مصر: مع انهيار الاحتياطي.. أربعة خيارات مُرة أمام السلطة الحالية

10:00 10 أكتوبر 2015 الكاتب :   ياسر سليم

المفترض الآن، وفقاً لتصريحات الفريق مهاب مميش، رئيس هيئة قناة السويس، أن يكون الاحتياطي النقدي المصري من العملات الأجنبية في أعلى مستوياته، وأن يكون الدولار في أقل أسعاره مقابل الجنيه، نتاج ارتفاع السفن العابرة للقناة أضعافاً مضاعفة عقب افتتاح التفريعة الجديدة، والتي تعد أهم موارد العمل الصعبة حالياً، فضلاً عن المشاريع والإنجازات العديدة للسلطة التي تبشر الأتباع وتطمئنهم لكي يصبروا قليلاً، فالفرج قادم والرخاء سـ"يرخ".

غير أن مياه "التفريعة" كذبت الادعاءات، والفواجع والمواجع التي تحل علي اقتصاد البلاد، تدفع رصيد الصبر لدى الأتباع للنفاد، حيث يشهد الجنيه انهيارات متتابعة أمام الدولار، وفق الأسعار التي تشهدها السوق السوداء، بعدما تخطى الدولار حاجز الجنيهات الثمانية بنحو عشرة قروش، كما انهار صافي احتياطي النقد الأجنبي وانخفض بنحو 1.761 مليار دولار خلال شهر سبتمبر الماضي، وهي أكبر خسارة شهرية منذ يناير 2012م، وفق ما أعلن البنك المركزي المصري.

وأوضح البنك المركزي عبر موقعه الإلكتروني الأربعاء الماضي، أن صافي الاحتياطات الدولية بلغت 16.335 مليار دولار بنهاية شهر سبتمبر (مبدئي)، مقابل نحو 18.096 مليار دولار بنهاية شهر أغسطس الماضي.

هشام رامز، محافظ البنك المركزي، فسر الأمر خلال مداخلة هاتفية على برنامج "هنا العاصمة" على فضائية "سي بي سي" في 20 سبتمبر الماضي، بأن مصر سددت خلال الشهر الماضي سنداً تم إصداره منذ 5 سنوات، وحان أجل سداده بقيمة تصل إلى نحو 1.250 مليار دولار، وكان مطلوباً من الحكومة أن تكون جاهزة لدفع دفعة هذا السند الذي كانت مصر قد طرحته.

صاروخ الدولار

وفي سياق متصل، شهدت أسعار الدولار في مصر ارتفاعاً مفاجئاً؛ حيث وصلت إلى 8.08 جنيه للشراء، و8.15 جنيه للبيع، بسبب نقص المعروض منه وزيادة الطلب عليه من جانب مختلف شرائح المستوردين.

سعر اليورو قفز أيضاً بالسوق الموازية ليسجل 9 جنيهات للشراء و9.15 جنيه للبيع، فيما بلغ سعره في السوق الرسمية 8.74 جنيه للشراء و8.85 جنيه للبيع.

الجولة السريعة في شركات الصرافة، تكشف أن الارتفاع بدأ مساء الأربعاء بسبب زيادة الطلب، خاصة بعد إعلان تراجع الاحتياطي النقدي بمقدار 1.76 مليار دولار خلال سبتمبر الماضي.

التردي المقلق دعا الإعلامي الموالي للسلطة عمرو أديب إلى توجيه رسالة شديدة اللهجة للمسؤولين في مصر قائلاً في برنامجه علي قناة "أوربيت": لماذا الإصرار على طمأنة الناس؟ "بح فلوس من الخليج"!

سقوط بلا قاع

ذلك التراجع الكبير الذي شهده الاحتياطي من النقد الأجنبي لدى البنك المركزي في سبتمبر، يبدو أنه لن يكون الأخير خلال الشهور القليلة المقبلة.

فقد ذكر تقرير لبنك الاستثمار (هيرمس)، صدر مساء الأربعاء عقب بيان المركزي، أن البنك المركزي سيسدد التزامين من الديون على مصر خلال الأربعة أشهر القادمة بنحو 1.7 مليار دولار، متوقعاً ضغوطاً أكبر على الاحتياطي النقدي خلال الشهور المقبلة إلى جانب رد الوديعة القطرية خلال الشهر الحالي، ودفعة نادي باريس التي ستسدد مرتين في شهري يناير ويوليو من كل عام بقيمة تتراوح بين 700 و750 مليون دولار، وتوقعت "هيرميس" في تقريرها أن يواصل المركزي سياسته في خفض الجنيه بشكل تدريجي ليصل في السوق الرسمية إلى مستوى 8 جنيهات بنهاية العام، و8.6 جنيه بنهاية 2016م.

وهناك تمويلات أخرى لتغطية الواردات السلعية والبترولية، كما أن هناك دفعات للشركاء الأجانب في ظل عدم وجود تدفقات دولارية كبيرة خلال هذه الفترة.

