قراءة تحليلية لأحداث فرنسا الدامية.. مقاربة للتأثير على الداخل والخارج

19:25 17 نوفمبر 2015 الكاتب :   د. محمد الغمقي

بعد الصدمة التي شهدتها باريس مساء الجمعة 13 نوفمبر، والحديث عن عدد الضحايا والجرحى، بدأت التساؤلات عن الأسباب التي جعلت فرنسا هدفاً للمرة الثانية في أقل من سنة لأعمال عنف وقتل، منفّذوها من أبناء البلد، حتى ولو كان التخطيط تم في الخارج. الجهات الرسمية سارعت هذه المرة إلى اعتبار ما حدث إعلان حرب يستوجب التعامل معه في هذا السياق، وأعطت الأولوية للمقاربة الأمنية العسكرية. لكن الملاحظين لا يستبعدون أن تكون خلفيات هذه المقاربة وأبعادها لها علاقة بالحسابات السياسية الداخلية والخارجية.

أولاً: ملف السياسة الداخلية:

- البعد السياسي الحزبي وتحقيق المكاسب المصلحية:

تعتبر هجمات باريس بمثابة الفرصة لكل الأطراف السياسية من أجل توظيفها سياسياً عبر تحقيق مكاسب ومصالح حزبية عجزت عنها في الظروف العادية. فالأحزاب التقليدية الكبرى – وعلى رأسها الحزب الاشتراكي الحاكم من اليسار، وحزب الجمهوريين بقيادة الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي من اليمين - سجلت تراجعاً كبيراً في شعبيتها، مما يدل على وجود أزمة ثقة تجاه الطبقة السياسية التي تتناوب على السلطة بين يمين ويسار.

ولعل أجواء الانتخابات على مستوى الأقاليم المزمع إجراؤها خلال النصف الأول من شهر ديسمبر القادم، أكبر مؤشر على أزمة الثقة هذه. فهناك نسبة كبرى من الرأي العام غير مهتمة بهذه الانتخابات، ويتوقع الخبراء أن يحقق حزب أقصى اليمين الذي تتزعمه مارين لوبان ابنة جون ماري لوبان رئيس الحزب السابق فوزاً كبيراً. وكان الجدل قبيل هجمات باريس حول اقتراح تقدم به الوزير الأول الفرنسي الحالي إيمانوال فالس، يدعو إلى تحالف الحزبين الكبيرين التقليديين من اليمين واليسار في الجولة الثانية من هذه الانتخابات، لقطع الطريق أمام تحقيق حزب لوبان انتصاراً ساحقاً في الجولة الثانية.

ويجمع الملاحظون على توظيف أقصى اليمين هجمات باريس للتلويح بشعارات معادية للوجود الإسلامي، والدعوة إلى منع المنظمات الإسلامية بحجة محاربة الأصولية والتطرف، والمطالبة بإغلاق الحدود، والتشديد على الحل الأمني، ومزيد من الحزم في معالجة ظاهرة الهجرة. وهي المطالب التي نادت بها رئيسة هذا الحزب في فرنسا في أول تصريح لها بعد أحداث مساء الجمعة الثالث عشر من نوفمبر.  

ولا يتوقف الأمر عند الأحزاب السياسية، بل يتعداه إلى القيادة السياسية على مستوى الجهاز التنفيذي، خاصة بالنسبة لأعلى هرم السلطة، حيث تعتبر أحداث باريس متنفساً للرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، الذي يعاني من تناقص شعبيته. بما يفسّر حرص كبار المسؤولين في الدولة خلال الأحداث الأخيرة على إبراز حضورهم الإعلامي وتحركاتهم الميدانية لجلب أنظار الرأي العام تجاه سياستهم.    

