د.أشرف دوابة

د.أشرف دوابة

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تعد قضية التنمية الاقتصادية من القضايا التي هي محل اهتمام الدول المتقدمة والمتخلفة على السواء، وقد بدا الاهتمام بالتنمية واضحاً من خلال اعتبارها فرعاً مستقلاً من فروع علم الاقتصاد يعرف باسم «اقتصاديات التنمية»، فضلاً عن اهتمام المؤسسات الدولية بها سواء من حيث مدلولها أو وضع المؤشرات اللازمة لقياسها، كما اتسمت الدراسات والتطبيقات الخاصة بها بالديناميكية، فلم تعد مقصورة على التنمية الاقتصادية، بل امتدت إلى الاهتمام بالتنمية الشاملة، والتنمية المستدامة، والتنمية البشرية، وإيلاء أهمية لجودة حياة البشر.

التنمية الاقتصادية تعني تغيراً هيكلياً يؤدي إلى زيادة معدل نمو الدخل أو الناتج القومي الحقيقي، وتتفق التنمية الاقتصادية مع النمو الاقتصادي في أن كليهما يعني زيادة الدخل أو الناتج القومي الحقيقي، إلا أنها تتطلب شرطاً إضافياً؛ وهو التغير الهيكلي في النشاط الاقتصادي.

التغير الهيكلي يعني تغير هيكل النشاط الاقتصادي في بلد ما، والنشاط الاقتصادي يقاس بحجمه أو بهيكله، ويعبر عن حجم النشاط الاقتصادي بالدخل القومي أو الناتج القومي، وكذلك حجم القوة العاملة المستخدمة في الاقتصاد، أما هيكل النشاط الاقتصادي فهو يعكس توزيع النشاط الاقتصادي بين القطاعات الرئيسة من صناعة وزراعة وخدمات.

والتنمية بذلك تعني تغييراً نوعياً في بنية الاقتصاد يتأتى بتنوع وتعدد الأنشطة الاقتصادية والمكانة المتزايدة التي يأخذها تدريجياً قطاع الصناعة والصناعة التحويلية بالذات، ومن ثم فإن التغير الهيكلي هو شرط أساس لتحقيق التنمية الاقتصادية، وهو الذي يميزها عن النمو الاقتصادي، وهذا التغير الهيكلي يرتبط تحقيقه بعدد من السنوات؛ أي في الأجل المتوسط والطويل، كما استخدم مفهوم التنمية الاقتصادية في الفكر الاقتصادي لمجموعة البلدان النامية ليعني زيادة الدخل القومي الحقيقي للمجتمع على مدى الزمن بمعدلات لا تسمح فقط بزيادة متوسط نصيب الفرد من هذا الدخل، وإنما تعمل أيضاً على تضييق أو سد فجوة التخلف الاقتصادي بين المجتمع والمجتمعات الأكثر تقدماً، وهو ما يتضمن حدوث تغيرات جذرية في هيكل النشاط الاقتصادي القومي سواء نظرنا إلى هذا النشاط من جهة الناتج أو التوظف أو ميزان المدفوعات.

وبإلقاء نظرة على واقع التنمية في الدول العربية، نجد أن أجيالاً عاشت وماتت بحثاً عن هذه التنمية، وعجلتها التي تغنت بعض الدول العربية بتحريكها، ولكن كان السراب نتيجتها، إنه لا ينكر أحد تميز بعض الدول العربية في ارتفاع مستوى دخول أفرادها، وهي على وجه التحديد دول الخليج، ولكن لا يمكن وضعها في مصاف الدول التي حققت تنمية لاقتصادها، حيث إنها تعتمد في دخلها على إنتاج ريعي ممثل في النفط، ولا تقوم بتوفير حاجتها من الإنتاج، فتعتمد اعتماداً شبه كلي في غذائها وملبسها وكافة حاجاتها على غيرها، بل إن سياسة «البترودولار» قضت على أي توجه فعال للتصنيع فيها؛ فهي تبيع البترول بالدولار، وتعتمد على استيراد حاجتها من الدول المتقدمة المستوردة للبترول، وتشتري بما لديها من فوائض دولارية سندات أمريكية، ولا يختلف وضع باقي الدول العربية عن وضع الدول الخليجية إلا في انخفاض مستوى الدخول مع اعتمادها نفس الشيء على اقتصاد ريعي.

ومن خلال إيلاء نظرة فاحصة لآخر بيانات مجمعة متاحة عن الدول العربية، يتكشف بوضوح ما وصلت إليه حال التنمية الاقتصادية لديها؛ حيث تشير بيانات التقرير الاقتصادي العربي الموحد (عام 2017م) لصندوق النقد العربي إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية في الدول العربية من حوالي 2437 مليار دولار عام 2015م إلى حوالي 2347 مليار دولار عام 2016م، وبالتالي انخفض متوسط  نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من حوالي 6832 دولاراً إلى حوالي 6420 دولاراً، كما تراجع معدل نمو الناتج المحلي بالأسعار الثابتة من حوالي 3.2% عام 2015م إلى حوالي 1.7% عام 2016م، وفي دول مجلس التعاون الخليجي تراجع هذا المعدل من حوالي 4% عام 2015م إلى حوالي 2.5% عام 2016م.

