د.أشرف دوابه

د.أشرف دوابه

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

يعد مصطلح السياحة الإسلامية من المصطلحات المعاصرة التي باتت تلقى قبولاً عالمياً باسم «السياحة الحلال»، باعتبار هذه النوعية من السياحة تخضع لمعايير إسلامية، حيث تلتزم الفنادق والمنتجعات السياحية بعدم تقديم أي برامج أو وجبات أو أنشطة مخالفة للشريعة الإسلامية، وفي مقدمة تلك الممنوعات الخمور وصالات لعب القمار وأندية الديسكو والشواطئ أو حمامات السباحة المختلطة ونحوها.

شهدت السياحة الإسلامية نمواً ملحوظاً على المستوى العالمي في السنوات الأخيرة، فهي تُعَدُّ أحد أسرع القطاعات السياحية نمواً في العالم، حيث شكّلت نسبة 10% من إجمالي قطاع السفر العالمي.

وأشار تقرير المؤشر العالمي للسياحة الإسلامية للعام 2018م -وهو تقرير خاص بمعايير السياحة الإسلامية ويصدر بشكل سنوي عن شركة «ماستركارد» و»كريسنت ريتنغ» المتخصصة بالسياحة الإسلامية ومقرها سنغافورة- إلى أن ماليزيا احتلت المرتبة الأولى في المؤشر العالمي للسياحة الإسلامية للعام 2018م، تليها إندونيسيا ثم تركيا فالسعودية فالإمارات فقطر، وذلك في القائمة التي تشمل 130 وجهة سياحة في العالم.

وقد تم هذا التقييم وفقاً لاعتبارات تقديم الطعام الحلال وتخصيص قاعات للصلاة في المطارات والمراكز التجارية والفنادق، ووضع إشارة دالة على اتجاه القبلة فيها، والمبادرات التسويقية إلى جانب استقبال الزوار والوافدين.

كما أشار التقرير إلى أن عدد المسافرين المسلمين وصل إلى 140 مليون مسافر، وأن هذا الرقم يتوقع أن يصل إلى 168 مليون مسافر بحلول العام 2020م، و230 مليوناً بحلول العام 2026م، كما ذكر التقرير أن المسلمين المسافرين سينفقون 180 مليار دولار بحلول عام 2026م لشراء تذاكر السفر عبر الإنترنت، وأن مساهمة السياحة الحلال في الاقتصاد العالمي من المتوقع أن تقفز بنسبة 35% بحوالي 300 مليار دولار عام 2020م مقارنة بـ220 مليار دولار في العام 2016م.

أسواق الحلال

ولعل الشيء اللافت للنظر هو عدم اقتصار السياحة الإسلامية على الدول الإسلامية، بل عرفت تلك النوعية من السياحة طريقها للدول الغربية، فقد انتشرت في أوروبا خلال السنوات الأخيرة تجارة المواد الغذائية المصنعة وفقاً للمعايير الإسلامية (أسواق الحلال)؛ تلبية لحاجة الجاليات المسلمة المقيمة فيها، كما ظهرت الفنادق التي لا تقدم خدمات محرمة إسلامياً لتلبية طلبات السياح المسلمين.

وأشارت دراسة لمركز «بيو» الأمريكي إلى أن أوسع أسواق الحلال توجد في ماليزيا وإندونيسيا والشرق الأوسط، أما في أوروبا؛ فإن أوسعها يقع في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وبحسب هيئة الرقابة والترخيص لمنتجات الحلال في أوروبا ومقرها «روسلسهايم» الألمانية؛ فإن 400 شركة في ألمانيا توفر منتجات حلال إسلامية، ويوجد أكثر من أربعة آلاف منتج إسلامي في السوق الأوروبية.

كما أنه نظراً لأهمية الشريحة المسلمة في السياحة وما تمثله السياحة الإسلامية من مستقبل واعد، استضافت أوكرانيا عام 2015م أول مؤتمر عالمي بشأن السياحة الحلال، في محاولة منها لاستقطاب المزيد من السياح المسلمين من ناحية، ومنافسة الدول الإسلامية في هذه النوعية من السياحة، وفي فرنسا أقيمت فنادق للسياح المسلمين سواء للأوروبيين من أصول عربية وإسلامية، أو المقيمين بأوروبا ممن يواجهون أزمة كبرى كل عام في إيجاد أماكن يقضون بها عطلتهم الصيفية تنسجم مع خصوصيتهم الدينية.

إن هذا التوجه العالمي نحو السياحة الإسلامية هو فرصة للدول الإسلامية لتنمية مواردها السياحية وفتح الباب للشعوب غير الإسلامية للتعرف على الإسلام وما يرسخه من أخلاقيات تتواءم والفطرة السليمة، لا سيما وأن السياحة أصبحت من المؤشرات المهمة في توفير العملة الصعبة وتشغيل عدد كبير من العمالة، حتى أصبح قطاع السياحة صناعة قائمة بذاتها، بل وتعتمد عليه العديد من دول العالم كمصدر رئيس لدخلها، وتعتمد عليه كذلك القطاعات الاقتصادية داخل الدول لتسويق منتجاتها بما يحتاجه قطاع السياحة من سلع وخدمات تنتجها تلك القطاعات.

إن الإسلام كدين عالمي حثَّ على التعارف مع الآخرين، والكشف لهم عن معدن هذا الدين الثمين، ولم يكن دخول دول جنوب شرق آسيا في الإسلام إلا من خلال سياحة الضرب في الأرض التي قام بها التجار المسلمون الأوائل؛ ففتح الله قلوب أهل تلك البلاد للإسلام بأخلاق هؤلاء التجار التي مثلت دروساً عملية وواقعاً معيشاً يراه أهل تلك البلاد بأنفسهم.

فما أحوجنا إلى المزيد من دعم السياحة الإسلامية لا سيما ما يتعلق بالسياحة العلاجية التي باتت عنصراً مهماً وجذاباً في عالم السياحة اليوم، وخاصة أن الدول الإسلامية بها من المنتجعات والموارد الطبيعية ما يجعلها بؤرة للعالم في العلاج الطبيعي والترفيه والتدبر والتفكر في آيات الله تعالى.

يستقبل المسلمون شهر رمضان، ذلك الشهر الكريم الذي جمع الله فيه خصال الخير كلها، فهو شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، وهو شهر تحيط به البركات في نهاره وليله، وهو بحق فرصة للوقوف مع النفس بما يحمله من جوانب تربوية، وفي القلب منها التربية الاقتصادية.

الأسرة، باعتبارها نواة المجتمع وقوامه، في أحوج ما تكون في رمضان لترتيب أوراقها الاقتصادية، والاستفادة من هذا الشهر الكريم في تحقيق تربية اقتصادية رشيدة قوامها ترشيد الاستهلاك وتدعيم الادخار.

فالواقع يكشف أن الأسر المسلمة تعاني من الاستهلاك المفرط في رمضان، فقد كشفت أكثر من دراسة أن أكثر من 45% من الوجبات التي يتم إعدادها تذهب إلى صناديق القمامة، لا سيما في دول الخليج العربي، كما تشير العديد من الإحصاءات إلى أن الاستهلاك في رمضان يرتفع بنسبة تتراوح بين 10 و40% عنه على مدار السنة.

والمشكلة لا تتوقف على زيادة الاستهلاك فقط، بل تمتد إلى أن هذا الاستهلاك مصدره غالباً الاستيراد من الخارج؛ حيث تعاني الدول الإسلامية في جلها من وجود فجوة غذائية؛ وهو ما يعني بالطبع تبعية غذائية، وهذا من أخطر التحديات التي تواجه الدول الإسلامية، فتلك الدول تخضع لتحكّمات المتبوع الذي يمتلك الغذاء ويستطيع أن يتحكم في نوعيته وجودته ووقت إرساله، ومن ثم كان للاستهلاك أبعاد خطيرة كثيرة تهدد حياتنا الاقتصادية وتهدد أيضاً أمننا الوطني.

إن الواقع يكشف أن الأسر المسلمة –للأسف الشديد- جعلت من رمضان موسماً سنوياً للإسراف، من خلال تهافتها على الأسواق؛ لشراء ما لذّ وطاب من الطعام والشراب بصورة مبالغ فيها، وهذا سلوك منافٍ لحكمة الصوم، مناقضٌ لحفظ الصحة، معاكسٌ لقواعد الاقتصاد؛ فالمنطق الرياضي يشير إلى أن رمضان شهر الاقتصاد، فنسبة الاستهلاك في رمضان ينبغي أن تنخفض بمقدار الثلث، باعتبار تخفيض عدد الوجبات من ثلاث وجبات في الأيام العادية إلى وجبتين في ذلك الشهر الكريم.

إننا لا ننكر أنه من حق الأسر المسلمة أن تفرح بقدوم رمضان، وتزيد من مواطن الكرم فيه، ولكن هذا الفرح يجب ألا يحولها إلى أسرة مسرفة، متكاسلة عن العبادة، ومضيعة لقيمة البركة التي يتميز بها هذا الشهر عن غيره من شهور العام، وهو ما يتطلب الحفاظ على قيمة هذه البركة من خلال امتلاك الأسرة المسلمة إرادة التصدي لحالة الاستهلاك الشرهة التي تنتابها في هذا الشهر الكريم، وتحقيق التربية الاستهلاكية من خلال القاعدة القرآنية الإرشادية المعروفة على المستوى الفردي والمستوى العام: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ) (الأعراف: 31).

أكلما اشتهيت اشتريت؟!

إن رمضان فرصة للأسر المسلمة لصياغة نمط استهلاكي رشيد وفريد، والتدريب بصورة عملية لمدة شهر على القدرة على المعيشة بإلغاء استهلاك بعض المفردات في حياتها اليومية ولساعات طويلة كل يوم، وذات يوم أوقف عمر بن الخطاب ابنه عبدالله، رضي الله عنهما، وسأله: إلى أين أنت ذاهب؟ فقال عبدالله: للسوق، وبرر ذلك بقوله: لأشتري لحماً اشتهيته، فقال له الفاروق: أكلما اشتهيت شيئاً اشتريته؟!

كما كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يفطر على رطبات إن وجدها، فإن لم يجدها فعلى تمرات، فإن لم يجد فعلى حسواتٍ من ماءٍ، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخذ رمضان ترويضاً وتربية للنفس، لا كما نفعل نحن من تخمة أنفسنا بالملذات من مآكل ومشارب، تحرك الجوارحَ إلى المعاصي، وتثقلُها عن الطاعات، وتستهلك الأموال، وتضيع الأوقات في الأسواق.

إن من المسلّمات الاقتصادية أن زيادة الاستهلاك تضر ضرراً بليغاً بالادخار؛ ومن ثم بالتكوين الرأسمالي بالمجتمع، باعتبار الدخل القومي محصلة الاستهلاك والادخار، وأن الادخار يتوجه نحو الاستثمار، وتقوم عملية الادخار على دعامتين أساسيتين، هما: القدرة الادخارية، والرغبة الادخارية، فالقدرة الادخارية هي قدرة الفرد على ادخار جزء من دخله، وهي لا تتوقف على حجم الدخل المطلق، بل تختلف من فرد إلى آخر وفقاً لنظام معيشته وسلوكه وتصرفاته، وتتغير بتغير ظروف كل فرد، أما الرغبة الادخارية فهي مسألة تربوية تقوى وتضعف تبعاً للدوافع المحفزة للادخار، ومدى تأثر الفرد بهذه الدوافع وفقاً للبيئة المحيطة.

تربية ادخارية

ويقوم الادخار في الإسلام على ركنين أساسيين، هما: الكسب الطيب الحلال في ضوء استطاعة الفرد وقدراته وطاقاته، والاقتصاد والتدبير في النفقات بصورة متوازنة دون إسراف أو ترف أو تقتير، مع مراعاة الأولويات الإسلامية في الإنفاق من ضروريات وحاجيات وتحسينات، ومراعاة حق الله في الزكاة وما تيسر من الصدقات، وادخار ما تبقى من دخل بصورة معتدلة ومتوازنة في قضاء الحاجات بين الحاضر والمستقبل.

