الثقافة المرئية.

لقد سيطر الإعلام المرئي على الثقافة وسيطر الإعلان على الإعلام.

إن المشكلة ليست في الإعلان بحد ذاته، بل في توجهاته والقيم الاستهلاكية التي يروِّجها.

والمشكلة أن العالم العربي، كالعالم الثالث، يستهلك هذه الثقافة الجديدة عن طريق الاستيراد أساساً نظراً لفقر إمكاناته في مجال الإنتاج.

إننا لا ندعو إلى حظر التسلية والترويج والمتعة وبهجة الحياة، بل ندعو إلى بذل الجهد للاستفادة من الفرص التي توفرها تقنية الإعلام للارتقاء بنوعية الحياة في العمل والجهد التدريب والتأهيل، كما في الانتماء والتسلية والترفيه والتثقيف.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

السبت, 06 مايو 2017 14:20

ثقافة الجهد والإنتاج

مضى القرن العشرون وما زال يطرح الملف الثقافي وقضية العقل العربي وأدبيات هائلة حول هذين الموضوعين: الهوية الثقافية، مسائل الثقافة، إشكاليات الفكر، أزمات الثقافة، الغزو الثقافي، والتثاقف.. وتطول قائمة القضايا والمفاهيم والطروحات.

إنّ ثقافة الصورة، في قوة تأثيرها وانتشارها تمثّل فرصة غير مسبوقة في تاريخ البشرية للإعلام والتوعية والتثقيف، إنها فرصة للتوعية والتربية والتنشئة.

فقد دخلت التكتلات الصناعية الكبرى إلى مجال الإعلام وثقافة الصورة وفرضت سيطرتها عليه من خلال مداخل متعددة: قنوات التلفزيون الرئيسية ذات السياسة الإعلامية الموّجهة نحو ثقافة الاستهلاك، وشركات المعلوماتية ذات الطابع التجاري الربحي، وشركات التليفزيون التي تموّل إنتاج مسلسلات تليفزيونية خاصة، والشركات الكبرى المهتمة بنشرات الأخبار، وشركات البث المعنية بالتغطية الإعلامية للأحداث التي تتصف بالإثارة والإبهار وشد انتباه المشاهدين.

يقول مصطفى حجازي في كتابه "حصار الثقافة": إنّ المقاربة البحثية لبرامج القنوات الدولية التي تتخصص في الأخبار، وتلك التي تتخصص في التسلية والترويج، تبيّن أن هناك مكونات أساسية، أصبحت تشكّل ملامح البرامج ومحتوياتها.

نشرة الأخبار، على سبيل المثال، أصبحت مقنّنة في عناصرها في العديد من المحطات: أخبار الأحداث، الإعلانات، سوق المال، والطقس، الرياضة.

إننا بصدد تكثيف المعلومات، وإحاطتها بأكبر قدر من الزخم في المحتوى وضغط الزمن إلى أقصى الحدود الممكنة، سواء في الأخبار أو الإعلانات.

لقد أصبحت أخبار الأسهم وأسواق المال مكوّناً أساسياً من مكونات نشرات الأخبار عالمياً، كما محلياً، تحمل الشاشات في بنية أخبارها مشاهد أسواق المال وأسعار العملات والمؤشرات صعوداً وهبوطاً كما تحمل حركة وكلاء البورصة ومشاهدة آلات عدّ النقود.

والسؤال الملحّ: لماذا هذا التركيز على أخبار أسواق المال؟! مع العلم أن الخبراء والمتعاملين في هذه الأسواق لهم شاشاتهم الدائمة التي توافيهم بتحركات السوق المالية الكونية، فهل المقصود التثقيف المالي؟ أم أن المقصود هو جعل المال والسوق المالية مرجعية أساسية عند المشاهد سواء أكان يملك أم لا يملك؟!

ثم، ألا يفتح هذا الأمر الباب لتحويل الناس إلى قنّاصين للفرص: هوس الأسهم والاستثمارات المالية؟ أو لا يفتح شهية تجربة الحظ الذاتي في الدخول إلى حلبة رأس المال الطيار، وإحلال الحس المالي محل العلم والجهد والعمل والإنتاج.

الغائب الأكبر في كل ذلك هو ثقافة الجهد والإعداد والتدريب والإنتاج، أمام إغراءات الربح السريع.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

جاء في كتاب "الاقتصاد المجنون" قول كريس هارمن: إن قليلاً من الذين يؤيدون النظام العالمي القائم كانوا يتوقعون أن تتحسن الأمور وتتحسن أحوال الفقراء بالتوظيف الكامل، والإنفاق أكثر على الرعاية الاجتماعية وإعادة توزيع الدخل من الأغنياء إلى الفقراء، ولكنهم اليوم يقولون: إن هذه الأفكار أصبحت موضة قديمة.

وبالطبع، فإن الفقر والمرض والجوع والألم واليأس والإحباط لا تُعد أشياء جديدة على المجتمع البشري، بل وجدت على مدى معظم تاريخه المسجل، ولكن البؤس في عالمنا اليوم يختلف، لأنه يوجد جنباً إلى جنب مع ثروة يكفي مقدارها بسهولة للقضاء على الفقراء إلى الأبد.

وللأسف فإن الجوع يتواجد جنباً إلى جنب مع مخزون هائل من الأغذية، والدليل على ذلك جبال الأغذية.

قبل خمسين عاماً كان الخمس الأغنى 20% من سكان العالم يمتلك 30% من الدخل، واليوم يمتلكون 60% من هذا الدخل، في نفس الوقت، فإن الخمس الأفقر 20% من البشر يقتسمون 4% فقط من إجمالي الناتج العالمي.

لقد حذر تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية بأن السبب الرئيس في زيادة الصراعات الداخلية في العالم هو التهديد المستمر للجوع والعنف والأمراض، ويلاحظ أن الدول، صغيرة وكبيرة، تفضل إنفاق المليارات على الأسلحة الحديثة على الاهتمام بالحاجات الضرورية للشعوب.

إذ وسط هذا البؤس وتلك القذرات، انتعشت مئات الشرور، فقد عادت للظهور أمراض قاتلة وانتشر إدمان المخدرات، حيث يعتبر بعض الناس ذلك هو الطريق الوحيد للهروب، ولو مؤقتاً، من معاناتهم، وارتفعت معدلات الانتحار وتزايدت الجريمة حيث إن أقلية من الفقراء يرون فيها الطريق الوحيد للحصول على الثروة التي تتيح تقليد الحياة الفاخرة للأغنياء التي تتباهى بها أمامهم وكالات الإعلام، وفق كل ذلك جاء التأثير الفظيع للحرب.

إنَّ لغزاً كبيراً يواجهنا ولم نستطع بَعْدُ فهمه، فبينما يتم إنتاج ثروات أكبر مما كان يُنتج من قبل في التاريخ، وتوجد اختراعات تزيد من إنتاج أشياء متنوعة، شاملة أغذية أساسية حرمت منها أجيال من البشرية، كما استطاع البشر اقتحام الفضاء الخارجي واكتشفوا أعماق المحيطات واستطاعوا استخدام الماكينات للقيام بالأعباء الضخمة، وكذا إرسال المعلومات من جانب من العالم إلى الجانب الآخر في جزء من الثانية.

ومع ذلك، وبدلاً من ضمان تخفيف أعباء البشرية، تصبح هذه الأعباء أشد حدة، وبدلاً من أن يتطلع الناس إلى حياة أكثر رغداً وراحة، غالباً ما يعيشون في خوف من أن تزداد الأمور سوءاً، وبدلاً من أن يختفي البؤس نجده يتزايد.

للتواصل : عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top