العراق: هل حقَّق «العبادي» التنمية المنشودة؟

09:33 12 ديسمبر 2015 الكاتب :   د. أشرف محمد دوابه

أكثر من عام مر على حكومة حيدر العبادي، وما زال الفساد والبيروقراطية هما سيد الموقف في دولاب الدولة العراقية، وبات الأمن والاستقرار اللذان هما قوام أي اقتصاد مفقودين، حتى ازداد «تنظيم الدولة الإسلامية» تقدماً في العراق، وفرض سيطرته على مناطق جديدة ومهمة.

لقد جاءت حكومة حيدر العبادي بالعراق خلفاً لحكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي لم يترك السلطة بمحض إرادته، ومنذ أن تسلم حيدر العبادي رئاسة الحكومة العراقية ومهامه الدستورية في مسؤولية إدارة الحكم في العراق والوضع السياسي والأمني والاقتصادي ينتقل من سيئ إلى أسوأ؛ حتى باتت الأزمات واشتدادها عنوان المرحلة، فمن أزمة الكهرباء والمياه والسكن والبنية التحتية، إلى أزمة الصحة والتعليم والفقر والبطالة والهجرة والفساد المستشري؛ حتى يمكن القول: إن مشكلات الكون تعمقت في العراق، رغم ثرائه النفطي وخيره الوفير الذي تم بعثرته على يد الطائفية، وسيادة الفساد والمحسوبية والقتل بالهوية.

تعهدات العبادي الإصلاحية

أعلن حيدر العبادي منذ توليه رئاسة الوزراء عن خطته للإصلاح للخروج من الأزمة وتحقيق التنمية في العراق، وقد صادق مجلس الوزراء بالإجماع على تلك الخطة في 9 أغسطس 2015م، وصادق البرلمان عليها في 11 من الشهر نفسه، ولم تكن تلك الإصلاحات سوى ما أعلنه حيدر العبادي في برنامجه الحكومي (2014 – 2018م).

وتركزت تلك الإصلاحات على خمسة محاور:

- المحور الأول: الإصلاح الإداري: من خلال تفعيل العمل المؤسسي، وإصلاح نظام الرواتب، والتخلص من العبء الزائد من نفقات الحماية للمسؤولين التي تجاوزت الحدود، وفتحت مراتع الفساد، وذلك بتقليص أعداد الحمايات لكل المسؤولين في الدولة، فضلاً عن ترشيد الامتيازات الأخرى للمسؤولين من سكن وسيارات وغيرها، وإلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ونواب رئيس الوزراء.

- المحور الثاني: الإصلاح المالي: من خلال معالجة العجز في الموازنة العامة للدولة عن طريق معالجة التهرب الضريبي، وتوسيع الوعاء الضريبي بصورة عادلة، مع تخفيف العبء على أصحاب المهن الحرة، وتطبيق التعريفة الجمركية بصورة عادلة على جميع المنافذ الحدودية؛ سعياً لتشجيع نمو المنتجات الوطنية، ومنع إغراق السوق العراقية، وكذلك تخفيض الحد الأعلى للرواتب التقاعدية للمسؤولين التي بدا استنزافها لمزيد من موارد الدولة واضحاً للعيان.

- المحور الثالث: الإصلاح الاقتصادي: من خلال فتح المجال للقطاع الخاص لقيادة التنمية، وتوفير التمويل اللازم له، ودفع مستحقاته لدى الحكومة، وإلغاء أي استثناءات تختص بتنفيذ العقود الحكومية فيما عدا ما يتعلق بعقود التسليح في وزارة الدفاع، وكذلك دعم المشروعات الصغيرة بقروضٍ بلغت تريليون دينار عراقي، فضلاً عن إعادة هيكلة الصناعات المملوكة للدولة، وخصخصتها بصورة تدريجية، وزيادة إنتاج النفط والغاز، وعمل إصلاح تشريعي لتكوين بنية تشريعية محفزة للاستثمار تسمح بجذب الاستثمار الأجنبي، بما يتيح تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط الذي شهد انخفاضاً ملحوظاً في أسعاره.