ومن خلال نظرة فاحصة كذلك إلى حصة قطاعات النشاط الاقتصادي من الناتج المحلي، وما حدث فيها من تراجع، يعكس الوضع ما آلت إليه الدول العربية التي تتغنى بالتنمية، فقد أظهرت مؤشرات الهيكل القطاعي للناتج المحلي الإجمالي، أن قطاع الزراعة يقدر فيه الناتج الزراعي بالأسعار الجارية بحوالي 142.1 مليار دولار في عام 2016م بنسبة 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي بانخفاض بنحو 1.4% مقارنة بالعام 2015م، وبلغ نصيب الفرد من الناتج الزراعي حوالي 389 دولاراً خلال عام 2016م، وهو ما يعكس بصورة عامة انخفاض مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي رغم استيعابه نسبة عالية من قوة العمل تبلغ حوالي 20%، ويرجع ذلك بصفة رئيسة إلى انخفاض نسبة الأراضي المستغلة للإنتاج الزراعي حيث تمثل نحو 60% من مساحة الأراضي القابلة للزراعة، فضلاً عن أزمة المياه، والفجوة التكنولوجية بين مخرجات البحوث الزراعية من جهة، ومتطلبات التنمية الزراعية من جهة أخرى.

وبالنسبة لقطاع الصناعة، فقد أظهرت مؤشرات الهيكل القطاعي للناتج المحلى الإجمالي أن الناتج الصناعي الإجمالي للدول العربية بلغ في عام 2016م حوالي 701 مليار دولار، وبنسبة 29% من الناتج المحلي الإجمالي العربي، مقارنة بنسبة بلغت 32.9% خلال عام 2015م، وقد سجلت مساهمات الصناعات الاستخراجية في عام 2016م تراجعاً ملحوظاً في الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية، بلغت حوالي 18.8% مقابل 21.9% خلال عام 2015م، وذلك نتيجة للاستمرار في انخفاض أسعار النفط.

أما بالنسبة للصناعات التحويلية التي تعد كاشفاً مهماً للتنمية الاقتصادية، فقد أظهرت مؤشرات أدائها نتائج سلبية، حيث تراجعت القيمة المضافة من 268.1 مليار دولار في عام 2015م إلى 259.5 مليار دولار في عام 2016م؛ أي بنسبة 3.2%، وبلغت نسبة مساهمات الصناعات التحويلية خلال عام 2016م نحو 11.1% من الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية، وهو ما يبرز ضعف مكونات التنمية الاقتصادية في الدول العربية، علماً أن قطاع الصناعة برمته يوفر فرص عمل لنحو 17.8% من إجمالي القوى العاملة العربية، وبلغ نصيب الفرد من الناتج الصناعي لعام 2016م حوالي 1917 دولاراً.

تشوّه واضح

إن الواقع يكشف أن هيكل الاقتصاد العربي يُظهر تشوهاً واضحاً في القطاعات الإنتاجية الرئيسة، لا سيما قطاع الصناعة والصناعة التحويلية بصفة خاصة، وهو ما يبرز ريعية الاقتصاد العربي واعتماده بصفة رئيسة في جله على الصناعات الاستخراجية التي في جلها تتمثل في النفط والغاز، فضلاً عن قطاع الخدمات الذي يستحوذ على النصيب الأكبر من الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية، وكل ذلك يعكس بصورة واضحة عدم قدرة الدول العربية على خلق تنمية مستدامة يستفيد منها الجيل الحالي ويورثها لما بعده من أجيال.

ورغم ما سعت إليه العديد من الدول باسم برنامج الإصلاح الاقتصادي رفع شعار التنمية، لكن هذا الإصلاح كان إصلاحاً شكلياً خلا من المضمون وتمسك بالمظاهر، بل رهنت بعض الدول اقتصادها ومواردها لصندوق النقد الدولي، والتسليم التام لروشتة الصندوق، رغم نواياه الاستعمارية الناعمة المعروفة، وتجاربه المميتة لأكثر من ستين دولة على مستوى العالم، ذلك الصندوق الذي يعمل لصالح الكبار، كما وصفه العالم الاقتصادي المعروف «إستجلز» (Stiglitz)، الأستاذ الجامعي والنائب السابق لرئيس البنك الدولي للشؤون الاقتصادية، والحاصل على جائزة «نوبل» في الاقتصاد.

لقد أدى اتباع هذه السياسات إلى زيادة في مستويات الفقر في العديد من الدول العربية، لا سيما في ظل انخفاض مخصصات الحماية الاجتماعية والتعليم والصحة وتأثير ذلك على إنتاجية الفرد، فما زالت الأمية في الدول العربية مرتفعة، حيث تقدر نسبتها بين البالغين (15 سنة فما فوق) في عام 2016م بحوالي 19.5%، وبذلك تفوق مثيلتها في جميع الأقاليم بالعالم، كما أن نسبة الإنفاق على التعليم إلى الدخل القومي الإجمالي وإن كانت تمثل نسبة 4.5% في عام 2015م وهي قريبة من النسبة العالمية التي تقدر بحوالي 4.6%، فإن العالم العربي يعاني من انخفاض جودة التعليم وعدم إيلاء العناية الكافية بالبحث العلمي، حتى خلت جامعاته من أفضل 100 جامعة على مستوى العالم، وفقاً لتصنيف شنغهاي للعام 2016م.

وبالنسبة للصحة، فقد بلغت نسبة الإنفاق عليها من إجمالي الناتج المحلي في الدول العربية في عام 2015م حوالي 5.3%، وهي نسبة تقل كثيراً عن المتوسط العالمي البلغ حوالي 9.9%، وما زالت الخدمات الصحية تفتقر في العديد من الدول العربية إلى توافر الجودة والمهارة، وهو ما يدفع السكان العرب للسفر للعلاج بالخارج.