وقد أشار القرآن الكريم إلى أهمية الوسطية والتوازن في قوله تعالى: (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً {29}) (الإسراء)، (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً {67}‏) (الفرقان).

وبذلك ينبغي للأسرة المسلمة الاستفادة من رمضان من خلال تربية ادخارية رشيدة جنباً إلى جنب مع تربية استهلاكية رشيدة، باعتبار أن الادخار يمثل وسيلة مهمة لرفع مستوى دخل الأسرة حال توجيهه للاستثمار، وهو صمام أمان والعاصم لها بعد الله عز وجل في كثير من الأزمات، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «رحم الله امرأ اكتسب طيباً، وأنفق قصداً، وقدم فضلاً ليوم فقره وحاجته» (متفق عليه).

الأحد, 07 أبريل 2019 08:23

الاقتصاد.. والصحة النفسية

ترى منظمة الصحة العالمية أن الصحة النفسية جزء أساسي لا يتجزّأ من الصحة، وفي هذا الإطار ينص دستورها على أنّ «الصحة هي حالة من اكتمال السلامة بدنياً وعقلياً واجتماعياً، لا مجرّد انعدام المرض أو العجز»؛ فالصحة النفسية ليست مجرّد غياب الاضطرابات النفسية، بل هي حالة من العافية يستطيع فيها كل فرد إدراك إمكاناته الخاصة والتكيّف مع حالات التوتّر العادية، والعمل بشكل منتج ومفيد، والإسهام في مجتمعه المحلي.

أبرزت منظمة الصحة العالمية محدّدات الصحة النفسية من خلال عوامل اجتماعية ونفسية وبيولوجية متعددة يرجع إليها الدور الرئيس في تحديد مستوى صحة الفرد النفسية في مرحلة ما. وذكرت مثالاً على ذلك بالضغوط الاقتصادية، حيث تعد من المخاطر التي تحدق بالصحة النفسية للأفراد والمجتمعات المحلية، وفي مقدمة ذلك ما تعكسه مؤشرات الفقر، وما يتعرض له الأفراد من ظروف العمل المجهدة.

وقد أظهرت دراسة لمنظمة الصحة العالمية بالتعاون مع البنك الدولي نشرتها “المجلة الطبية الدولية” (لانسيت) للطب النفسي في جنيف، أنه في حالات الطوارئ يتأثر واحد من كل خمسة أشخاص بالاكتئاب والقلق، وأن الاكتئاب واضطرابات القلق يكلفان الاقتصاد العالمي تريليون دولار سنوياً. 7-4-1.jpg

كما أشارت الدراسة إلى وجود ارتباط بين الصحة النفسية والاقتصاد، وأن كلاً من الصحة والاقتصاد يستفيدان من الاستثمار في العلاج النفسي للأمراض العقلية الأكثر شيوعاً على مستوى العالم، فعلاج الاكتئاب والقلق يخلق شعوراً جيداً بالصحة والرفاهية، وهذا قرار سليم من الجانب الاقتصادي، وكل دولار يُستثمر في توسيع نطاق علاج الاكتئاب والقلق يعود بأربعة دولارات على جودة الصحة والقدرة على العمل، وذلك سبب تحسن حالة المريض الصحية وارتفاع قدرته على العمل.

وحذرت الدراسة من أن عدم إيجاد حلول سريعة وفاعلة لهذا الواقع سيكلف 12 مليار يوم عمل (50 مليون سنة)؛ بسبب الأمراض العقلية عام 2030م، وبحسب معطيات الدراسة؛ فإن الكثير من الدول تحجم عن الإنفاق على المرضى النفسيين بشكل كاف، إذ تستخدم حكومات عدة 3% فقط من متوسط إجمالي الميزانية المخصصة للصحة لديها لمصلحة علاج هذه النوعية من الأمراض.

ارتباط وثيق

إنه مما لا شك فيه أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الصحة النفسية والاقتصاد، حتى يمكن القول: إن إنتاجية الفرد تتناسب طردياً مع صحته النفسية، فكلما ارتفعت الصحة النفسية للفرد ارتفعت إنتاجيته، والعكس صحيح، وهو ما يندرج تأثيره إيجاباً أو سلباً على الاقتصاد بحسب الأحوال.

كما أن معاناة المجتمع من البطالة والفقر تمثل عاملاً رئيساً في الإصابة بالأمراض النفسية واضطراباتها التي يمثل استمرارها عجز الفرد عن بلوغ إنتاجيته المأمولة نوعاً وكماً، وهو الأمر الذي يعرض المجتمع إلى خسارة اقتصادية تستنزف الاقتصاد من ناحيتين؛ الأولى: انخفاض إنتاجية الفرد بل وانعدامها، والثانية: ما يتكبده الفرد والدولة من علاج نفسي، وهو ما يجعل المجتمع يتحمل أعباء مالية إضافية، وهو ما يزيد من ارتفاع فاتورة الخسائر الاقتصادية.

إن تدهور الصحة النفسية للفرد إذا كانت تؤثر سلباً على الاقتصاد فإنها من ناحية أخرى تدفع بالفرد إلى المزيد من التدهور النفسي، وهو ما يندرج سلباً على الاقتصاد مرة أخرى، حيث إن تدهور صحة الفرد النفسية ستضعف من قدرة الفرد على العمل وحسن متابعته، ومن ثم سيترتب على ذلك ضعف مواظبته على الحضور، بل وربما فقدان عمله، ووقوعه فريسة الفاقة والحاجة، ويفتقد المجتمع لإنتاجيته وعناصر نموه وإنتاجه، وفي الوقت نفسه تزداد حالة الفرد النفسية سوءاً نتيجة هذا العوز والحاجة.

الإسلام.. والصحة النفسية

والناظر إلى المنهج الاقتصادي الإسلامي يجد حرصه على تحقيق الصحة النفسية للفرد؛ فقوام هذا المنهج الموازنة بين الجوانب المادية والمعنوية؛ ﴿فَلۡيَعۡبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ ٣ ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۢ ٤﴾ (قريش)، وقد ربط الله تعالى المسلم بذكره حتى يطمئن قلبه وتتحقق له السكينة النفسية؛ ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ ٢٨﴾ (الرعد)، ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ﴾ (الفتح: 4)، وجعل اتباع هداه من عوامل الراحة النفسية؛ ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٨﴾ (البقرة).

كما فرض على المسلم خمس صلوات في اليوم تحقق له الأمن النفسي وتزيح همه وغمه، كما جعل الإيمان بالله واليوم الآخر والقدر خيره وشره حلوه ومره عاملاً للاستقرار النفسي، فإذا كان الأخذ بالأسباب واجباً، فإن النتيجة مهما كان وضعها فهي خير لصاحبها؛ ﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ  وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٢١٦﴾ (البقرة)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عجباً لأمر المؤمن؛ إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" (رواه مسلم)، وهو في كل أحواله يستمد قوته من إيمانه بربه والتسليم لأمره واللجوء إليه؛ "احفَظِ اللَّهَ يَحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدهُ تُجاهَكَ، إذَا سَألتَ فاسألِ اللَّهَ، وَإِذَا استَعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ، وَاعلَم أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجتَمَعَت على أن يَنفَعُوكَ بِشَيءٍ، لَم يَنفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيءٍ، قَد كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجتَمَعُوا على أن يَضُرُوكَ بِشَيءٍ، لَم يَضُرُوكَ إِلا بِشَيءٍ، قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وَجَفَّتِ الصحُفُ" (رواه الترمذي).

فالله تعالى قريب منه؛ ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ ١٨٦﴾ (البقرة)، ومن ثم لا يعرف لليأس سبيلاً؛ ﴿وَلَا تَاْيۡسُواْ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡئسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٧﴾ (يوسف)، كما أن تعامله مع مجتمعه قائم على التعاون والتسامح والتراحم؛ ﴿وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ ٣٤ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ ٣٥﴾ (فصلت)، وكل ذلك يحقق له في حياته اليومية استقراراً نفسياً.

وختاماً، فإن الصحة النفسية لا تقل أهمية عن الصحة البدنية؛ فهما وجهان متكاملان، ومن ثم تبدو أهمية سعي الدول الإسلامية لتعزيز الصحة النفسية من خلال التكريم الذي ميز به الله تعالى الإنسان، ذلك التكريم الذي يتطلب تهيئة الظروف المعيشية والبيئية المناسبة لاعتماد أنماط حياة صحية والحفاظ عليها من خلال حماية الحقوق الإسلامية المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية للفرد، ودمج مسألة تعزيز الصحة النفسية في السياسات والبرامج الحكومية لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم، مع تعزيز دور مؤسسات المجتمع وتكاملها مع مؤسسات الدولة لتحقيق الصحة النفسية في المجتمع.

(*) أستاذ التمويل والاقتصاد بجامعة إسطنبول صباح الدين زعيم

تمثل المشكلة الاقتصادية أساس ومبنى علم الاقتصاد الوضعي، وقد عكس ذلك الاقتصادي البريطاني الشهير “ليونيل روبنز” (Lionel Robbins) -الذي ينتمي للمدرسة التقليدية- في تعريفه لعلم الاقتصاد بأنه: “دراسة السلوك الإنساني كحلقة اتصال بين الأهداف والحاجات المتعددة، وبين الوسائل النادرة ذات الاستعمالات المختلفة”.

فالمشكلة الاقتصادية في أي مجتمع من المجتمعات تتمثل في عدم القدرة على إشباع جميع الاحتياجات البشرية، ويرجع هذا أساساً إلى الندرة النسبية للموارد الاقتصادية، فلو توافرت الموارد الاقتصادية دائماً وبالقدر المطلوب لإشباع الاحتياجات البشرية إشباعاً تاماً لزالت المشكلة الاقتصادية تماماً.

تمثل الموارد الاقتصادية عناصر الإنتاج التي يمكن أن تسهم في العملية الإنتاجية، وتضم الموارد الطبيعية والموارد البشرية والموارد المصنعة أو رأس المال، بينما تمثل الحاجة شعوراً بالحرمان يلح على صاحبه، وهي المحرك الرئيس للطلب على السلع، ويقصد بالسلع هنا السلع الاقتصادية التي لها ثمن فهي السلع النافعة والموجودة بشكل نادر، ولا يمكن الحصول عليها مجاناً، بل يحتاج الحصول عليها إلى تكاليف، وهذا بعكس السلع الحرة التي تمثل الأشياء النافعة الموجودة في الطبيعة بشكل غير محدود، حيث إن استخدامها لا تترتب عليه أي تكاليف (مثل الماء والهواء وأشعة الشمس)، فهذا النوع من السلع يكون خارج نطاق علم الاقتصاد.

ويجعل الفكر الاقتصادي الغربي من ندرة الموارد وتعدّد وتجدد الحاجات أساس المشكلة الاقتصادية، ومن ثم يحاول استخدام النظريات والقواعد الاقتصادية المختلفة لإشباع أكبر قدر ممكن من الحاجات والرغبات الإنسانية عبر استخدام الموارد الاقتصادية المتوافرة التي يصف وجودها بالندرة النسبية. 10-3.jpg

وهذه الرؤية الغربية للمشكلة الاقتصادية صاغها مفكرو الغرب وفق رؤيتهم الاقتصادية الرأسمالية المنبثقة عن وجهة نظرهم وقاعدتهم الأساسية في التفكير، وقد تبعهم في ذلك واقتدى بهم فيه جلّ من كتب في الاقتصاد من المسلمين، دون النظر العقلي والشرعي لتلك المشكلة.

وتتعدد النظرة للمشكلة الاقتصادية ما بين مؤيد لوجودها، ومعارض، وفي الوقت نفسه يختلف المؤيدون في تفسيرها.

