تركيا: الحبيل يخاطب كولن قبل وقوع الكارثة.. فهل يستمع؟

09:04 29 أكتوبر 2015 الكاتب :  

نشرت صحيفة "الوطن" القطرية مقالاً للكاتب الصحفي مهنا الحبيل تحت عنوان "حركة الخدمة التركية والخطيئة الكارثية"، وذلك على أبواب الانتخابات التركية المقرر لها الشهر القادم، وهي تعد نقطة فاصلة في تاريخ ومستقبل تركيا، المقال نقد ممنهج وواعٍ لسياسة وأفعال حركة الخدمة التي يتزعمها فتح الله كولن، ودعوة من الكاتب لإعادة الحسابات قبل وقوع الكارثة، وفيما يلي نص المقال:

على مدى أسابيع كتب علي أصلان، أحد الكتَّاب الرئيسين لصحيفة "زمان" التركية، وهي أبرز الواجهات الإعلامية لحركة الخدمة التركية التي يقودها المفكر فتح الله كولن، سلسلة من المقالات تتناول السياسة الخارجية التركية، وعلاقاتها بأزمات الداخل وسورية، وخاصة دور حزب صالح مسلم، الحزب الديمقراطي الكردي، في المشروع الدولي القادم، وتداخلات عديدة وحسّاسة للتقاطع الخارجي، وموقف الإدارة الأمريكية من أنقرة، وتصعيد الكونجرس الأمريكي على تركيا.

مقالات أصلان وهي تمثل واجهة شبه علنية للحركة، منحازة لواشنطن، وموقفها من هذه القضية بالتحديد، وهي مستقبل علاقات واشنطن بتركيا العدالة، وتَناول هذه العلاقات الذي لا يخلو من تضخيم واضح، ممكن أن يُدركه أي محلل سياسي، في تصغير وتحقير الكاتب لموقف الدولة التركي الاعتباري، أمام واشنطن، وخاصة الرئيس رجب طيب أردوغان، والتي تمتلئ واجهة موقع الصحيفة عنه، بصفته دكتاتوراً مطلقاً، وليس رئيساً منتخباً ديمقراطياً، وله سجل كبير في نقل تركيا للديمقراطية الجديدة، واستئنافها بعد مسيرة عدنان مندريس المغتالة.

وهي المهمة التي شاركته فيها حركة الخدمة، قبل اندلاع الصراع السياسي الكبير، إثر دخول الحركة في ميدان نزاع سياسي تجاوز مشاريعها السلوكية أو تربوية، وهي لافتة الجماعة منذ زمن، ثم أضحت طرفاً سياسياً رئيساً، شارك وقبل أن ينفصل تحالفه مع العدالة رسمياً، في مشروع إسقاط سياسي لحزب العدالة، هذا كمعلومات رئيسة بغض النظر عن الحرب الإعلامية للطرفين.

ومعرفتي بحركة الخدمة قديم، وخاصة مؤلفات الأستاذ فتح الله كولن، وكذلك تشكيل رؤيتي عنهم، لم تؤخذ من إعلام حزب العدالة، بل كان سابقاً له، وتفصيل الموقف من هذا الصراع الشرس الخطير، يحتاج إلى كتاب أبيض.

وهو مهمة الفريق الثقافي السياسي في تركيا، الحريص على تأمين ممانعة سياسية قوية، تحفظ به الدولة والمجتمع، ما تحقق من مستوى ديمقراطي، لا يزال هشاً أمام التحولات الكبرى، وإرث الحقبة السياسية الصعب، الذي لم يصل إلى مستوى مقبول من رفع قضايا أمن الأمة التركية، عن مستوى الصراعات الموسمية الشرسة.

واليوم نحن على مقربة من جولة انتخابية مفصلية، لواقع تركيا السياسي يصوّت فيها الناخبون الأتراك، بالضرورة على مرحلة استقرار لتركيا من عدمها، ودلالة هذا الأمر واضحة، حيث إن تراجع العدالة لن يكون أمام تشكيل سياسي متماسك، بل فرقاء لهم إرث صراع قومي وفكري شرس، لا يؤهلهم لتأسيس تحالف يحقق أدنى درجات الممانعة للاستقرار القومي.

كما أن واقع الحرب الإقليمية الكبرى، التي تستهدف ضمنياً تركيا، يُمثّل تحدياً كبيراً للدولة، ويحتاج مجتمعاً سياسياً أكثر تماسكاً، مهما بلغت الخلافات، والطريق لذلك حالياً، هو عبر تحقيق الغالبية الحكومية لحزب العدالة، الذي عليه مسؤولية كبيرة بعد ذلك لإعادة نهضته في المجتمع التركي، ومواجهة حالة الفساد المستفحل، والبيروقراطية المنهكة، لتُضم إلى منجزاته، فيعزز ثوبه الديمقراطي ويبدأ بإصلاح داخلي متين في بيته.

لكن قضية هذا المقال هو تطور موقف حركة الخدمة، من خلال ما عكسته مقالات أصلان وغيرها من إعلام الحركة من تأييد للموقف الأمريكي، وصل إلى مستوى خطير في شراكة ولو كانت غير مقصودة، مع أطراف معادية لتركيا الدولة وتركيا الأمة، ورابطتها بالشرق الإسلامي والأمة الكبرى، بل واستهدافها كدولة حاضنة لأقلياتها وقومياتها.

