السياحة الشاطئية تنتحر على رمال سيناء.. والنظام يكابر بنظرية المؤامرة

08:14 08 نوفمبر 2015 الكاتب :   ياسر سليم

 في مصر لا يزال النظام الراهن يراهنون على أتباع يصدقون رواياتهم تصديقاً أعمى دون بصيرة، وينكرون إنكاراً هستيرياً ما عدا ذلك، ويعزون الكوارث التي تجري إلي مؤامرة عالمية، بداية من فشل التفريعة التي يسمونها قناة، ومروراً بالمؤتمر الاقتصادي والمليون وحدة سكنية، وليس انتهاء بكارثة الطائرة الروسية التي يرجح تفريغ الصندوق الأسود أن يكون "تنظيم ولاية سيناء" قد فجرها فوق سيناء.

يدعي الحكم الراهن وأتباعه أنهم يدركون قيمة مصر، ولو أدركوا لعلموا أن انشغال العالم كله بقضية الطائرة يرجع لأسباب عديدة، أهمها أن مصر ملتقى للخطوط الجوية العالمية، وسوف تتأثر صناعة الطيران العالمية لاشك بقرار تحويل الكثير من كبريات شركات الطيران لمساراتها بعيداً عن المناطق المشتعلة بالمعارك في سيناء.

وبينما كانت عناوين الصحف العالمية كلها تصدر قضية الطائرة المنكوبة كخبر رئيس، باحثة عن تحليل يرجح أي من الفرضيات، كانت مانشيتات صحف النظام تؤكد أن من تسبب في كارثة غرق مدينة الإسكندرية هم أفراد خلية تابعة للإخوان.

ولا تتوقف تداعيات الكارثة فقط على تحويل مسارات الطائرات بعيداً عن سيناء، بل تتعدى ذلك إلى إجلاء رعايا العديد من البلدان التي تمثل مورداً أساسياً للسائحين الأجانب وعلى رأسها روسيا وألمانيا وفرنسا، كما علقت العديد من شركات الطيران وعلى رأسها الخطوط الملكية البريطانية والخطوط الأيرلندية رحلاتها إلى شرم الشيخ.

حينما قررت بريطانيا إجلاء رعاياها فوراً من شرم الشيخ وتبعتها العديد من الدول، أطلق أتباع النظام صيحات استنكار واتهام لبريطانيا بأنها تعمل في إطار مؤامرة كونية على مصر، رغم أن السيسي كان يقدم لهم عروض العمل كحليف ومتعاون معهم، ثم جاءت صدمة الروس لهم لتدير دفة الاتهامات صوب موسكو التي نالها نصيبها من اتهامات التآمر، رغم أنهم أفاضوا في مدحها عندما بدؤوا في ضرب سورية باعتبارها تحارب معهم الإرهاب.

الأمر جلل ولا شك، ويمثل ضربة قاصمة للسياحة المصرية، النشاط الاقتصادي الوحيد الذي يضخ بعض الموارد في شرايين البلاد الجافة، لاسيما وأن الشتاء يعد موسم السياحة الرئيس في مصر، كما يأتي حادث الطائرة الروسية الأخيرة ضمن سلسلة من الأحداث التي هزت الثقة الدولية في الأمان الذي توفره مصر للسياح، ففي شهر سبتمبر الماضي، قتل 8 سياح مكسيكيين بالخطأ من قبل قوات الأمن المصرية في الصحراء الغربية لمصر، وفي شهر أغسطس، تم إعدام مواطن كرواتي تم خطفه بالقرب من القاهرة، وجاءت الواقعتان بعد بضعة شهور من إحباط الشرطة محاولة اعتداء بقنبلة بالقرب من معبد الكرنك في مدينة الأقصر السياحية، كما أودى تفجير أتوبيس سياحي سنة 2014م بحياة سائحين من كوريا الجنوبية كانوا في زيارة لسيناء أيضاً.

أرقام وحقائق

وتشكل السياحة بوضعها الحالي قبل الضربة الأخيرة نحو 12% من إجمالي الدخل القومي للبلاد، و15% من مواردها من العملات الأجنبية، وتحتل روسيا المركز الأول في قائمة الدول المصدرة للسياحة إلى مصر تليها بريطانيا.

وبلغ عدد المواطنين الروس الذين قصدوا مصر بهدف السياحة عام 2014م نحو 3.16 مليون سائح، ما يشكل نحو 31% من إجمالي عدد السياح الذين زاروا مصر، وفقاً لتقرير لوزارة السياحة المصرية صدر في أكتوبر الماضي، ووفقاً للتقرير، ساهم السائحون الروس بنحو 1.9 مليار دولار خلال عام 2014م، من إجمالي الإيرادات السياحية التي تحققت العام الماضي، والتي وصلت لـ7.5 مليار دولار.

