د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

غالباً ما يُفترض أن أفعال الناس تهدف، بشكل لا يكاد يتبدل، إلى تلبية مصالحهم الخاصة، يقودنا مثل هذا الافتراض إلى تغيير تصوراتنا سواء عن الشخصيات العامة أو عن الأشخاص الذين نعرفهم جيداً في حياتنا اليومية.

يقول ديفيد جونستون في كتابه "مختصر تاريخ العدالة": عندما نلاحظ تصرفاً معيناً ليس من السهولة العثور على تفسير واضح له، نعتقد في كثير من الأحيان أن التمحيص الدقيق سوف يكشف عن دوافع اهتمام بالمصالح الذاتية تكمن وراء ذلك.

نحن نعتبر ذلك من الأمور المحتمة أن يتصرف السياسيون والمشاهير بدافع الرغبة في تحقيق مكاسب شخصية ربما تتمثل في كسب الثروة أو إحراز الشهرة أو الأمرين معاً، ونحن ننظر بتشكك وريبة إلى ادعاءات هؤلاء بأن ما يحفزهم بالأساس هو اهتمام بالمصلحة العامة، أو سعيهم إلى أهداف أخرى لا ترتبط بأي منفعة ذاتية.

لقد عبر الفلاسفة وعلماء الاجتماع في كثير من مقولاتهم عن افتراض وجود مصلحة ذاتية، يقول توماس هوبز في عمله الذي حظي بشهرة واسعة في مجال الفلسفة السياسية (ليفياثان): إن القصد من وراء الأفعال الخيرة التي يقوم بها كل إنسان طواعية لا بد أن يكون نوعاً من المنفعة التي تعود عليه هو بالذات، وبعد قرن وربع قرن من ذلك كتب آدم سميث، في الكتاب الذي يعتبر – إلى حد كبير – الحجر الأساس في مجمل تاريخ علم الاقتصاد:

ليس من قبيل الإحسان من جانب القصاب، ولا من يعصر الشراب، ولا حتى الخباز، أن يتوقع أحدنا تناول وجبة عشائه، ولكن ذلك يعود إلى حرصهم على مصالحهم الخاصة، إننا نؤمن في قرارة أنفسنا بأن ذلك لا يأتي بدافع من إنسانيتهم، ولكن بسبب حبهم لأنفسهم، ونحن لا نعبر لهم عن احتياجاتنا، بل نتكلم عن مكاسبهم.

وقد مضى كتاب متأخرون على هذا النهج من التفكير، في كتابات ريتشارد ألكسندر، على سبيل المثال، عن البيولوجيا التطورية، كان يؤكد أننا لن نفهم السلوك على حقيقته أبداً ما لم نفهم أن المجتمعات هي "تجمعات من الأفراد الذين يسعون إلى تحقيق مصالحهم الذاتية"، وهو قول يُردد صدى رأي سبق أن أدلى به ريتشارد داوكنز، ضمن ميدان الدراسة نفسه، حيث قال: "نحن نولد بطبيعتنا أنانيين".

أما في الأزمنة الحديثة، فقد جرى وبشكل جذري تشذيب الافتراض الذي ينطوي على القول بوجود مصلحة ذاتية من قبل كتاب كانوا قد لاحظوا أن مصالح الإنسان ربما اشتملت على أهداف تقع خارج نطاق منفع الفردية.

تعتبر هذه الملاحظة التي خرجوا بها من العناصر الأساسية لنظرية "الاختيار العقلاني"، وهي عبارة عن منظومة واسعة من الأفكار التي ظهرت في السنوات الأخيرة، وكان لها تأثير بالغ على العديد من العلوم الاجتماعية.

تبعاً لهذه النظرية، يمكن تفسير السلوك الفردي بأفضل صوره، وذلك اعتماداً على ثلاثة عوامل: أهداف الفرد التي تُحدد شخصياً، أياً كانت هذه الأهداف، ومن ضمنها الطريقة التي يقيم بها الفرد مدى أهمية أهدافه أو يرتبها بحسب علاقة بعضها ببعض؛ ومجموعة البدائل المتاحة للفرد؛ وتركيبة الأسباب التي وراء الموقف الذي يواجهه الفرد.

إذن يُعرف التصرف العقلاني لفرد معين في أي موقف من المواقف التي يمر بها بأنه ذلك العمل الذي يمكن أن يحقق الأغراض التي يسعى إليها الفرد بأمثل الطرق، أياً كانت تلك الأغراض.

