هل يترنح الانقلاب؟ وهل يتنحى السيسي؟

13:39 10 نوفمبر 2015 الكاتب :   محمد ثابت

د. بكري ياسين، أحد أساتذة جامعة الأزهر، رحمه الله رحمة واسعة، لقيني في حوار موسع مفتوح عام 1997م، وكان من أبرز ما قاله لي، ولا أنساه: إن لحظة سقوط الاتحاد السوفييتي في ديسمبر من عام 1991م تلفتْ العالم باحثاً عن المسلمين ليحلوا محله، فلما لم يجدهم استمر الظلم والطغيان عبر سيادة تامة كاملة شاملة للولايات المتحدة الأمريكية عليه، بل زادت جرعات استضعاف الإنسان في بلادنا والأمة العربية الإسلامية كلها.

تذكرتُ كلماته السابقة، وهو يرفع إصبع السبابة في وجهي مؤكداً حاجتنا إلى إصلاح أنفسنا، وكنتُ شاباً ما أزل أتشرب عميق هذه الكلمات في أقصى درجات التكوين، وأسير بعد مثلها في شارع مُظلم أفكر في متى تزول هذه القيود عن الأمة، وهل كُتبَ على جيلي وأجيال لاحقة وسابقة أن تحيا في نفس الخندق؟

تذكرتُ الكلمات مع مقولة يتم إحياؤها من خزينة مقاومة الانقلاب، وإن كانت غير قديمة: الانقلاب يترنح، من كم حرف تتكون هاتان الكلمتان؟

وانقسم الشرفاء من مناهضي الانقلاب اليوم إلى فرقتين، فرقة أحيّت المقولة القديمة نسبياً في نفوسهم آمالاً عظيمة، منذ أفاقوا عليه، وكانوا واثقين في عدم حدوثه، فما مضتْ ساعات حتى انتشرت كلمات من مثل تمسك الشعب بالرئيس المنتخب محمد مرسي كما تمسك الفنزويليون بـهوجو شافيز في أبريل 2002م، وإذا كان قائد الانقلاب، في مصر، "فريقاً"؛ فإن الرئيس منتخب، وهلم جراً من أبشروا بالواوات التي لا حدود لها، وفي النهاية استمر الانقلاب.. ومَنْ يدري إلى متى؟ أمره عند الله هيّن.. يستطيع، سبحانه وتعالى، إنهاءه في فترة يعجز الخيال عن افتراضها!

ولكن الشاهد أن الكثيرين تعجلوا ولم يستطيعوا قراءة الواقع قراءة متأنيّة، لو أن الأمور تسير بالأماني لا بالإعداد لما سار الرسول، صلى الله عليه وسلم، يوم هاجر من مكة إلى المدينة عكس خط السير المُتبع المعروف، ولاكتفى بأن الله ناصره، ولما أخذ ترتيبات الهجرة المعروفة، إن يقيناً مؤخراً ينمو بداخلي أن سقوط الانقلاب يساوي سقوط الصف المُدعي أنه ثوري، وسقوط مصر في آتون حرب أهلية لمدة شهور، لا قدر الله تعالى.

إننا في الغربة والشتات لا نخفي الله واضحة من أننا رأينا من بعض "المُنتسبين" إلى الصف الثوري عجب العجاب، ولعل هذا ليس مكانه ولا موضعه، ولعل يوماً قريباً يتاح ليكشف مثلي مخازيَ يندى لها الجبين في وقت شدة، وأوان عصيب، ولكن المهم أن هذا الصف به من المُندسين والأدعياء ومنعدميّ النخوة ما يكفي، وما رأيتُ وعاينتُ قليل مما يرى ويُعاينُ غيري، وهل كان نصر من الله ليتأتى من مثل هذا الصف، ومن صف به أمثال هؤلاء من اللصوص والمجرمين وقُطاع الطرق؟ وعلم الله رغم قسوة اللفظ أن بين أظهرنا مَنْ هم أحقر منه، ومَنْ يسقطون في فخاخ لا يسقط فيها حر أو حتى إنسان!

إن كثيرين يظنون أن الانقلاب قد يتداعى فيما الشرفاء الحقيقيون لا يرون ذلك لتكذيبهم أعينهم لطول فترة انتظار وقوعه بلا فائدة، والحقيقة أن الانقلاب سيسقط بعد مدى زمني يعلمه الله.. قريباً أم بعيداً.. لكن لما يتم تنقية هذا الصف تماماً أو بأقصى قدر ممكن، لما تتم اتخاذ الأسباب الحقيقية لنصرة دين الله تعالى، لا للنصر الشخصي لفئة على أخرى، أو للانتقام من ظالم أو قاتل، ومع محبتي للقصاص ولقرب سقوط الانقلاب إلا أن العقل يقول بحقائق أخرى الذي لا يفهمها لن يقوى على الاستمرار.

ولكي يتداعى الانقلاب يجب أن يُفلح أنصاره في الأخذ بالأسباب؛ وأولها وأهمها إصلاح مجال الرؤية الذين يرون به، ومسح الغبار عن العيون التي يرون بها، لتصير لهم رؤية من حسن الإعداد والتنفيذ، لا رؤيا من المنام بالليل، مع الاحترام.. إن الأمر لا يتعلق الآن إذن بسقوط الانقلاب وخوف أن يأتي هذا ونحن لا ندري، بل بما بعد الانقلاب من مهاترات، لا يريد كثيرون فهمها وهم يدعون إلى "اصطفاف ثوري".. أي اصطفاف؟ لو نضجت فكرة الثورة في الأذهان لما دعوتم إلى الاصطفاف من الأساس، أي اصطفاف والحقيقة أن مندسين يأكلون كما السوس في الشرفاء، وهم كثيرون بحمد الله لكنهم متفرقون؟

إن سقوط السيسي أو تنحيته ليس نهاية المطاف، كيلا نحلم بالأوهام، والأمر لا يخص الانقلاب في المقام الأول، بل يخص "خاصة" مناهضيه في المقام الأول؛ متى أحسنوا الرؤية وإعداد العدة ومواجهة الفسدة، ولو كانوا قلة لكن مؤثرة، بين أظهرهم، واستبعادهم أولاً، ثم الأخذ بالأسباب لنصرة رب العزة لا أنفسهم، وأتحدث عن صف بعينه معروف، ولا أسمّيه، فكما نزلتم معترك الرئاسة حسبة لله تعالى، وهكذا الأصل المفترض، وإن لم يخل الأمر من متعجليّ قطف الثمار والمندسين، أولئك الذين كثروا في المغانم، وقلُّوا عند المغارم، كما تصديتم للأمر فعليكم إما إكماله على خير ورؤية وروية أو بحث سبل وقف المعركة الضارية الحالية لحين لملمة صفوفكم، فإن أردتم وقدرتم على استمرار المعركة كالرجال، عفواً، فبها ونعمت، وإلا راجعوا أنفسكم في حل ثالث يحفظ عليكم وجودكم وكرامتكم، ولا يُفني ما تبقى منكم ومن وطنكم، ويُضعف من موقف الأمة كلها.

علم الله أني سطرتُ السطور الماضية أملاً في كونها مرشدة للأخيار، ومحبة فيهم، فلعله يتقبلها بقبول حسن مهما أساء البعض القراءة والفهم والتأويل!

عدد المشاهدات 1276

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top