ومن العجب أن نجد بعض المتفيقهين ما زالوا يحمّلون الإخفاق في التنمية للزيادة السكانية، هذه الزيادة التي لو نظر إليها الإنسان بمنظور اقتصادي سليم لوجدها نعمة لا نقمة، فالكون كله مسخر للإنسان، وفيه من الموارد ما يكفيه، وما عليه إلا السعي، أما الرزق فهو وعد من الرحمن للساعين، كما أن الله تعالى خلق للإنسان فماً واحداً ويدين، واليدان لهما القدرة على إطعام الفم بالسعي، كما أن الإنسان هو من يكتشف آلاف الأفكار التي يمكنها أن تخلق قدرة علـى فتح مجالات للعمل والإنتاج وتحقيق قيمة مضافة لا يستهان بها.

لقد آن لتجارب الإصلاح في الدول العربية أن تخرج من سجن التركيز على الطلب والسياسة النقدية والمالية إلى رحاب السياسة الهيكلية بتنويع الهياكل الاقتصادية، والتركيز على القطاعات عالية القيمة المضافة والقطاعات التصديرية وقطاع الاقتصاد المعرفي، وفتح المجال للقطاع الخاص لممارسة دوره التنموي بمسؤولية، والاستفادة من الاستثمار الأجنبي وتقنيته وفقاً للمصالح المتبادلة دون التفريط في الثروات وسيادة البلاد والعباد، مع توفير حاضنة حقيقية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بصورة تمكنها من المساهمة بفعالية في التصدير وخلق فرص عمل، مع إصلاح التعليم وربطه بمخرجات سوق العمل، وتفعيل البحث العلمي، والخدمات الصحية، وكل هذا لا بد أن يكون في ظل حاضنة كبرى تحترم الحرية السياسية ومن ثم الحرية الاقتصادية، وترسي مبادئ العدالة والشفافية والنزاهة والحوكمة.

هكذا الأيام الطيبة المباركة تمر سراعاً؛ فرمضان ذلك الضيف الكريم الذي عشنا معه أياماً معدودات، جاء سريعاً وانقضى سريعاً، وإذا كنا عشنا معالم العديد من الدروس الاقتصادية في رمضان، فينبغي أن تستمر تلك الدروس بقية العام، ويكفي أن هذا الشهر الكريم أعطانا صورة واقعية عن الوقت الذي هو كالسيف، إذا لم نقطعه يسبقنا هو بالقطع.

 

لقد انقضى رمضان، لكن أعمال البر لا تنقضي، والاستفادة من فضله لا ينتهي، ومن ثم تبدو أهمية الحفاظ على قيمة الوقت ما بعد رمضان أيضاً، بإعماره بالعمل الصالح، وفي مقدمة ذلك الإنتاج النافع؛ فاستثمار الوقت فيما ينفع قيمة عظمى ومرتبة كبرى، لذا كان النبي، صلى الله عليه وسيلم، يقول: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس؛ الصحة والفراغ» (رواه البخاري)، والصحة الجيدة تعني مزيداً من الإنتاجية ومن ثم الإنتاج، كما أن استهلاك الوقت فيما لا ينفع بالفراغ القاتل هو قتل لصاحبه.

كما حث النبي، صلى الله عليه وسلم، على اغتنام الوقت باعتباره هو الحياة بكل جوانبها، فقال صلى الله عليه وسلم: «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» (رواه الحاكم)، وهذا الحديث يعكس قيمة الشباب، والصحة، والغنى، الفراغ، والحياة بصفة عامة باعتبارها مواطن قوة لا بد من استغلالها بما يحقق المنفعة لصاحبها ومجتمعه من حوله، ولا يمكن التغاضي عن قيمة عناصر القوة هذه في زيادة الإنتاجية، والإنتاج قوة.

وفي هذا الإطار أيضاً يأتي حديث النبي، صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع خصال: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه» (رواه الترمذي).

ولعل إثارة قضية المال في الحديث تعكس قيمة الاقتصاد في حياة المسلم كسباً وإنفاقاً، فلا يكسب إلا حلالاً، ولا ينفق إلا حلالاً بعيداً عن الإسراف والتبذير والترف، ومن ثم يوفق بين موارده واحتياجاته وهذا هو عينه موضوع علم الاقتصاد في واقعنا المعاصر.

الوقت والإنتاج

كما أن النبي، صلي الله عليه وسلم، ربط الوقت بالإنتاج ربطاً دقيقاً في صورة رائعة حينما قال: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل» (رواه أحمد).

فما أحوجنا إلى تقرير قيمة الوقت في حياتنا واستغلاله بصورة رشيدة، ورحم الله ابن مسعود، رضي الله عنه، الذي كان يقول: “ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزدد فيه عملي”.

وعجباً كل العجب لإنسان يغتم بما ينقص من ماله ولا يبكي على ما ينقص من عمره، كما كان يقول السري بن المفلس، رحمه الله، وكان الحسن البصري، رحمه الله، يقول: “أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم”.