إذن من الحقائق التي ربما كانت مثيرة للإحراج إلى حد ما، وفق مُعطيات النموذج المعياري، أن يتصرف الناس في بعض الأحيان بهدف تقديم المنفعة للآخرين في مقابل تحمل نوع من التكاليف أو الخسائر التي تتمثل في الحد من قدراتهم على تحقيق أهدافهم الشخصية، وهم يفعلون ذلك بطريقة تبدو عقلانية من الناحية البدهية.

وهنا مثال: في مسح أجري بشأن إعطاء ما يُسمى بالإكرامية أو "البقشيش" في المطاعم، سُئل بعض الناس سؤالين، ونقدم هذين السؤالين أدناه مع الإجابات الأكثر تكراراً:

السؤال الأول: إذا كانت الخدمة مقبولة فما هو مقدار البقشيش الذي تعتقد أن أغلب الناس سوف يتركونه بعد طلب وجبة تكلف 10 دولارات في مطعم يترددون عليه باستمرار؟

أكثر الإجابات: 1.28 دولار.

السؤال الثاني: إذا كانت الخدمة مقبولة فما هو مقدار البقشيش الذي تعتقد أن أغلب الناس سوف يتركونه بعد طلب وجبة تكلف 10 دولارات في مطعم أثناء رحلة يقومون بها إلى مدينة أخرى لا يتوقعون زيارتها مرة ثانية؟

أكثر الإجابات: 1.27 دولار.

كان يبدو أن الأشخاص الذين أجابوا عن هذين السؤالين يعتقدون أن سلوك الناس في إعطاء البقشيش لا يتأثر في الواقع باحتمالات أن يؤدي ذلك إلى نتائج تتخذ شكلاً إما خدمة مراعية للزبائن على نحو استثنائي أو تصرف أهوج من نادل يسعى إلى التعبير عن غضبه وربما يتسبب بالإحراج، كانت إجاباتهم تميل إلى أن تدعم وجهة نظر بدهية مفادها أن سلوك إعطاء البقشيش تحكمه رغبة في تقديم تعويض مُنصف مقابل خدمات جيدة، من دون اعتبار لأي نوع من النفع الذي ربما يتحقق في المستقبل للشخص الذي يترك (أو يمتنع عن ترك) البقشيش.

ختاماً أقول: من الواضح إذن أن البشر يتصرفون بطريقة يهدفون منها إلى حد بعيد لأن يناصروا الآخرين (أي من خلال سلوك يعود بالنفع على الآخرين، وفي بعض الأحيان يحصل ذلك مقابل تكبد نوع من الخسارة من جانب الذين يفعلون ذلك) بشكل أكبر مما يتيح لنا النموذج المعياري أن نتوقع.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الثلاثاء, 21 فبراير 2017 13:56

كيف يموت النصف الآخر من العالم؟

تقول سوزان جورج في كتابها "كيف يموت النصف الآخر من العالم؟": إذا كنت تحتاج إلى ست ساعات لقراءة هذا الكتاب، فحين تقلب الصفحة الأخيرة منه، يكون 2500 إنسان قد ماتوا من الجوع أو مرض ناتج عن سوء التغذية، في أنحاء العالم.

إذن؛ لماذا يوجد هذا القدر من الجياع؟ تؤكد سوزان جورج، بقناعة تامة، وببراهين تسندها، أن ليس سبب ذلك وجود ركاب زائدين عن الحد على مركبتنا الفضائية (الأرض)، ولا بسبب رداءة الطقس، أو التقلبات المناخية، بل لأن الغذاء تحت مراقبة الأغنياء؛ لذا يعاني الفقراء وحدهم من الجوع.

إن الشركات الزراعية الصناعية المتعددة الجنسيات، والحكومات الغربية بسياساتها في المساعدات الغذائية، ومنظمات التنمية المتعددة الأطراف، التي يفترض فيها الحياد، إن هذه كلها تشترك في مسؤولية الأزمة الغذائية.

إن هذا الكتاب عالج أمور رجال ونساء العالم الثالث أو بصورة أدق، القوى السياسية والاقتصادية التي تكيف حياتهم، والتي تقرر ما إذا كانوا سيتغذون بشكل جيد أو بشكل سيئ، إن الأطفال الناقصي التغذية، والأمهات اللواتي ينخرهن الجوع يمكن أن يكون الجوع رفيق البشرية منذ نشأتها، أما في القرن الحالي، فمن الصعب قبول وجهة النظر هذه، حول مصير ملايين من الكائنات البشرية، إن حالهم هذا ليس مما لا يمكن تجنبه، إنه مسبب عن قوى معلومة يمكن السيطرة عليها.

