دلالات فوز حزب العدالة والتنمية المغربي بالانتخابات المحلية والجهوية

13:26 06 سبتمبر 2015 الكاتب :   عبد الغني بلوط

حل حزب العدالة والتنمية المغربي (إسلامي)، والذي يقود الحكومة الحالية، في المرتبة الثالثة بالانتخابات الجماعية المحلية باحتساب عدد المقاعد في أنحاء المغرب بنسبة 15.94%، بعد حزبين كبيرين من المعارضة هما الأصالة والمعاصرة الذي يحسب على فئة الأعيان النافذين بنسبة 21.12%، وحزب الاستقلال بنسبة 16.22%، والذي يعد أمينه العام حميد شباط أشرس معارض للحكومة.

لكن جميع المراقبين اعتبروا حزب العدالة والتنمية الفائز الأكبر في هذه الانتخابات بعد مضاعفة مقاعده بحوالي 3 مرات مقارنة بانتخابات مماثلة جرت سنة 2009م، والأهم من ذلك اكتساحه لعدد من المدن الكبرى والوازنة اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً مثل الرباط العاصمة، والدار البيضاء العاصمة الاقتصادية، وفاس العاصمة الثقافية، ومراكش العاصمة السياحية، وأغادير كبرى مدن الجنوب، وغيرها من الأقطاب الحضرية، بل احتل المرتبة الأولى على مستوى الانتخابات الجهوية بـ174 مقعداً؛ أي بنسبة 25.66% والتي تجرى لأول مرة عبر الاقتراع المباشر في إطار الجهوية الموسعة، وتقدم في خمس جهات وازنة من أصل 12، واحتل المرتبة الثانية أو الثالثة في باقي الجهات،  كما نال الحزب مراتب محترمة في مناطق قروية يقدم فيها مرشحين لأول مرة.

صدمة

وظهر اعتبار "العدالة والتنمية" الفائز الأكبر من خلال ما سمي الصدمة الكبيرة التي عبرها عنها خصومه السياسيون، والذين سارع أمناؤهم العامون إلى عقد اجتماع عاجل وطعنهم في النتائج حتى قبل ظهورها النهائي قبل أن يخففوا من حدة انتقاداتهم في اليوم الموالي، كما كشفه صدمة بعض المحللين السياسيين الذين ملؤوا الشاشات والجرائد، وسار تحليلهم في اتجاه توقع "تصويت عقابي" ضد الحزب الذي يقود الحكومة منذ أربع سنوات، بل ذهب بعضهم إلى إظهار تمنيه غلق قوس رياح "الربيع العربي" التي حملت الحزب إلى الحكومة.

واعتمد هؤلاء المحللون على مؤشرات ما سمي "غضب الشارع المغربي" من السياسة غير الشعبية التي نهجتها الحكومة في نظرهم بضرب القدرة الشرائية والتضييق على الحريات، مستدلين بنتائج انتخابات الغرف المهنية (الفلاحية، والصناعية، والتجارية) والتي جرت في شهر أغسطس الماضي، متناسين أو متجاهلين أن حزب العدالة والتنمية يفتقد فيها إلى التجربة الكافية لاقتحامها، حيث لم يغطِّ جميع الدوائر واعتمد في ترشيحاته على متعاطفين معه أكثر من اعتماده على مناضلين عضويين.

ابن كيران

وحسب ما شاهدت خلال الحملة الانتخابية التي دامت 13 يوماً قبل يوم اقتراع 4 سبتمبر 2015م، فقد استطاع حزب العدالة والتنمية أن يقدم نموذجاً راقياً في التواصل مع المواطنين، واعتبر الحزب الوحيد الذي نهج حملة نظيفة بل أكثرها احتراماً.

وكان للتجمعات الكبيرة التي أطرها عبدالإله بن كيران بصفته الأمين العام لحزب العدالة والتنمية وصلت إلى معاقل خصومه السياسيين الذين لم يستطيعوا مجاراته في ذلك، الأثر الكبير في حصول الحزب على تلك النتائج الطيبة، حيث كان حديثه من القلب إلى الجموع بلغة سياسية واضحة تحمل همومهم وتوقهم إلى العيش الكريم في مدنهم وقراهم، لكنه أيضاً لم يتوانَ في الهجوم على عدد من الرموز السياسية بصفتها داعمة للفساد وساعية إلى التحكم في رقابهم.