إنه إذا كان من فضل الله علينا أن أكرمنا بالاستفادة من الأوقات في رمضان عبادة ومعاملة وإنتاجاً وتنمية، فليكن ذلك الشعاع الذي ينير لنا الطريق من رمضان إلى رمضان، وليكن شعارنا كما كان شعار السلف الصالح عمارة الوقت بدلاً من هدره وقتله، فلنستثمر أوقاتنا بالحفاظ على كل دقيقة فيها، واحترام أعمالنا، وترشيد استهلاكنا، والتمسك بأذكارنا، والارتباط اليومي بقرآننا، وصلة أرحامنا، وسعينا على المسكين واليتيم والأرملة، حتى يتحقق العمران المادي والمعنوي لمجتمعاتنا، الذي هو من ثمار التقوى التي يخرج بها المسلم في رمضان، وهي في الوقت نفسه الحكمة الظاهرة من الصيام، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {183}) (البقرة)، فالتقوى هي مفتاح تحقيق التنمية الاقتصادية، والله تعالى يقول: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) الأعراف: 96)، كما أن التقوى هي مفتاح إزالة الهموم وغم الديون وتوسيع الأرزاق للعباد، والله تعالى يقول: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق).

تكافل القلوب

كما أن من قوام العمران تكافل القلوب والنفوس، وإذا كان هذا من الدروس العملية التي طبقناها عملياً في رمضان؛ فإنه يجب العض عليها بالنواجذ، فهذا من الأسس المتينة والأركان الوثيقة للنظام الاقتصادي الإسلامي، باعتبار المجتمع كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وأنه كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.

إن من أجمل الخصال الأخلاقية مد يد العون والرعاية والبذل للمحتاجين في رمضان وغير رمضان، فإذا كانت صدقة الفطر تجبر نقصان الصوم وتطهر صاحبه مما ارتكبه من لغو أو رفث في رمضان، وفرصة يواسي فيها الصائم إخوانه الفقراء والمساكين ويحس بحاجتهم وآلامهم، ويشاركهم ويشاركونه فرحة العيد ويكفيهم ذل السؤال في هذا اليوم الفضيل؛ مما يزيد من الحب والود والتراحم، ويغلق أبواب الحقد والحسد والكره؛ فإن الصدقة بصفة عامة ينبغي أن تكون سلوكاً يلازمنا طوال العام لتحقيق تماسك البنيان الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع، خاصة أن فيها من المنافع لصاحبها ما يجعله أشد حرصاً عليها.

فمن يريد أن ينمي ماله ويوسع أرزاقه فعليه بالصدقة “ما نقصت صدقة من مال” (رواه مسلم)، “ما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة” (رواه أحمد)، ومن يريد مغفرة خطاياه فعليه بالصدقة؛ “الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار” (رواه أحمد)، ومن يريد الشفاء من الداء فعليه بالصدقة؛ “داووا مرضاكم بالصدقة” (رواه البيهقي)، ومن يريد أن يبعد عن نفسه مصارع السوء فعليه بالصدقة؛ “صنائع المعروف تقي مصارع السوء” (رواه الطبراني).

وكل هذا يحتم علينا أن يكون ارتباطنا مع دروس رمضان الاقتصادية ارتباطاً ربانياً لا رمضانياً، فنتخذ من تلك الدروس الاقتصادية في رمضان وقوداً يعيننا على باقي شهور العام.

 

رمضان هو شهر نزول القرآن وارتباط السماء بالأرض، وفيه ليلة خير من ألف شهر، ويمتلك من النفحات الربانية والدروس الاقتصادية ما هو ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وقد تناول القرآن الكريم في سورة «البقرة» آيات الصيام بدءاً من الآية 183 حتى 187، وتعكس هذه الآيات البينات العديد من الجوانب الاقتصادية للصيام بصورة تبرز مكانته وأهمية الاقتصاد في واقع حياة المسلمين، ومن هذه الجوانب الاقتصادية ما يلي:

1- جعل الله تعالى ثمرة الصيام التقوى فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {183}) (البقرة)؛ وهو ما يعني التربية على الرقابة الذاتية التي تدفع المسلم إلى بذل المزيد في عمله إخلاصاً وإنتاجاً وأمانة وإتقاناً، وهو ما يندرج إيجاباً على الإنتاجية والإنتاج الذي أمتنا في أمس الحاجة إليه في عالم تسيطر عليه القوة الاقتصادية.

إن رمضان فرصة لإقرار وترسيخ تلك القيم الربانية، والبعد كل البعد عن اتخاذ شهر الصيام وسيلة للتكاسل والتراخي والإهمال والتواكل في إنجاز الأعمال، وقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم نموذجاً مضيئاً للصائم المنتج، فلم يعرفوا للخمول طريقاً، ولا للبطالة سبيلاً، ولا للاعتماد على غيرهم في تلبية حاجاتهم منهجاً.

2- إذا كان الإسلام يسّر سبل التكافل الاجتماعي بين المسلمين على مدار العام، فإنها في هذا الشهر الكريم أعم وأشمل وأعظم، فأباح الإفطار للشيخ الكبير والمرأة العجوز والمريض الذي لا يُرجى برؤه إذا لم يطيقوا الصيام، على أن يطعموا عن كل يوم مسكيناً، ورخص للحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما كذلك، وهو ما يوثق عرى التكافل بين المسلمين، قال تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) (البقرة: 184).