ولعل التأكيد على استعمال مصطلح "حرب" من الجهات الرسمية يندرج في هذا الإطار. وقد شدد الرئيس الفرنسي هولاند في خطابه أمام البرلمان بمؤسستيه مجلس الشعب ومجلس الشيوخ عشية يوم الإثنين 16 نوفمبر، على اعتبار ما حصل في باريس "حرباً" على فرنسا ضد قيمها ونظام حياة شعبها. وكانت النبرة القوية "العسكرية" في هذا الخطاب والإجراءات المعلن عنها وأهمها القيام بتعديلات دستورية دليل على اتخاذ محاربة الإرهاب حصان طروادة للبروز بثوب "راعي الأمة الفرنسية"، ومحاولة تقمص شخصية شارل ديغول وهو يدعو الشعب الفرنسي إلى التوحد سنة 1944م في مواجهة النازية، وبالتالي جرّ المعارضة اليمينية - في ظل الظروف النفسية المشحونة اليوم - إلى الانخراط في الإستراتيجية الرسمية.

- البُعد الأمني ومخاطر التضييق على الحريات

وقد حرص الرئيس الفرنسي على أن يتضمن الدستور المعدّل تمديد حالة الطوارئ إلى ثلاثة أشهر، وعدم الاقتصار على 12 يوماً كما تنص عليه القوانين حالياً. ومعناه إطلاق أيادي الجهات الأمنية للقيام بعمليات تفتيش العربات والمداهمات ليلاً ونهاراً، والاعتقالات وعمليات الطرد للأجانب الذين يمثلون "مصدر تهديد" للدولة، والتشدد في تقديم رخص المساجد ومراقبة روادها. لذلك، أبدت جهات حقوقية وأطراف سياسية تخوفها من التضييق على الحريات، وطالبت بالتشديد على احترام حقوق الإنسان حتى في مثل هذه الظروف الاستثنائية. بينما اعتبرت أطراف أخرى ذات توجه يميني أن الإجراءات غير كافية، حيث لم يتخذ الرئيس الفرنسي قراراً حاسماً بتنفيذ الحبس الاحتياطي للمشتبه بهم بالجنوح إلى التطرف اعتماداً على قوائم ثابتة لدى الجهات الأمنية، وحوّل القرار إلى المجلس الدستوري ليبتّ في هذا الملف الشائك. في حين شكك بعض السياسيين والملاحظين في نجاعة هذه الإجراءات، حيث أوضح الوزير الأول الأسبق دي فيلبان أنه "لا يمكن القضاء على الإرهاب" لأنه صعب المراس ولا يتشكل في دولة حقيقية بدليل التجارب العديدة في أفغانستان وغيرها، والمطلوب تصور أعمق يعالج هذه الظاهرة من جذورها. واعتبر آخرون أن المطلوب إلى جانب المقاربة الأمنية اعتماد مقاربة فكرية و"حالة طوارئ" إيديولوجية لمحاربة فكر التطرف وأئمة التكفير.

ويذهب البعض الآخر إلى أن إعطاء الأولوية للبعد الأمني يستخدم غطاء لتغطية المشكلات الاقتصادية وعلى رأسها تراجع المقدرة الشرائية للمواطنين، وإلهاء الرأي العام عن التوترات الاجتماعية بسبب البطالة والضرائب. والكل يذكر صور بعض مسؤولي شركة الطيران الفرنسية وثيابهم الممزقة من طرف بعض النقابيين خلال إحدى الاحتجاجات، وليس ذلك سوى مؤشر على حجم الأزمة الاقتصادية.

لكن الجهات الرسمية تشدد على أن الأولوية اليوم للحفاظ على الأمن حتى ولو كان على حساب بعض التضييقات الحقوقية والتوازن الاقتصادي بسبب التكاليف الباهظة التي تتطلبها الإجراءات الأمنية.

- البعد الاجتماعي ومسألة التعايش

بعد هجمات باريس، تعود مسألة التعايش بين مكونات المجتمعات الغربية إلى السطح خاصة ما يتعلق بالتعامل مع شريحة المسلمين داخل المجتمعات الغربية اليوم. وفي فرنسا، لا تزال الإشكالات قائمة بسبب طبيعة العقلية السائدة والتي تقوم على نوع من المركزية الأنانية والاستعلاء، مما يترتب عنه نظرة احتراز تجاه الطرف المختلف حضارياً. الأمر الذي يفسّر تصاعد ظاهرة موجة الإسلاموفوبيا في عدد من البلاد الغربية التي تشهد تصاعد تيارات أقصى اليمين ومنها فرنسا، حيث سجّل تقرير التجمع المناهض للإسلاموفيا في فرنسا للسنة الماضية 764 حالة اعتداء على مسلمين سنة 2014م، أي ما يعني تزايد بنسبة 10.6%، مقارنة بالسنة التي قبلها، وهذه الاعتداءات استهدفت العنصر النسائي أساساً بنسبة 85 % وكذلك المراكز الإسلامية. مع الإشارة إلى تباين في تعاطي السياسيين مع حالات الاعتداء على أصحاب الديانات في فرنسا بالتحيز إلى الطرف اليهودي في حال ما يطلق عليه عادة الأعمال المناهضة للسامية، في حين يكون التفاعل ضعيفاً إذا كانت الاعتداءات تستهدف الطرف المسلم.