أثر هذه التجمعات كان كبيراً على الناخبين والخصوم على حد سواء، لاسيما بعد نشر الصور على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ذهب خصومه سواء المشاركين أو المقاطعين إلى اعتبار تلك الصور الحقيقية خدعة بصرية وأنها مركبة بالفوتوشوب، فيما رد مناصرو الحزب بهاشتاج "الفوتوشوك" (صدمة الصور) الذي انتشر سريعاً واستعمله رواد المواقع التواصل الاجتماعي بكثافة.

وظهرت على الميدان طينة جديدة من القيادات المحلية لحزب العدالة والتنمية، والتي استغلت فرصة الحملة الانتخابية، ودخلت في حوارات مفتوحة مع المواطنين، متسلحة بعدد من الوسائط الدعائية سواء في الشارع أو على مواقع التواصل الاجتماعي تشرح بكل حماس إنجازات الحكومة، رغم أن الأمر يتعلق بانتخابات محلية، لكنهم لم ينسوا أن يقدموا النماذج الإيجابية لما قام به الحزب من تطوير للمدن الذي سيرها خلال الولاية المنتهية، وتوفير الأموال الطائلة للقيام بمشاريع ذات أهمية كبيرة.

واعتمد مناضلو العدالة والتنمية على الرفع من نسبة المشاركة لسد الطريق على المفسدين الذين يشترون الناس بالأموال، فكلما شارك الناخبون بكثافة، بحسبهم، صعبوا المهمة القذرة على مشتري الذمم الذين وظفوا الشباب العاطل عن العمل في حملات ممنهجة للبحث عن الأصوات لاسيما في القرى والمدن المهمشة، ونجح هؤلاء إلى حد مقبول في الرفع من هذه النسبة والتي فاقت كل المشاركات السابقة، ووصلت في بعض المناطق إلى أرقام مرتفعة.

ولمس هؤلاء ما يتمتع به ابن كيران من شعبية كبيرة لدى فئات عريضة من الشعب المغربي، بل وقفوا على تفهم الطبقة الوسطى لقراراته القاسية فيما يخص رفع الدعم عن المحروقات، وعدم رفع الأجور، واقتطاع أيام الإضراب، وسعيه إلى الرفع من سن التقاعد، لكنهم شهدوا له بالدخول إلى عش الدبابير ومعالجة ملفات حارقة لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب، منها إصلاح صندوق المقاصة، كما شهدوا له بنظافة يد وزرائه الذين لم يتورطوا في هدر المال العام.

علاوة على ذلك وقف هؤلاء المناضلون على مساندة فئة عريضة من الطبقة الفقيرة على مساندتهم لابن كيران الذي أصبح ماركة مسجلة لديهم، وشهدوا له بالالتفات إلى فئات لم تستطع رفع صوتها بالاحتجاج، وتمكينها من بداية الولوج الميسر إلى الصحة والتعليم، ولكن أيضاً بتمكين جميع الطلبة من التغطية الصحية في سابقة من نوعها، إضافة إلى اعتماد المساعدة الاجتماعية للأرامل والمطلقات وغير ذلك، كما سانده أيضاً فئات من ذوي المشاريع الاقتصادية بعد مساهمته في تحسين مناخ الأعمال حسب مؤشرات دولية، والسير قدماً في إصلاح عدد من القطاعات المعطوبة، وساهم أيضاً في هذا النتائج الخطاب السياسي المتدني للمعارضة، حتى إن لحسن حداد، أحد وزراء الحكومة من الحركة الشعبية، قال: إنه كلما كان هناك هجوم مجاني على الحكومة والعدالة والتنمية كان هناك رد فعل عكسي من المواطن.

