السيسي.. لماذا غيَّر وجهته فجأة من لندن إلى موسكو؟

17:21 01 سبتمبر 2015 الكاتب :   ياسر سليم

كان من المفترض وفقاً لما كان معلناً منذ فترة أن تكون وجهة الطائرة الرئاسية التي تقل عبدالفتاح السيسي إلى الغرب حيث لندن، غير أن سبباً ما غير مفهوم، حولت وجهته للناحية المعاكسة تماماً، إلى الشرق حيث استهل جولة آسيوية بدأها بالعاصمة الروسية موسكو التي لا يزال مطارها دافئاً بأنفاس زيارته الأخيرة التي لم يمر عليها بضعة شهور، في زيارة هي الرابعة له منذ أن قام بالإطاحة بالرئيس محمد مرسي في الثالث من يوليو 2013م الذي عينه قائداً للجيش.

الملاحقة القانونية

يفسر المعارضون له تحويل بوصلة الزيارة إلى الشرق الآسيوي بدلاً من الغرب بتجنب احتمال ملاحقته قانونياً وإلقاء القبض عليه في لندن التي أقيمت فيها دعاوى قضائية ضده باتهامه بقتل المئات من المواطنين المصريين.

فرغم كل الترتيبات التي أعلنت، ومنها ما خص الجانب البريطاني بعدم الممانعة في استقباله، ألغيت الزيارة، أو أرجئت وفق آخرين مؤيدين للسيسي يؤكدون أن الهدف من استبدال الشرق بالغرب، هو من أجل العمل على عزل الغرب، حيث شعرت الولايات المتحدة - مثلاً - بالعزلة بالفعل، وفقاً لما قاله د. سعيد اللاوندي، خبير العلاقات الدولية بمعهد الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، من أن توني بلير قدم استقالته من اللجنة الرباعية الدولية لعملية السلام في الشرق الأوسط مُنذ أكثر من شهرين.

وأضاف اللاوندي، في تصرحاته لجريدة لـ"الوطن" القاهرية، أن توني بلير معروف بأنه لسان حال السلطة في الولايات المُتحدة الأمريكية، والآن أمريكا تشعر بالعزلة بعد التحركات الخارجية للسيسي بخاصة زياراته المتكررة لروسيا، وتطور العلاقات المصرية الروسية على الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية.

وأوضح خبير العلاقات الدولية بمعهد الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أن مصر تربطها بأمريكا علاقات إستراتيجية قوية، لكن السيسي لم يزرها حتى الآن، في الوقت الذي يوسع السيسي من علاقاته الخارجية في القارة الآسيوية، بزيارته الحالية لسنغافورة وللصين.

غطاء

الأهداف المعلنة لتلك الزيارات، غطاء اقتصادي، وإن كانت لها أهداف أخرى تبرز من بين سطور التصريحات والأخبار المتداولة بشأنها، فرغم أن المعلن في زيارة السيسى لسنغافورة هو تعاون اقتصادي بحت، فقد كان أول ما زاره هو مركز الوئام الحضاري، الذي تم إنشاؤه في عام 2006م بهدف تجديد الخطاب الديني، والعمل على محاربة الأفكار الإرهابية المتطرفة!

أيضاً فقد زار إحدى محطات تحلية المياه التابعة لشركة «هاي فلاكس» التي تمد سنغافورة بحوالي 40% من احتياجاتها من المياه، وتم توقيع مذكرة تفاهم بين هيئة قناة السويس وشركة «هاي فلاكس»، تعد بموجبها الشركة الدراسات الفنية والمالية والاقتصادية لإنشاء محطة متكاملة لإنتاج المياه والكهرباء بمنطقة العين السخنة، يأتي ذلك في الوقت الذي توشك إثيوبيا على الانتهاء من بناء السد الخاص بها، والذي يهدد مياه نهر النيل العذبة.. فهل سيتم سد العجز من مياه النيل بمياه البحر المحلاة؟

وعودة إلى الزيارة الأهم التي يقوم بها السيسي لروسيا، الدب العجوز الذي دب الضعف في أوصاله، ليلتقي في موسكو الثعلب الشمعي فلاديمير بوتين، رئيس روسيا، فقد كان هدف هذه الزيارة المعلن اقتصادياً، مع تلميحات بتعاون أمني ضد "الإرهاب" وتحديداً في سورية، وربما كان ما جرى التلميح إليه أهم مما تم التصريح به.