لذا فرمضان فرصة عظيمة ليس فقط لبذل المال من خلال الكفارات، بل للتوسع في بذله في وجوه البر المتعددة، فكم من يتيم يترقرق الدمع في عينيه ولا يجد من يواسيه! وكم من أرملة أقعدها الزمن لا تجد من يقف بجانبها! وكم من أطفال يعيشون ذل الفقر والمسألة ولا يجدون ما يكفيهم! فما أحرى بنا أن نرق لآلام هؤلاء، وأن نحقق آمالهم بمد يد العون والرعاية والبذل لهم؛ فما نقصت صدقة من مال، والصدقة تقى من البلايا والكروب، وتشفي الأرواح والأجساد، وتطفئ الخطيئة وتزيد الأرزاق وتبارك فيها.

3- جعل الله الصيام «أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ»، ولكن هذه الأيام فيها من البركة الاقتصادية ما ليس في غيرها من الشهور الأخرى؛ (فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {184})، ومن البركات الاقتصادية لهذا الشهر الكريم أنه «شهر يزاد فيه رزق المؤمن» (رواه ابن خزيمة)، وأن سحوره بركة؛ «تسحروا فإن في السحور بركة) (رواه البخاري)، كما أن ليلة القدر خير من ألف شهر، كما أن ثمرة الصيام وهي التقوى من موجبات البركة الاقتصادية، فالله تعالى يقول: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) (الأعراف: 96).

4- وصف الله تعالى شهر رمضان بقوله سبحانه: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {185} وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ {186}) (البقرة)، وهدي القرآن وفرقانه يشمل كل جوانب الحياة ومنها الجانب الاقتصادي، وهي دعوة للأخذ بالمنهج الرباني في الاقتصاد، والعض عليه بالنواجذ، كما أن في هذه الآية إقراراً لقيمة التيسير لا التعسير والتكبير لله والعبودية الخالصة له والشكر لمنه وفضله، واللجوء إليه بالدعاء لتحقيق الرشادة، وهذه الأمور إذا التزم المسلم بها علم يقيناً أن المال مال الله وهو مستخلف فيه؛ ومن ثم يتخذه وسيلة لا غاية، ويجعله معمراً لا مدمراً، ويستفيد منه ربحاً محموداً لا جشعاً مذموماً.

5- رمضان شهر تتجسد فيه الوحدة الإسلامية في قوله تعالى: (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ) (البقرة: 187)، فالمسلمون يلتزمون بوقت واحد للإمساك منذ طلوع الفجر، ووقت واحد للإفطار مع غروب الشمس، فرمضان شهر صيام واحد، لأمة لها رب واحد، وقبلة واحدة، ومنهج واحد، فهو بذلك يجمع الأمة ويوحد صفوفها.

ومن ثم ينبغي لهذه الأمة أن تشمر عن سواعد الجد وتكون يداً واحدة وقلباً واحداً وكياناً واحداً، فتنتقل من التنافر الفردي إلـي العمل الجماعي الوحدوي من خلال إقامة اتحاد اقتصادي إسلامي، فلن يجمع شتات المسلمين إلا الإسلام، ولن يؤاخي بينهم إلا الإسلام، ولن يغنيهم عن تلبية احتياجاتهم واعتمادهم على أنفسهم إلا الوحدة الاقتصادية الإسلامية، فليكن رمضان مصدر إلهام تحقيق هذه الوحدة في عالم تسوده العولمة وتحركه التكتلات الاقتصادية، لتحقيق نهضة اقتصادية إسلامية شاملة، والخروج بالأمة من نفق التبعية إلى رحاب الاستقلال والوحدة الإسلامية الشاملة.

6- إذا كان الله تعالى حدد موعد الإمساك عن الطعام والشراب في رمضان، فإنه سبحانه يأبى من حيث الكم أن تفرط الأمة في استهلاكها، فرمضان فرصة ومجال لامتلاك إرادة التصدي لحالة الاستهلاك الشرهة التي تنتاب المسلمين في هذا الشهر الكريم، وتحقيق التربية الاستهلاكية من خلال القاعدة القرآنية الإرشادية المعروفة: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ) (الأعراف: 31)، هذه القاعدة لا شك هي ميدان الترشيد على المستوى الفردي والمستوى العام.

وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يفطر على رطبات إن وجدها، فإن لم يجدها فعلى حسيات من ماء، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخذ رمضان ترويضاً وتربية للنفس؛ فلا مكان فيه لإسراف أو تبذير، بل اقتصاد وترشيد.

7- ليس من فراغ أن تأتي آية حاكمة للاقتصاد بعد آيات الصيام: (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ {188}) (البقرة)، فهذه دعوة للبعد كل البعد عن أكل المال بالباطل، الذي هو أساس تدمير الاقتصاد بما يحمله من ربا وغرر وغش وتدليس وخديعة وغصب وسرقة ونحوها، وما ينتج عن ذلك من دمار ثروات الأمة البشرية والمادية.

وهذا يؤكد مدى الارتباط الوثيق بين الصيام والاقتصاد، إضافة إلى ما ذكرناه من جوانب اقتصادية في شهر رمضان الكريم، والله تعالى أعلم.

 حملت الحضارة الإسلامية شعلة النور والهداية والعدل للعالمين، فما عرفت عنصرية أو ظلماً أو إقصاء، بل كانت راية للعدل وميزاناً للقسط؛ (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد: 25)، وتحت راية العدل برز الاقتصاد في تلك الحضارة لعمران الأرض؛ (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (هود: 61)، وانطلاقاً من عهد الرسالة والخلافة الراشدة والدولة الأموية الممتدة في ربوع الأرض، سوف نركز على البناء الاقتصادي في الحضارة الإسلامية في تلك المراحل من حياة الأمة الإسلامية.