فوز العدالة والتنمية خاصة في المدن الكبرى لم يكن بــ"قفزة" كبيرة كما حدث في الانتخابات البرلمانية لسنة 2011م، إذ سبق أن حصل على مقاعد محترمة في انتخابات محلية سنة 2009م قبل "الربيع العربي"، لكن المثير حقاً أنه ولأول مرة في تاريخ المغرب فاز بأغلبية مريحة تضمن تسيير هذه المدن ومقاطعاتها دون الحاجة إلى حساب التحالفات المربكة، ويعتبر اكتساحه لمدينة فاس التي كان يسيرها حميد شباك أبرز معارض لحكومة ابن كيران وأشرسهم حيث كان سبباً في الإرباك الحكومي خلال سنته الأولى انتهت بخروجه إلى المعارضة، أهم إنجاز لأنصار الحزب، كما اكتسح الحزب النتائج بمدينة مراكش أحد معاقل حزب الأصالة والمعاصرة والذي بنى كل حملته الانتخابية على مهاجمة رئيس الحكومة ووصف حزبه بأبشع النعوت، وهي المدينة السياحية العالمية والتي يروج الخصوم أن تسليمها إلى حزب ذي مرجعية إسلامية خط أحمر.

تصريحات

وقال جواد الشفدي، مدير جريدة "التجديد"، الناطق الرسمي باسم حركة التوحيد والإصلاح المقربة من حزب العدالة والتنمية في تصريح لمجلة "المجتمع": إن الترتيب من حيث عدد المقاعد على الصعيد الوطني ليست له أي أهمية في الانتخابات الجماعية والجهوية، فنحن لسنا في انتخابات تشريعية تستدعي الحصول على المرتبة الأولى لاختيار رئيس الحكومة من الحزب الفائز، وأشار إلى أن الذي يهم في هذه الانتخابات هي الثقافة الجديدة التي أصبحت عند المواطن المغربي، فالتصويت بكثافة على حزب المصباح في معظم الحواضر المغربية فيه رسالة للحزب الذي يقود التحالف الحكومي لتحمل مسؤوليته كاملة في السياسات التي بدأها ولمحاسبته في نهاية ولايته، كما أن حصول حزب العدالة والتنمية على الأغلبية المطلقة في العديد من الجماعات والمقاطعات لا يعني بأنه سينفرد بالتسيير، فمن مصلحته أن يبقى منفتحاً على جميع الشرفاء من الأحزاب الأخرى الذين يريدون مشاركته في التدبير الجماعي وفق برنامجه الذي سيحاسبه عليه المواطنون.

وخلص المحل السياسي خالد شيات، أستاذ العلوم السياسية، إلى ثلاث خلاصات؛ الأولى: هي أن المشهد السياسي المغربي مازال رهينة للظاهرة القروية، وهذا استمرار لمنطق قديم يغلب القبلية والانتماء غير السياسي على الارتكاز على الأحزاب، والثانية: أن المال مرتبط بظاهرة الفقر والأمية، وأن عامل الموازنة هو نسبة المشاركة التي يمكن أن تقلص من تأثير إفساد الانتخابات، أما الثالثة: فهي أن الأحزاب رهينة لمنطق المقاعد ولم تهتم بنوعية المرشحين ولا كفاءتهم، وهكذا قدمت أحزاب سياسية أصحاب سوابق ومروحين للمخدرات في ظاهرة تنهل من منطق "الكارتيلات"، وهو تهديد مباشر للمغرب واستقراره، ومن الناحية السياسية الصرفة يمكن أن نقول: إنه لأول مرة يحافظ حزب حاكم على مواقعه داخل المدن الكبرى، وينال ثقة الناخبين، في دلالة على تصويت غير عقابي على أدائه.