لقد احتفت سلسلة المقالات بخطاب الكونجرس ضد أنقرة، والرسائل السرية التي تُسرب للكاتب أو الصحيفة عن طريق رجال أعمال أمريكيين من أصل تركي من مناهضي العدالة، أو عن طريق أعضاء الكونجرس ذاته، في شأن ملف دعم حزب صالح مسلم، المناهض لتركيا، والمدعوم عبر نظام الأسد وإيران، والذي لا يحمل مشروع سلام ولا مصالحة، للقوميات في تركيا وسورية، ولا المشرق الإسلامي، إنما هو مجرد ترس لحروب إقليمية تستخدم مشروعه الانفصالي لحسابات ضغط دولية ضد أنقرة.

وتَدمج مقالات أصلان وباقي الوقع الإعلامي لحركة الخدمة في هذا الملف، مع الموقف من الدعم الأمريكي المؤيَّد ضمناً في مقالات الكاتب، بقضية الحقوق والحريات في الداخل التركي، باعتبارها قضية صراع رئيسة مع أردوغان وحزب العدالة.

وهنا السياق الخطير الذي تتورط فيه حركة الخدمة لتُستخدم ككارثة تاريخية ضد تركيا المسلمة والشرق الإسلامي كله، بدعم موقف اللوبي الصهيوني والمحافظين المسيحيين المتشددين في واشنطن، والشراكة معهم بدعم مشروع صالح مسلم الانفصالي، والمراهنة على أن ذلك سيحقق لهم حصاراً لتركيا العدالة وأردوغان.

وهو لعب خطير بالنار، عبر التبشير بمثل هذه الثقافة والتحريض السياسي، ودعم لوبيات الموقف الأمريكي المتشددة، وخلط قضايا الصراع السياسي في الداخل بالقضايا الإقليمية، والدفاع عن موقف الغرب وإدانة موقف الدولة التركية، وتصوير واقعها أنه دكتاتورية مطلقة.

وهذه كانت المقدمة الرئيسة التي عمَلت عليها واشنطن في تأسيس ما أُطلق عليه البيت الشيعي، وهو أول وأكبر تكتل عراقي استخدمه الأمريكيون في التمهيد لثقافة الغزو، الذي دمر العراق، وحركة الخدمة اليوم تُستخدم دون أن يَقصد بالضرورة جناحها التربوي وربما كثير من السياسي، مقاصد هذا التوظيف الخطير لها.

إنه ليس من المعقول رغم كل الخلافات أن يُتعامل مع الرئيس أردوغان كأنموذج لصدام حسين، ولا بواقع العراق قبل الغزو، كواقع تركيا الآن - هذا بالتجاوز أصلاً عن حقيقة ودقة هذه الحملة على العدالة والرئيس التركي - التي تحمل كثيراً من المبالغات والمناكفات، وتُخفي ما حققته العدالة وفريقها الإسلامي من إنجازات، لسنا بصدد مناقشتها الآن.

وإنما نركز هنا على معنى تطور الاستخدام الأمريكي لحركة الخدمة واندفاعها المتهور، في هذا المشروع الذي يتجاوزها، ويهدم في ذهنية التركي وكل مسلم، صورة عطائها التربوي والسلوكي في مشروعها الروحي.

لن تُغير هذه المقالة ولا غيرها، من سياق الصراع المحتدم الذي يسبق الانتخابات اليوم في تركيا، ولكن لعلها تبعث رسالة مخلصة، إلى أهمية ضبط صراع حركة الخدمة مع الدولة التركية، وتداخلها في الملف الإقليمي واندفاعها مع المُشرعّين الأمريكيين، أو موظفي البيت الأبيض، لتتحول إلى بيت سياسي جديد، يستخدمه الأمريكيون أو في صفقتهم مع موسكو وإيران، لتدمير تركيا.

وليس بالضرورة أن تُستنسخ تجربة الغزو فهذا غير وارد، ولكن مشاريع الشيطان الكبير والصغير لها صور متعددة، أقربها منطقة حظر، تدفع لحرب أهلية كبرى في قلب تركيا، لا سمح الله.

لقد رغب تحالف من علماء ومثقفين مسلمين، الدخول في مبادرة تسعى لصلح اجتماعي بين القاعدة السُّنية الكبرى، التي تُمثلها العدالة والخدمة في إطارها الوطني الجامع، وإن لم يكن تسوية سياسية كاملة، بين حركة الخدمة وحزب العدالة والرئيس أردوغان، ورغم ظروف الخلاف الحادة فإن باب التوافقات والتهدئة لا بد أن يبقى مفتوحاً.

فإذا كانت المجتمعات في الصراعات تقبل بكل حل سلمي بعد إنهاكها، ومن ذلك صفقات التوافق السياسي، فمن باب أولى المبادرة إلى ذلك قبل الحريق، وتكاليف إطفاء أي حريق أكبر من تكاليف تجنبه، والحفاظ على تركيا ومشروعها الناشئ ضرورة إنسانية إن لم يكن واجباً إسلامياً وقومياً تركياً، والطريق إليه لا يمكن أن يتم بهدم بنيان حزب العدالة وفتح أبواب الصراع على تركيا.

تركيا: الحبيل يخاطب كولن قبل وقوع الكارثة.. فهل يستمع؟

عدد المشاهدات 1049

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top