وتقول سوزان: لديّ قناعة بأن العديد من الغربيين، الذين يوجه إليهم هذا الكتاب بشكل رئيس، سيحاولون مقارعة القوى التي تخلد سوء التغذية والجوع والمجاعة، إذا فهموا بوضوح، كيف، ولماذا تتصرف هذه القوى.

وتقول أيضاً: لماذا يكون سوء التغذية مشكلة لا تقل خطراً، إن لم نقل أكثر خطراً من المجاعة نفسها؟ ولماذا لا يتسنى لبعض الكائنات البشرية الكفاية من الطعام؟ ومن هم؟ أيكون للحيوانات قيمة أكبر من قيمة البشر؟ هل المخزون من الغذاء غير كافٍ؟ أنستطيع زيادة الإنتاج إذا نظمنا استعمال مواردنا بشكل آخر؟ إن نظرة سريعة على الوضع الحالي تظهر أن الفقراء – أينما كانوا – هم الذين يعانون من الجوع، وأن الظلم والاستغلال المتأصلين بعمق، واللذين أرساهما الغرب والزعامات المحلية، هما اللذين يمنعانهم من التغذية.

لهذا السبب تجد العديد من الخبراء يحملون مسؤولية مشكلة الجوع للمحرومين أو على الأصح لأعضائهم التناسلية! وبالتالي تجد الحل المزعوم الأكثر شيوعاً هو مراقبة الولادات أو تحديد النسل، ولكن طالما لم يتحقق توزيع أفضل للموارد، فإن عدد السكان لن ينقص.

ويشكل الطقس أو المناخ كبش فداء آخر سهل الاستعمال.

وإذا كانت الحلول التقنية، كالثورة الخضراء، ونقل التقنية، ومراقبة الديموجرافية، لا تستطيع حل مشكلة الجوع، وإذا كانت المساعدات الغذائية تستخدم لممارسة إشراف على حكومات العالم الثالث، وإذا كانت الشركات الزراعية الغذائية، المتعددة الجنسيات، والمؤسسات الدولية، ترغب في استمرار نظام الإشراف الاستعماري في البلدان المتخلفة بأسلوب أكثر لباقة، وبالاختصار، إذا كان أي من هذه البُنى والمنظمات، مجتمعة أو منفردة، لا تستطيع أن تجلب للبشرية عهداً من الرخاء، فما العمل؟

إن على بلدان العالم الثالث أن تزيد من إنتاجها داخل حدودها الخاصة.

إن التصنيع شيء جوهري في البلدان المتخلفة، ولكن يجب أن تعطى الأفضلية للصناعات التي تخدم الزراعة، وهذا لا يقف عند الأسمدة والمبيدات، فعلى الدولة أن تشارك مالياً في بناء أنظمة الري، وشبكات الطرق، وتجهيزات التخزين، وتدريب كوادر زراعية، ويجب أن ترتكز هذه الصناعات وهذه الأشغال العامة على اليد العاملة الوافرة.

إن من الواضح أن البلدان المتخلفة يجب أن تتبع مثل الصين (وتعتمد على قواها الذاتية)، بدلاً من أن تعتمد على المعونة الغربية، إن كل تقدم نحو القضاء على الجوع، يجب أن يمر بتغيير اجتماعي.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الخميس, 16 فبراير 2017 12:34

فوضى الهجرة!

من الصعب أن نتصوَّر كيف يمكن للنمو الاقتصادي أن يحدث في الجنوب الفقير دون تجارة واسعة وتبادل فني، وتعاون مع الشمال الغني، وبالمثل فإن من الصعب أن نتخيَّل كيف يمكن للشمال الغني أن يحققَ أمنًا أكبر دون التعاون العادل والمنصف مع الجنوب الفقير، أما إن نتصور خلاف ذلك، فمعناه العودة إلى حالة أشد من العزلة ومن الصراع بين الدول، ومن الفوضى الدولية.

إن جهود التنمية غالبًا ما تؤدي إلى زيادة الهجرة من الجنوب إلى الشمال، والسبب في ذلك هو أن الميكنة وزيادة الكفاءة المطلوبة لزيادة الإنتاج ستعني أن أعدادًا كبيرة من العُمَّال سيفقدون عملهم، وبارتفاع البطالة سيرتفع أيضًا عدد الناس الذين يسعون إلى إيجاد ملجأ لهم في مكان آخر، وقد تستمر هذه العملية على مدى عدة عقود؛ لأن التنمية تكون تدريجيَّة حتى في أحسن الظروف.