وقد عبّر نوّال مامار أحد الوجوه السياسية المعروفة وقيادي في حزب الخضر عن استغرابه لعدم تعرّض الرئيس في خطابه يوم الإثنين أمام ممثلي الشعب ولو بالإشارة إلى نوع من التعاطف مع المسلمين كمكون من مكونات المجتمع الفرنسي، والحال أنهم المستهدفون في الصف الأول بالنقد والتشويه والإساءة بسبب الخلط بين الإسلام والإرهاب.

ونبّه بعض المختصين إلى عدم السقوط في فخ الاستدراج إلى العنف. فقد صرّح جون بيار فيليي في إحدى الإذاعات الفرنسية فيما يتعلق بأهداف القائمين بالهجمات الإرهابية: "أقول بكل أسف ومرارة: إن ما يريده هؤلاء هو ردود الفعل العنيفة. يريدون أن يتم قتل مسلمين في باريس وفرنسا. يريدون الحرب الأهلية في فرنسا". وأشار محلل آخر بأن هدف هؤلاء هو تصاعد موجة الإسلاموفوبيا في فرنسا ليبرروا أعمالهم باستهداف فرنسا للمسلمين المقيمين في هذا البلد.  

تجدر الإشارة إلى أن مختلف المؤسسات الإسلامية أصدرت بياناً مشتركاَ تدعو فيه إلى "الوحدة والأخوة اللذين يعتبران أملنا الوحيد في الصمود أمام الإرهاب الأعمى الذي أصبح الآن يمثل التهديد الخطير والحقيقي للجميع". ودعا البيان إلى التضامن مع أهالي الضحايا والإسراع بالتبرع بالدم، كما دعا المؤسسات الإسلامية والمساجد إلى التضرع والدعاء لكي يسود السلام والأمن.

ثانياً: ملف السياسة الخارجية

- البعد الشرق أوسطي وأخطار المقاربة العسكرية

حتى وقت قريب، كان اهتمام الرأي العام الفرنسي محصوراً في مسألة قبول أفواج اللاجئين القادمين من سورية أساساً. وكان الجدال السياسي حول القبول من عدمه، وكذلك حول توزيع هؤلاء اللاجئين بحصص متوازنة بين دول أوروبا، وجاءت هجمات باريس لتحويل الاهتمام إلى مسألة محاربة الإرهاب والقضاء على تنظيم داعش كأولوية. وتحولت مسألة مصير الأسد والحل السياسي إلى مسألة "ثانوية"، بل إن الرئيس الفرنسي ترك الباب مفتوحاً في حديثه عن توحيد صف التحالف الدولي لمحاولة إرهاب داعش إلى إمكانية إشراك النظام السوري كطرف في هذا الحلف.

وبدأت التساؤلات حول مدى نجاعة هذا التوجه الفرنسي العسكري، في حال الاكتفاء بعمليات قصف جوية دون المبارزة الميدانية على الأرض، وفي الوقت الذي تبقى فيه جذور المشكلة قائمة متمثلة في إرهاب الدولة الذي يرعاه النظام السوري، وفي الوقت الذي لا تتوقف فيه وسائل الإعلام عن نقل صور البراميل المتفجرة المنهارة على رؤوس الأبرياء ومن بينهم الكثير من الأطفال والنساء، بل استخدام أسلحة ممنوعة دولياً.