وتطرح المشكلة الاقتصادية ثلاثة أسئلة أمام كل مجتمع، والإجابة عنها تكون في مجموعها الأركان الرئيسة لحل المشكلة الاقتصادية وتقاس كفاءة أي نظام اقتصادي وفاعليته بمدى صحة إجابته عن هذه الأسئلة، وهي: ماذا ننتج من السلع والخدمات كماً وكيفاً؟ وكيف ننتج تلك السلع والخدمات؟ ولمن ننتج تلك السلع والخدمات؛ أي ما معايير توزيعها في المجتمع؟

وتختلف النظرة للمشكلة الاقتصادية من وجود موارد محدودة نسبياً في مواجهة حاجات متعددة ومتزايدة وفقاً للمذهب الاقتصادي السائد، فالنظام الرأسمالي ينظر للندرة النسبية في الموارد أو بما سماه «شح الطبيعة» على أنه جوهر المشكلة الاقتصادية، وصور الإنسان على أنه في صراع مع الطبيعة من أجل البقاء.

وفي هذا الاتجاه، ظهرت في القرن الثامن عشر نظرية الاقتصادي الإنجليزي الشهير «مالتوس» في السكان، التي ادعى فيها أن العالم لا بد أن يشهد كل ربع قرن ما يشبه المجاعة، وذلك نتيجة ميل سكانه للزيادة وفق متوالية هندسية، بينما يميل الغذاء إلى الزيادة بحسب متوالية عددية، ومن ثم فإن وجود فجوة بين السكان والموارد الغذائية أمر لا مفر منه، وازدياد هذه الفجوة اتساعاً بمرور الزمن أمر لا فكاك عنه.

وقد توصل «مالتوس» لحل ينافي الفطرة الإنسانية للمشكلة الاقتصادية من خلال مطالبته بالعزوف عن الزواج أو تأجيله بهدف الحد من الزيادة السكانية، وإلا فإن الطبيعة ستحصد الرؤوس الزائدة من خلال الأمراض والأوبئة نتيجة سوء التغذية، أو بالحروب نتيجة للتصارع على الموارد الغذائية.

أما النظام الاشتراكي فاعتبر جوهر المشكلة الاقتصادية في التناقض بين شكل الإنتاج الجماعي وعلاقات التوزيع الفردية، فـ»ماركس» يرى أن النظام الرأسمالي يتعرض للمشكلات الاقتصادية نتيجة للشكل الجماعي للإنتاج، حيث إن الجميع يعملون وينتجون بينما علاقات التوزيع فردية، حيث إن الذي يتولى التوزيع جهاز الثمن، أو بعبارة أخرى أصحاب الملكيات الخاصة من ملاك الثروات وأرباب الأعمال، وبالتالي فإن العمال لا يأخذون نصيبهم الحقيقي من الإنتاج، بل يحصلون فقط على حد الكفاف، ويأخذ الرأسماليون فائض القيمة. 10-3-1.jpg

واتخذت الاشتراكية أيضاً حلاً للمشكلة الاقتصادية ينافي الفطرة الإنسانية، من خلال تحويل نظام التوزيع إلى نظام جماعي، وذلك بإلغاء الملكية الخاصة من خلال التأميم وإحلال الملكية العامة محل الملكية الخاصة، ومن ثم إحلال الدولة إحلالاً تاماً وكاملاً محل جهاز الثمن.

والمنهج الاقتصادي الإسلامي يرفض هذا وذاك، فالموارد سخّرها الله تعالى بقدر البشر كماً وكيفاً، وجعل الملكية الخاصة ملكية نظيفة وحقاً مشروعاً ينمو في حضن القيم الإيمانية، والمشكلة الاقتصادية مرجعها إلى سلوك البشر وبُعدهم عن تنفيذ أوامر الله، وتجنب ما نهى عنه سواء بدعوته لعباده بالسعي في الأرض واكتشاف ما بها من موارد أو تهذيب الحاجات بالقيم الإسلامية وتحقيق العدالة في التوزيع. 

إن الله عز وجل خلق من الموارد ما يكفي بني آدم، وحثهم على استغلال الموارد أفضل استغلال، فهي في المقام الأول أمانة، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الإسراف في الماء ولو كان الإنسان على نهر جار، فقد روى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بسعد بن أبي وقاص وهو يتوضأ، فقال: «ما هذا السَّرَف؟»، فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: «نعم، وإن كنت على نهر جارٍ» (رواه ابن ماجه).

والمشكلة الاقتصادية بما تعكسه من ندرة الموارد بالنسبة للاحتياجات البشرية هي واقع لا يمكن إنكاره، ولكنها لم تحدث بشح الطبيعة، بل ترجع لسلوك بني آدم، نتيجة لما اتسم به هذا السلوك من الجور والأثرة والأنانية والجشع وبطران النعمة.

فالإنسان هو الذي يقوم بالحروب التي تحصد آلاف البشر وتدمر الموارد تدميراً، والإنسان هو الذي يلوث البيئة من حوله ويفسد المناخ والموارد، والإنسان هو الذي يستعمر البلاد ويقطع أوصالها إرباً ويستغل مواردها استغلالاً سيئاً، والإنسان هو الذي يأكل المال بالباطل من خلال الربا والمقامرة والغش والتدليس والخديعة والغرر والنجش والاحتكار ويبني مملكته من المال الحرام على أجساد ودماء المحتاجين والعوام، والإنسان هو الذي يوقع نفسه في شراك الأزمات الاقتصادية ببنائه هرماً مقلوباً من الديون على حساب ما يمتلكه من أصول، والإنسان هو الذي يبطر بنعمة الله حتى وصل ببعض الدول إلى منع الإنتاج أو تدمير الفائض حفاظاً على السعر، في حين أكثر من مليار في العالم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، والإنسان هو الذي يبخل بحق الله في المال من زكاة وصدقات فيحول بين حق الله في المال ومستحقيه، ويحول كذلك دون إعادة توزيع الدخول.

والإنسان هو الذي يركن للكسل والخمول ولا يمشي في مناكب الأرض ليستخرج خيرها ونيل رزقها، ثم يأتي بعد ذلك من يدعي شح الطبيعة! صدق الله وكذب هؤلاء، حقاً: ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ ٣٤﴾ (إبراهيم).

 

___________________________________

(*) أستاذ التمويل والاقتصاد بجامعة إسطنبول صباح زعيم.

يشهد هذا الشهر (فبراير) وبالتحديد في الثاني عشر منه مرور 70 عاماً على استشهاد الأستاذ حسن البنا، حيث طرح رؤيته الشاملة للإسلام التي ترتكز على بناء الإنسان اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.. فقد كان البنا دقيقاً (في رسالة التعاليم) حينما وصف الإسلام بأنه: «نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً؛ فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء»؛ فجعل من شمولية النظام الإسلامي ما يحتويه من نظام اقتصادي وما يتضمنه هذا النظام من مادة أو كسب وغنى.

وصف الأستاذ البنا (في رسالة المؤتمر الخامس) جماعة الإخوان المسلمين بأنها «شركة اقتصادية»، وذكر في تبريره لهذا الوصف بأن الإسلام يعنى بتدبير المال وكسبه من وجهه، وهو الذي يقول نبيه صلى الله عليه وسلم: «نعم المال الصالح للرجل الصالح» (رواه أحمد)، ويقول: «من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفوراً له» (رواه الطبراني)، وقال: «إن الله يحب المؤمن المحترف» (رواه الطبراني).

فالاقتصاد جزء أساسي من الرؤية الشاملة التي تميز بها حسن البنا سواء تعلق هذا بالبناء الاقتصادي لجماعة الإخوان التي أسسها عام 1928م أو إصلاح المجتمع المصري اقتصادياً؛ حيث حرص على بناء الإنسان الاقتصادي الصالح، وبناء المؤسسات، فضلاً عن توجيه النصح بصورة قوامها ربط التنظير بالتطبيق لتحقيق الإصلاح الاقتصادي للدولة.

بناء الإنسان الاقتصادي

فقد ظهرت رؤيته في البناء الاقتصادي عند البنا من خلال حرصه على بناء الإنسان الاقتصادي الصالح باعتباره هو الذي يصنع الثروة، ولا تصنعه الثروة، وقد بين ذلك بوضوح في رسالة «التعاليم»، حيث جعل نحو ربع واجبات الأخ العامل (التي يبلغ إجمالها 38 واجباً) واجبات اقتصادية، ممثلة فيما يلي:

1- أن يزاول عملاً اقتصادياً مهما كان غنياً، وأن يقدم العمل الحر مهما كان ضئيلاً، وأن يزج بنفسه فيه مهما كانت مواهبه العملية.

2– ألا يحرص على الوظيفة الحكومية، وأن يعتبرها أضيق أبواب الرزق، ولا يرفضها إذا أتيحت له، ولا يتخلَّ عنها إلا إذا تعارضت تعارضاً تاماً مع واجبات الدعوة.

3– أن يحرص كل الحرص على أداء مهنته من حيث الإجادة والإتقان وعدم الغش وضبط الموعد.

4- أن يكون حسن التقاضي لحقّه، وأن يؤدي حقوق الناس كاملة غير منقوصة بدون طلب، ولا يماطل أبداً.

5– أن يبتعد عن الميسر بكل أنواعه مهما كان المقصد من ورائها، ويتجنب وسائل الكسب الحرام مهما كان وراءها من ربح عاجل.

6– أن يبتعد عن الربا في جميع المعاملات وأن يطهر منه تماماً.

7– أن يخدم الثروة الإسلامية العامة بتشجيع المصنوعات والمنشآت الاقتصادية الإسلامية، وأن يحرص على القرش (المال)؛ فلا يقع في يد غير إسلامية مهما كانت الأحوال، ولا يلبس ولا يأكل إلا من صنع وطنه الإسلامي.

8– أن يشترك في الدعوة بجزء من ماله، ويؤدي الزكاة الواجبة فيه، وأن يجعل منه حقاً معلوماً للسائل والمحروم مهما كان دخله ضئيلاً.

9– أن يدخر للطوارئ جزءاً من دخله مهما قل، وألا يتورط في الكماليات أبداً.

بناء المؤسسات

ولم تقف كلمات البنا عند الإرشاد، بل إلى صورة عملية في تحويل ما يؤمن به نظرياً إلى واقع عملي في الميدان الاقتصادي من خلال بناء المؤسسات، وقد اعتمد البنا في بناء مؤسسات جماعة الإخوان المسلمين على أموال الجماعة لقيامها بنشاطها وتحقيق أهدافها، وتناول ذلك تفصيلاً في رسالة «هل نحن قوم عمليون؟»، حيث تناول مشاريعها ومؤسساتها العامة النافعة؛ من مساجد، ومدارس، ولجان خير وبر، ودروس ومحاضرات وخطب وعظات، ولجان متطوعة للإشراف على المرافق العامة في القرى من ترميم المساجد وتنظيف الشوارع وإضاءة الطرقات والسعي في إيجاد المشافي المتنقلة، ولجان إحياء السنن والفرائض التي نسيها الناس بالعمل لا بالقول؛ كجمع زكاة الحبوب في مخزن خاص وتوزيعها بمعرفة الجماعة على المستحقين دون محاباة ولا تحيز.

كما قدم نموذجاً عملياً للاستثمار الإسلامي بعيداً عن الربا، بإقامة مشروعات استثمارية في مجالات متعددة، ومن أهم هذه المشروعات شركة المعاملات الإسلامية، والشركة العربية للمناجم والمحاجر، وشركة الغزل والنسيج، وشركة الإخوان للصحافة، وشركة الإخوان للطباعة، وشركة التجارة والأشغال الهندسية، وشركة التوكيلات التجارية، وشركة الإعلانات العربية.

ولم يقتصر إنشاء الشركات على شركات الجماعة، بل انتشرت الشركات التي يملكها أعضاء جماعة الإخوان في كافة أنحاء مصر، وقد تعرضت كل هذه الشركات للمصادرة الحكومية بعد حل الجماعة، وتم إجهاض نهضة اقتصادية ملموسة قدرت أصولها وقت صدور الأمر العسكري رقم (63 لسنة 1948م) بحـل جماعة الإخوان بنحو 60 مليون جنيه مصري، وهو ما يتجاوز مبلغ 4 مليارات جنيه مصري بالأسعار الحالية.

