تـغيُّر المــناخ.. رؤية كونية شرعية

10:14 09 ديسمبر 2015 الكاتب :   لندن: د. أحمدعيسى

تغيُّر المناخ مشكلة حقيقية تحدث الآن وتتفاقم باطراد، ويعاني العالم في السنوات الأخيرة من الأخطار الجسيمة لتغير المناخ؛ حيث يسود طقس شديد التطرف؛ كموجات الحرارة والجفاف، وكشدة العواصف والأمطار والفيضانات، وبدأ الجليد يتساقط على شعوب لم تره من قبل، ومات الآلاف من ارتفاع الحرارة والسيول والأوبئة بشكل غير مسبوق، وهطلت أمطار الأعوام في ساعة واحدة، ومن قبل بدأ ذوبان الأنهار الجليدية واختفاء الجليد القطبي، وموت الشعب المرجانية، وارتفاع مستويات البحر، واختلال الأنظمة البيئية وأمواج الحرارة المميتة.

تواترت الأبحاث العلمية على أن الإنسان هو السبب الرئيس لتغيُّر المناخ وما يتبعه من فساد، وصدق الله حيث قال: {ظهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ "41"} (الروم)، يقول ابن عاشور: وفساد البر يكون بفقدان منافعه وحدوث مضاره، مثل حبس الأقوات من الزرع والثمار والكلأ، وفي موت الحيوان المنتفع به، وفي انتقال الوحوش التي تصاد من جراء قحط الأرض إلى أراضين أخرى، وفي حدوث الجوائح من جراد وحشرات وأمراض، وفساد البحر كذلك يظهر في تعطيل منافعه من قلة الحيتان واللؤلؤ والمرجان وكثرة الزوابع الحائلة عن الأسفار في البحر، ونضوب مياه الأنهار وانحباس فيضانها الذي به يستقي الناس.

وقد نهى الله تعالى عن الإفساد في الأرض؛ {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا } (الأعراف:56)، قال القرطبي: إنه سبحانه نهى عن كل فساد قلَّ أو كثر بعد صلاح قلَّ أو كثر، فهو على العموم على الصحيح من الأقوال، وقال الضحاك: معناه لا تعوروا الماء المعين، ولا تقطعوا الشجر المثمر ضراراً، وقد ورد: قطع الدنانير (إفساد المال) من الفساد في الأرض، وقد قيل: تجارة الحكام من الفساد في الأرض، وقال القشيري: المراد ولا تشركوا؛ فهو نهي عن الشرك وسفك الدماء والهرج في الأرض، وأمر بلزوم الشرائع بعد أن أصلحها الله ببعثه الرسل، وتقرير الشرائع ووضوح ملة النبي محمد "صلى الله عليه وسلم".

ما التغير المناخي؟

التغير المناخي هو اختلال في الظروف المناخية المعتادة؛ كالحرارة وأنماط الرياح والمتساقطات التي تميز كل منطقة على الأرض، عندما نتحدث عن تغير المناخ على صعيد الكرة الأرضية نعني تغيرات في مناخ الأرض بصورة عامة، وتؤدي وتيرة وحجم التغيرات المناخية الشاملة على المدى الطويل إلى تأثيرات هائلة على الأنظمة الحيوية الطبيعية، لقد أدى التوجه نحو تطوير الصناعة في الأعوام الـ150 الماضية إلى استخراج وحرق مليارات الأطنان من الوقود الأحفوري (النفط، الغاز، الفحم) لتوليد الطاقة، هذه الموارد أطلقت غازات تحبس الحرارة كثاني أكسيد الكربون، وهي من أهم أسباب تغير المناخ، إضافة إلى إزالة الغابات بشكل واسع، وكذلك غاز الميثان المنبعث من مزارع الأرز وتربية البقر ومطامر النفايات وأشغال المناجم وأنابيب الغاز، وغازات CFCS المسؤولة عن تآكل طبقة الأوزون، والأكسيد النيتري (الأسمدة والكيميائيات) تساهم في هذه المشكلة، وتمكنت هذه الغازات من رفع حرارة الكوكب إلى 1.2 درجة مئوية مقارنة بما قبل الثورة الصناعية، وإن أردنا تجنب العواقب الأسوأ ينبغي أن نلجم ارتفاع الحرارة الشامل ليبقى دون درجتين مئويتين.

لم تواجه البشرية سابقاً أزمة بيئية هائلة كهذه، ومن السخرية أن الدول النامية التي تقع عليها مسؤولية أقل عن تغير المناخ هي التي ستعاني من أسوأ عواقبه، سيقع التأثير الكبير على كاهل الدول الأفقر الأقل قدرة على حماية نفسها من ارتفاع مستويات البحر وانتشار الأوبئة وتدهور الإنتاج الزراعي، كما هي الحال في البلدان الفقيرة في أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ.

