من حكايات مقاومي الاحتلال.. أبو سرحان والسكين

17:41 08 نوفمبر 2015 الكاتب :   عبد الله علوان

يواجه الفلسطينيون جرائم الاحتلال وغطرسته بأنواع بسيطة من وسائل المواجهة, منها الحجارة والمقلاع وقنابل الملوتوف اليدوية, فضلاً عن المسيرات والمظاهرات, والرباط في المسجد الأقصى لحمايته من اقتحامات المستوطنين, ولكن مواصلة جرائم الاحتلال وازدياد حدتها خلال المرحلة الأخيرة دفع المقدسيين لاستخدام وسيلة أخرى من وسائل الدفاع عن النفس والمقدسات, وهي السكين التي مثّلت شعلة هذه الثورة, فيما أطلق عليها لاحقا "ثورة السكين", ورغم أنها أداة منزلية لا يمكن مقارنتها بما يمتلكه جنود الاحتلال من سلاح نوعي ثقيل, إلا أنها استطاعت أن تقضّ مضاجع المستوطنين, وترعبهم.

التقينا عبر مراسلنا بمفجّر ثورة السكاكين وملهمها, وصاحب أول عملية طعن وهو الأسير المحرر عامر أبو سرحان، أحد الذين أُفرج عنهم في صفقة وفاء الأحرار بعد قضاءه 25 عاماً في الأسر.

بداية نريد تعريف عنكم؟

-     اسمي عامر سعود أبو سرحان، من قرية العبيدية في بيت لحم بالضفة المحتلة, من مواليد 1972, كنت أعمل بالبناء في الأراضي المحتلة, وقد استشهد لي أخ أثناء المواجهات مع جنود الاحتلال.

الدافع وراء تنفيذ العملية؟

-     عايشت الانتفاضة الأولى سنة 1987, وشاهدنا جرائم الاحتلال بحق شعبنا, وكان منها مجزرة عيون قارة التي استشهد فيها سبعة عمال, وعدد كبير من الجرحى, وكان آخر هذه المجازر هي مجزرة المسجد الأقصى التي ارتكبها جيش الاحتلال سنة 1990, فكانت هذه المشاهد مدعاة لي لأرد على هذا المحتل وعلى غطرسته وجرائمه, فاستعددت لتنفيذ هذه العملية, وكانت عملية فردية ولم تكن منظمة.

لماذا السكين؟

-     في تلك المرحلة لم يكن هناك وسائل قتال غير الحجارة والملوتوف, وكنت أبحث عن وسيلة موجعة وناجحة, فلجأت إلى سكين كنت قد عثرت عليها قبل عشر سنوات، وهي تعود إلى أحد المواطنين الذي هُجّروا من بيوتهم في نكسة 1967م.

حدثنا عن تفاصيل العملية؟

-     في عام 1990 وبعد مجزرة الأقصى، عاهدت الله أن أثأر لدماء إخواني, فبدأت أفكّر بكيفية العمل لذلك فأخذت السكين, وهي سكين جيدة جدا للطعن، حيث إنه يوجد فيها فراغ يسمح بمرور الهواء، وبالتالي سهولة إحداث جرح وسهولة نزع السكين.

كنت أعمل في إحدى المناطق في "اسرائيل" كعامل، فوضعت كيساً وجعلت فيه أدوات البناء, ووضعت السكين في البنطال، وكنت قد جعلت جيباً خاصاً له, وعاهدت الله أن لا أنسحب حتى أستشهد"، "وصلت إلى المنطقة في ساعات الصباح الباكر, ودخلت على كنيس للمتدينين لتنفيذ العملية, لإني أردت أن يكون الرد بالمثل، فكما أن جيش الاحتلال ارتكب مجزرته في مكان مقدس بالنسبة لنا "المسجد الأقصى", أردت أن أنفذ عمليتي في أحد أماكنهم المقدسة، فوجدت فيه عدداً كثيراً من الأشخاص, لكنهم كانوا من كبار السن, فغيّرت رأيي وانطلقت إلى الشارع, فكانت أول فريسة لي في هذه العملية هي مجندة ذاهبة لعملها في ساعات الصباح الباكرة ،اقتربت منها شيئاً فشيئاً حتى وصلت لها ثم سحبت سكيني وبدأت أطعنها طعنات لا أحصيها حتى سقطت على مقدمة سيارة كانت في الطريق, ومن شدة ضرباتي كانت السكين تلتصق بحديد السيارة".

"مع صراخها بدأ العشرات من الناس يلاحقونني وكلهم يحملون الكراسي والعصي والحديد والحجارة، طبعاً لم يكن في ذاك العصر نسبة كبيرة من المسلحين لدى شعب العدو، وكل ما توقفت لهم وأدرت ظهري لالتفت إليهم وجدتهم يهربون كالخراف".