الإصلاح الاقتصادي للدول

توجه البنا برؤيته الشاملة المعهودة بالنصح والإرشاد لإصلاح الدولة اقتصادياً حتى لا تظل أسيرة لغيرها وتلبي حاجتها وتمتلك كلمتها، فذكر في رسالة «مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي.. النظام الاقتصادي» حتمية الإصلاح السياسي لتحقيق الإصلاح الاقتصادي، باعتبار أن الأول أصل وما عداه تابع له، مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (متفق عليه)؛ حيث أكد أن الحكومة هي قلب الإصلاح الاجتماعي كله، فإذا فسدت أوضاعها فسد الأمر كله، وإذا صلحت صلح الأمر كله.

وكشف عن المعضلات الاقتصادية الثلاث بمصر؛ ممثلة في الفساد الاقتصادي، والتفاوت الطبقي، والتخبط الاقتصادي، موضحاً هذا التخبط باتباع نظم اقتصادية وضعية نبتت في غير أرضنا لأوضاع غير أوضاعنا، ومجتمعات فيها غير ما في مجتمعنا.

ودعا إلى الأخذ بالنظام الاقتصادي الإسلامي؛ ذلك النظام الكامل الذي يؤدي إلى الإصلاح الشامل في توجيهات الإسلام الحنيف، الذي وضع للاقتصاد قواعد كلية أساسية لو علمناها وطبقناها تطبيقاً سليماً؛ لانحلت مشكلاتنا، ولظفرنا بكل ما في هذه النظم من حسنات، وتجنبنا كل ما فيها من سيئات، وعرفنا كيف يرتفع مستوى المعيشة وتستريح كل الطبقات، ووجدنا أقرب الطرق إلى الحياة الطيبة.

وقد حدد البنا محاور الإصلاح الاقتصادي في إصلاح السياسة النقدية والمالية والهيكلية؛ ففي إصلاح السياسة النقدية طالب بوجوب استقلال النقد، والاعتماد على رصيد ثابت من مواردنا ومن ذهبنا، لا على أذونات الخزانة الأجنبية، منتقداً ضعف الرقابة على النقد، والاستهانة بأمره استهانة بلغت حد الاستهتار، وما نتج عن  هذه المآسي التي نصطلي بنارها من التضخم الذي استتبع غلاء المعيشة، وصعوبة الاستيراد والتصدير.

وفي إصلاح السياسة المالية، طالب بأهمية ترشيد الإنفاق وتنظيم الضرائب، مبيناً أن روح الإسلام توجب علينا في تشريعه الاقتصادي أن نبادر بتنظيم الضرائب الاجتماعية، وأولها الزكاة، وليس في الدنيا تشريع فرض الضريبة على رأس المال لا على الربح وحده كالإسلام، وذلك لحكم جليلة، منها: محاربة الكنز وحبس الأموال عن التداول؛ فلا بد من العناية بفرض ضرائب اجتماعية على النظام التصاعدي -بحسب المال لا بحسب الربح– يعفى منها الفقراء طبعاً، وتجبى من الأغنياء الموسرين، وتنفق في رفع مستوى المعيشة بكل الوسائل المستطاعة.

ومن لطائف سيدنا عُمر رضي الله عنه، أنه كان يفرض ضرائب ثقيلة على العنب لأنه فاكهة الأغنياء، وضريبة قليلة لا تُذكر على التمر لأنه طعام الفقراء؛ فكان أول من لاحظ هذا المعنى الاجتماعي في الحكام والأمراء رضي الله عنه.

ولعل ما يميز البنا في الجانب الاقتصادي أنه أول من لفت النظر لميلاد بنوك إسلامية، ووضع حلولاً عملية لآفة الربا، وتناول ذلك في مجلة «النذير» عام 1939م، حيث بين أنه من الممكن والميسر أن يعالج النظام الاقتصادي العام علاجاً يشفيه من داء الربا، كما تخلص العالم بفضل الإسلام من نظام الاسترقاق الذي كان ينظر إليه كضرورة بشرية في عرف الإنسان.

وذكر أن «الإسلام وضع علاج ذلك بالزكاة، ولأمر اقترن الربا بالزكاة في كثير من الآيات القرآنية، فليؤخذ من مال الزكاة وصندوقها ما يغني المقرضين عن الربا»، كما ذكر علاجاً فنياً آخر يراه بعض الاقتصاديين بقوله: «ذلك أن المهيمن على السوق الاقتصادية في نظامنا الحديث؛ المصارف المالية، وهي التي تعتمد أكثر ما تعتمد على الفوائد إيداعاً وإقراضاً، وفي وسع هذه المصارف أن توظف معظم ودائع العملاء في الأسهم، فتستفيد وتفيد، وتربح لنفسها ولعملائها وتقاسمهم هذا الربح، وتفيد السوق الاقتصادية فائدة جمة، وتستطيع المصارف أن تجد من أبواب الإيراد، وخدمة الاقتصاد ما لا يقع تحت حصر لتوظيف الأموال في التجارة والصناعة، والعمولة والوساطة في بيع المحاصيل، وبيع العملة الأجنبية، وصرف الشيكات، وتأجير الخزن، وحفظ الودائع وغيرها، وهذا من حيث إفادة نفسها وعملائها، ومن حيث الإقراض للمحتاجين للمال؛ ففي وسعها أن تتخذ لهذا الإقراض بصورة تجعله من صلب الشركة، أو من باب العوض، أو نحو ذلك، وبهذا تستغني تمام الاستغناء عن نظام الفائدة».

كما تناول البنا إصلاح السياسة الهيكلية التي تتعلق بتغير نوعي في هيكل النشاط الاقتصادي بما يحقق التنمية من خلال دعوته لاستغلال منابع الثروة، والصناعة، والزراعة، وتشجيع المشروعات الصغيرة، وذلك في رسالته «مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي، النظام الاقتصادي»، حيث رسم الطريق لاستغلال الثروات من خلال العناية بالمشروعات الوطنية الكبرى، كما كشف عن أهمية التصنيع كإستراتيجية ضرورية وملحة لبناء الاقتصاد، فذكر أن التحول إلى الصناعة فوراً من روح الإسلام، كما كشف عن أهمية الزراعة والعمل على زيادة إنتاج هذا القطاع وإنتاجية العاملين فيه بإعادة النظر في نظام الملكيات بمصر، باختصار الملكيات الكبيرة، وتعويض أصحابها عن حقهم بما هو أجدى عليهم وعلى المجتمع، وتشجيع الملكيات الصغيرة، حتى يشعر الفقراء المعدمون بأنه أصبح لهم في هذا الوطن ما يعنيهم أمره، ويهمهم شأنه، وأن يتم توزيع أملاك الحكومة حالاً على هؤلاء الصغار كذلك حتى يكبروا، كما طالب بتعزيز دور المشروعات الصغيرة، وتمصير الشركات، وترشيد الاستهلاك، وحث على الوحدة الاقتصادية والاكتفاء الذاتي.

رحم الله الأستاذ حسن البنا، فقد كان مدرسة متكاملة تجسد الإسلام بمفهومه الشامل وفي القلب منه الاقتصاد.

الأربعاء, 16 يناير 2019 10:16

مستقبل الاقتصاد الإسلامي

عرف الاقتصاد الإسلامي مع ميلاد الإسلام، وانتشر فكراً وتطبيقاً في عهد الرسالة وما بعدها ما يزيد على عشرة قرون، حتى تم تنحيته بتنحية الشريعة الإسلامية عن الحكم بفعل الاستعمار الذي جاء ليخرب ويسيطر على مقدرات المسلمين وتغيير هويتهم.

وقد تميز الاقتصاد الإسلامي كعلم بتوفيقه بين حاجات البشر المادية والمعنوية، وما استخلفهم الله تعالى فيه من موارد وفقاً لأحكام وقيم ومقاصد الشريعة الإسلامية لتحقيق الرفاه في الدنيا والآخرة.

 الاقتصاد الإسلامي يراعي حاجات البشر الروحية جنباً إلى جنب مع الحاجات المادية في ظل دائرة الطيبات، بعيداً عن استعباد المادة وتقديس اللذة كما في النظام الرأسمالي، أو قتل الحاجات بتوجيه أهل الحكم والسلطة في النظام الاشتراكي، والنظام الاقتصادي الإسلامي كذلك ينظر للموارد الاقتصادية على أنها استخلاف، وأن السعي لاستخدامها الاستخدام الأمثل يمثل فريضة إسلامية لتحقيق الكفاية والحياة الكريمة لأبناء المجتمع، كما يهذب الحاجات بقيم الإسلام ولا يتركها تخرج عن المألوف وتستعبد الناس، وهو في الوقت نفسه لا يرضى أن يعيش مواطن في دولة الإسلام دون حد الكفاية، ويتخذ من إحسان اقتصاد الدنيا مزرعة للوصول إلى إحسان الآخرة.

كما تميز الاقتصاد الإسلامي كنظام بالربانية والشمولية والمرونة والتوازن والواقعية والعالمية، وقوامه في ذلك الملكية الفردية والحرية الاقتصادية المنضبطة والتكافل الاجتماعي في ظل دائرة الاستخلاف؛ لذا فالقطاع الخاص قاطرته التنموية، والدولة تعمل على تهيئة المناخ اللازم لممارسة القطاع الخاص دوره بفعالية ومسؤولية استخلافية جنباً إلى جنب مع القطاع الثالث أو الخيري الذي يتوسع وينكمش وفق درجة الإيمان في المجتمع والوعي الجمعي بقيمة فعل الخيرات، ويبقى دور الدولة الأساسي في بناء قوتها العسكرية وتحقيق الأمن والعدل وإقامة المشاريع التي يعجز القطاع الخاص عن إقامتها أو تمس بصورة مباشرة أمنها القومي.

بين الماضي والحاضر

لقد شهد تاريخ أمة الإسلام اقتصاداً عالمياً كان يخاطب فيها الحاكم المسلم السحابة فيقول لها: «اذهبي حيث شئت فسوف يأتيني خراجك»! ونحن اليوم أمة تعيش يومها بيومها، ويتحكم فيها عدوها، وتستأثر القلة بثروتها، وكل ذلك نتاج بغيض لمستعمر حاقد قسم دول الإسلام إلى دويلات، وقطع كل الطرق لاتحادها في الوقت الذي يحكم 51 ولاية أمريكية رئيس واحد، وتستظل دول الاتحاد الأوربي بظلال الوحدة.

إن الاستعمار إذا كان قد زال عن ديار المسلمين فإنه في الوقت نفسه ترك أذنابه ليطمسوا ما تبقى من هوية الأمة، ومنها الهوية الاقتصادية، ولكن كتب الله لدينه البقاء، وما قل رجاله الذين أخلصوا نياتهم لله، وعلموا قيمة جنسية الإسلام كوطن، وخيرية مكانتهم بالتزامهم بدين الإسلام، فهرعوا ليوقظوا الأمة من نيام، ويستحثوا فيهم حركة الوعي الاقتصادي، وكان في مقدمة هؤلاء الشيخ حسن البنا، والشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ محمد عبدالله دراز، والشيخ أبو الأعلى المودودي.. وغيرهم من علماء الدين.

ولم يقتصر الأمر على هؤلاء، بل امتد لعلماء الاقتصاد من أبناء الحركة الإسلامية، وفي مقدمتهم د. محمود أبو السعود، ود. محمد عبدالله العربي، ود. عيسى عبده، ود. أحمد عبدالعزيز النجار.. وغيرهم، حتى ولد في العام 1975م أول بنك إسلامي حكومي دولي ممثلاً في البنك الإسلامي للتنمية، وأول بنك إسلامي قطاع خاص ممثلاً في بنك دبي الإسلامي الذي جاء بجهد مالي وإرادة صادقة من الحاج سعيد لوتاه، وجهد فكري وعمل مخلص من د. عيسى عبده.