الحل لوقف تغيُّر المناخ

تقول منظمة GreenPeace: نحن البشر مَنْ تسبب في هذه الظاهرة، ولا أحد غيرنا يستطيع إيقافها، وينبغي أن نقلص اعتمادنا على النفط كمصدر أساسي للطاقة، والحلول البديلة موجودة: الطاقة المتجددة «المسالمة»، وترشيد استخدام الطاقة، ومع توخي ترشيد استعمال الطاقة، واستخدام موارد الطاقة المتجددة؛ كالشمس والهواء والأمواج والكتلة الحيوية لتوليد الطاقة التي نحتاجها وبالكميات التي نرغبها فهي مصادر فاعلة وموثوقة وتحترم البيئة، ولن يتطلب تطبيق هذه الحلول أي تنازل من المواطنين عن أنماط حياتهم، بل سيخولهم الدخول إلى عصر جديد من الطاقة يأتي عليهم بالازدهار الاقتصادي وفرص العمل والتطور التكنولوجي والحماية البيئية.

رؤية الإسلام

الظواهر الطبيعية أمر كوني من الله رب العالمين الذي «لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون»، وقد يكون بسبب فساد من الناس أو عقوبة لبغيهم، أو لأمر ستظهر عواقبه فيما بعد لحكمة يعلمها الله تعالى، وفيه ابتلاء شرعي وواجب ديني، يا ليتنا ننبه أنفسنا والعالم برؤية وتعاليم الإسلام التي تؤكد أن كل شيء على الأرض موزون؛ {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ "19"} (الحجر)، ونهى الإسلام عن الإسراف بكل أشكاله السلبية في كل الموارد الطبيعية؛ {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ "141"} (الأنعام)، إن الحفاظ على البيئة واجب ديني على كل فرد كما أنه واجب اجتماعي، وللدولة الحق في إجراء جميع ما تراه مناسباً لمنع الضرر أو تقليله قبل حدوثه مع قاعدة سدّ الذرائع المؤدية إلى الفساد.

واهتم الإسلام بالزراعة التي تحمي بيئة الأرض، وجعل الاهتمام بها عبادة، فقال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": «ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً؛ فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة، إلا كان له به صدقة» (رواه البخاري)، وهناك الكثير من المبادئ والأسس في الإسلام التي تحمي البيئة الإنسانية، وتمنع أخطر تدهور للبيئة؛ ألا وهو تدهور الأخلاق، وانحطاط القيم، فإذا انعدمت الأخلاق كان الفساد والأنانية، ولهذا فقد أمر بالعدل والحرية والمساواة والصدق والأمانة، وحارب الظلم وكل أشكال الاستغلال والنفاق والغش والكذب والفساد، وهذا ما تعاني منه البيئة الإنسانية الحالية على مستوى الأفراد والشعوب، قال تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ "205"} (البقرة)، وفي مجال حماية البيئة الاجتماعية والصحية؛ نظافةُ الطريق وحمايةُ الناس من أي أذى معنوي أو جسدي، يقول النبي "صلى الله عليه وسلم": «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (رواه مسلم)؛ أي عن طريق الحياة والناس، كما منع الإسلام تلويث الماء الراكد أو الجاري حتى من قبل الأفراد، كما أمر الإسلام بالحفاظ على الصحة العامة، وحَرَّمَ كُلّ ما يؤذي صحة الفرد؛ العقلية والجسمية والنفسية، فحرّم الخمر والمخدرات، وكُلّ الخبائث، ودعا إلى أكل الطيبات من الرزق، والاهتمام بالنظافة الجسدية، والعنصر الجمالي، قال تعالى: { يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ "31"} (الأعراف).

والإسلام يحقق مبدأ الرقابة التي تسعى إليها التربية البيئية العالمية، فإنه إن لم تتوقف الدول الكبرى عن تلويث الأرض هلكت وهلك غيرهم من الساكتين، يقول رسول الله "صلى الله عليه وسلم": «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها؛ كمثل قوم استَهَموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على مَنْ فَوْقَهُم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً» (رواه البخاري).

