د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الأربعاء, 13 يوليو 2016 14:24

أهل البشرى

إنّ البشرى والاستبشار خلق كريم من الأخلاق الإسلامية التي حض عليها القرآن الكريم والسنة النبوية، بل إن البشرى جزء من الهدي النبوي.

فالمؤمن الذي خالطت بشاشة الإيمان قلبه من شأنه أن يكون مبشراً بالخير في كل حين، ومبشراً بدعوة الحق في مكانها، ومستبشراً بين الناس.

والبشرى تلقى الضوء على ما يقوم به المؤمن من عمل؛ لأنه على ثقة من قبول هذا العمل.

وقد بين الله تعالى سرور وفرح الشهداء، واستبشارهم عندما قال: "فرحين بما ءاتهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم"(آل عمران/170).

وللبشرى والاستبشار مكانة سامية في سُدّة الفضائل، فقد أخبر الله تعالى بأنه هو الذي يُبشر من يستحقون البشرى؛ ليكونوا من أهل الاستبشار، قال سبحانه :"الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم" (التوبة/20ـ21).

ومما لاشك فيه أن أهل البشرى سيلقون نعيماً وملكاً كريماً عند مليك مقتدر، فهم ضاحكو الوجوه مستبشرون بالنعيم "وجوه يومئذ مسفرة، ضاحكة مستبشرة"(عبس/38ـ39).  

إنَّ هناك علاقة لطيفة بين البُشرى والعبادات التي افترضها الله عز وجل على المؤمنين.

فلقد عُني الإسلام بأمر الصلاة عناية فائقة، وحضّ عليها، ورغّب بمحاسنها، فهي مفاتيح الجنان، ومن خير الأعمال بعد شهادة الإيمان، وأول ما يحاسب عليه العبد بعد مفارقة الأهل والخِلان، عندما يقابل ملائكة الملك الدّيان.

وقد جعل الله تعالى الصلاة صفة كريمة وحلية مباركة للمتقين المسلمين به، والمسلمين له، "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين..."( البقرة/2).

فهؤلاء لهم رتبة مرموقة يوم القيامة، ومكانة محمودة، لأنهم من فريق المفلحين "أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون" (البقرة/5).

وفي السنة النبوية دعوة مرغبة إلى أداء الصلاة في جماعة في سائر الأوقات، وخصوصاً في صلاة الصبح والعشاء، حيث جاءتهم البشرى بذلك، فعن بريدة بن الحُصيب الأسلمي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بشروا المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة" (أخرجه أبو داود في سننه).

والزكاة ركن مهم من أركان الإسلام، ودعامة من دعائم الإسلام، أداؤها عنوان على العمل بطاعة الله عز وجل: "ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون"(الحشر/9). فلما سمع المسلمون الأوائل هذه الدعوة المباركة: "فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" (الحج/78)، إلى الإنفاق فاضت أيديهم بالمعروف طلباً لرضوان الله سبحانه.

وقد حض الإسلام على الصدقة لما فيها من الخير العميم والثواب العظيم "الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (البقرة/274).

ولقد خصّ الله تعالى الصيام بنفحات مباركات وجعل شهره وهو رمضان شهر الصيام، وشهر القرآن العظيم؛ حيث أنزل فيه القرآن العظيم؛ حاملاً معه البشرى والهدى والهداية للناس.

وقد فرض الله سبحانه الحج على كل مسلم يملك الاستطاعة، والحج فريضة يؤديها المسلم في العمر مرة، حينما تتوافر الاستطاعة من الصحة وإمكان السفر، وأمن الطريق،  والحج مؤتمر المسلمين السنوي العام، يتلاقون فيه عند البيت العظيم الذي صدرت لهم الدعوة منه ذلك البيت الذي جعله الله أول بيت في الأرض لعبادته.

لذا، كثرت البشائر بالجنة وبألوان النعيم لمن أحسن أداء العبادات التي افترضها الله عز وجل على المؤمنين. 