صحيفة "البرافدا" الروسية، كشفت أن الاجتماع سياسي أمني أولاً وأخيراً، وهو تحليل أقرب للصحة، في ظل الصحة المتدهورة للاقتصاد الروسي لاسيما بعد تدني أسعار النفط لمستويات غير مسبوقة، وهو عماد الاقتصاد الروسي الأول (حجم التجارة البينية بنهاية 0.14 - 5.5 مليار دولار بزيادة نحو 86% بالمقارنة بالعام الأسبق، وكذلك تنامي ملحوظ في حجم صادرات المنتجات الزراعية الروسية).

أيضاً فكل ما قيل قبل الزيارة عن ملفات اقتصادية ضخمة سيناقشها الجانبان، تواضعت بعده إلى دراسة إنشاء مفاعل نووي في الضبعة، مع عدد من الصور التذكارية التي أبرزت التآلف الروحاني بين السيسي وبوتين وفق ما ركزت عليه وسائل الإعلام المصرية الموالية للسلطة.

كان المعلن أن هدف الزيارة هو إنشاء صندوق استثمارات مشترك بين مصر والإمارات وروسيا لتمويل المشروعات الكبرى بمصر، كما تتضمن إنشاء منطقة صناعية روسية بمنطقة قناة السويس الجديدة (التفريعة الجديدة)، فضلاً عن إسراع المفاوضات بشأن توقيع اتفاق التجارة الحرة بين مصر والاتحاد الأوروبي.

صحيفة "برافدا" كشفت أيضاً أن موسكو التي استضافت تلك المباحثات التي وصفتها بالسرية أكدت أن محادثات موسكو ربما يكون لها تأثيرات حقيقية على منطقة الشرق الأوسط، وفقاً للخبراء، حيث كان الشأن السوري وتهديدات "داعش" أبرز المواضيع الشائكة للاجتماع.

وأضافت "برافدا" أن روسيا تسعى لتحويل اهتمام ومخاوف الزعماء العرب من سورية إلى "داعش"، باعتبار الأخير هو الأكثر خطراً على مستقبل تلك الدول والمنطقة، وفي حال تمدده لن تستطيع مصر أو غيرها الحفاظ على توازن المنطقة، كما أكدت أن العلاقات الروسية - العربية أصبح لها شأن آخر.

كما أوضحت أن جميع الأطراف الحاضرة بالقمة أصبحت تعي ذلك جيداً بأن "داعش" هو التهديد الأخطر، وأن أمريكا التي صنعت الإرهاب بطريقة غير مباشرة لن تقدم لهم شيئاً حيال انتشار التنظيم.

اختلاف الظروف

يعلق د. مصطفي كامل السيد، الأستاذ بكلية العلوم السياسية بجامعة القاهرة، على الاحتفاء الرسمي المبالغ فيه بشأن التعاون مع روسيا بالقول: يخطئ صانع القرار والإعلام الذي يسبح بحمده بتصور أن روسيا الاتحادية في الوقت الحاضر هي صورة طبق الأصل من الاتحاد السوفييتي السابق، لوهم استعادة أيام صفقة السلاح في عام 1955م، ومعونة السوفييت متعددة الأوجه، وأهمها في بناء السد العالي.

ويضيف: الاتحاد السوفييتي بحكم العقيدة الاشتراكية التي كانت تحكمه كان يرى من مصلحته مساندة حركات التحرير في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وكان اقتصاده في الخمسينيات والستينيات يمكنه من ذلك، وكانت كل مؤسساته الإنتاجية مؤسسات مملوكة ملكية عامة؛ ومن ثم كانت تلبي طلبات الحكومة والحزب الشيوعي الحاكم.

روسيا الاتحادية اليوم هي دولة رأسمالية، أو تسعى نحو الرأسمالية ولا تهمها مساندة حركات التحرير ولا تقدم معونات، فـ"كله بفلوسه"، واقتصادها منهك في الوقت الحاضر، وشركاتها تخضع للملكية الخاصة باستثناء قطاع الطاقة والإنتاج الحربي، وفضلاً على ذلك لا يكاد يكون هناك أي تواجد للمنتجات المدنية الروسية في الأسواق العالمية، ومن ثم التعاون مع الشركات الصناعية الروسية يجب أن يأخذ في الاعتبار مدى مساهمتها في تحسين القدرة التنافسية لاقتصادنا.