أما د. محمد الغالي، أستاذ العلوم السياسية، والذي عرف بتحليلاته الموضوعية وتوقعاته الصادقة، فأكد لمجلة "المجتمع" أن ما حصل عليه حزب العدالة والتنمية من نتائج جد متقدمة خاصة اختراقه للعالم القروي الذي كان حكراً على الأحزاب التقليدية أمر متوقع، حيث يعزى هذا الاختراق إلى طريقة تواصل حزب العدالة والتنمية مع مكونات هذا المجال القروي خصوصاً الشباب الذين شكلوا عماد الحزب في هذا الباب، بالإضافة إلى الثقة التي منحها وزراء العدالة والتنمية في الحكومة من خلال نزاهتهم ونقائهم من الفساد المالي الذي شكل نقطة قوة عند الحزب في حملته الانتخابية، ونقطة ضعف عند المنافسين، كما أن هذه النتائج المتقدمة لحزب العدالة والتنمية تشكل تصويتاً بالثقة على مسلسل الإصلاحات التي دشنتها المملكة المغربية، والتي شكل حزب العدالة والتنمية شريكاً رئيساً فيها، كما أن تجديد الثقة في حزب العدالة والتنمية من قبل الناخبين يشكل إيمان الكتلة الناخبة المغربية بأهمية المسار الديمقراطي الذي دشنته المملكة من خلال خيار الجهوية المتقدمة.

وأكد انه يصعب إسقاط هذه النتائج على انتخابات الغرفة الأولى البرلمانية؛ لأنها تختلف عنها من حيث طبيعة الأدوار ثم كذلك من حيث طبيعة المرشحين، ولكن بالنسبة للغرفة الثانية أي مجلس المستشارين الذي تحتله المعارضة منذ سنة 2009م، سيحصل حزب العدالة والتنمية على نتيجة متقدمة ستشكل سابقة أولى للحزب في حصوله على تمثيلية مهمة في الغرفة الثانية (مجلس المستشارين) والذي سيعكسه الانضباط الذي يتحلى به مرشحو الحزب، وهذا عكس بعض الأحزاب التي كانت تحصل على نتائج مهمة في الانتخابات الجماعية، ولكن لا تعكسها عددياً على مستوى مجلس المستشارين.

أما د. محمد نشطاوي، أستاذ التعليم العالي في العلوم السياسية، فقال لـ"المجتمع": لقد تكلم الشعب المغربي، أو بالأحرى من صوَّت منهم، فصوَّت لصالح حزب العدالة والتنمية، الذي وإن لم يحصل على المرتبة الأولى وحاز المرتبة الثالثة، إلا أنه خالف توقعات أغلب المحللين، فيما يتعلق بحجم الاكتساح الذي حققه وخاصة في المدن الكبرى كالرباط والبيضاء وفاس ومراكش وأغادير، وضاعف عدد المقاعد التي حصل عليه أربع مرات بالمقارنة مع انتخابات سنة 2009م، وكذلك عدد الأصوات التي جددت الثقة في مرشحيه.

وأضاف: كان الجميع ينتظر تصويتاً عقابياً ضد العدالة والتنمية بالنظر للإجراءات الاقتصادية المتخذة من قبل حكومة ابن كيران، والتي اعتبرت مثقلة لجيوب المواطنين خصوصاً الطبقة المتوسطة، وكذا لعدم استطاعته تفعيل بعض شعاراته المرتبطة بمحاربة الفساد، إلا أن عدم تورط وزرائه في ملفات فساد، وكذا نجاحه في تسيير بعض المدن التي تحمل مسؤوليتها (خصوصاً القنيطرة)، إلى جانب إعادة ترشيح نفس الوجوه من قبل باقي الأحزاب الأخرى والتي تورط بعضها في ملفات فساد مازال بعضها رائجاً في المحاكم، شكل حافزاً أمام المواطنين لاختيار مرشحي العدالة والتنمية، والذين يعتبر أغلبهم وجوهاً جديدة، أملاً في التغيير.

وأشار إلى أن الانتخابات الجماعية تعتبر بالنسبة للمواطن العادي أكثر أهمية من غيرها (الجهوية أو البرلمانية)؛ لأنها ترتبط بحياته ومتطلباته ومصالحة اليومية؛ وبالتالي لابد أن يكون هاجسها هو منح الثقة للأصلح وللأكثر انشغالاً بهموم ومصالح المواطنين، فهي انتخابات القرب بامتياز.

عدد المشاهدات 2309

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top