- المحور الرابع: الإصلاح الخدمي: من خلال الارتقاء بالمستوى الخدمي والمعيشي للمواطن العراقي، وتوفير البنية التحتية اللازمة، وكذلك معالجة أزمة الكهرباء والنهوض بالصحة والتعليم، وتبني برنامج رقابة مجتمعية فعّال لكشف التراجع أو الفشل في تقديم الخدمات العامّة، ومن ثم محاسبة المقصرين والفاسدين.

- المحور الخامس: محاربة الفساد: من خلال إنشاء مجلس «مكافحة الفساد» برئاسة رئيس الوزراء نفسه، وتفعيل مبدأ «من أين لك هذا؟»، وتفعيل دور القضاء في هذا الشأن، ووضع سقف زمني لحسم جميع القضايا الخاصة بالفساد، وكذلك تفعيل دور المؤسسات الرقابية وصلاحياتها.

حبر على ورق

الناظر إلى وعود حيدر العبادي الإصلاحية يجد أنها -كسابقتها من الوعود - ذهبت أدراج الرياح؛ حتى باتت حبراً على ورق؛ فالفساد يزداد توحشاً، والمحاصصة الطائفية والحزبية تهتك بأركان العراق، والبنية التحتية زادت تهالكاً، والإنسان نفسه - الذي هو أساس التنمية - بات نازحاً يفتقد الأمن؛ بل مهدداً بألا يجد راتبه الذي يستعين به على أموره المعيشية.

لقد افتقدت حكومة حيدر العبادي للإرادة الحاسمة اللازمة للإصلاح، فضلاً عن الإدارة الواعية القادرة على التعامل مع الواقع؛ فمحاربة الفساد الذي كان أهم محور في خطة حيدر العبادي الإصلاحية لم يمنع من انتشار الفساد كالسرطان في جسد الدولة العراقية، وإهدار قدراتها ومقوماتها، ووضعها على حافة الإفلاس، وإصابتها بالعجز عن الدفع بعجلة التنمية في البلاد، أو تقديم الخدمات الأساسية اللازمة للمواطنين، بل والعجز عن توفير رواتب الموظفين الحكوميين.

وبرزت ظاهرة الهجرة المشروعة وغير المشروعة للشباب العراقي إلى أوروبا؛ حيث جازف الكثير منهم بحياتهم وحياة عائلاتهم هرباً من جحيم ما يحدث بالعراق، وفي مقدمة ذلك سوء الأحوال الاقتصادية، وفقدان الأمن، وتمدد «تنظيم الدولة الإسلامية»، فضلاً عن المليشيات المسلحة المدعومة من قوى داخلية وخارجية، والتي أصبحت خارج السيطرة، وتفتعل الاشتباكات مع القوات الأمنية العراقية، وتنفذ عمليات الخطف والاغتيالات.

لقد استنزف الفساد المستشري في العراق ما يقدر بـ350 مليار دولار من خزائن الحكومة منذ عام 2003م، حتى جاء العراق في المراكز المتأخرة جداً في قائمة تضم 175 دولة، تتعلق بقياس جهود تلك الدول في مكافحة الفساد، التي تضمنها «مؤشر مدركات الفساد للعام 2014م» الذي صدر عن منظمة الشفافية الدولية؛ حيث جاء في المركز 170، كما انخفض النمو الاقتصادي في العراق من 13.9% في عام 2012 إلى نسبة 0.5% في عام 2015م.