ويقول السفير جمال بيومي: أولاً؛ روسيا التي يزورها السيسي ليست الاتحاد السوفييتي الذي تخلي عن مصر عام 1979م عندما اختارت مسيرة السلام، وراهن السوفييت بالخطأ على صدام والأسد والقذافي.

ثانياً؛ فإن لمصر والعرب مصلحة في استعادة شريك تجاري مهم كروسيا كان مع الكتلة الاشتراكية يشغل أكثر من 65% من تجارة مصر حتى مطلع عقد السبعينيات.

وهناك آفاق واسعة للتعاون في مجالات النقل البحري وبناء السفن وإصلاحها والصناعات الغذائية والطاقة والسياحة إلخ، على ألا يكون ذهابنا لموسكو وبكين، على حساب علاقاتنا بأمريكا وأوربا، فإجمالي التبادل التجاري الراهن يبلغ 5 مليارات دولار تحصل مصر منها على 10% فقط (500 مليون دولار صادراتنا).

ويرى د. محمد فراج، الكاتب الاقتصادي المتخصص والخبير في العلاقات المصرية الروسية، أنه منذ بدء تبادل الزيارات بين المسؤولين المصريين والروس منذ الثلاثين من يونيو ومنذ بدأ الحديث عن الاتفاقات وفرص التعاون في مختلف المجالات.. تحدثنا مراراً وتكراراً عن ضرورة توافر الإرادة السياسية لدى القيادة المصرية للاستفادة بالصورة المثلى من الفرص التي تتيحها هذه العلاقات، وخاصة فيما يتصل بإقامة محطة الضبعة النووية، وتطوير برنامج نووي مصري، في مواجهة ضغوط أمريكية و"إسرائيلية" وغربية وعربية متوقعة.. وبالرغم من توقيع مذكرة تفاهم بالأحرف الأولى ومن الأفضلية المالية والفنية والعلمية الواضحة للعرض الروسي، بشهادة خبراء مصريين كبار، فما زال التوقيع النهائي يتلكأ، ونقص الإرادة السياسية هنا واضح.

ويضيف على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك": لكن من ناحية أخرى، هناك مشكلة جدية في فهم حقيقة أوضاع روسيا الاقتصادية ومدى قدرتها على تقديم عروض استثمارية سخية في ظل انهيار أسعار البترول، الأمر الذي يقتضي ضرورة اختيار مشروعات التعاون الاقتصادي بدقة، وتفهم حدود قدرات الشريك الروسي، وعدم مطالبته بما لا يطيق حتى لا تتعثر مشروعات التعاون.

وعلى سبيل المثال، فإن إعادة تأهيل (وتطوير) المشروعات الاقتصادية المقامة بتكنولوجيا روسية كمصنع الحديد والصلب، والمصانع الحربية ومحطة كهرباء السد العالي، تحتاج توافر جزء رئيس من التمويل المصري، بينما نحن ندعو الروس إلى أن يتحملوا المشروع بالكامل.

أما إقامة المنطقة الصناعية الروسية فتحتاج إلى مد الطرق والمرافق إليها، وربما المشاركة بنصيب في الإنشاءات الداخلية، تشجيعاً للاستثمارات الروسية، لكننا نريد ضمان قدوم الاستثمارات الروسية وقيامها بالأمر كاملاً قبل أن نبدأ حتى في تجهيز الموقع، وإلى جانب الإرادة السياسية هنا تبرز مشكلة النقص الفادح في إمكانيات التمويل من الجانب المصري.

لكن هذه المشكلة ترتبط عضوياً بمشكلة تحديد أولويات الاستثمار لدينا، فنحن نبدد إمكاناتنا المحدودة في مشروعات إنشائية (عملاقة)؛ كالعاصمة الجديدة ومدينة العلمين المليونية...إلخ، ولو أننا أعطينا الأولوية القصوى - كما ينبغي أن يحدث - لمشروعات الصناعة والطاقة والتكنولوجيا المتطورة كقاطرة ضرورية لإنهاض وتقدم الاقتصاد، لما كانت مشكلة تمويل المشروعات الصناعية لدينا بهذه الحدة، ولأمكن مواجهة مشكلة المصانع المغلقة والمتعثرة، وهي قضية أكثر إلحاحاً بكثير، وستتيح فرصاً للتمويل الذاتي للمشروعات الأخرى.

عدد المشاهدات 1460

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top