"تابعت المشي بعكس اتجاههم وإذا بشاب صغير مراهق أمامي، ترددت في قتله، ولكني طعنته طعنة خفيفة في وجهه, ثم انطلقت فإذا برجل كبير كأنه لا يعلم بأنني أنا من ينفذ العملية، رآني اركض فقال لي بالعبري مالك، فأخبرته أن قطعان المستوطنين من أمثاله يلحقونني فقال لي من؟ فلم أعجله حتى طعنته, ولم يتعبني كثيرًا حتى قتل بسرعة على عكس المجندة".

ويردف أبو سرحان بالقول لـ"المجتمع": "انطلقت أبحث عن الشهادة كلما أسمع خطرًا من الخلف أدرت ظهري فإني أتمناها مقبلًا (الشهادة)"

الموقف الأخير في العملية

وبدا الموقف الأخير وهو أهم موقف بالنسبة لي: "انطلقت فإذا بضابط عرفت فيما بعد أنه من وحدة مختارة لمكافحة الإرهاب, وحوله ناس كُثر وهو مسلح بمسدس فقال لي قف مكانك، فلم أجبه وانطلقت إليه لأقتله، فأطلق رصاصة أصابت قدمي, فلم أتوقف عن السير نحوه, ثم أطلق رصاصاً كثيراً, وكله جاء في قدمي, وانطلقت إليه, وقد بدأت أشعر بالدوار (الدوخة) والغثيان, وأنا أمشي والدم النازف بكثافة أشعر به يلتصق في قدمي ليلصقها في الأرض, ولم يكن بيني وبينه متران وأوشكت أن أقع، وصلت لمسافة متر، فإذا بذلك الضابط تصيبه الصفنة والرعدة ويقع، فطعنته طعنة مميتة، ثم وقعت فوقه وهجم علي الناس, وبدأوا بضربي، وإذا بأحدهم يأخذ سكيني ويحاول قتلي ولكن الضربة جاءت في رأسي.

أعداد القتلى

بلغ عدد القتلى الصهاينة ثلاثة قتلى وإصابة واحدة, ومن بين القتلى ضابط كبير يعمل في وحدة مكافحة الإرهاب, إضافة للمجندة.

رحلة الاعتقال

فور اعتقالي من قبل قوات الاحتلال اقتادوني إلى غرف التحقيق، وقضيت فيها 16يوماً لم أذق طعم النوم, ولم يتوقف التعذيب النفسي والجسدي بحقي, ومكثت تلك الأيام وأنا مقيّد القدمين واليدين لا أستطيع تناول الطعام, أو قضاء الحاجة إلا بصعوبة بالغة.

ثم صدر قرار القاضي الصهيوني بحبسي ثلاثة مؤبدات متتاليات وكما هو معروف مدة المؤبد 99 سنة.

ويقول أبو سرحان: إن إصدار هذه الأحكام بهذه المدة يأتي لإحباط الأسير، مشيراً إلى أننا كنا نحارب المحتل من داخل السجون من خلال الإضراب عن الطعام والتمرد على قراراتهم, وكانوا يقولون لنا: لن تخرجوا من السجن, وكنا نقول لهم سنخرج من السجن، ومن ثم سنخرجكم من أرضنا, وها هو قد تحقق الأمر الأول بخروجنا من السجن، وسيتحقق بإذن الله تعالى الأمر الثاني.

الحياة خارج السجن

وعن حياته ما بعد الإفراج عنه من سجون الاحتلال يقول أبوسرحان: أعيش اليوم في قطاع غزة بعد أن منعني الاحتلال أن أذهب إلى مدينتي بيت لحم في الضفة المحتلة, وقد تزوجت ورزقت بولد وبنت, وأكرمني الله بزيارة بيته الحرام فور الإفراج عني, وحالياً أدرس في الجامعة الإسلامية تخصص أصول دين وأمارس حياتي بشكل طبيعي.

كيف تنظر إلى أبطال عمليات السكاكين في القدس؟

-     أنظر بكل فخر واعتزاز، فهذا الجيل انتفض يدافع عن مقدساته وحرماته, والذي راهن البعض على أنه في سبات عميق وقد تخلى عن قضيته, كما أفخر بأني كنت المفجّر الأول لثورة السكاكين, ولكن في المقابل هذا المشهد لا يسرني ولا استطيع منع استيائي من تلك الأحداث، لأنه كان الأولى أن تكون العمليات اليوم بالبندقية والصاروخ وليس بالسكين والحجر, ولكن اللوم كله يقع على من منعوا المجاهدين من السلاح، وطاردوهم وزجّوا بهم في السجون، وهم قيادات السلطة الفلسطينية الذين جاءوا لحفظ أمن الاحتلال.

كيف تنظر الى تعامل السلطة مع الثورة الحالية؟

-     في الحقيقة كنا نظن أن الانتفاضة الأولى التي بدأت عام 1987مقدمة على طريقة التحرير, ولكن جاءت السلطة وأوقفت كل شيء, واليوم تحاول السلطة إخماد هذه الثورة بكل السبل, بل وتسمّي هذه الثورة بالهبّة الشعبية, ولكن الشباب اليوم مصرّون على مواصلة هذه الثورة وإمدادها من دمهم، رغم عمليات التضييق والخناق.

عدد المشاهدات 1047

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top