وبذلك ظهرت اللبنة الأولى لمؤسسات الاقتصاد الإسلامي في واقعنا المعاصر من خلال البنوك الإسلامية، ثم جاءت اللبنة الثانية من خلال شركات التأمين التكافلي الإسلامي، والثالثة من خلال مؤسستي الوقف والزكاة اللذين رغم دورهما المحوري في تاريخ الحضارة الإسلامية فإنهما شهدا انحساراً متعمداً يقوده مستعمر غاصب حاقد، ولكن الله تعالى قيّض لهاتين المؤسستين من يبنيهما بناء عصرياً ينشر العمل الخيري في ربوع الدنيا بصورة منظمة وواعية من خلال دولة الكويت التي تعتبر تجربتها في هذا الشأن تجربة يقتدى بها في كل ربوع الدنيا وعلى نهجها سار عدد من الدول الإسلامية.

ثقوب

رغم هذا الجهد الملاحظ للاقتصاد الإسلامي علماً ونظاماً ومؤسسات، وتحويل ما في بطون الكتب إلى واقع تلمسه الأمة، فإنه أصابه الضرر في ثوبه المعاصر من خلال أمرين، هما:

الأول: حصره في البنوك الإسلامية بما لها وما عليها لا سيما ما أصاب بعضها من انحراف واضح عن المنهج الإسلامي من خلال ابتداع الحيل الشيطانية من تورق منظم وقلب الدين ونحوها، وتقبيل أعتاب البنوك التقليدية حتى باتت تابعة لا متبوعة، وهي مع كل ذلك تجربة بشرية لها ما لها وعليها ما عليها، والحق لا يعرف بالمؤسسات الإسلامية ولكن يعرف بأهل الحق، ولا قيمة للتغني بأرقام معدلات النمو لتلك الصناعة المصرفية مع إغفال الكيف من حيث الالتزام الشرعي وتحقيق البعد التنموي والسماحة في سعر العائد بعقود المعاوضات بصورة تميزها تنافسياً عن البنوك التقليدية، وابتكار كل جديد لتوفير الخدمات للناس بصورة توائم بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

الثاني: تحويل التجربة المعاصرة للاقتصاد الإسلامي -لا سيما في المصرفية- من صناعة إلى تجارة يقاتل الرافعون ضراراً لشعارها والنفعيون منها على مصالحهم الربحية، حتى بتنا نرى من يزين الحرام ويغلفه لكي يكون حلالاً، وتحولت حال بعض البنوك الإسلامية وحال بعض مؤسسات التأمين التكافلي مثل حال المسلم الذي يتفاخر بإسلامه وهو لا يصلي، لا سيما بعد ظهور فقهاء بنوك أسوة بفقهاء الحكام، وملاك لبنوك أعمتهم الربحية، مع تأكيدنا أن من أهل الرقابة الشرعية ومن الملاك من يتسمون بالإخلاص والكفاءة ولا يمارون ولا يدارون.

ويبقى بعد ذلك التأكيد على أن البعد السياسي والشرعي عاكس لوضع الاقتصاد الإسلامي نمواً وانحساراً، إخلاصاً وحيلاً، تطبيقاً فعلياً أو شكلياً، وإذا كانت تجربة المصرفية الإسلامية تمثل المؤشر العام للاقتصاد الإسلامي من خلال نموذج أذون الخزانة بمصر، أو نموذج التورق المنظم في بعض دول الخليج، أو نموذج التيس المستعار وبيع الديون في ماليزيا -التي للأسف يهرع الكثير إليها ظناً بإسلامية تجربتها مع أنها لا تحمل من الاقتصاد الإسلامي إلا اسمه، ويغلب عليها المظاهر التجميلية بعيداً عن المضامين الحقيقية- فإنه في الوقت نفسه ما زالت تجربة الوقف والزكاة بخير، وهو ما يتطلب توجيه الجهود لتعزيز القطاع الثالث، مع أهمية بروز تكامل حقيقي بين رجال أعمال مخلصين وعلماء عاملين في حقل الاقتصاد الإسلامي لبناء نموذج اقتصادي مصرفي ومالي يبرز معالم النظام الاقتصادي الإسلامي، وهو ما يحتاج إلى إرادة سياسية وبيئة حاضنة.

وفي رأينا، فإن تركيا مؤهلة لذلك بما تملكه من حرية ملموسة وتوجه عقلاني تدريجي نحو التغيير للاقتصاد الإسلامي بإرادة سياسية حاضنة تتفق والسنن الكونية للتغيير، والله تعالى أعلم.

 

حينما يذكر الخليفة العثماني السلطان عبدالحميد الثاني تذكر فترة بالغة الأهمية من حياة الأمة الإسلامية، ذلك السلطان الذي كان يقول: «القوة الوحيدة التي ستجعلنا واقفين على أقدامنا هي الإسلام.. لسنا أمة تنازع، إننا أمة قوية، بشرط أن نكون مخلصين لهذا الدين العظيم، إذا كنا نريد أن نحيا من جديد وأن نستعيد قوتنا ونبلغ عزتنا التي كنا فيها، علينا أن نرجع إلى المعين الذي أخذنا منه، فالخير كل الخير في رجوعنا إلى إسلامنا وإلى شريعتنا، والشر كل الشر في تقليدنا للحضارة الأوروبية الزائفة».

إنه صاحب مشروع الوحدة الإسلامية، والحنكة السياسية، والغيرة الإسلامية، والإصلاح التعليمي والاقتصادي؛ مما فتح عليه تكالب البعيد والقريب حتى لا يحقق مبتغاه، لينتهي حكمه بعد ثلث قرن من الزمان، فقد اعتلى عرش السلطنة العثمانية في ظروف حرجة بعد خلع عمه عبدالعزيز عن العرش، ثم انتحاره بشكل غامض، ثم جنون أخيه الأكبر مراد الخامس وسجنه، وقد تولى العرش في 31 أغسطس 4404.jpg 1876م، وهو نفس اليوم الذي خلع فيه السلطان مراد الخامس، ثم خلع هو عن العرش في 27 أبريل 1909م، وتوفي في 10 فبراير 1918م.

ورث السلطان عبدالحميد دولة مثقلة بالضعف والديون والإفلاس والامتيازات الأجنبية المدمرة، لكنه لم ييأس أو يستسلم أو يساير أعداء دولته، فكان يتحرق للإصلاح، وتمنى أن تتركه الدول الأوروبية الحاقدة وشأنه، ليتفرغ إلى الإصلاح الداخلي، وكان يقول بكل براءة وصدق: إن توقف التآمر الخارجي المعادي كاف لتوفير المال والوقت لإنجاز الإصلاح المطلوب، وكان يكابد أيضاً في إقناع أبناء أمته ألا يكونوا مطية للأجنبي المتآمر، وأن يبقوا متمسكين بدينهم مخلصين لأمتهم عاملين بصدق من أجل النهوض والتقدم.

سياسة مالية إصلاحية

مما يحسب للسلطان عبدالحميد تمكنه من إدارة الاقتصاد العثماني بصورة رشيدة وفاعلة، سواء فيما يتعلق بالسياسة المالية أو النقدية أو التجارية أو الهيكلية؛ ففي السياسة المالية خرج بالدولة من عمق الإفلاس إلى رحاب السداد والأمان بأقل تسوية ممكنة، بعد ميراثه من أسلافه ديوناً فُرضت عليه فرضاً، فعندما تولى السلطان عبدالحميد الحكم كانت الديون العمومية تقرب من 300 مليون ليرة، وقد وُفق في تخفيضها إلى 30 مليون ليرة؛ أي إلى العشر، وذلك بعد دفع ما تطلبته حربان كبيرتان وسحق بعض تمردات داخلية، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل اعتمد بعد ذلك على سياسة مالية إصلاحية من خلال الضرائب وترشيد الإنفاق ومحاربة الرشوة وتقنين الهدية.

ومما يذكر في السياسة التقشفية للسلطان عبدالحميد قيامه بتقليص كوادر القصر ونظارتي الداخلية والخارجية بصفة خاصة، وكذلك تقليص رواتب الأمراء والنظار بصفة عامة، وإحالته مصاريف القصر إلى الخزينة الخاصة بدلاً من خزينة الدولة، ووضع الميزانية تحت إشراف لجنة للإصلاح المالي للنظر فيها قبل أن تعرض على مجلس النظار.

كما يُذكر للسلطان عبدالحميد رفضه أكبر رشوة لتسديد جميع ديون الدولة العثمانية، وإنهاء مشكلاتها المالية، مقابل إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وقال قولته المشهورة لـ”هرتزل”، زعيم الحركة الصهيونية، وللحاخام “موسي ليفي”: “إن أراضي الوطن لا تباع، إن البلاد التي امتلكت بالدماء لا تباع إلا بالثمن نفسه”، فما كان من تلك الحركة الخبيثة إلا أن استخدمت هذا المال الخبيث في شراء الذمم، وتدبير المؤامرة لخلعه، والقضاء على الخلافة العثمانية.

الاكتفاء الذاتي

كما اتبع السلطان عبدالحميد سياسة نقدية قائمة على الليرة الذهبية والفضية، وإلغاء نظام القوائم، فضلاً عن التوجه نحو إنشاء المصارف.

كما اتبع السلطان عبدالحميد سياسة تجارية قوامها التجارة الداخلية لتلبية حاجات الدولة، وكان الاكتفاء الذاتي من الغذاء هو عنوانها، من خلال الحفاظ على مكانة التجارة بين ولاياتها، بينما كانت التجارة الخارجية قليلة الأهمية في الحياة الاقتصادية العثمانية، وهو الأمر الذي يعكس القدرة الاستقلالية للدولة العثمانية باعتمادها على ذاتها، بينما ما زالت الدول القُطرية العربية منذ مؤامرة القضاء على الخلافة العثمانية تعتمد على غيرها في تلبية حاجاتها وفي مقدمة ذلك الغذاء.

ومما يُذكر للسلطان عبدالحميد سعيه الدؤوب لإلغاء نظام الامتيازات الأجنبية الموروث دون جدوى، حيث حالت الدول الكبرى دون تمكينه من ذلك في ظل ما أسمته بحقوقها وفقاً لهذا النظام، ذلك النظام الذي جعل الأجانب يسرحون ويمرحون في الدولة العثمانية على حساب الرعايا من تجارها، حتى سيطر التجار الأجانب على التجارة الخارجية وفقاً للامتيازات الممنوحة لهم، وهو ما أفقد الدولة العثمانية استقلال قرارها الاقتصادي في هذا الشأن، وأضعف من موقف رعاياها من التجار، وحال بينها وبين تطوير صناعاتها، في ظل رغبة الدول الكبرى أن تكون مورداً للمواد الخام وسوقاً رائجة لتسويق منتجاتها تامة الصنع، فضلاً عن حرمان خزائن الدولة من موارد مالية كانت في أمسّ الحاجة إليها، مما أوقعها في فخ الاستدانة بالنهاية.

كما اتبع السلطان عبدالحميد سياسة هيكلية غلب فيها قطاع الزراعة، في ظل ما تعرضت له الدولة من قيود الامتيازات الأجنبية، وغلّ يدها في التصنيع من قبل الدول الأوروبية، وقد شهد عهده توسعاً ملحوظاً في الأراضي المزروعة، وهو ما لم يقتصر أثره على الاكتفاء الذاتي فقط، بل امتد إلى زيادة الصادرات.

وقد اهتم السلطان عبدالحميد بسبل التمويل والتسويق للقطاع الزراعي، ويرجع إليه الفضل في إنشاء المصرف الزراعي لتوفير التمويل اللازم للمزارعين، كما كان التطور بمد السكك الحديدية مفتاحاً مهماً في تسويق المنتجات الزراعية من خلال تيسير نقلها، كما ساهم في التسويق أيضاً لإنشاء الجمعيات الزراعية، والتنسيق مع الغرف التجارية العثمانية في أوروبا.

ومما يحسب للسلطان عبدالحميد -أيضاً- في القطاع الزراعي وقوفه بقوة ضد الرغبة الاستعمارية لتحويل الدولة العثمانية إلى مستعمرة مواد أولية خادمة لمصالح الدول الغربية، بتغيير نظام الإنتاج الزراعي فيها ليكون نظام المنتج الواحد، فحرص على تفعيل الملكيات الصغيرة والمتوسطة للأراضي الزراعية، وتفعيل التنويع في المنتجات الزراعية، وهو ما وفر الأمن الغذائي في الدولة العثمانية، بل وفتح باب التنافس لمنتجاتها في عقر الدول الأوروبية.

