تونس: قراءة في وقائع مقتل جنود النخبة

14:40 28 نوفمبر 2015 الكاتب :   عبدالباقي خليفة

شغلت العملية الإرهابية التي عاشتها تونس في 24 نوفمبر 2015م كلاً من الحكومة والإعلام والرأي العام في الداخل والخارج، وقد أدانتها جميع المنظمات والأحزاب السياسية في تونس، حيث قتل في عام 2015م وحدها أكثر مما قتل في عمليات مشابهة في السنوات الماضية التي أعقبت الثورة، والعملية واحدة من سلسلة العمليات الإرهابية التي لا تكاد تونس تلعق جراحها حتى تصاب بأخرى، كما حدث في العملية الأخيرة التي راح ضحيتها 12 عنصراً من ضباط وضباط صف قوات النخبة، أو ما يعرف في تونس بالحرس الرئاسي، وهم مجموعات من قوات الأمن الذين تلقوا تدريبات عالية جداً، ويتمتعون بمهارات قتالية وتدريبية معروفة لدى قوات النخبة (الكوماندوز).

وقد أدت هذه القوات أدواراً مختلف حولها في ثورة 17 ديسمبر 2010م والتي توجت بفرار المخلوع بن علي في 14 يناير 2011م، حيث هناك من يرى أنها أمَّنت الانتقال المدني للسلطة، وقطعت الطريق أمام الطامحين في الحكم بالقوة المسلحة، وهناك من يتهمها بالمساهمة في إجهاض الثورة، وتمكين النظام القديم من إعادة لململة نفسه، بعد دعوتها لمحمد الغنوشي ، رئيس الحكومة في عهد بن علي، وفؤاد المبزع، من رموز العهد البائد وكان رئيساً لبرلمان بن علي، ثم الباجي قايد السبسي في عام 2011م لتولي السلطة في أعقاب فرار الطاغية بن علي، لكن بعض نقابيي الأمن الرئاسي يقولون: إنهم كانوا يتصورون أن مهمتهم هي حماية الحزب الحاكم، وإن الوطنية تعني الولاء التام حتى العبودية للحاكم بأمره، والآن يعتقدون أن خدمة الشعب واختياراته السياسية والاقتصادية هي المهمة الحقيقية للأمن الجمهوري، كما جاء على لسان أحدهم بعد عملية شارع محمد الخامس بالعاصمة التونسية.

الرسالة.. وأجواء العملية

تمت عملية 24 نوفمبر في شارع محمد الخامس، على بعد 150 كيلومتراً من وزارة الداخلية، وعلى مقربة من وزارة السياحة، والبنك المركزي التونسي، وأمام مقر حزب التجمع المنحل، الذي لا يزال في طور البناء، وتمت مصادرته بعد الثورة، ولا يغيب عن المتابع أن اختيار الهدف له رسائل واضحة؛ من بينها أن يد الغدر يمكنها أن تطال النخبة، والتي يرغب الكثير من المستهدفين بالاغتيال أن تكون حراستهم من قبل الأمن الرئاسي، ومن بينهم الرئيس السابق منصف المرزوقي، الذي حمل رئيس الجمهورية الحالي، الباجي قايد السبسي، ووزير الداخلية ناجم الغرسلي، المسؤولية عن أي مكروه يصيبه بعد أن تم إعلامه بأنه مستهدف بالاغتيال؛ الأمر الذي يفيد أيضاً بأن الرسالة موجهة لرئيس الجمهورية الحالي ومن يحرسهم الأمن الرئاسي والمرزوقي بأن من يحرسكم أو تطالبون بتمكينه من حراستكم جعلناه عصفاً مأكولاً؛ وبالتالي لا ملجأ لكم ولا مهرب، وهذا ليس تخميناً ولا تحليلاً، وإنما وفق ما أورده التنظيم الإرهابي الذي عرض صور عدد من السياسيين ومكتوب تحتها: "مطلوب للقتل".

اختيار الزمان كان له خصوصية أيضاً، حيث انكباب حكومة حبيب الصيد على إعداد ميزانية عام 2016م والتي ستتأثر حتماً بما جرى؛ مما سيزيد الوضع الاقتصادي صعوبة، لا سيما وأن ميزانية عام 2016م تم ترقيعها بالديون الخارجية، وسيكون عاما 2016 و2017م موعداً لسداد ديون سابقة، كما جاءت العملية في وقت يشهد فيه حزب نداء تونس انقسامات حادة وملاسنات لا تنتهي، بعد أن ظن البعض أن الحزب سيتجاوز محنته، ورغم صمت الشقوق المتصدعة داخل الحزب، كما يصفونها، على إثر الضربة الجديدة التي تعرضت لها تونس، فإن ذلك ليس سوى استراحة محارب كما يؤكد كثيرون.

الاستثمار في الإرهاب

وكالعادة انبرت بعض المنصات الإعلامية تفسر ما وقع على هواها، وتستثمر في العملية متهمة أطرافاً وخصوماً سياسيين بالمسؤولية عما جرى، حتى قالها بعضهم: النهضة هي سبب ما يحصل اليوم، والحديث عن وحدة وطنية أمر مغلوط، بل إن أنفاراً من الأمن متورطين في جرائم تعذيب، كادوا يبطشون برئيس الحكومة لولا الحماية الخاصة، وذلك أثناء تفقده لمكان الحادث، وارتفعت أصواتهم مطالبة له بتحسين ظروف العمل وتوفير المعدات اللازمة لحماية أرواح المواطنين، بل بإقصاء حركة النهضة من السلطة؛ وهو ما يجعل الكثيرين يتساءلون عن أجندة الإرهاب التي لها مطالب سياسية في مقدمتها إقصاء النهضة من الحكم.