الأحد, 03 يوليو 2016 09:29

أزاهير رمضانية

يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله: المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات وفطامها عن المألوفات وتعديل قوتها الشهوانية لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين وتضييق مجاري الشياطين من العباد بتضييق مجاري الطعام والشراب وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ويسكن كل عضو فيها وكل قوة عن جماحه، وتلجم بلجامه فهو لجام المتقين وجنة المتحابين ورياضة الأبرار المقربين.

ويضيف أبو الفرج ابن رجب الحنبلي رحمه الله، مؤكداً تلك الفوائد والأسرار، قائلاً كما كان الصيام في نفسه مضاعفاً أجره إلى سائر الأعمال، كان صيام شهر رمضان مضاعفاً على سائر الصيام لشرف زمانه وكونه هو الصوم الذي فرضه على عباده وجعل صيامه أحد أركان الإسلام التي بني الإسلام عليها.

قيل للأحنف بن قيس: إنك شيخ كبير وإن الصوم يضعفك، فقال: إني أعدّه لسفر طويل، والصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذابه.

ورد عن الحسن البصري رحمه الله قوله: إن الله جعل الصوم مضماراً لعباده ليستبقوا إلى طاعته، فسبق قوم ففازوا ولعمري لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه ومسيء بإساءته عن تجديد ثوب أو ترجيل شعر.

أما الشافعي رحمه الله فيقول: أحب للصائم الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم ولتشاغل كثير منهم فيه بالعبادة عن مكاسبهم.

وهذا أبو حامد الغزّالي يقول: الصيام زكاة للنفس ورياضة للجسم وداع للبر فهو للإنسان وقاية وللجماعة صيانة، في جوع الجسم صفاء القلب وإيقاد القريحة وإنفاذ البصيرة لأن الشبع يورث البلادة ويعمي القلب ويكثر الشجار في الدماغ فيتبلد الذهن، والصبي إذا ما كثر أكله بطل حفظه وفسد ذهنه أحيوا قلوبكم بقلّة الضحك وقلة الشبع وطهروها بالجوع تصفُ وترق.

لقد كان شهر رمضان المبارك، ولا يزال، مبعثاً لكوامن الشعور النبيل والأفكار النيّرة والأوصاف الحسنة والمواعظ الطيبة من قبل العلماء والأدباء والمفكرين والشعراء.

وقد جادت قرائحهم بقطوف دانية من الأقوال والحكم والمواعظ التي تعكس مزية هذا الشهر الفضيل ومنزلته في النفوس والقلوب، قطفنا منها أزاهيرها.

جعل الله الصوم شهراً في السنة يتزود فيه المؤمنون بحكم الصوم وفضائله لباقي شهور العام حتى يصلوا إلى التقوى بحيث يتقون بتلك الفضائل الشرور والآثام.

ومن أهم حِكم الصوم وفضائله أنه يربي في الصائم المؤمن ملكة الصبر والمصابرة عن الشهوات المفسدة للأخلاق، إذ من ربّى نفسه طيلة شهر رمضان على ترك شهواته المباحة الميسورة امتثالاً لأمر الله تعالى واحتساباً، عنده يُرجى من أن تتربى عنده ملكة ترك الشهوات طيلة شهور السنة.

إن من أهم حِكم الصوم تربية ملكة الصبر على المكاره والمشاق، إذ مَنْ صبر طيلة أيام شهر كامل على احتمال مشقة الجوع والعطش، سيما في الأيام الطوال الحارة فإنه يُرجى أن تتربى عنده ملكة الصبر في المواطن التي تحتاج إلى ذلك.

ومن فضائل الصيام تربية ملكة الشفقة والرحمة على الفقراء والمساكين، فإنه حينما يشتد جوع الصائم وعطشه يشعر بحاجة إخوانه المحتاجين، وربما حمله ذلك على الإحسان إليهم وفي ذلك إصلاح اجتماعي، وبهذا ترتبط فريضة الزكاة بفريضة الصيام برباط ديني اجتماعي إنساني متين.