وإذا كانت الدول الأجنبية استخدمت سلاح الامتيازات الأجنبية، حتى لا تبارح الدولة العثمانية مكانها في التصنيع، والحيلولة دون حماية صناعتها التحويلية، فإنها من جانب آخر وجهت وجهتها نحو الصناعة الاستخراجية في الدولة العثمانية لتحقيق مصالحها وتوفير احتياجاتها من المواد الأولية، بل استخدمت أساليب غير شريفة للتنقيب عن البترول، وفي مقدمة ذلك إنجلترا وألمانيا اللتان كشف السلطان عبدالحميد عن ألاعيبهما ووقف لهما بالمرصاد -وليس كما نرى من دول عربية قُطرية في واقعنا المعاصر سخرت مواردها لصالح الأجنبي- وقد كان موقف السلطان عبدالحميد هذا من أسباب عزله.

الاهتمام بقطاع الخدمات

كما كان لقطاع الخدمات دوره في عهد السلطان عبدالحميد لا سيما ما يتعلق بالمواصلات والاتصالات والتعليم والصحة، وقد استفاد السلطان عبدالحميد من الاستثمار الأجنبي في بناء شبكة متنوعة من السكك الحديدية وفقاً لمصالحه ودون التفريط في سيادة الدولة أو ثرواتها. 4504.jpg

ومن أبرز ذلك مشروع سكة حديد بغداد الذي كان نموذجاً لمعالجة عجز التمويل، من خلال الاستفادة من التنافس بين الأوروبيين في بناء السكك الحديدية بالدولة العثمانية في ظل الضمانة الكيلومترية التي تقدمها الحكومة العثمانية، التي تكفل حداً أدنى من الإيراد للمستثمر؛ وهو ما جعل من الاستثمارات الأجنبية تتركز في السكك الحديدية التي مثلت الاستثمارات الأجنبية فيها ثلثي الاستثمارات الأجنبية في الدولة العثمانية.

وكان من نتيجة ذلك أن تضاعفت السكك الحديدية في عهده أكثر من ثلاثة أضعاف، وزاد إيرادها عشرة أضعاف تقريباً، والتوجه نحو تحقيق السلطان عبدالحميد لأهدافه من إنشاء السكك الحديدية بتعمير المناطق البعيدة، وتفعيل الزراعة فيها، ومن ثم زيادة العائد الضريبي المتولد عنها، وربط مناطق الدولة ببعضها، وسهولة نقل الجنود وتحركهم، فضلاً عن تشجيع التجارة وتيسير نقل المنتجات.

وإذا كان التاريخ يثبت أن المهندس الحقيقي لمشروع بناء سكة حديد بغداد هو السلطان عبدالحميد، فإن التاريخ نفسه يثبت أيضاً أن المهندس الحقيقي لأعظم مشروع ديني وأممي ووحدوي وخدمي، وهو مشروع سكة حديد الحجاز هو السلطان عبدالحميد، ذلك المشروع الذي تم بتمويل إسلامي خالص من حملة التبرعات التي وجهها السلطان لجميع مسلمي العالم، وبدأ بها بنفسه، ولقي قبولاً واسعاً في أرجاء العالم الإسلامي، بغرض تسهيل وصول الحجاج للديار المقدسة، لتحقيق فكرة الجامعة الإسلامية التي تبناها السلطان عبدالحميد، فضلاً عن الاستغناء عن قناة السويس التي كان يسيطر عليها الاحتلال البريطاني في مصر، إضافة إلى الأغراض العامة لإنشاء السكك الحديدية.

ولم يتوقف طموح السلطان عبدالحميد عند ذلك، بل كان يسعى لربط خط بغداد بخط الحجاز، ولكن أبت اليد الاستعمارية استكمال مشروعه الحضاري والوحدوي الإسلامي، وقضت “سايكس بيكو” على ما تبقى من هذين المشروعين.

ولم يقتصر الأمر بعهد السلطان عبدالحميد في مجال المواصلات على خدمات السكك الحديدية، بل يرجع الفضل إليه في جعل إدارة المواصلات البحرية بيد شركة عثمانية خاصة دخل فيها رأس المال الأجنبي ولكن تحت إشراف نظارة البحرية، بعد أن كانت منذ عهد التنظيمات الخيرية بيد الشركات الخاصة العثمانية والأجنبية، كما عمل على زيادة عدد السفن البخارية، واهتم بإنشاء العديد من الموانئ، وفتح المجال لتأسيس الشركات والخطوط الملاحية للقضاء على الامتيازات الملاحية البريطانية في المياه العراقية، بل درس عمل قناة جديدة منافسة لقناة السويس التي كانت ترزح تحت الاحتلال البريطاني.

كما يرجع الفضل إلى السلطان عبدالحميد في إدخال السيارة والترام وتعبيد الطرق؛ حيث كان يتم تعبيد أكثر من 800 كيلومتر في السنة وإصلاح 450 كيلومتراً أخرى.

وامتدت اهتماماته لوسائل الاتصالات وفي مقدمتها البريد الذي كان فريسة للامتيازات الأجنبية، كما أدخل التلغراف في كل أرجاء الدولة، وعمل على تصنيعه بأيد عثمانية، وأدخل الهاتف.

كما قام بمد قساطل المياه (مياه الحميدية) التي أنقذت إسطنبول من العطش، وقام كذلك بتجارب بناء الغواصات في إسطنبول من ماله الخاص.

وفي التعليم، حقق نهضة تعليمية رشيدة، من خلال الأخذ بعلوم الغرب الحديثة تدريجياً مع عدم المس بالثقافة الإسلامية.

وفي الصحة، اهتم بالصحة العامة والبحث العلمي فيها، وبناء المستشفيات، فضلاً عن دور العجزة.

ويكفي السلطان عبدالحميد أنه كان سياسياً مفكراً عاملاً؛ حيث حذر أبناء أمته من البطالة، والعيش في ثوب الوظيفة الحكومية، وضرب مثلاً بنفسه للاقتداء؛ فقد كان منذ صغره نجاراً ماهراً، ومستثمراً ناجحاً، وحثهم على العمل والإنتاج، باعتبار ذلك قوام الدول وسر نهضتها وقوتها، وفي سبيل ذلك فتح الباب للمشروعات الصغيرة والكبيرة على السواء؛ لتمارس نشاطها، وتسهم بدورها في علاج البطالة، وتلبية حاجات البلاد، والتصدير للخارج، في ظل تآمر دولي لم ينقطع، وإرادة حميدية لم تتراجع، وإدارة علمتها التجارب الصمود، وأن التمسك بالإسلام هو الخلاص للأمة، فعلم أعداؤه قدرته على النهوض بالدولة التي كانت في طريقها للسقوط، وهو يمشي بها في خطوات الارتقاء، ولكنهم نجحوا في خطتهم بما يملكون من أموال قذرة وذمم خربة، وتكللت مؤامراتهم بالقضاء على الكلمة الجامعة للمسلمين في واقع حياتهم وهي الخلافة الإسلامية.

رحم الله السلطان عبدالحميد، وتقبله سبحانه في عليين، وأعاد للأمة خلافتها ومجدها.

 

الثلاثاء, 04 سبتمبر 2018 14:33

متفرقات.. حول المرأة

ـ بعض الغربيين احترموا مكانة المرأة المسلمة وفي مقدمتهم الأمير «تشارلز» ولي عهد بريطانيا

ـ المرأة تزاول دورها المجتمعي ارتباطاً بحاجتها الشخصية للإنفاق على نفسها إذا لم يوجد من يتولى أمرها

ـ أسماء بنت أبي بكر كانت نعمت المرأة المقتصدة في بيتها المعينة لزوجها بجهدها ومالها

 


لعل قصة الفتاة التركية كريمان خالص تعكس مدى الحقد التاريخي الذي يكنه الغرب للمرأة المسلمة، ففي 31 يوليو 1932م، عقدت مسابقة اختيار ملكة جمال أوروبا في العاصمة البلجيكية بروكسل، وكان من ضمن المتسابقات فتاة تركية اسمها كريمان خالص ممثلة لتركيا، وذلك لأول مرة في تاريخ تركيا، بل وفي تاريخ بلاد المسلمين، بعد إلغاء الخلافة العثمانية على يد «أتاتورك».
وتقدمت الفتاة التركية مستعرضة مفاتنها بلباس البحر على خشبة المسرح، وحرصت لجنة التحكيم على منحها لقب ملكة جمال العالم، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل توجه رئيس لجنة التحكيم بالحديث لأعضاء اللجنة قائلاً: «أيها السادة، أعضاء اللجنة، إن أوروبا كلها تحتفل اليوم بانتصار النصرانية، لقد انتهى الإسلام الذي ظل يسيطر على العالم منذ 1400 عام، إن كريمان خالص ملكة جمال تركيا تمثل أمامنا المرأة المسلمة، ها هي كريمان خالص حفيدة المرأة المسلمة المحافظة تخرج الآن أمامنا بالمايوه، ولا بد لنا من الاعتراف أن هذه الفتاة هي تاج انتصارنا».
واستطرد قائلاً: ذات يوم من أيام التاريخ انزعج السلطان العثماني «سليمان القانوني» من فن الرقص الذي ظهر في فرنسا، عندما جاورت الدولة العثمانية حدود فرنسا، فتدخل لإيقافه خشية أن يسري في بلاده، ها هي حفيدة السلطان المسلم، تقف بيننا، ولا ترتدي غير المايوه، وتطلب منا أن نُعجب بها، ونحن نعلن لها بالتالي: إننا أُعجبنا بها مع كل تمنياتنا بأن يكون مستقبلاً لفتيات المسلمات يسير حسب ما نريد، فلتُرفع الأقداح تكريماً لانتصار أوروبا».

غربيون يحترمون المسلمة
وإذا كان هذا العداء التاريخي بارزاً في هذا السلوك الهمجي الغربي الحاقد لكل عفة، ومكانة للمرأة المسلمة فإن هناك من الغربيين أنفسهم من احترموا مكانة المرأة المسلمة وفي مقدمتهم الأمير «تشارلز»، ولي عهد بريطانيا، الذي أشاد بالمرأة المسلمة، قائلاً: لقد نالت المرأة المسلمة حريتها قبل أن تنالها جدتي ملكة بريطانيا.
ومن العجيب أن نرى بالغرب في واقعنا المعاصر من هو أقل وطأة على المرأة المسلمة من بعض المسلمين أنفسهم ممن تسموا بأسمائنا وتكلموا بلغتنا، والذين قاسوا حرية المرأة بمدى عريّها، وتجرؤوا على أحكام الله في الميراث وغيرها! ويقابلهم في ذلك من الوجه الآخر الذين صوروا المرأة على أنها حبيسة البيوت ولا تصلح لممارسة دورها في مجتمعها بأي حال من الأحوال!
لقد جعل الإسلام خروج المرأة للعمل ليس بقصد تقليد زائف أو صراع لا حقيقة له بينها وبين الرجل، فالمرأة تزاول دورها المجتمعي ارتباطاً بحاجتها الشخصية للكسب للإنفاق على نفسها إذا لم يوجد من يتولى أمرها وينفق عليها، أو لكسب مال تبذله في وجوه الخير، أو ارتباطاً بحاجتها الأسرية من خلال مساعدة زوجها لتحسين ظروف الأسرة الاقتصادية، أو الإنفاق على أولادها إذا كان لا عائل لها، أو ارتباطاً بالمجتمع لأداء بعض فروض الكفاية التي تفرضها حاجة المجتمع المسلم على مجموع النساء، وتكون بمثابة ضرورات اجتماعية أو اقتصادية، لحفظ كيان المجتمع المسلم، وتقدمه وتطوره، سواء كانت تلك الحاجات خدمية كالتعليم والتطبيب والتمريض النسائي وحضانة وتعليم الأطفال ورعاية اليتامى، أو زراعية أو صناعية أو تجارية وبما يتفق مع طبيعة المرأة وفطرتها.

