طباعة

    نظرة أخرى لافتتاح مسجد موسكو الجامع

07:41 29 سبتمبر 2015 الكاتب :   موسكو - د. أحمد عبد الله

بعد انتظار دام لأكثر من عشر سنوات، دخلت الفرحة قلوب عشرات الآلاف من مسلمي العاصمة الروسية موسكو، وملايين المسلمين في روسيا الاتحادية عامة، علامات الفرح والابتهاج كانت واضحة على وجوه الزائرين ورواد المساجد، فهذا منهمك بالتطلع لعمارة المسجد، وذاك منهمك بأخذ صور تذكارية، وآخرون آثروا سجدات في ساحاته الداخلية شكراً لله على أن أتم لهم هذا الأمر.

يقول العم أمير (90 عاماً) من قدامى المحاربين الذين شاركوا في الحرب الوطنية ضد النازية: لقد كانت أمنيتي ودعائي لله أن يبقيني حياً لأشهد افتتاح المسجد، بعد أن صلينا لسنوات طويلة في مساحات مفتوحة لا تقي برد الشتاء ولا حر الصيف، لقد وقفت لمدة تسع ساعات إلى أن سمح لنا بالدخول بعد أن غادر الرؤساء مكان حفل الافتتاح، كان التعب يتملكني لكنني صمدت لتحقق أمنيتي ولم أفوت فرصة الدخول لأول مرة.

افتتح المسجد الجامع، بعد انتظار عشر سنوات تواصلت فيه أعمال البناء منذ عام ٢٠٠٥م، إلى أن جاء يوم ٢٣ سبتمبر وكان افتتاحه متزامناً مع يوم وقوف الحجاج في عرفة.

مبنى المسجد الجديد

حاول المهندس المعماري أن يجمع بين المظهر القديم للمسجد في عدد من جزئياته ليربط الماضي بالحاضر؛ المنارات في قاعدتها جمعت بين طراز أسوار الكرملين، ثم انتقلت إلى الطراز الدائري الطويل، لتعانق السماء في منظر يذكرك بمنارات مدينة إسطنبول والمساجد التركية.

ساهم في بناء المسجد أعداد كبيرة من الدول والأشخاص، كان على رأسهم الملياردير الداغستاني سليمان كريموف، الجمهورية التركية ساهمت بماسهمات مالية وبخفض قيمة البناء من الشركة التركية المشرفة على تشييده، أما المملكة المغربية فأرسلت أشهر نقاشيها على الجبس ليشرفوا على الكتابات القرآنية والزينة الداخلية للمسجد.

حفل الافتتاح

لم يكن أحد يتصور أن يحضر هذا العدد الكبير من الرؤساء والمسؤولين والضيوف من كافة أنحاء العالم ليشاركوا في يوم الافتتاح، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس التركي رجب طيب أوردغان على رأس القائمة، وكانت جميع الأنظار على كلماتهما.

وأشار الرئيس الروسي إلى أن الإسلام في روسيا يعتبر وفقاً للقانون أحد الأديان التقليدية، المعترف بها رسمياً من الدولة، وأن المسلمين هم جزء مهم في نسيج الوطن، وأكد أن ما يقوم به تنظيم "داعش" يشوّه صورة "الديانة العالمية العظيمة"، ويزرع الكراهية ويقتل الناس، بينهم رجال دين، ويدمر الآثار التاريخية بهمجية، معرباً في الوقت ذاته عن أمله في أن يقوم "رجال الدين" المسلمين في المستقبل بتربية المسلمين على أساس قيم الإنسانية والعدالة والرحمة.

وأكد بوتين أهمية تربية الشباب المسلم على أساس القيم الإسلامية التقليدية، ووضع حد لمحاولات فرض رؤى غريبة لا علاقة لها بالإسلام الحقيقي.

أما الرئيس التركي رجب طيب أوردغان، فقد أشاد بالصرح الجديد، واعتبره منارة للسلام في روسيا الاتحادية، واستغل أوردغان الفرصة ليشارك الرئيس عباس إدانته لما يحدث من انتهاكات "إسرائيلية" لحرمة المسجد الأقصى، ويدعو العالم إلى وقف هذه الممارسات.

كما ركز أردوغان على مأساة اللاجئين السوريين الذي يعبرون بلاده إلى أوروبا، داعياً العالم إلى تحمل مسؤلياته تجاههم، ووصف ما يحدث من مآسٍ على سواحل المتوسط وصمة عار على جبين الإنسانية، داعياً الدول الأوروبية والغربية إلى التعامل بحكمة مع هذه المأساة.

أما الشيخ راوي عين الدين، فقد اعتبر هذه المناسبة حدثاً تاريخياً يسهم في ترسيخ السلام وتطوير علاقات أواصر حسن الجوار والعلاقات ذات المنفعة المتبادلة بين الدول والشعوب والثقافات، وأعاد عين الدين إلى الأذهان أن روسيا هي وريث جميع الثقافات والأديان على امتداد أوراسيا، وأنها ما انفكت تمثل امتداداً مجيداً لها، وختم بالقول: إن جامع موسكو الكبير هو رمز لإيماننا ووحدة صفنا.

تذكرة بالتاريخ

لا يفوتنا هنا أن نذكر القارئ الكريم بمن كان سبباً في إنشاء هذا المسجد أيام القياصرة، وكان له السبق في بناء بيت لله يذكر فيه اسمه إلى يومنا هذا.. إن المسجد الجامع في حلته الجديدة، يعود بك إلى صورة ناصعة البياض لتاجر مسلم، اسمه صالح أرزين، رجل الأعمال التتري الشهير، الذي كان يقطن مدينة موسكو، وكان السبب في ظهور ذلك المسجد عام ١٩٠٤م، حيث قدم أموالاً بالغة في تلك الحقبة الزمنىة ليشتري الأرض ويبني عليها المسجد ويتركه وقفاً لأجيال من المسلمين تأتي من بعده.

صمد المسجد - بفضل من الله تعالى - وبقي شامخاً أمام الغطرسة الشيوعية، وبقي يصدح فيه الآذان لقرن من الزمن، متخطياً حاجز الخوف والرعب الذي نشرته وكالة المخابرات السوفييتية آنذاك.

يقول القائمون على المسجد: إن المبنى كان مهدداً بالسقوط، وإن لا حيلة لهم في الإبقاء عليه بصورته القديمة، اتخذ القرار ببدء عملية البناء عام ٢٠٠٥م، وكان الهدم الكامل يوم ١١ سبتمبر ٢٠١١م، يومها قرر الشيخ راوي عين الدين، رئيس مجلس المفتين والإدارة الدينية المشرفة على المسجد، هدمه هدماً كاملاً، وبدأت عملية البناء من جديد، وبدأ المسجد مرحلة جديدة ستبقى آثارها لمئات السنين.

عدد المشاهدات 2535