تجدّد الصراع والعنف داخل "نداء تونس"

16:53 05 نوفمبر 2015 الكاتب :   عبدالباقي خليفة

تونس: عبد الباقي خليفة

تعيش تونس أجواء سياسية مضطربة بعد أن بدا واضحاً وجود انقسام داخل أروقة الحزب الحاكم "نداء تونس"، وبشكل أكثر حدة من ذي قبل، بين شق الأمين العام للحزب محسن مرزوق، ونائب رئيس الحزب حافظ قايد السبسي، نجل الرئيس الباجي قايد السبسي، مما جعل مصير الحزب، في كف عفريت، بعد إعلان ما يزيد على 30 نائباً بالبرلمان، نيتهم مغاردة الحزب، مما يعني فقد حزب نداء تونس، لأغلبيته في البرلمان، واحتمال سقوط حكومة الحبيب الصيد.

عودة العنف:

عاد مشهد العنف والصراعات داخل حزب نداء تونس، الذي يحظى بأكبر كتلة برلمانية بعد انتخابات 26 أكتوبر 2014م إلى السطح وبشكل فضائحي، بتعبير بعض قياداته التي وصفت ما يجري بالمخجل والمحبط لمن انتخبوا الحزب، وذلك على إثر الأحداث العنيفة التي شهدها اجتماع للحزب في منتجع الحمامات، عندما حاول بعض الأعضاء في الحزب منع البعض الآخر من حضور الاجتماع، إذ تبادل الطرفان الاتهامات بممارسة العنف، ونعني شق مرزوق وشق السبسي الابن. وقد استعملت الهراوات على أبواب الفندق الذي تم فيه الاجتماع، وحصلت إصابات وفوضى، لدرجة تم فيها كسر الباب الرئيس واستدعاء صاحب الفندق، لعدل منفذ لمعاينة الأضرار، لتسجيلها في مطلب جبر الأضرار المادية التي لحقت بالفندق الذي تحول إلى ما يشبه ما يجري في قعر المجتمع السفلي.

"ديغاج":

ديغاج، أو ارحل، تلك الكلمة السحرية التي رفعها الشعب التونسي، في وجه الرئيس السابق المخلوع بن علي، تم رفعها في وجه شق مرزوق، وكان حافظ قايد السبسي، قد قام بتوجيه دعوة لكل من رئيس مجلس نواب الشعب، البرلمان، محمد الناصر، والأمين العام للحزب، محسن مرزوق، والقياديين، لزهر العكرمي، وبوجمعة الرميلي، ولزهر القروي الشابي. ولم تكن هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها قياديون من الحزب العنف ضد قياديين آخرين، حتى وصف أحدهم ما جرى الأحد 1 نوفمبر بأنه يذكر بما كانت تفعله، لجان حماية الثورة (لجان تشكلت أثناء الثورة لمنع عودة النظام السابق، تم حلها).

حزب كلوشارات:

الخبير الاقتصادي، شكري مامغلي، وصف الانقسام الحاد داخل، نداء تونس، بمثابة موت الحزب، الذي ولد كبيراً، لكنه يشبه العضلات التي تبنى بالحبوب، لا بالتدريب. وتوقع ما وصفه بـ"موت نداء تونس"، حيث كان شاهد عيان على ما جرى في الحمامات. وكتب على موقعه في الفيس بوك: إن ما شاهده من عنف وفوضى وانقسام وعداوة على هامش اجتماع الهيئة التنفيذية المنقسمة لنداء تونس، سيقسم كتلة حزب النداء في مجلس نواب الشعب، البرلمان، "إن التناحر والاقتتال الذي بلغه الفرقاء في حزب نداء تونس، سيترجمه على أرض الواقع انقسام كتلة الحزب بالبرلمان، وتداعياته على حكومة الحبيب الصيد، التي قد تسقط جراء ذلك". ورأى أن الحل الوحيد هو تكوين حزب جديد على أنقاض حزب نداء تونس، مؤكداً على أن انقسام كتلة حزب نداء تونس في البرلمان، واحتمال استقالة عدد كبير من نواب النداء، سيجعل من حزب حركة النهضة، (69 نائباً) الحزب الأول بالبرلمان.

وكانت القيادية بحزب نداء تونس، من خلفية يسارية، بشرى بلحاج حميدة، قد كشفت عن أن 30 نائباً من كتلة حزب نداء تونس (89 نائباً) قد أعربوا عن رغبتهم في الانسحاب من كتلة الحزب، وطالبت بلحاج حميدة من الرئيس الباجي قايد السبسي، التدخل لإنقاذ ما يجب إنقاذه. وسبق للسبسي أن تدخل من أجل رتق الفتق، لكن الحزب كان يزداد انقساماً مع كل محاولة لرأب الصدع داخله. ولا أدل على ذلك من وصف القيادي في الحزب، ورئيس مجلس نواب الشعب، محمد الناصر للحزب بأنه "حزب كلوشارات" (أصل الكلمة، فرنسية، تعني أكثر من بلطجية). ووصفه القيادي الآخر بالحزب، خميس قسيلة، بأنه "حزب نساء" (وتحمل الكلمة في اللهجة التونسية معاني كثيرة ...).