ومن خصائص شهر رمضان تربية مراقبة الله عز وجل في جميع أعمال الصائم طيلة شهور السنة، إذ عند ترك الصائم كل ما يرغب فيه أثناء أيام صيامه من أكل نفيس وشراب عذب وفاكهة شهية وكل ما يستهويه من الملذات امتثالاً لأمر الله تعالى، فإن من نتائج هذا أن تتقوّى ملكة المراقبة ومحاسبة النفس بقية شهور العام.

وفريضة الصيام تربي في نفسية الصائم ملكة النظام في جميع أعماله، فإنه حينما يلتزم وقتاً محدداً لصومه وإفطاره وسحوره وقيامه وتلاوته للقرآن وزيارة الأقارب والأصحاب، فإن ذلك يربي عنده حب النظام والمحافظة على ترتيب الأعمال.

ونضيف إلى ما سبق من الخصائص والسمات والفضائل المرتبطة بفريضة الصيام في شهر رمضان المبارك أيضاً؛ أن في الصوم فرصة لإذابة شحوم المترهلين وإفناء المواد السامة المترسبة في الأبدان، لا سيما أبدان المترفين أولي النهم قليلي العمل، وتطهير الأمعاء من السموم التي تحدثها البطنة، فكثير من المرضى يتعافون أثناء شهر رمضان.

إن رمضان مصنع للرجال وليس مطبخاً للطعام، فلو تجوّل الإنسان في الأسواق عشية الإفطار لرأى العجب العجاب من تهافت الناس القادرين على شراء اللحوم والخضار والحلويات والمآكل المتنوعة، حتى ترتفع الأسعار تبعاً لزيادة الطلب وتُفقد أحياناً هذه المواد الغذائية من الأسواق ويتعذر بالتالي على الفقراء شراء ما يحتاجون منها بريالات محدودة.

وللأسف، فإننا نشاهد في أيامنا هذه ما وصل إليه الناس من فهم لرمضان وممارسة للصيام، فهم يتبارون في صنع الأطباق المتنوعة ولا يكتفون بطعام واحد بل يضعون على موائد الإفطار كل ما اشتهته نفوسهم أثناء النهار، فإذا دوّى مدفع الإفطار انطلقوا على سجيتهم يملؤون بطونهم من كل نوع حتى التخمة.

الأربعاء, 22 يونيو 2016 10:45

السمات الاقتصادية لفريضة الصوم

يرى دافيد سترى أنَّ الصوم اقتصادي، ويقوم مقام مستحضرات التجميل، ويعطي جهاز الهضم راحة تامة، ويتيح للجسم الفرصة ليتخلص من السموم والفضلات المتراكمة، ويرمِّم نفسه بنفسه.

وفيما يلي نستعرض أهم السمات الاقتصادية لفريضة الصوم:

أولاً: الصوم والاستهلاك: من الواضح أنَّ هناك علاقة طردية بين شهر الصوم المبالغ فيه، والمرء يدهش من هذا النهم الاستهلاكي الذي يستشري لدى الناس عامة في هذا الشهر، فالجميع يركض نحو دائرة الاستهلاك والاستعداد للاستهلاك في رمضان، يبدأ مبكراً مصحوباً بآلة رهيبة من الدعاية والإعلانات التي تحاصر الأسرة في كل وقت ومن خلال أكثر من وسيلة، وبالتالي يكون المرء مهيأ للوقوع في دائرة الاستهلاك الرهيبة، الزوجة تضغط باتجاه شراء المزيد، والأولاد يُلحون في مطالبهم الاستهلاكية، والمرء نفسه لديه حالة شرهة لشراء أي شيء قابل للاستهلاك.  

إنَّ هناك تبذيراً وإسرافاً إلى حد السفه، فالكميات التي يتم شراؤها في الأيام العادية، يتم تجاوزها إلى أضعاف الأضعاف في شهر رمضان، على الرغم من أنه لا يحتوي إلا وجبتين فقط.