إن البناء الاقتصادي في الحضارة الإسلامية قوامه الإنسان باعتباره خليفة الله في أرض الله؛ (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة: 30)، لتحقيق الرسالة السامية وهي العبادة لله عز وجل؛ (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ {56}) (الذاريات)، باعتبار العبادة اسماً جامعاً لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، لذا فالسلوك الاقتصادي من إنتاج وتوزيع واستهلاك وتدبير لا يقتصر في الحضارة الإسلامية على الجوانب المادية فحسب، بل يتعدى ذلك إلى التوجيه نحو السلوك الإنساني الرشيد الذي يحقق التوازن بين الجانب النفسي والجانب المادي؛ (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ {1} إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ {2} فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ {3} الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ {4}) (قريش)، بميزان قوامه البناء والتعمير والإصلاح لا الهدم والتخريب والتدمير، قوامه العدل والإحسان والرحمة، لا الفحشاء والمنكر والبغي؛ (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ {89} إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {90}) (النحل).

المنطلقات الاقتصادية للرسول:

لقد جاء الرسول صلى الله عليه وسلم ليحمل للدنيا قيمة التكريم للإنسان بغض النظر عن جنسه ونوعه ولونه؛ (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً {70}) (الإسراء)، ولم يكن الاقتصاد يوماً من الأيام بعيداً عن منطلقاته، بل كان منبعاً رئيساً لتلك المنطلقات، فحينما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة اتخذ بناء اقتصادياً حضارياً للأمة من خلال قرارته الثلاثة ممثلة في بناء المسجد الذي كان تعليم الاقتصاد جزءاً منه، وكذلك المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار التي كانت مؤاخاة اقتصادية امتدت إلى الميراث، فضلاً عن قرار إقامة سوق المدينة، فقد وجد النبي صلى الله عليه وسلم سوق المدينة في بني قينقاع -أحد أحياء اليهود- وكان هؤلاء اليهود أصحاب السيطرة والنفوذ لما عرف عنهم من الأثرة والظلم، وأكل المال بالباطل، وتعاطي الربا، والاحتكار وغير ذلك، فما كان منه إلا أن اختار موضعاً آخر يناسب عمليات البيع والشراء، وإجراء المبادلات والمعاملات بين الناس، وجعله فسيحاً منظماً، وقال: «هَذَا سُوقُكُمْ فَلاَ يُنْتَقَصَنَّ وَلا يُضْرَبَنَّ عَلَيْهِ خَرَاجٌ» (رواه ابن ماجه).

وحينما امتدت ربوع دولة الإسلام وفتح الله على المسلمين مكة المكرمة لم ينفصم الاقتصاد عن واقع حياة الناس، فظهرت حقيقة قيمة البعد العقدي والأخلاقي في الاقتصاد وبناء الحضارة الإسلامية، فحينما نزل قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ {28}) (التوبة)، رأي بعض مسلمي مكة الذين يعيشون على التجارة في موسم الحج أن منع المشركين من الحج إلى بيت الله الحرام سوف يؤدي إلى كساد تجارتهم وانهيارها، وجاء الوعد من الله تعالى ليريح بالهم ويبين لهم أن أمر الرزق بيد الله تعالى، وإن كانوا يخافون الفقر فسوف يغنيهم الرزاق من فضله.

لقد أقام الرسول صلى الله عليه وسلم بناء حضارياً اقتصادياً لا يعرف للغش والغبن والاحتكار والربا وأكل المال بالباطل سبيلاً، بناء حرص على جمع الزكاة لتحقيق التوازن الاجتماعي وإقطاع الأرض لمن يريد أن يحييها بالاستصلاح لتوسيع العمران، واحترام الملكية الفردية بصورة لا ضرر فيها ولا ضرار.

البعد الاقتصادي عند أبي بكر وعمر:

ولما جاء الخلفاء الراشدون من بعده، كان أهم ما تميز به عصر الصديق إبراز قيمة البعد الاقتصادي الحضاري في المحافظة على حقوق الفقراء والذود عنها بالسيف، ففي الوقت الذي كرست فيه النظم الوضعية الانحياز للأغنياء على حساب الفقراء حتى يومنا هذا، قال أبو بكر رضي الله عنه كلمته المشهورة: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه».

كما ضرب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أروع الأمثلة في البناء الحضاري الاقتصادي، وفي مقدمة ذلك سياسته الاقتصادية التي اتسع مجال التكافل الاجتماعي فيها ليشمل المسلمين وغيرهم، فقد مرَّ عمر بن الخطاب بباب قوم، وعليه سائل، شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه، وقال: مِنْ أيّ أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي، قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسألُ الجزيةَ والحاجةَ والسنَّ، فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منـزله فرضخ له بشيء من المنـزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءَه، فواللهِ ما أنصفناه أنْ أكلْنا شبيبته ثم نخذلُه عند الهَرَمِ!

كما راعى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه التوازن الاجتماعي في تقسيم الأرض التي افتتحت عنوة بين المسلمين حينما قال له معاذ رضي الله عنه: والله إذن ليكوننَّ ما تكره، إنك إن قسمتها صار الرَّيْع العظيم في أيدي القوم، ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو المرأة، ثم يأتي من بعدهم قومٌ يسدُّون من الإسلام مسداً، وهم لا يجدون شيئاً، فانظر أمراً يسع أوَّلهم وآخِرَهُمْ، فصار عمر إلى قول معاذ.