الإعلان الإسلامي عن التغير المناخي

وتقوم المؤسسة الإسلامية للطبيعة وعلوم البيئة من بريطانيا بنشر الوعي بالقضية من منظور إسلامي، وقد أصدرت في أغسطس 2015م بياناً (بالإنجليزية) سمي بالإعلان الإسلامي في التغير العالمي للمناخ، جاء فيه: نؤكد أن مسؤوليتنا كمسلمين أن نتصرف وفقاً لأسوتنا النبي محمد "صلى الله عليه وسلم" الذي أعلن وحمى حقوق جميع الكائنات الحية، وحرم وأد البنات، وحرم قتل كل ذي روح بغرض اللهو أو الرياضة، وأرشد أصحابه إلى الحفاظ على المياه حتى في الوضوء للصلاة، ونهى عن قطع الأشجار في الصحراء، وأمر رجلاً قد أخذ فراخاً من عشها أن يعيدها لأمها، ونهى عن حرق النمل بالنار، وأنشأ مناطق مصونة (الحرم) حول مكة المكرمة والمدينة المنورة، داخلها لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، وأنشأ المناطق المحمية (الحمى) للحفاظ والاستخدام المستدام للمراعي، والحياة البرية، عاش حياة مقتصد، خالية من الإسراف، والإضاعة، والتفاخر؛ كان يجدد ويعيد تدوير ممتلكاته البسيطة بإصلاحها أو بذلها؛ كان يأكل الطعام البسيط والصحي، لم يشمل اللحوم إلا في بعض الأحيان؛ وكان كما ذكر القرآن الكريم «رحمة للعالمين».

ميزان العدل

وللمؤسسة كتيب استخدمت فيه آيات كريمات مثل: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا "26"} (الإسراء)، {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ "60"} (البقرة)، والأحاديث الشريفة: «.. وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة» (أخرجه الترمذي)، «لا ضرر ولا ضرار» (أخرجه ابن ماجه)، وأوضح عناية الإسلام بتعليم المسلمين احترام الخلق وإبقاء ميزان العدل والاتزان فيه، وأن كل من في الأرض عليهم واجبات، فما بالك بالمسلمين وهم ربع العالم، ومن أكثر منتجي البترول، وأدرج حلولاً عملية على المستوى الدولي، منها رفع أسعار البترول ليقل الاستهلاك ويزيد الدخل ويبقى المخزون، وعلى المستوى الأسري لتقليل الإسراف في الطاقة مثل تغيير مصابيح الإضاءة، وإغلاق الأجهزة بعد استخدامها، والتبرع بالقديم منها، واستخدام الماء باعتدال، والتنشيف الطبيعي للملابس، وعدم الإسراف في شراء الطعام، واستخدام الأشياء مرة أخرى وإعادة تصنعيها، والمشي للمسافات القصيرة أو استخدام الدراجة، وشراء السيارات الصغيرة أو النظيفة من حيث الطاقة، وعدم السفر بالطائرة إلا للضرورة.

رحمة الله للمحسنين

لم يحدث من قبل أن أُجبرت الإنسانية على مجابهة هذه الأزمة البيئيّة الهائلة، وإذا لم نتّخذ إجراءات فوريّة وعاجلة لوقف الاحترار العالمي، فإن الضرر قد يصبح ضرراً لا رجعة فيه، والكرة الآن في ملعب الحكومات والأفراد كي يرجعوا إلى الله تعالى.

يقول ابن كثير في آية «الأعراف» رقم (56): ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض، وما أضره بعد الإصلاح! فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد، ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان أضر ما يكون على العباد، فنهى تعالى عن ذلك وأمر بعبادته والتضرع إليه والتذلل لديه، فقال: «وادعوه خوفاً وطمعاً»؛ أي خوفاً مما عنده من وبيل العقاب، وطمعاً فيما عنده من جزيل الثواب، ثم قال: «إن رحمة اللّه قريب من المحسنين»؛ أي إن رحمته مرصودة للمحسنين الذين يتبعون أوامره ويتركون زواجره.

المصادر

1- ClimateChange 2007: ThePhysicalScienceBasis

InternationalPanelonClimateChange

www.ipcc.ch

2-Stateofworldpopulation 2009

http://www.unfpa.org/swp/2009/en/pdf/EN_SOWP09.pdf

3-JointRoyalSociety - NERC - MetOffice- UKclimatesciencestatement 2009

http://royalsociety.org/

4- تفسير سورة «الروم، محمد الطاهر ابن عاشور، التحرير والتنوير.

5- تفسير سورة «الأعراف»، الإمام القرطبي، الجامع لأحكام القرآن.

6- تفسير سورة «الأعراف»، الإمام ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.

7- Stopclimatechange 2015

http://www.greenpeace.org/international/en/campaigns/climate-change/

8-IslamicDeclarationonGlobalClimateChange 2015

http://islamicclimatedeclaration.org/islamic-declaration-on-global-climate-change/

 

عدد المشاهدات 3568

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top