عرض لورقة: الاقتصاد الباكستاني.. التناقضات بين الإمكانات والسياسات

20:05 30 نوفمبر 2015 الكاتب :  

في دراسة بحثية معمقة للباحث المتخصص في الاقتصادشاهد نعيم، نشرها موقع الجزيرة للدراسات، تناول فيها العلاقة بين الاقتصاد والسياسية في باكستان، مستعرضاً الإمكانات الضخمة لهذا الاقتصاد، في حين عدم القدرة على استغلال ذلك بما يحقق سيادة أكبر في المشهد الإقليمي والدولي.

باكستان قدرات وإمكانات

بدأ الباحث في مقدمة الورقة بعرض لهذه الإمكانات، حيث الموقع الجيوستراتيجي للبلاد وحجم السكان الذي يمثل قوة بشرية كبيرة، فباكستان سادس دولة عالميًّا من حيث عدد السكان، أكثر من نصفهم دون سنِّ 24 سنة، وتمتاز بتنوع مواردها الطبيعية؛ ما يجعلها سوقًا ذات إمكانات واعدة -حجمها 175 مليون نسمة - على صعيد التجارة الإقليمية والدولية، خاصة إذا ما توافقت مع دول المنطقة على "إستراتيجية الكسب المتبادل" واستهدفت التعامل مع الاقتصادات الكبيرة الأخرى، فإنها تستطيع حينها مضاعفة عوائدها. ومع ذلك، فإن معدلات التنمية البشرية المتدنية والوضع القانوني وطبيعة النظام المترديين، كل هذا يقوِّض إنتاجية باكستان ويعوق نموها الاقتصادي، فهي في المرتبة 146 من بين 187 دولة على مؤشر التنمية البشرية (2014)، وتواجه البلاد سنويًّا عجزًا كبيرًا في تأهيل حوالي 1.5 مليون شاب باكستاني وتزويدهم بالمهارات اللازمة لسوق العمل.

وفضلًا عن حاجة باكستان إلى الاستثمار في الموارد البشرية، فهي بحاجة لتوفير بيئة أعمال مواتية، لاسيما شبكة اتصال فعَّالة (وصلات السكك الحديدية والطرق، وشبكات الهواتف ...إلخ) تربط بين حدودها الشرقية والغربية وسواحلها والأجزاء الشمالية من البلاد، لتربط الصين ودول وسط آسيا بالمياه الدافئة، ولتربطها بالأسواق الكبيرة في دول "رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي" (SAARC)، بالإضافة إلى الشرق الأوسط. مع العلم بأن إيران - أحد مصادر الطاقة الكبرى في العالم - تتمتع باحتياطي نفطي يصل إلى 158 مليار برميل، وحوالي 34 تريليون متر مكعب من الغاز، وتستطيع باكستان بموقعها الوسيط تلبية احتياجات الطاقة للدول المحيطة بها، وتساعدها على تنشيط اقتصاداتها.

العلاقات الاقتصادية

إدارة الموارد

استعرض الباحث تحت هذه العنوان سوء عملية إدارة الموارد التي تعاني منها باكستان، ففي حين تتمتع باكستان بوفرة الموارد الطبيعية والمصادر البشرية؛ حيث يوجد فيها خامس أكبر احتياطي ذهب في العالم في إقليم بلوشستان، وثاني أكبر احتياطي من الملح وسادس أكبر احتياطي من الفحم في البنجاب، لكنها لم تستطع استغلال هذه الموارد لمصلحتها الاقتصادية، لا بل هناك مخاوف من أن تؤدي هذه الاكتشافات إلى حرب أهلية في ولاية بلوشستان بسبب سيطرة زعماء القبائل المحليين (السردار) على الأرض هناك. كما أن باكستان لم تستطع التخطيط والتنفيذ لبرامج مناسبة تمكِّنها من الاستفادة من الموارد البشرية المتمثِّلة بفئة "الشباب" الأكثر حيوية في المجتمع.

حيث إن كل عام تتراجع نسبة الموارد وتقصر دون تحقيق متطلبات الميزانية ما يفاقم من مشكلة العجز في تمويل الديون، وبالتالي فإن مستحقات الديون والضمان المتصلة بها تستهلك حوالي 70% من الموارد. .