موازنة التقشف

كشفت موازنة التقشف العراقية لعام 2015م - التي عمدت إلى خفض الإنفاق بنسبة 16%، وفرضت ضرائب المبيعات على السيارات وتذاكر الطيران وائتمان الهاتف الخلوي والكحول والسجائر - عن فشل حكومة حيدر العبادي في الحفاظ على العجز الذي يقدر بـ22 مليار دولار من الميزانية، وتوقع لهذا العجز أن يتجاوز حاجز 35 مليار دولار، بنسبة 20% من الناتج المحلي الإجمالي، وكل ذلك نتيجة طبيعية للفساد، إضافة إلى ما نجم عن احتساب سعر النفط في الموازنة بمبلغ 56 دولاراً للبرميل، وحينما دخلت الموازنة حيز التنفيذ انخفض سعر البرميل إلى 41 دولاراً، فضلاً عن توقع موازنة عام 2015م تصدير العراق 3.3 مليون برميل من النفط يومياً، بما في ذلك 550 ألف برميل يومياً من قبل الأراضي التي تديرها حكومة إقليم كردستان مقابل حصول الإقليم على 17% من الموازنة الاتحادية، لكن الاتفاق الذي وصلت إليه حكومة حيدر العبادي وحكومة إقليم كردستان في ديسمبر 2014م ذهب أدراج الرياح، وترك فراغاً في صادرات نفط الحكومة العراقية.

وإزاء العجز المتنامي في الموازنة، كشف وزير المالية هوشيار زيباري عن تغطية ذلك العجز من خلال بيع كميات من احتياطي البلاد النفطي بنظام الدفع المسبق، وإصدار سندات دولية، والاقتراض من المصارف المحلية، وكذلك الاقتراض من مؤسسات دولية، وفرض ضريبة على السيارات المستوردة والاتصالات الهاتفية وشبكات الإنترنت.

وإذا كان ذلك العجز خاصاً بموازنة العام 2015م، فإن موازنة العام 2016م ستكون أكثر صعوبة وأكبر عجزاً، فمن  غير المحتمل أن تجد ميزانية عام 2016م مصادر كافية لتمويل إنفاقها المتوقع، وهذا سيعرض العراق لخطر حقيقي من خلال مواجهة أزمة مالية في العام المقبل تتضخم معها الديون العراقية، وقد أقر مجلس الوزراء العراقي في 18 أكتوبر 2015م مشروع قانون الموازنة الاتحادية لسنة 2016م، بمجموع نفقات يبلغ 106 تريليونات دينار، وبعجز متوقع يبلغ 23 تريليون دينار تقريباً، ويستحوذ فيها الإنفاق الدفاعي على نحو 20% من موازنة عام 2016م.

توصيات «يونامي»

لعل تقرير بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) الصادر في شهر نوفمبر 2014م يكشف بوضوح الفشل الذريع لحكومة حيدر العبادي، ويصف الواقع الاقتصادي المر الذي يعيشه العراق؛ حيث ذكر أن رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي أخفق في تنفيذ الإصلاحات التي أعلنها نتيجة للخلافات السياسية والاستقطاب التدريجي للقوى الفاعلة، وطالب التقرير بتنفيذ إصلاحات اقتصادية عاجلة، ومكافحة الفساد، وإصلاح القطاع الحكومي، والشروع بالخصخصة لتنويع مصادر الاقتصاد العراقي، وتشجيع الاستثمار الأجنبي، وتحفيز نمو فرص العمل؛ لمواجهة آثار انخفاض أسعار النفط العالمية، والأزمة المالية في البلاد، والعجز المتفاقم في الموازنة، مع استعادة إدارة الحكم الرشيد، وسيادة القانون في المناطق المحررة من تنظيم الدولة الإسلامية، فضلاً عن الانفتاح والشراكة وإجراء المشاورات الموسعة في عملية صنع القرار ضماناً لتعزيز الإدارة الفعالة للبلاد.

وبذلك، فإن المحصلة النهائية لحكومة حيدر العبادي هي من فشل إلى فشل؛ فقد تهدمت خطتها الإصلاحية ووعودها التنموية على صخرة الفساد، والطائفية، وغياب الخدمات الأساسية، والعجز المتنامي في الموازنة، الذي أوشك أن يأكل الأخضر واليابس في كافة جوانب الاقتصاد العراقي.

عدد المشاهدات 1023

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top