ورغم أن البحث كشف عن العملية تمت من خلال تفجير انتحاري لنفسه في الحافلة التي كانت تقل قوات من الحرس الرئاسي، ويدعى حسام العبدلي (27 عاماً) وولد في العام الثاني لانقلاب بن علي عام 1987م، فإن هناك من استبق الأحداث وبنى قصوراً من الأكاذيب على وقع الإشاعات التي قال بعضها: إن من فجر نفسه أمني تم عزله في عام 2014م، فانبرت المنصات الإعلامية تتحدث عن تاريخ انتدابه بسلك الأمن، وزعمت أنه دخل السلك في عهد الترويكا، وعندما قيل: إنه معزول (إشاعة أخرى) انبرى الجمع يتحدثون عن عزله في زمن حكومة التكنوقراط بعد اكتشاف حقيقته حيث كان من الأمن الموازي، ثم جاء النفي الرسمي لكل تلك الأباطيل، وبعد أن قيل: إن كنية المتهم الذي فجر نفسه أبو عبدالله ، قالت تلك المنصات الإعلامية على لسان من ينتسبون للمحللين والأكاديميين والإعلاميين والسياسيين زوراً وبهتاناً، أن أبا عبدالله تم إيقافه في مصر وتسليمه لتونس، وإطلاق سراحه من قبل وزير الداخلية الأسبق علي العريض، الأمين العام لحزب حركة النهضة حالياً، وأن المرزوقي استقبله في القصر الرئاسي أثناء ولايته، ثم تم التأكد بأنه ليس ذلك الشخص الذي تم استقباله من قبل المرزوقي، ولا علاقة له بالعملية.

ولم يكن رأس النهضة، ولا الإساءة والتشويه للمرزوقي هي الأهداف التي تم التركيز عليها من قبل المستثمرين في الإرهاب، واتخاذه منصة للهجوم على الخصوم السياسيين فحسب، بل إن الديمقراطية وحقوق الإنسان كانت أيضاً هدفاً، حيث طالب البعض بالكف عن الحديث حول الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ "لأن الأمن مستهدف".

وقال القيادي في حزب المؤتمر طارق الكحلاوي لـ"المجتمع" على هامش مؤتمر صحفي: رسالة منفذي العملية مفادها أنهم قادرون على فعل أي شيء، وعقيدتهم القتالية تصر على عدم إظهار الهزيمة، فعندما تضربهم في مكان يردون بسرعة ولا ينتظرون، وحول مناداة البعض بالتنازل عن الحريات لصالح الأمن، شدد الكحلاوي على أن الأمن يصبح أكثر تهديداً في غياب الحريات وحقوق الإنسان، وتابع: ليس هناك تناقض بين الأمن والحريات بل هما كاليدين تغسل إحداهما الأخرى.

قراءة في الإجراءات

من أهم الإجراءات التي تم اتخاذها بعد العملية التي استهدفت حافلة الأمن الرئاسي: إعلان حالة الطوارئ لمدة 30 يوماً، ومنع التجوال من التاسعة ليلاً حتى الخامسة صباحاً، وفق التوقيت المحلي، وإغلاق الحدود مع ليبيا، لمدة 15 يوماً، وانتداب 3 آلاف أمني خلال عام 2016م و3 آلاف عسكري في نفس العام، وإقرار الحرب الشاملة ضد الإرهاب، وتحمل الجميع مسؤولياتهم في خوض هذه الحرب، وتفعيل الخطة الوطنية الشاملة لمقاومة الإرهاب، وتفعيل قانون الإرهاب في أسرع وقت ممكن، وتشديد المراقبة على الحدود البحرية والمطارات، وإقرار برنامج خاص لتشغيل الشباب في المناطق الحدودية، وخاصة المناطق الجبلية التي يتحصن بها الإرهاب، وحجب المواقع والصفحات التي لها علاقة بالإرهاب، سواء كانت من بعيد أو قريب، وتفعيل الصندوق الوطني لمقاومة الإرهاب، والمراقبة الإدارية لكل محل شبهة في الإرهاب تحت إشراف وزير الداخلية، بما في ذلك الإمضاء اليومي أو الإقامة الجبرية، والإسراع في البت في 1200 قضية تتعلق بالإرهاب، واتخاذ إجراءات عاجلة في حق العائدين من بؤر التوتر، ومراجعة الوضعية القانونية للمقيمين الأجانب في تونس.

هذه الإجراءات لاقت نقداً شديداً من قبل البعض، وقال الناشط السياسي، سمير بن عمر: ما عدا إجراءات التضييق على حريات التونسيين عموماً والسلفيين خصوصاً، لن تتحقق وعودهم، فقد وعدوا بتوفير 450 ألف وظيفة جديدة في غضون خمس سنوات؛ أي بمعدل 90 ألف وظيفة كل سنة، ولكن وزير المالية يرفع التحدي ويبشرنا بأن حكومته قررت عدم الانتداب في الوظيفة العمومية خلال السنتين المقبلتين، وتابع: هذا يعني أن سداد الديون ستكون له الأولوية على حساب توفير الوظائف بما في ذلك الإجراءات المعلنة.

وكان كثيرون قد أكدوا أن غياب "العنصر الديني" الذي له كلمة مسموعة في مواجهة الإرهاب في الإستراتيجيات المتبعة، وغياب العدالة الاجتماعية، وعدم تطبيق المساواة، وتضييق الفجوة التنموية بين الأقاليم، والتراجع في مجال الحريات وحقوق الإنسان، سيجعل ما يبذل في مهب الرياح.

عدد المشاهدات 690

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top