الحرب على "الإرهاب"

وهنا تناول الكاتب أيضاً أثر عدم إدارة الإمكانات والقدرات على واقع الاقتصاد في باكستان، فبرغم من معرفة أمريكا والصين لأهمية باكستان الجيوستراتيجية على صعيد التجارة والأمن، وما دفع ذلك من أن تعتبر واشنطن باكستان حليفًا رئيسيًّا لها في الحرب على ما يسمى "الإرهاب"، إلا أن باكستان تضرَّرت اقتصاديًّا من الحرب على ما يسمى "الإرهاب" لأنها جعلت منها بيئة غير مواتية للاستثمار المحلي والأجنبي؛ حيث تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر في باكستان بنسبة 45% في 2009-2010، بالمقارنة مع المؤشرات التي كانت قبل الحرب. ولم يستطع "صندوق دعم التحالف" (CSF) بقيادة واشنطن تعويض عُشر الخسائر التي تحملتها باكستان منذ بداية الحرب في 2001، حيث وصلت تعويضات الصندوق إلى حوالي 13 مليار دولار، في حين زادت الخسائر عن 106 مليارات دولار. وتُقدَّر الخسائر الناتجة عن الهجمات الإرهابية خلال 2013-2014 و2014-2015 فقط بحوالي 11.6 مليار دولار. بعبارة أخرى، إن الحرب على الإرهاب لم تقتصر على التأثير على موارد الميزانية فحسب، بل كان على باكستان تخصيص المزيد من الموارد للأغراض الأمنية، فضلاً عن أنها أثَّرت سلبًا على قطاع السياحة بصفة خاصة.

أزمة الطاقة

تسبَّب إهمال الحكومات الباكستانية المتعاقبة بأزمة طاقة أضحت بدورها عقبة كبرى أمام النمو الاقتصادي، وتتطلع إسلام أباد اليوم إلى تطوير تجارة الطاقة مع دول آسيا الوسطى وغيرها من دول الجوار، ومن المتوقع أن يربط خط أنابيب الطاقة العابر من آسيا الجنوبية إلى آسيا الوسطى - والمعروف باسمCASA 1000- باكستان بكلٍّ من أفغانستان وطاجيكستان وقرغيزيا. وتتطلب تجارة الطاقة عبر الحدود رفع كفاءة قطاع الطاقة المحلي، وتستدعي من باكستان اتخاذ عدة خطوات في هذه السبيل، أهمها: زيادة الاستثمار في تطوير نظم توزيع الطاقة، وتحسين الجباية من المستهلكين، وتوفير حزمة متنوعة من أنواع الطاقة القابلة للاستخدام في البلاد.

اتفاقيات تجارية غير فاعلة

تحت هذا العنوان، تناول الباحث قضية التجارة الإقليمية لباكستان، مشيراً إلى أن تعثر نظام الحوكمة الرشيدة في الاتفاقيات التجارية، وخاصة إهمال حماية المصالح الوطنية، إلى حدوث تحيزات مخلة في العلاقات الاقتصادية. وعلى الرغم من عضوية باكستان في كلٍّ من "منظمة التعاون الاقتصادي -إيكوتا" (ECOTA)، و"منطقة التجارة الحرة لجنوب آسيا" (SAFTA)، لم تفلح باكستان في ممارسة تجارة كبيرة مع شركائها الإقليميين؛ حيث لا يزيد نصيب باكستان من التجارة الإقليمية عن 5%، مقارنة بحوالي 40% بالنسبة للتجارة البينية للدول الأخرى الأعضاء في هاتين المنظمتين.

ومن زاوية أخرى، لم تفلح اتفاقية التجارة والنقل بين أفغانستان وباكستان في 2011 في تحقيق أهدافها بسبب الإجراءات المعقدة لتلك الاتفاقية. وتجتهد باكستان لتوقيع اتفاقيات تجارة حرة لا تزال شكلية إلى الآن مع كلٍّ من إندونيسيا وموريشيوس وإيران، كما تعمل على تفعيل الاتفاقيات الموقَّعة بالفعل مع كلٍّ من الصين وسريلانكا وماليزيا. ومن بين هذه الاتفاقيات، تصب اتفاقية التجارة الحرة مع الصين (الموقعة في نوفمبر 2006) في صالح التكامل الإقليمي، رغم أن الموازين ترجِّح هنا كفة الصين.

وأدَّى عدم التعاون الاقتصادي بين باكستان والهند بسبب الصراعات السياسية إلى سلب فاعلية اتفاقيات التجارة التي وقَّعتها باكستان مع كل من "منظمة التجارة العالميةWTO" و"رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليميSAARC"، و"منطقة التجارة الحرة لجنوب آسياSAFTA". وتحتاج العلاقات التجارية مع الهند إلى تطوير وتحسين، أخذًا في الاعتبار طول الحدود بين البلدين (2912 كم).

عدد المشاهدات 1039

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top