ومن المقدر أن أكثر من 80 مليونًا من البشر في العالم حاليًا هم في حالة حركة، وهذا الرقم يشمل أناسًا كان دافعهم إلى مغادرة أوطانهم هو الحروب، أو القمع السياسي، أو الكوارث البيئية، أو خطر المجاعة، أو الصعوبات الاقتصادية، أو الرغبة في تحسين ظروفهم وحوالي 20 مليونًا منهم لاجئون سياسيون ممن ينطبق عليهم تعريف ميثاق الأمم المتحدة بأنهم أفراد يبحثون عن ملجأ لخوفهم من الاضطهاد المبني على أُسس واقعية حقيقية.

والمهاجرون المحتملون يتركزون بشدة في المناطق الفقيرة من الجنوب، وهم ينتقلون إلى بلدان مجاورة لهم في مناطقهم، وكذا يحاولون بشكل متزايد الانتقال إلى مناطق متقدمة صناعيًّا، مثل: أوروبا وأمريكا، إن هناك اتجاهاً لإلقاء اللوم بشأن الهجرة الحالية من الجنوب إلى الشمال؛ أي: من الفقر إلى الغنى على فشل التنمية في الجنوب الفقير، والحقيقة أن عقد الثمانينيات - وهو عقد التنمية - قد تميز بالركود الاقتصادي، وبالمستويات المتناقضة للدخل الحقيقي للفرد.

وسينظر إلى هذا العقد تاريخيًّا باعتباره فترة من التحول الدرامي نحو عالمية الأسواق، وما يرتبط بذلك من تنسيق عالمي للسياسات الاقتصادية الوطنية، لقد عانت بلدان العالم الثالث التي حدث فيها قدر من النمو الاقتصادي في العقود الأخيرة بشكل عام في فترات طويلة من البطالة العالية، ومن الهجرات الكبيرة منها.

يقول آلان سيمونزر، الباحث الاجتماعي الكندي: إن معدلات النمو السكاني الطبيعي العالي وتأثير الميكنة في الزراعة والصناعة أوجدت أعدادًا من العُمَّال في هذه البلدان أكبر مما يمكن أن يستوعبه الاقتصاد المحلي، وعلى مدى الثمانينيات خسر عدد أكبر من البلدان اقتصاديًّا، وولدتِ البطالة المتصاعدة وانخفاض الدخل الحقيقي فيها أزمات سياسية وضغطًا متصاعدًا من أجل الهجرة.

إن التنمية في عصر العالمية الجديدة ستكون غير متكافئة لأسباب متأصِّلة في البلدان ذاتها، وستستمر حتمًا في توليد ضغوط كبيرة للهجرة الدولية، وستتغير الأماكن التي يخرج منها المهاجرون بتغير الظروف العالمية، كما أن تحول الإنتاج إلى العالمية قد دَعَمَ التقسيم الدولي للعمل؛ حيث تتركز في الشمال الغني الوظائف المتعلقة بالعلم والتقنية والتصميم، والمالية والإدارة والرقابة، بينما تتركز في الجنوب الفقير وظائف الصناعات التحويلية اليدوية التي تحتاج إلى كثافة الأيدي العاملة، ويؤدي النمو الاقتصادي في الشمال الغني إلى الطلب المتزايد على الخَدْمات والأنشطة المعاونة الرخيصة في البلدان المتقدمة ذاتها.

إن الاتجاهات الحالية للهجرة من الجنوب للشمال هي نظام عالمي من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية المتغيرة التي يفضلها ويعززها الشمال، إن الحلول المقدمة لإيقاف الهجرة ينبغي أن تشتمل على خطة طويلة المدى، وأن تؤدي الجهود الدولية الحالية للتنمية إلى الإقلال من الهجرة على المدى الطويل.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

السبت, 11 فبراير 2017 14:34

بؤساء الأرض

إنه لأمر مؤثر عن حق ما يقوله توماس فريدمان: إن بؤساء الأرض يرغبون في الذهاب إلى عالم ديزني، وليس إلى المتاريس، تستحق هذه العبارة مكانًا لها لدى الأجيال القادمة، بجوار إعلان الملكة ماري إنطوانيت عام 1789م الذي صرحت به عندما علمت أن الناس تثور في باريس مطالبة بالخبز، قالت: فليأكلوا الكعك!