ثانياً: الصوم والإنفاق: من الإنفاق ما افترض على سبيل الكفارة لمن لم يقدر على الصوم، ومنها زكاة الفطر.

إنَّ من معاني الصوم أنه إمساك عن شهوة البطن، وبالمعنى الاقتصادي هو تخفيض للإنفاق، أو ترشيد للإنفاق، ثم إنَّ الإنفاق البذخي في رمضان أمر لا يمكن أن يتسق مع وضعية مجتمعاتنا الإسلامية التي في أغلبها مجتمعات نامية تتطلب المحافظة على كل جهد وكل إمكانية من الهدر والضياع للموارد الاستهلاكية، وما نصنعه في رمضان هو هدرٌ لإمكانات مادية نمتلكها في غير موضعها، وهدرٌ لقيم سامية طالبنا الدين الإسلامي بالتمسك بها، وهدرٌ لسلوك قويم هو القناعة.

إن شهر الصوم فرصة ولا شك يتعلم فيها أفراد أمتنا عادة اقتصادية حميدة هي ترشيد الإنفاق، ليكون شهر الصوم فرصة دورية للتعرف على قائمة النفقات الواجبة، وفرصة لترتيب سلّم الأولويات، وفرصة للتعرف على مستوى الفائض الممكن الذي ينبغي توجيهه إلى أغراض استثمارية.

كما إنَّ شهر الصوم فرصة لتحقيق هذا الترشيد، ولتوسيع وعاء الفائض الممكن، ولكن شريطة أن يرتبط بقاعدة لا إسراف ولا تبذير، ولا شك أنها هي ميدان الترشيد، على المستوى الفردي والمستوى العام، انطلاقاً من قوله سبحانه: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ) (الأعراف:31)، ومن قوله صلى الله عليه وسلم: "كل واشربْ والبسْ ما أخطأتك خصلتان: سرفٌ ومخيلة".

ثالثاً: نتائج وتوصيات: إنَّ هذه الخصائص الاقتصادية هي خصائص كامنة في جوهر الصوم، باعتباره مرتبطاً بقوى اقتصادية مثل: الاستهلاك والإنفاق والأموال ودرجة الحاجة ودرجة الإشباع، وأن تحريك هذه الخصائص وتنشيط  فاعليتها هو مهمة البشر في الأمة الصائمة، على مستوى الأفراد ضبطاً لاستهلاكهم، وتقويماً لسلوكهم الاقتصادي، وعلى مستوى المؤسسات توفيراً للنظم الكفيلة بحسن تجميع وتوجيه أموال الكفارة وأموال الزكاة والصدقة، وحسن توظيف قوتها الاقتصادية.

إنَّ في شهر الصوم فرصة للقادرين لاستجلاء مشاعر المحتاجين، ولكن هذا مرتبط بعدة عوامل، منها: أن يُحدث الصوم أثره في نفوس القادرين إزاء المحتاجين، ومنها توافر الحس الديني الذي يكفل التقدير المناسب لضرورة بذل الكفارة وأهمية إخراج زكاة الفطر، ومنها حسن توجيه هذه الأموال.

إنَّ خطة لمواجهة الشراهة الاستهلاكية أصبحت مطلوبة في رمضان وغير رمضان، إن هذه الحالة من شراهة الاستهلاك المتنامية فينا، دلالة على المدى الهائل من التخلف السلوكي الذي تعيشه مجتمعاتنا الإسلامية، والمتأمل لصناديق وأكياس القمامة يرى أننا في حاجة إلى إعادة النظر في قيمنا الاستهلاكية باتجاه تعديلها لتصبح قيماً إنتاجية أو قيماً استهلاكية رشيدة.

إذن؛ الاستهلاك والإنفاق لهما أبعاد خطيرة كثيرة تهدِّد حياتنا الاقتصادية، وتهدِّد أمننا الوطني، فهل يكون شهر رمضان فرصة ومجالاً لامتلاك إرادة التصدي لحالة الاستهلاك الشرهة، وأساليب الإنفاق البذخية؟!

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top