النموذج الأندلسي الحضاري والاقتصادي:

وحينما أخذت الدولة الإسلامية في الاتساع في ظل حكم الأمويين أبقت كذلك أهل الأرض على أرضهم مع دفعهم الخراج من الإنتاج الزراعي للأرض، ويعد النموذج الأندلسي نموذجاً فريداً في البناء الحضاري الاقتصادي، ففي العام 822م كانت نصف المساحة المزروعة في الأندلس من أراضي العشر، وبدا دور الدولة واضحاً في دفع عملية الإنتاج الزراعي، وتشجيع استصلاح الأراضي وتحسين قواعد الزراعة لصالح أهل البلاد أنفسهم وليس كما عمل المستعمر في ديار المسلمين من استغلال الأراضي في الدول التي استعمرها لصالح بلده الأم.

كما شهدت الفترة ما بين 822 - 950م توجهاً كبيراً نحو التوطن في المدن التي أنشأها المسلمون بالأندلس، حتى تضاعف على سبيل المثال عدد القرى ثلاث مرات في ولاية قرطبة وحدها، كما كانت مدن الأندلس لا سيما المرية وإشبيلية ومالقة مراكز ضخمة ومهمة للتجارة الدولية من جميع مناطق البحر الأبيض المتوسط دون تمييز بين تاجر مسلم وغيره من أصحاب الديانات الأخرى من اليهود والمسيحيين.

وقد تغيرت الحال بعد تحول الأندلس للحكم المسيحي، فباتت التجارة الدولية للمسلمين نسياً منسياً، ويذكر «أوليفا ريمي كونستبل»، أستاذ التاريخ في جامعة كولومبيا، أن القوة النسبية والشهرة التي تمتعت بها جماعات التجار في الأندلس عانت تغيراً ملموساً بين القرنين الرابع والسابع الهجريين (العاشر والثالث عشر الميلاديين)، حيث سيطر التجار المسيحيون على التجارة الدولية.

وقد كان ذلك التضييق على التجار المسلمين عاملاً رئيساً لنمو سريع في موانئ أوروبا الجنوبية ولجماعات التجار فيها، وفقدت ثغور الأندلس نقاط توزيع البضائع القادمة من شرق العالم الإسلامي إلى غربه؛ ومن ثم فقدت أهميتها التجارية التي كانت تتمتع بها فيما قبل القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) من إنتاج البضائع واستهلاكها وإعادة توزيعها، وغدت الأسواق الإسبانية مجرد تابع لفلك التجارة الأوربية، واقتصرت على استهلاك البضائع المستوردة، وغدت بشكل متزايد مصدراً للمواد الخام للأسواق الأوروبية، ولكنها لم تعد مركز توزيع دولياً للبضائع، وحل محل ثغورها بصورة ملحوظة مدينة جنوة الإيطالية التي أصبحت مركزاً لتخزين وتوزيع البضائع الدولية، واستفادت من البناء الاقتصادي للحضارة الإسلامية في الأندلس الذي كان منطلقاً للبناء الاقتصادي في الحضارة الغربية.

لقد كانت الأندلس في ظل حكم المسلمين دولة إنتاج وتوزيع، ويكفي أن نذكر هنا ما سطره ابن حوقل عن انطباعات المسافرين وأوصاف الجغرافيين عن الأندلس بقوله: «وتتباهى هذه المدن بمواقعها ومبالغ خراجها ومداخيلها، ولا توجد مدينة منها لا تعرف الاكتظاظ، أو ليست محاطة بالأرياض القروية الواسعة أو بولاية كاملة، مع وجود القرى والفلاحين الذين يتمتعون بالنعمة ويمتلكون المواشي الصغيرة والكبيرة والمعدات الجيدة وحيوانات الحمل والحقل.. وتقارب أثمان السلع فيها أثمان المناطق المشهورة برخصها، الغنية بمواردها، المنعمة حيث تطيب الحياة».

كما يكفي هنا أن نشير إلى ما ذكره الباحث الإسباني «بدرو شلميطا» من توصيف لحضارة المسلمين في الأندلس مقارنة بالحضارة الغربية بقوله: «لقد كان الأندلس بالنسبة إلى سكان الممالك النصرانية الشمالية من شبه الجزيرة الأيبيرية قطعة من الجنة وأرض المعاد، لم يطل الزمن بهذا الشعور حتى تحول إلى الطمع والنهب والخطف، وأدى انتشار هذه المشاعر إلى ظهور سياسة عدوانية مخططة من أجل غايات اقتصادية، فكان احتلال الأندلس واستثماره فيما بعد الهدف المعلن عنه في صفوف الطبقات العليا من المجتمع الإسباني النصراني.

هذا المجتمع الذي فضل سياسة ابتزاز الجار على سياسة تنمية الموارد الداخلية، لأنها موجهة قبل كل شيء إلى الحصول على الغنائم وفرض الإذلال، وإذا أردنا فعلاً معرفة درجة غنى الأندلس وأهميتها، فيجب أن نتذكر أنها قامت على الاكتفاء الذاتي، وأن نموها دام ثلاثة قرون.