إن قراءة فاحصة لتقارير التنمية البشرية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية تؤكد أن أكثر من ملياري نسمة أو ربع البشرية يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم، وربما لن يزعجهم الذهاب إلى والت ديزني، ولكنهم سيفضلون أولاً وقبل كل شيء الحصول على طعام جيد، ومسكن لائق، وملابس مناسبة، وتعليم أفضل، فضلاً عن الحصول على وظيفة.

إن ملايين الناس في جميع أنحاء العالم مستعدون من أجل الحصول على الاحتياجات الأساسية أن يشيِّدوا المتاريس، ويلجؤوا للعنف دون أدنى شك، إذًا لماذا لا يجري تخصيص جزء ضئيل جدًّا من ثروة العالم من أجل تُعساء الأرض؟!

إذ لو خصصنا 1% فقط من هذه الثروة لمدة 20 سنة لتنمية البشر التعساء فمن الممكن أن يختفي البؤس الشديد، وتختفي معه مخاطر العنف المستوطن، بَيْدَ أن العولمة صمَّاء وعمياء إزاء تلك الاعتبارات، وبالعكس فهي تزيد من سوء الاختلافات والانقسامات، وتعمل على استقطاب المجتمعات، في عام 1960م قبل العولمة المعاصرة كان أكثر من 20% من سكان الكوكب أغنى 30 مرة من أفقر من 20%، وفي عام 1997م وفي ظل قمة العولمة كان الأكثر ثراءً أغنى 74 مرة من أفقر الفقراء في العالم! وتتنامى هذه الفجوة كل يوم، واليوم إذا جمعنا الناتج الوطني الإجمالي لجميع البلدان المتخلفة في العالم بسكانها البالغ عددهم أكثر من 800 مليون نسمة، لن يعادل ناتج الجمع مجموع ثروة أغنى ثلاثة أفراد في العالم.

صحيح أن للعولمة جوانب إيجابية إلى جانب آثارها السلبية، ولكن كيف يمكننا التغاضي عن حقيقة انخفاض دخل الفرد في أكثر من 80 بلدًا أو في نصف دول العالم تقريبًا خلال أعوام العولمة العشرين؟! أم أنه منذ سقوط الشيوعية، عندما رتب الغرب افتراضيًّا علاجَّا اقتصاديًّا عبقريًّا للاتحاد السوفييتي السابق، مطاعم ماكدونالدز جيدة، وقع أكثر من 200 مليون نسمة من سكان الاتحاد السوفييتي السابق من مجموع السكان الذي يصل إلى 350 مليون نسمة تقريبًا في شباك الفقر؟!

للحقيقة؛ فإن العولمة تمثل عرضًا من أعراض نهاية الدورة ليس نهاية العصر الصناعي فحسب، مع وجود التقنية الجديدة اليوم، وليس نهاية الثورة الرأسمالية الأولى فحسب مع الثورة المالية، ولكنها أيضًا نهاية الدورة الفكرية، الدورة التي كان العقل يقودها، كما عرفها فلاسفة القرن الـ18م، لقد ولّد العقل السياسة الحديثة كما زعموا، وأشعل شرارة الثورتين الأمريكية والفرنسية، ولكن هذا العقل المشيّد: الدولة، المجتمع، الصناعة، القومية، الاشتراكية، قد تغيَّر تغيُّرًا عميقًا.

إن انتصار السوق وتوسع العولمة قد يؤدي إلى حدوث مكاشفة حتمية بين الرأسمالية والديمقراطية، بحيث تقود الرأسمالية بلا هوادة إلى تركز الثورة والقوة الاقتصادية في أيدي مجموعة صغيرة، وهو ما يقود بدوره إلى التساؤل الأساس التالي: كم تستغرق عملية إعادة التوزيع من وقت؛ كي تجعل هيمنة الأقلية الغنية مقبولة لدى غالبية سكان العالم؟

وتكمن المشكلة في أن السوق تعجز عن الاستجابة والعولمة تدمر دولة الرفاه في جميع أنحاء العالم.

إذًا: ما الذي يمكننا القيام به؟! أظن أن الإجابة النموذجية عند دُعاة العولمة: أعطوا الناس ساندويتشات الهمبرجر، وأرسلوهم إلى عالم ديزني! حتى نمنع نصف البشرية من التمرُّد واختيار العنف؟!

للتواصل : عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top