وأضافت أن نحو 483 مليون دولار من إجمالي ما فقده الاحتياطي النقدي خلال سبتمبر، تم دفعها بشكل أساسي لشراء الوقود المستورد.

وأشارت "هيرميس" إلى أن مصر كانت مضطرة إلى سداد قيمة مشتريات الطاقة بعد تأخر تنفيذ تعاقدات مع دول خليجية للحصول على تسهيلات في استيراد المنتجات البترولية.

وبحسب "هيرميس"، فإن المستوى الحالي للاحتياطي لا يغطي سوى فترة 2.7 شهر من الواردات، مقابل 3 أشهر في أغسطس.

خيارات محدودة

وترى "هيرميس" أن الحكومة أمامها 4 خيارات لزيادة السيولة من العملة الصعبة مع زيادة الضغوط المتوقعة على الاحتياطي، وهما إما الحصول على تمويل خليجي أو طرح سندات دولارية في السوق العالمية (يوروبوندز)، وتبقى إمكانية الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي، على قائمة اختيارات الحكومة، إلا أنها تظل الملاذ الأخير وفقاً لـ"هيرميس".

رابع الاختيارات، بدأته الحكومة فعلاً وأعلنه وزير الإسكان مصطفى مدبولي، الأربعاء الماضي بأن الحكومة وافقت على طرح أراض جديدة على المصريين العاملين في الخارج بعدة مدن، وتتوقع حصيلة قدرها 2.5 مليار دولار من بيع هذه الأراضي.

أما فيما يتعلق بالخيار الأول، أو بالأحرى "الرز الخليجي"، وليس الخيار كما اعتاد أن يسخر منه المصريون، فقد أشارت "هيرمس" في تقريرها إلى أن دول الخليج وعدت الحكومة في المؤتمر الاقتصادي الذي عقد في شرم الشيخ مارس الماضي، باستثمار 6 مليارات دولار في مصر، ولم تفعل حتى الآن.

الحل العملي والأكثر واقعية، برأي "هيرميس"، هو العودة لإصدار سندات دولية، خاصة بعد نجاح الحكومة في إصدار 1.5 مليار دولار في يونيو الماضي.

وقالت "هيرميس" في تقريرها: إنه حتى مع احتمال أن يواجه طرح جديد للسندات تحديات أكبر في ظل الاضطرابات الأخيرة في أسواق الدين العالمية، إلا أنها تعتقد أن الإصدار ممكن للغاية.

مرض عضال

ويعلق المفكر القومي د. نادر فرجاني على التناقص السريع في احتياطي النقد الأجنبي بالقول: إنه علامة على مرض اقتصادي عضال، موضحاً أن رصيد النقد الأجنبي لدى البنك المركزي مؤشر على قوة الاقتصاد من ناحية، وهو من ناحية أخرى ضمانة لسد احتياجات الشعب المستوردة من الخارج، وهي غالبية الاحتياجات في اقتصاد تابع متدني الإنتاجية، ويعتمد على الخارج اعتماداً حرجاً.

وكما هو معروف، فالهزال السريع علامة لا تخطئ على انتشار داء السرطان في الجسد المبتلى به، وتقوم علاقة مشابهة بين التناقص السريع في احتياطي النقد الأجنبي وابتلاء الاقتصاد بداء عضال أو أكثر.

واعتبر فرجاني أن الدلالات الباطنة للخبر عديدة؛ أولها أن الاقتصاد الهزيل والتابع تحت الحكم العسكري الراهن غير قادر على مجرد المحافظة على رصيد النقد الأجنبي، وأن الحكومة تستنفده بمعدل أسرع من القدرة على الإضافة إليه.

وفي سياق الاقتصاد السياسي للبلد - يضيف - فإنه يدل على أن الحكومة تضلل الشعب بأوهام مختلقة عن انهمار تدفقات ضخمة من المعونات والاستثمار الأجنبي (مثل المؤتمر الاقتصادي، وخديعة القناة "الجديدة")، بينما تداعت عائدات السياحة، وهي مورد مهم للنقد الأجنبي، تحت حكمهم المباشر في العامين الأخيرين إلى أدنى مستوى منذ اندلاع الثورة الشعبية العظيمة في يناير 2011م.

على حين هم ينفقون بتبذير يصل حد السفه والاقتطاع من اللحم الحي من احتياطي النقد الأجنبي لأغراض لا يعلمها إلا الله، وليس لنا إلا أن نخمّن من قليل المعلومات الأخرى ومن خبرات الحكم التسلطي تحت اللامبارك الأول (يقصد المخلوع حسني مبارك)، أن أوجه هذا الإنفاق التبذيري تشمل الشراء التفاخري للسلاح الذي لا يستعمل إلا لقمع الشعب، في مصر وباقي البلدان العربية، ولتهريب الأموال إلى الخارج بواسطة القلة المتنفذة في هيكل السلطة.

مصدر الصورة موقع "الأهرام".

عدد المشاهدات 1313

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top