لقد كانت الأندلس قادرة في سنة 400هـ/ 1009م وحتى 75 سنة إضافية على أن تدعم وتمول -دون إرادة منها- نمو مجموعة اجتماعية أخرى، طفيلية وأجنبية؛ هي الدول النصرانية الشمالية، ومن الصعب تقديم دليل أفضل من ذلك لحقيقة الاقتصاد الأندلسي وأهميته منذ نشأته وحتى تولي المرابطين السلطة».

حضارة فقدت إنسانيتها!

إن الحضارة الغربية إذا كان نبتها جاء من التقليد والمحاكاة للحضارة الإسلامية في دولة الأندلس، إلا أنها فقدت إنسانيتها يوم أن قدمت التعصب الطائفي على الكرامة الإنسانية، وهدمت الإنسان المسلم بمحاكم التفتيش قبل أن تهدم إنتاجه وتوزيعه وتستولي على موارده، وهذا ديدن تلك الحضارة التي قامت على جماجم المسلمين في الأندلس، وجماجم الهنود الحمر في أمريكا، ولم تترك بلداً استولت عليه إلا نهبت مقوماته وخيراته.

والمتتبع للمدارس الاقتصادية التي تبنتها الحضارة الغربية يجد أنها مدارس قامت على استعباد الآخر واستغلال ثرواته لصالح الدول الغربية، فإسبانيا التي قامت على جماجم المسلمين في الأندلس كانت منبتاً لظهور مدرسة التجاريين، تلك المدرسة التي عرفت طريقها للظهور في القرن السادس عشر الميلادي، وكانت منطلقاً للأطماع الاستعمارية من خلال دعوتها لتدخل الدولة لمنع تسرب الذهب والفضة إلى خارج البلد، وتشجيع الصادرات لجلب أكبر قدر منهما، وهو ما فتح المجال أمام الغرب لاستعمار البلدان النامية -وفي القلب منها البلدان الإسلامية- لتدعيم أرصدتها من الذهب والفضة.

وظهرت بعدها مدرسة الطبيعيين في فرنسا في القرن الثامن عشر الميلادي، التي كانت ترى أن كل شيء له قانونه الطبيعي، وأن المجتمع الإنساني يجب ألا يتدخل أبداً في القوانين الطبيعية وإلا فسدت حياته، وحيث إن النشاط الاقتصادي مثل أي شيء له قانونه الطبيعي، فيجب أن يترك حراً تماماً دون تدخل من جانب الدولة، واعتبرت تلك المدرسة أن الطبيعة وحدها هي التي تعطي ناتجاً صافياً للناس، ولذلك ركزت كل اهتمامها على النشاط الزراعي باعتباره المصدر الأساسي للدخل، وكانت أيضاً مدخلاً لاستعمار البلدان الإسلامية والاستيلاء على أراضيها.

استعباد أرباب الأعمال:

وحينما ظهرت المدرسة التقليدية وانتشرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، كان اهتمامها منصباً على الثروة وكيفية نموها، في حين لم تلق بالاً لصانع هذه الثروة، واستعبد أرباب الأموال أرباب الأعمال، وباتت المرأة فريسة للرأسمالية الصناعية واستغلالها، وكان ذلك مدعاة لظهور المدرسة الاشتراكية في منتصف القرن التاسع عشر التي كانت رد فعل للمدرسة التقليدية والنظام الاقتصادي الرأسمالي، تلك المدرسة التي طالبت بإرساء نظام الملكية الجماعية بدلاً من الملكية الخاصة، وحاربت الدين ووصفته بأفيون الشعوب، وكان من نتيجة ذلك أن انتكست الاشتراكية بمخالفتها للفطرة الإنسانية، ولم تعرف شعوبها سوى الاشتراكية في الفقر بالوقت الذي تحول حكامها ورجال الحزب إلى مرتع للترف والثراء، وهو ما عجل بانهيارها في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي.

إن الماضي والحاضر يكشفان أن المدارس الاقتصادية الغربية لم تهتم إلا بذاتها، واستخدمت غيرها لتحقيق مآربها، وحالت بين دول العالم الثالث واللحاق بركاب التقدم، مستخدمة في ذلك قدرتها العسكرية، أو قوتها الناعمة من خلال مندوبيها في تلك الدول الذين وصلوا لأعلى المناصب بدعمهم، أو من خلال المؤسسات المالية الدولية التي تجيد استعباد تلك الدول بالديون، وهذا بعكس الحال في الحضارة الإسلامية التي حملت التنمية والرحمة والعدل للعالمين.

إنه رغم ما وصلت له الحضارة الغربية من تقدم مادي، فإنها فشلت في بناء إنسان صالح سوي، فأخفقت في تحقيق الأمن النفسي والروحي جنباً إلى جنب مع الأمن المادي للإنسان، حيث نظرت النظريات الاقتصادية لتلك الحضارة إلى الإنسان على أنه كائن عضوي جل همه إشباع غرائزه وشهواته وحاجته المادية، دون أي اعتبارات أخلاقية أو روحية، وكان من نتيجة ذلك أن تفاقمت المشكلات سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي من بطالة وتضخم وانحلال أسري وتفلت أخلاقي وشذوذ وذوبان للهوية.

وكل هذا يبرز مدى حاجة العالم ليستظل بظلال الحضارة الإسلامية ونظامها الاقتصادي الذي يراعي الفطرة الإنسانية، ويوازن بين الأمن الروحي والمادي، ويرسخ مفاهيم الأخلاق الفاضلة، وسد حاجات المجتمع، وتحقيق الحياة الطيبة لأفراده.

الصفحة 1 من 5
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top