في المقابل، هناك احتمال أن تؤدي السياسة التصعيدية في المنطقة إلى تنامي الوعي السياسي الشعبي الغربي بقضايا الشرق الأوسط برمّتها بما في ذلك القضية الفلسطينية، بحيث يضغط الرأي العام في اتجاه مطالبة صانعي القرار في البلاد الغربية إما بالانسحاب أو بالبحث عن حلول جذرية لهذه القضايا، تجنباً لتداعياتها الأمنية الخطيرة على الشعوب الغربية. والأمر ليس مستبعداً إذا تكررت عمليات التفجير ضد المدنيين في بلاد أوروبية، أو إذا لم يفرز التحالف الدولي عن نتائج ملموسة في القضاء على الإرهاب. وللتذكير فإن ضغط الرأي العام الغربي أدى إلى إيقاف المجزرة ضد المسلمين في البوسنة خلال التسعينيات، بعد أن نقلت وسائل الإعلام صوراً بشعة لهذه المجازر. لكل هذه الأسباب تحاول القيادة الفرنسية الاحتماء بالمظلتين الأوروبية والدولية.

- البعد الأوروبي وتفعيل الدور الفرنسي

لا شك أن أحداث باريس قد ألقت ظلالها على أوروبا شعوباً وقيادات، خاصة بعد أن كشفت التحقيقات دور خلايا في بلجيكا في هذه الأحداث. الشعور السائد هو أن دول أوروبا مستهدفة. وقد استغلت الجهات الرسمية هذا المعطى للتأكيد على البعد الأوروبي السياسي والأمني أساساً ولتوظيف الأحداث، لصرف الأنظار عن الخلافات الحادة داخل المنظومة الأوروبية بسبب عدة أزمات أخطرها تداعيات الأزمة اليونانية والتعامل مع ملف اللاجئين.. في خطاب الرئيس الفرنسي أمام ممثلي الشعب شدّد على المراقبة الخارجية للحدود، وعدم التراجع عن الوحدة الأوروبية بإغلاق الحدود الداخلية، كما يطالب بذلك حزب أقصى اليمين. وفي نفس الوقت وجّه عتاباً ضمنياً لدول أوروبا بسبب عدم انخراطها في الإستراتيجية الفرنسية في محاربة الإرهاب على عدة جبهات من منطقة جنوب الصحراء الإفريقية إلى بلدان الساحل الشرقي (الصومال..). ولهذا كانت نبرة التحدي واضحة، عندما اعتبر الأولوية للأمن بما يتطلبه من تكاليف على ما تفرضه السياسة الأوروبية من ضغط في الميزانية للحد من العجز الاقتصادي والمديونية. الرسالة الأخرى التي بعث بها الرئيس الفرنسي وهي تفعيل الدور الفرنسي في المنتظم الأوروبي في ظل منافسة القطب الألماني، سواء ما تعلق بالقضايا الأوروبية أو الدولية.

- البعد الدولي وتأكيد مسألتي الإشعاع والعالمية

فقد شدد الرئيس الفرنسي على دور فرنسا في توحيد الحلف الذي يستهدف تنظيم داعش. وأكد على لقائه القريب مع بوتين وأوباما، وقال: إننا سنتعامل مع كل الدول التي تصب أهدافها في هذا الاتجاه. كما تم إعلامياً وسياسياً إبراز السند الدولي لفرنسا ردّاً على هجمات باريس، والحديث عن رمزية هذا السند عن طريق تزيين الكثير من المعالم في بلدان عالمية بألوان العلم الفرنسي الثلاثية أبيض وأحمر وأزرق. بتعبير آخر إن فرنسا عادت بقوة إلى الساحة الدولية، ولن تزيدها الأحداث كما قال رئيسها إلا إصراراً على مواقفها، واعتزازاً بقيمها لتبقى بلد حقوق الإنسان الحاملة لشعارت : حرية، مساواة، أخوة.

ولكن يبقى التحدي الأكبر هو إلى أي مدى ستنجح المقاربة الأمنية العسكرية في الاستمرار في سياسة الهروب إلى الأمام بدل الاستفادة من دروس التاريخ ومنها تداعيات اتفاقية سايكس بيكو الفرنسية الانجليزية منذ قرن من الزمن؟

عدد المشاهدات 1742

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top