محاولات يائسة:

وكان السبسي قد أدان ما حصل من فوضى وعنف في اجتماع حزب نداء تونس، وعبّر عن استيائه وشجبه لأحداث العنف التي رافقت الاجتماع. وتبادل التهم بين قياداته وسبهم لبعضهم البعض أمام وسائل الإعلام. وقال النائب بمجلس نواب الشعب، البرلمان، عن نداء تونس، خميس قسيلة: "شجب السبسي تبادل التهم بين شقي حافظ قايد السبسي، ومحسن مرزوق، وأكد على أنه أب الجميع، وليس مناصراً لطرف أو شق على حساب الشق الآخر، وأنه لا يؤمن بالتوريث".

وأفاد النائب عن نداء تونس بالبرلمان، عبد العزيز القطي، أن اللقاء كان جيداً، وأن السبسي قرر فتح تحقيق في ما جرى في اجتماع الحمامات. وأن السبسي وصف إعلان بعض النواب الاستقالة، "أمر خطير وهو بمثابة خيانة مؤتمن". وأن الرئيس "يرى بأن عقد مؤتمر تأسيسي للحزب في ديسمبر القادم هو الحل لتفادي هذه الصراعات وهذه الخلافات".

ورغم ذلك، فإن قيادات "نداء تونس" تشكك في إمكانية وقدرة السبسي على التجميع من جديد، بعد كل الذي حصل، معتبرين ذلك "محاولات يائسة".

غسيل الحزب:

وكان رجل الأعمال التونسي شفيق جرايا المثير للجدل، قد وصف أحد المناهضين لنجل الرئيس التونسي، حافظ قايد السبسي، القيادي عبدالمجيد الصحراوي، بـ"البعوضة" وأن الأخير "يمر بصعوبات نفسية ومختل عقلياً ومشكوكاً في قدراته العقلية، وله ملف طبي يثبت ذلك" وفق تصريحات لإذاعة موزاييك، ونقلت عنها مصادر أخرى.

وشدد على أن مجموعة من نداء تونس اتصلوا به لمساعدتهم على التخلص من نجل الرئيس السبسي، من بينهم الأمين العام للحزب، محسن مرزوق. ونسب لمرزوق قوله "ساعدنا على ذبح حافظ الباجي قايد السبسي" وتحدى مرزوق أن يكذب ذلك.

انتخابات مبكرة:

منذ عدة شهور والهمس والعلن بخصوص انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة في تونس، حديث الإعلام والمجالس العامة والخاصة، وكان يربط ذلك في الغالب بمرض الرئيس الباجي قايد السبسي، الذي تجاوز التسعين، والذي يتوقع البعض أنه لن يكمل فترة رئاسته، وهو ما جعل الصراع على خلافته على أشده داخل حزبه وفق البعض. وقالت الباحثة نايلة السليني: "قد ينتهي بنا المطاف إلى انتخابات قبل الأوان"، وتابعت: "انقسام النداء، يزعج حزب النهضة، الحريصة على البقاء في الحكم ولكن في الظل".

ويرى النائب عن حزب نداء تونس، عبدالعزيز القطي: إن "محسن مرزوق منذ توليه الأمانة العامة للحزب، بصدد تنفيذ أجندة خاصة بطموحاته الشخصية، واليوم اتضح أن طموحاته تستهدف مباشرة رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي". وأردف: "بعد التصدي لمحسن مرزوق في عديد المناسبات من قبل مناضلي الحركة، بعد اجتماع جربة، اليوم كشّر عن أنيابه خاصة بعد الزيارة الأخيرة إلى الولايات المتحدة"، وخلص إلى القول: "الظاهر من خلال المعطيات أن مرزوق عاد بخارطة طريق واضحة المعالم جوهرها الإطاحة برئيس الجمهورية".

انتقاد للسبسي:

عدد من نواب حزب النداء، في مجلس نواب الشعب، البرلمان، ممن حضروا الفوضى في الحمامات، وجّهوا رسالة للرئيس الباجي قايد السبسي، ضمنوها استغرابهم ممن وصفوه بموقفه السلبي مما يجري من صراع داخل الحزب، والذي بلغ درجة وصف فيها أنصار مرزوق، أنصار حافظ قايد السبسي، بالعصابة والمافيا. وطالبوه بموقف حازم ضد ابنه وأنصاره. في حين يجد الرئيس السبسي نفسه في هذه المعركة التي ستكلفه الكثير مهما كان الاختيار، أمام المثل التونسي، "هذه تحرق وهذه تشوي".

وهناك سياريوان، يتوقعان انقسام نداء تونس، ويختلفان في قراءة التداعيات المستقبلية، الأول: سقوط حكومة الحبيب الصيد، وتنظيم انتخابات مبكرة، والثاني: بقاء التحالف الحاكم رغم انقسام نداء تونس، وصعود النهضة إلى الصدارة، مع إمكانية تغيير تركيبة الحكومة وفقاً لذلك، لا سيما وأن إجراء انتخابات جديدة مبكرة ستجعل النهضة الحزب الأول بلا منازع.

عدد المشاهدات 809

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top