نماذج مشرقة
وقد أشار القرآن الكريم إلى خروج المرأة لحاجة شخصية وأسرية في قصة ابنتي الرجل الصالح مع نبي الله موسى عليه السلام في قوله تعالى: (قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ‭{‬23‭}‬) (القصص)، فقد بينتا لموسى عليه السلام أنهما ما خرجتا من بيتهما إلا لحاجتهما لذلك؛ فأبوهما شيخ كبير لا يقدر على القيام بسقيا الغنم وهما تقومان بهذا العمل بأنفسهما.
كما كانت أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها تصنع بيدها؛ حيث كانت تدبغ وتخيط الجلد وتتصدق، وكانت رابطة زوجة ابن مسعود صنعاء اليدين تنفق عليه وعلى ولده، ولما طلقت خالة جابر بن عبدالله لم يمانع النبي صلى الله عليه وسلم في عملها بقطع ثمار نخلها عسى أن تتصدق أو تفعل معروفاً، كما خرج العديد من نساء الصحابة في ميادين الجهاد لسقي العطشى وعلاج الجرحى، وبرعت رفيدة رضي الله عنها في الطب ودفعها للعمل حاجة المجتمع لها، كما برعت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في العلم، وغيرهن الكثير.

الأربعاء, 08 أغسطس 2018 14:03

سيدات الأعمال في الإسلام

  لا توجد قضية اختلط فيها الصواب بالخطأ، والتبس فيها الحق بالباطل، ووقع فيها غلو وتقصير، وإفراط وتفريط، مثل قضية عمل المرأة في مجتمعاتنا الإسلامية؛ حيث ذهبت طائفة إلى القول بحبس المرأة في البيوت وعدم الخروج ولو لأداء نشاط نافع يخدم المجتمع؛ لأن في هذا خروجاً عن فطرتها وطبيعتها التي جبلها الله عليها؛ مما يؤدي إلى انفلاتها من بيتها وتفكك الأسرة، وذهبت طائفة أخرى إلى القول بفتح الباب أمام المرأة للخروج من بيتها دون ضابط أو رابط تاركة لها الحبل على الغارب لتعمل ما تشاء دون قيد أو شرط، أسوة بالمرأة الغربية، وليت هؤلاء تدبروا الظروف التي جبلت المرأة الغربية على الخروج للعمل؟!

ما عرفت المرأة الغربية طريقها للعمل إلا بعد الحروب العالمية حينما خلفت وراءها الملايين من القتلى من الرجال الذين خلفوا –بدورهم- وراءهم الملايين من الأرامل بلا معيل، فاضطرت المرأة للخروج إلى ميدان العمل لتحصل على قوت عيالها، كما أن الثورة الصناعية دفعت النساء الغربيات للعمل دفعاً، ففي ظل استغلال أصحاب الأعمال للعمال من الرجال، ولجوء العمال إلى الإضراب عن العمل، لجأ أصحاب الأعمال إلى تشغيل النساء لسد احتياجاتهم من العمال، إضافة إلى أن المرأة الغربية التي لا تعمل لا تجد من ينفق عليها، فهي مسؤولة عن نفسها في النفقة والمعيشة منذ أن تبلغ السادسة عشرة من عمرها.

المرأة في الإسلام

والإسلام لا يرضى بهذا الرأي أو وذاك، ولا يقبل أن يخير المرء بين شرَّي حبس المرأة في البيت حتى تدخل القبر، أو إطلاقها للعمل دون قيد أو شرط، والسير في فلك المرأة الغربية شبراً بشبر وذراعاً بذراع، فالإسلام نظام غير هذا وذاك، فهو منهج وسطي يرتفع بقيمة المرأة وكرامتها باعتبارها أنثى، وبنتاً، وزوجة، وأماً وعضواً في المجتمع، وقبل ذلك كله باعتبارها إنساناً كرّمه الله تعالى على سائر خلقه، وإذا كانت المرأة بمنطق الإحصاء والتعداد نصف المجتمع فإنها بحكم تأثيرها في زوجها وأولادها ومحيطها أكثر من النصف.

إن الإسلام دين واقعي، لا يحول دون قيام المرأة بالأنشطة الاقتصادية التي تتلاءم مع طبيعتها وفطرتها، فينظر إليها على أنها شريكة الرجل في تعمير الأرض، وبناء المجتمع الصالح، فلها أن تمتهن المهن، وتبيع وتتاجر وتعقد الصفقات، وأن تقوم بالغرس والزراعة والحصاد وغيرها من الأعمال بما يصون كرامتها ولا يسيء إليها.

مسلمات وسيدات أعمال

وقد عرف التاريخ الإسلامي منذ عهد النبوة نماذج لسيدات أعمال مسلمات جمعن بين الدنيا والآخرة، ونجحن في إدارة أعمالهن وإدارة بيوتهن، وكن جنباً إلى جنب مع الرجل في بناء الحضارة الإسلامية، يزاولن التجارة، ويصنعن السلع، ويزرعن الأرض، ويتعلمن ويعلّمن العلم، ويخرجن مجاهدات يداوين الجرحى ويسقين العطشى ويذدن عن الإسلام والمسلمين.

ففي مجال التجارة: تعد السيدة خديجة رضي الله عنها أول سيدة أعمال في تاريخ الإسلام، وقد ضارب رسول الله عليه الصلاة والسلام بمالها، وكانت مصدرة ومستوردة للبضائع على المستوى الدولي، فكانت قوافلها تمتد بين اليمن والشام مكاناً، وبين الصيف والشتاء زماناً، وتعتبر بحق أول من رفعت الحواجز أمام المسلمات لدخول مجال الأعمال الحرة.

وهذه قيلة أم بني أنمار –وهي امرأة من الأنصار- تأتي إلى رسول الله وهو جالس عند المروة، فتقول: يا رسول الله، إني امرأة أبيع وأشتري، فإذا أردت أن أبتاع الشيء سمت به أقل مما أريد ثم زدت حتى أبلغ الذي أريد، وإذا أردت أن أبيع الشيء سمت به أكثر من الذي أريد ثم وضعت حتى أبلغ الذي أريد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تفعلي يا قيلة، إذا أردت أن تبتاعي شيئاً فاستامي به الذي تريدين أعطيت أو منعت، وإذا أردت أن تبيعي شيئاً فاستامي به الذي تريدين أعطيت أو منعت” (رواه ابن ماجه).

وذكر ابن هشام في السيرة النبوية أن امرأة تاجرة ذهبت إلى سوق بني قينقاع بِجَلَبٍ لها (أي بسلع جَلَبَتْهَا)، فباعته، ثم جلست إلى صائغ –وكان يهودياً- لتشتري منه شيئاً من الحلي، فراودها ومن معه على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها فضحكوا بها فصاحت؛ فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع، وكان هذا العمل السبب المباشر لإجلاء يهود بني قينقاع من المدينة، كما ذكر ابن سعد في “الطبقات الكبرى” أن عبدالله بن ربيعة كان يبعث بعطر من اليمن إلى أمه الرُّبَيّع بنت مُعَوّذ، فكانت تبيعه إلى أجل، وذلك في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنهم.

وفي الصناعة

وفي مجال الصناعة: ذكر ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري» أن أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها كانت نموذجاً للمرأة الصانعة بيديها؛ تدبغ وتخرز وتتصدق في سبيل الله من نتاج عملها، كما ذكر الطبراني في صحيحه أنها كانت تغزل الغزل وتعطيه سرايا النبي صلى الله عليه وسلم يخيطون به ويستعينون به في مغازيهم، وروى مسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: «أولُكُنّ لحاقاً بي أطولكن يداً»، قالت عائشة: فكُنّ يتطاولن، أيتهن أطول يداً، قالت: وكان أطولنا يداً زينب، أنها كانت تعمل بيدها وتتصدق.

وهذه امرأة أخرى صانعة تغزل الخيوط، وتنسجها، تأتي النبي صلى الله عليه وسلم ببردة فتقول: يا رسول الله، إني نسجت هذه بيدي أكسوكها، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها وخرج إلى صحابته وإنها لإزاره (رواه البخاري).

وهذه امرأة عبدالله بن مسعود كانت أيضاً امرأة صانعة تصنع بيديها ولم يكن لزوجها مال، وكانت تنفق عليه وعلى ولده من ثمرة صنعتها، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة ولي صنعة، فأبيع منها، وليس لي ولا لزوجي ولا لولدي شيء، وشغلوني، فلا أتصدق، فهل لي في النفقة عليهم من أجر؟ فقال: “لك في ذلك أجر ما أنفقت عليهم، فأنفقي عليهم” (رواه ابن حبان).

مسلمات زارعات

وفي مجال الزراعة: كانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما تمد يد العون لزوجها في عمله فتقول: تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناضح (هو الجمل الذي يسقي عليه) وفرسه، فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربه (الدلو الكبير) وأعجن، ولم أكن أحسن الخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار، وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير -التي أقطعها رسول الله- على رأسي وهي مني على ثلثي فرسخ (يعادل 3696 متراً)، فجئت يوماً والنوى عليَّ، فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من الأنصار، فدعاني ثم قال: «إخ إخ» (كلمة تقال لإناخة البعير)، ليحملني خلفه، فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته، وكان أغير الناس، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أني قد استحييت فمضى، فجئت الزبير فقلت: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه، فأناخ لأركب، فاستحييت منه وعرفت غيرتك، فقال: والله لحملك النوى أشد عليَّ من ركوبك معه، قالت: حتى أرسل إليَّ أبو بكر بعد ذلك بخادم يكفيني سياسة الفرس فكأنما أعتقني.

وكانت أم مبشر الأنصارية تعمل في الزراعة، ودخل عليها الرسول صلى الله عليه وسلم في نخل لها فقال لها: “من غرس هذا النخل أمسلم أم كافر؟ فقالت: بل مسلم، فقال: “لا يغرس مسلم غرساً ولا يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة”.

وهذه خالة جابر بن عبدالله، لما طُلقت أرادت أن تجذ نخلها (تقطع ثمارها)، فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “بلى فجذي نخلك، فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفاً” (رواه البخاري).

إن الإسلام يفسح المجال للاستثمار الأمثل للعنصر البشري في المجتمع من خلال الاعتماد على الرجال والنساء، وقد كان المجتمع الإسلامي برجاله ونسائه عاملاً ومنتجاً دون ضجيج، ولا دخول في متاهات الجدال، وخلق القضايا الوهمية، وقد عاشت المرأة المسلمة معززة مكرمة تخوض دورها الاقتصادي والاجتماعي جنباً إلى جنب مع الرجل.

والمرأة في عصرنا الحاضر أولى بها أن تسير على درب سلائفها، فتكون سيدة أعمال تمارس دوراً اقتصادياً تتعدد أشكاله بدءاً من الدور الذي تمارسه كربّة منزل في صورة الخدمات التي تقدمها لأسرتها، مروراً بعملها في المنزل لإنتاج منتجات تقوم ببيعها، أو انخراطها كقوة عاملة في مؤسسات العمل الحرفي والمهني بما يلائم طبيعتها وفطرتها، أو ملكيتها أو إدارتها لمؤسسات العمل المختلفة، على أن يحكمها في ذلك مرجعية إسلامية تربطها بالجوانب الإيمانية والأخلاقية والتنموية، حتى يكون خروجها للعمل خروجاً شرعياً يكافئها الله عليه بالثواب في الآخرة مع ما تعطى في الدنيا (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) (آل عمران: 195).

تعد قضية التنمية الاقتصادية من القضايا التي هي محل اهتمام الدول المتقدمة والمتخلفة على السواء، وقد بدا الاهتمام بالتنمية واضحاً من خلال اعتبارها فرعاً مستقلاً من فروع علم الاقتصاد يعرف باسم «اقتصاديات التنمية»، فضلاً عن اهتمام المؤسسات الدولية بها سواء من حيث مدلولها أو وضع المؤشرات اللازمة لقياسها، كما اتسمت الدراسات والتطبيقات الخاصة بها بالديناميكية، فلم تعد مقصورة على التنمية الاقتصادية، بل امتدت إلى الاهتمام بالتنمية الشاملة، والتنمية المستدامة، والتنمية البشرية، وإيلاء أهمية لجودة حياة البشر.