ويقدر تقرير صادر عن وحدة الحسابات الفرعية للسياحة متوسط إنفاق السائح الروسي في الليلة الواحدة بـ 56.7 دولار، وبعد قرار ترحيل 45 ألف سائح من مصر، يصل متوسط الخسائر اليومية إلى مليوني و520 ألف دولار أمريكي؛ الأمر نفسه ينطبق على سائحي بريطانيا، المقدر عددهم بـ20 ألفاً، ويصل متوسط إنفاق السائح البريطاني بـ70.1 دولار في الليلة الواحدة؛ ما يعني فقدان نحو مليون و400 ألف دولار يومياً بمجرد رحيل الذين كانوا موجودين حالياً، وجرى إجلاؤهم عن مصر؛ أي أن تبعات قرار أهم دولتين مصدرتين للسياح إلى مصر سيجعل السياحة تفقد السياحة نحو 3 ملايين و900 ألف دولار يومياً.

وأعلنت شركات سياحية في روسيا أن المبيعات انخفضت بنسبة تتراوح بين 30 و50% فور تلقي صدمة تفجير الطائرة، وفقاً للأرقام المبدئية.

وانخفض عدد السياح إلى 6.06 مليون سائح فقط خلال الأشهر الـ10 الماضية من سنة 2015م، أما العائدات، فلم تتجاوز 4.6 مليار دولار هذا العام.

حلول

وزارة السياحة كانت تأمل أن تعالج الموقف السياحي المتدهور عبر حملة ترويجية لقطاع السياحة هذا الشهر مع انعقاد بورصة السياحة بلندن، لكي تعمل على إزالة الصورة السلبية عن مصر، لكن تطورات الأحداث تؤكد فعلاً أن تراجع السياحة سببه تدهور الأمن في البلاد، لاسيما بعد ظهور فرع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في البلاد؛ مما يوصل صورة سلبية عن السياحة المصرية لدى كل شركات السياحة الدولية المشاركة بالبورصة؛ لذا قررت الوزارة تأجيل إطلاق حملتها الدعائية للسياحة في مصر خلال انعقاد بورصة السياحة.

ويعلق الكاتب والمحلل الاقتصادي ممدوح الولي على هذه التطورات بالقول: إن هناك العديد من العوامل المؤثرة في انخفاض الدخل السياحي إلى جانب عوامل أخرى محلية، منها زيادة معدلات وفيات السياح وإصاباتهم نتيجة كثرة حوادث الطرق وحالات التحرش التي تتعرض لها السائحات، والمضايقات من جانب كثير من المتعاملين مع السياح من سائقين وبائعين وغيرهم.. والنتيجة بروز ظاهرة سائح المرة الواحدة، بحيث يغلب على من زار مصر ألا يكرر الزيارة، وأغلبية السياح من الشرائح متوسطة ومنخفضة الدخل، وسياحة "الشارتر" الرخيصة.

ويضيف: أدى تسابق الشركات السياحية على حرق الأسعار إلى قلة الدخل السياحي وإغلاق حوالي مائة منشأة سياحية، ومن ناحية أخرى ضعف مستوى الخدمة، فعلى سبيل المثال فقد أدى قلة الدخل السياحي إلى عدم تجديد أسطول السيارات السياحية منذ ثورة يناير وحتى الآن؛ مما انعكس على مستوى الخدمة.

كما عجزت كثير من المنشآت السياحية عن دفع نفقات المياه والكهرباء والتأمينات الاجتماعية وأقساط ديون البنوك؛ مما دفعها إلى تقليل العمالة بها؛ مما أثر أيضاً على مستوى الخدمة.

وهكذا من المتوقع أن تطول معاناة كثيرين من العاملين بالسياحة الذين تضررت دخولهم منذ ثورة يناير، وهو ضرر لا يلحق بالعاملين بالأنشطة السياحية من فندقة ومطاعم ونقل وإرشاد فقط، بل يصل أيضاً إلى الأنشطة الخلفية للسياحة، ومن ذلك شبه توقف لعمليات الاستثمار السياحي، وهو ما يعمق حالة الركود بالسوق لدى العديد من القطاعات.

ويتصل تراجع الدخل السياحي بتراجع حصيلة الصادرات، وتراجع المعونات الخليجية وانخفض تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وتحول استثمارات الأجانب بالبورصة إلى تدفق عكسي متجه للخارج، وتراجع الاستثمار الأجنبي المباشر وانخفاض عائدات قناة السويس؛ وهو ما يؤثر سلباً على الحصيلة الدولارية، واستمرار تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار؛ مما يتسبب في ارتفاع أسعار السلع والخدمات المستوردة، وتأثر مستوى المعيشة لكثير من المصريين، رغم عدم اتصالهم المباشر بالأنشطة السياحية.

عدد المشاهدات 876

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top