التنمية الاقتصادية تعني تغيراً هيكلياً يؤدي إلى زيادة معدل نمو الدخل أو الناتج القومي الحقيقي، وتتفق التنمية الاقتصادية مع النمو الاقتصادي في أن كليهما يعني زيادة الدخل أو الناتج القومي الحقيقي، إلا أنها تتطلب شرطاً إضافياً؛ وهو التغير الهيكلي في النشاط الاقتصادي.

التغير الهيكلي يعني تغير هيكل النشاط الاقتصادي في بلد ما، والنشاط الاقتصادي يقاس بحجمه أو بهيكله، ويعبر عن حجم النشاط الاقتصادي بالدخل القومي أو الناتج القومي، وكذلك حجم القوة العاملة المستخدمة في الاقتصاد، أما هيكل النشاط الاقتصادي فهو يعكس توزيع النشاط الاقتصادي بين القطاعات الرئيسة من صناعة وزراعة وخدمات.

والتنمية بذلك تعني تغييراً نوعياً في بنية الاقتصاد يتأتى بتنوع وتعدد الأنشطة الاقتصادية والمكانة المتزايدة التي يأخذها تدريجياً قطاع الصناعة والصناعة التحويلية بالذات، ومن ثم فإن التغير الهيكلي هو شرط أساس لتحقيق التنمية الاقتصادية، وهو الذي يميزها عن النمو الاقتصادي، وهذا التغير الهيكلي يرتبط تحقيقه بعدد من السنوات؛ أي في الأجل المتوسط والطويل، كما استخدم مفهوم التنمية الاقتصادية في الفكر الاقتصادي لمجموعة البلدان النامية ليعني زيادة الدخل القومي الحقيقي للمجتمع على مدى الزمن بمعدلات لا تسمح فقط بزيادة متوسط نصيب الفرد من هذا الدخل، وإنما تعمل أيضاً على تضييق أو سد فجوة التخلف الاقتصادي بين المجتمع والمجتمعات الأكثر تقدماً، وهو ما يتضمن حدوث تغيرات جذرية في هيكل النشاط الاقتصادي القومي سواء نظرنا إلى هذا النشاط من جهة الناتج أو التوظف أو ميزان المدفوعات.

وبإلقاء نظرة على واقع التنمية في الدول العربية، نجد أن أجيالاً عاشت وماتت بحثاً عن هذه التنمية، وعجلتها التي تغنت بعض الدول العربية بتحريكها، ولكن كان السراب نتيجتها، إنه لا ينكر أحد تميز بعض الدول العربية في ارتفاع مستوى دخول أفرادها، وهي على وجه التحديد دول الخليج، ولكن لا يمكن وضعها في مصاف الدول التي حققت تنمية لاقتصادها، حيث إنها تعتمد في دخلها على إنتاج ريعي ممثل في النفط، ولا تقوم بتوفير حاجتها من الإنتاج، فتعتمد اعتماداً شبه كلي في غذائها وملبسها وكافة حاجاتها على غيرها، بل إن سياسة «البترودولار» قضت على أي توجه فعال للتصنيع فيها؛ فهي تبيع البترول بالدولار، وتعتمد على استيراد حاجتها من الدول المتقدمة المستوردة للبترول، وتشتري بما لديها من فوائض دولارية سندات أمريكية، ولا يختلف وضع باقي الدول العربية عن وضع الدول الخليجية إلا في انخفاض مستوى الدخول مع اعتمادها نفس الشيء على اقتصاد ريعي.

ومن خلال إيلاء نظرة فاحصة لآخر بيانات مجمعة متاحة عن الدول العربية، يتكشف بوضوح ما وصلت إليه حال التنمية الاقتصادية لديها؛ حيث تشير بيانات التقرير الاقتصادي العربي الموحد (عام 2017م) لصندوق النقد العربي إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية في الدول العربية من حوالي 2437 مليار دولار عام 2015م إلى حوالي 2347 مليار دولار عام 2016م، وبالتالي انخفض متوسط  نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من حوالي 6832 دولاراً إلى حوالي 6420 دولاراً، كما تراجع معدل نمو الناتج المحلي بالأسعار الثابتة من حوالي 3.2% عام 2015م إلى حوالي 1.7% عام 2016م، وفي دول مجلس التعاون الخليجي تراجع هذا المعدل من حوالي 4% عام 2015م إلى حوالي 2.5% عام 2016م.

ومن خلال نظرة فاحصة كذلك إلى حصة قطاعات النشاط الاقتصادي من الناتج المحلي، وما حدث فيها من تراجع، يعكس الوضع ما آلت إليه الدول العربية التي تتغنى بالتنمية، فقد أظهرت مؤشرات الهيكل القطاعي للناتج المحلي الإجمالي، أن قطاع الزراعة يقدر فيه الناتج الزراعي بالأسعار الجارية بحوالي 142.1 مليار دولار في عام 2016م بنسبة 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي بانخفاض بنحو 1.4% مقارنة بالعام 2015م، وبلغ نصيب الفرد من الناتج الزراعي حوالي 389 دولاراً خلال عام 2016م، وهو ما يعكس بصورة عامة انخفاض مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي رغم استيعابه نسبة عالية من قوة العمل تبلغ حوالي 20%، ويرجع ذلك بصفة رئيسة إلى انخفاض نسبة الأراضي المستغلة للإنتاج الزراعي حيث تمثل نحو 60% من مساحة الأراضي القابلة للزراعة، فضلاً عن أزمة المياه، والفجوة التكنولوجية بين مخرجات البحوث الزراعية من جهة، ومتطلبات التنمية الزراعية من جهة أخرى.

وبالنسبة لقطاع الصناعة، فقد أظهرت مؤشرات الهيكل القطاعي للناتج المحلى الإجمالي أن الناتج الصناعي الإجمالي للدول العربية بلغ في عام 2016م حوالي 701 مليار دولار، وبنسبة 29% من الناتج المحلي الإجمالي العربي، مقارنة بنسبة بلغت 32.9% خلال عام 2015م، وقد سجلت مساهمات الصناعات الاستخراجية في عام 2016م تراجعاً ملحوظاً في الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية، بلغت حوالي 18.8% مقابل 21.9% خلال عام 2015م، وذلك نتيجة للاستمرار في انخفاض أسعار النفط.

أما بالنسبة للصناعات التحويلية التي تعد كاشفاً مهماً للتنمية الاقتصادية، فقد أظهرت مؤشرات أدائها نتائج سلبية، حيث تراجعت القيمة المضافة من 268.1 مليار دولار في عام 2015م إلى 259.5 مليار دولار في عام 2016م؛ أي بنسبة 3.2%، وبلغت نسبة مساهمات الصناعات التحويلية خلال عام 2016م نحو 11.1% من الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية، وهو ما يبرز ضعف مكونات التنمية الاقتصادية في الدول العربية، علماً أن قطاع الصناعة برمته يوفر فرص عمل لنحو 17.8% من إجمالي القوى العاملة العربية، وبلغ نصيب الفرد من الناتج الصناعي لعام 2016م حوالي 1917 دولاراً.

تشوّه واضح

إن الواقع يكشف أن هيكل الاقتصاد العربي يُظهر تشوهاً واضحاً في القطاعات الإنتاجية الرئيسة، لا سيما قطاع الصناعة والصناعة التحويلية بصفة خاصة، وهو ما يبرز ريعية الاقتصاد العربي واعتماده بصفة رئيسة في جله على الصناعات الاستخراجية التي في جلها تتمثل في النفط والغاز، فضلاً عن قطاع الخدمات الذي يستحوذ على النصيب الأكبر من الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية، وكل ذلك يعكس بصورة واضحة عدم قدرة الدول العربية على خلق تنمية مستدامة يستفيد منها الجيل الحالي ويورثها لما بعده من أجيال.

ورغم ما سعت إليه العديد من الدول باسم برنامج الإصلاح الاقتصادي رفع شعار التنمية، لكن هذا الإصلاح كان إصلاحاً شكلياً خلا من المضمون وتمسك بالمظاهر، بل رهنت بعض الدول اقتصادها ومواردها لصندوق النقد الدولي، والتسليم التام لروشتة الصندوق، رغم نواياه الاستعمارية الناعمة المعروفة، وتجاربه المميتة لأكثر من ستين دولة على مستوى العالم، ذلك الصندوق الذي يعمل لصالح الكبار، كما وصفه العالم الاقتصادي المعروف «إستجلز» (Stiglitz)، الأستاذ الجامعي والنائب السابق لرئيس البنك الدولي للشؤون الاقتصادية، والحاصل على جائزة «نوبل» في الاقتصاد.

لقد أدى اتباع هذه السياسات إلى زيادة في مستويات الفقر في العديد من الدول العربية، لا سيما في ظل انخفاض مخصصات الحماية الاجتماعية والتعليم والصحة وتأثير ذلك على إنتاجية الفرد، فما زالت الأمية في الدول العربية مرتفعة، حيث تقدر نسبتها بين البالغين (15 سنة فما فوق) في عام 2016م بحوالي 19.5%، وبذلك تفوق مثيلتها في جميع الأقاليم بالعالم، كما أن نسبة الإنفاق على التعليم إلى الدخل القومي الإجمالي وإن كانت تمثل نسبة 4.5% في عام 2015م وهي قريبة من النسبة العالمية التي تقدر بحوالي 4.6%، فإن العالم العربي يعاني من انخفاض جودة التعليم وعدم إيلاء العناية الكافية بالبحث العلمي، حتى خلت جامعاته من أفضل 100 جامعة على مستوى العالم، وفقاً لتصنيف شنغهاي للعام 2016م.

وبالنسبة للصحة، فقد بلغت نسبة الإنفاق عليها من إجمالي الناتج المحلي في الدول العربية في عام 2015م حوالي 5.3%، وهي نسبة تقل كثيراً عن المتوسط العالمي البلغ حوالي 9.9%، وما زالت الخدمات الصحية تفتقر في العديد من الدول العربية إلى توافر الجودة والمهارة، وهو ما يدفع السكان العرب للسفر للعلاج بالخارج.

ومن العجب أن نجد بعض المتفيقهين ما زالوا يحمّلون الإخفاق في التنمية للزيادة السكانية، هذه الزيادة التي لو نظر إليها الإنسان بمنظور اقتصادي سليم لوجدها نعمة لا نقمة، فالكون كله مسخر للإنسان، وفيه من الموارد ما يكفيه، وما عليه إلا السعي، أما الرزق فهو وعد من الرحمن للساعين، كما أن الله تعالى خلق للإنسان فماً واحداً ويدين، واليدان لهما القدرة على إطعام الفم بالسعي، كما أن الإنسان هو من يكتشف آلاف الأفكار التي يمكنها أن تخلق قدرة علـى فتح مجالات للعمل والإنتاج وتحقيق قيمة مضافة لا يستهان بها.

لقد آن لتجارب الإصلاح في الدول العربية أن تخرج من سجن التركيز على الطلب والسياسة النقدية والمالية إلى رحاب السياسة الهيكلية بتنويع الهياكل الاقتصادية، والتركيز على القطاعات عالية القيمة المضافة والقطاعات التصديرية وقطاع الاقتصاد المعرفي، وفتح المجال للقطاع الخاص لممارسة دوره التنموي بمسؤولية، والاستفادة من الاستثمار الأجنبي وتقنيته وفقاً للمصالح المتبادلة دون التفريط في الثروات وسيادة البلاد والعباد، مع توفير حاضنة حقيقية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بصورة تمكنها من المساهمة بفعالية في التصدير وخلق فرص عمل، مع إصلاح التعليم وربطه بمخرجات سوق العمل، وتفعيل البحث العلمي، والخدمات الصحية، وكل هذا لا بد أن يكون في ظل حاضنة كبرى تحترم الحرية السياسية ومن ثم الحرية الاقتصادية، وترسي مبادئ العدالة والشفافية والنزاهة والحوكمة.

الصفحة 1 من 7
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top