لـيـبـيا.. بين عجز أبنائها وغدر أصدقائها!

10:03 12 ديسمبر 2015 الكاتب :   د. نزاركريكش

تطورات كثيرة شهدها المشهد السياسي الليبي في الأسابيع القلية الماضية، كلها تشير إلى أن الحرب بالوكالة كانت جزءاً من أسباب استمرار الصراع، يأتي هذا في سياق مجموعة من الرسائل التي سُربت عبر صحيفة «الجارديان» وكذلك «النيويورك تايمز»، والتي شككت في مجملها في مصداقية الوسيط الدولي «برناردينو ليون» في الحوارات التي جرت في الأشهر السابقة، هذا الأمر أدخل المشهد في حالة من الجمود والترقب.وقد نشرت صحيفة «الجارديان» البريطانية بعض «الإيميلات» (الرسائل) التي تظهر مشاورات المبعوث الدولي مع وزير الخارجية لإحدى الدول الخليجية، كما نشرت صحيفة «النيويورك تايمز» الأمريكية «إيميلات» أخرى تظهر الاتفاق على إرسال أسلحة لمُطلق «عملية الكرامة» وهو قائد الجيش الليبي التابع للبرلمان الليبي في طبرق؛ الأمر الذي طالب المبعوث بالتحقيق فيه باعتباره مخالفاً لقرارات مجلس الأمن بعدم تسليح أطراف النزاع في ليبيا، هذه الأجواء نشرت حالة من الانقسام في طرابلس بين من يرى ضرورة المضي في الحوار رغم كل هذه الملاحظات، ومن شكك في الاتفاق برمته، وكأن ما أظهرته هذه التسريبات كان سراً!

الانقسام يزداد، والحوار دخل في حالة من الجمود بين الخجل الذي أظهره بعض المسؤولين في مجلس الأمن، كما بينت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، والتشكيك وتبادل التهم بين من وقَّعوا بالأحرف الأولى على مسودة «ليون» ومن رفضوا التوقيع.

مجلس النواب الليبي في الشرق (طبرق) ليس أسعد حالاً؛ حيث الانقسام حول تشكيلة الحكومة التي اقترحها «ليون»، وهذا الانقسام ليس راجعاً إلى تلك التسريبات التي شككت في مصداقية «ليون»، بل راجع إلى أن التشكيلة الحكومية التي اقترحها «ليون» لم ترُق للتركيبة العشائرية، ولم تراعِ موازين القوى التي خلقتها حالة التناسج بين العسكري والسياسي التي رضيها البرلمان.

الحرب بالوكالة

تبدو الحرب بالوكالة نموذجاً قد يفسر حالة الجمود التي وصل إليها الأمر في ليبيا، وتتجلى مظاهر ذلك في تأكيد مجلس النواب على دعم كل من الإمارات ومصر لتحركاته؛  وهو ما يفسر محاولة البرلمان الدفاع عن حادثة المواطن الخليجي الذي قبضت عليه شرطة مطار معيتيقة في طرابلس، والذي أكدت النيابة العامة أنه تابع لمخابرات دولته الخليجية.

الحرب بالوكالة لا تعني فقط وجود حرب بين دولتين على أرض دولة أخرى؛ بل إنها تعني في أحد تعريفاتها وجود إستراتيجية لدعم أحد أطراف الصراع في بلد آخر، وهذا البعد قد يُظهر أن الفراغ الإستراتيجي الذي خلفه فشل الدولة الليبية جعل لدول الإقليم مخاوف إستراتيجية جعلها تعمل على تصميم نظام يضمن مصالحها، وتسبب في ظهور قوى مسلحة كـ «تنظيم الدولة» والتنظيمات المسلحة الأخرى، الأمر الذي جعل مجلس الأمن يؤكد ضرورة تطبيق مسودة «ليون»، واختار «مارتن كوبلر»، الدبلوماسي الألماني، لمواصلة مسيرة «ليون».

مستقبل مسودة «ليون»

هل سيحافظ «مارتن كوبلر» على مسودة «ليون»؟ هذا هو الظاهر، فمجلس الأمن في أكثر من جلسة كان راضياً على الإطار الذي اختاره «ليون»، قد يكون هناك تغيير طبعاً في سياسة «كوبلر» خاصة في اختيار مجلس رئاسة الوزراء، فقد تبين أن تأكيد «ليون» على شخصيات بعينها هو جوهر التحيز الذي كان عليه، فإن «ليون» وغيره يعرفون أن وجود مؤسسات في ليبيا شيء عزيز بسبب النظام السياسي الذي ارتضاه «القذافي» لنفسه، وهو النظام الذي لا يؤمن بالتراتبية الهيراركية (الهرمية)، وبالتالي لا مناص من ضمان استقرار النظام الليبي، والتأكد من التحكم في مفاصله، وذلك من خلال اختيار شخصية للحكومة يمكن تحقيق مصالح وضمان سلوكها المستقبلي، هذا الأمر هل سيتغير مع «كوبلر»؟ بعض المحللين يرون أن الدبلوماسية الألمانية بالعموم كانت حيادية، إلا أن تاريخ «كوبلر» في العراق كان محل نقد كبير؛ إذ اتهمه بعض المراقبين بالجبن أمام الطائفية التي يمارسها المالكي في العراق.

سيحتاج «كوبلر» بالطبع بعض الوقت لكي يفهم الواقع الليبي، وربما ستكون هناك مرونة في التعامل مع طلبات المؤتمر الوطني، خاصة بعد الحرج الذي خلفه «ليون» في ليبيا، إلا أننا نتوقع أن يكون المجتمع الدولي أكثر إصراراً على الوصول لاتفاق في ليبيا، خاصة بعد ما حدث من أعمال إرهابية في فرنسا؛ حيث صارت المنطقة بحاجة مهمة لنظام يمنعها من مزيد من الفوضى.

إستراتجية المجتمع الدولي

لفهم العلاقة بين ما يحدث في الشرق الأوسط وما يحدث في ليبيا وشمال أفريقيا، لا بد من إدراك أن الوضع في ليبيا يتجاذبه تفسيران؛ أحدهما يرى أن غياب مؤسسات الدولة هو السبب في انتشار الفوضى والحرب والإرهاب، والآخر يصر على وضع ليبيا في سياق الحرب على الإرهاب، والفرق بين الاثنين يبدأ في ترتيب الأولويات؛ فالتفسير الأول يجعل تشكيل الحكومة شرطاً أساسياً لبدء الحملة ضد «داعش» وبيد ليبية، أما الآخر فيفترض إمكانية وجود حملة دولية بقيادة دول عندها فائض جيوش تقليدية من الجنود المشاة كمصر وتشاد والنيجر. 

هذا الأمر دلت عليه بعض التقارير التي نشرها حلف «الناتو» عن التجربة الفرنسية في مالي؛ حيث بينت أن الجيوش غير التقليدية لا يمكنها أن تُحدث استقراراً؛ لذا لا بد من جيوش تقليدية، وفي ليبيا يبدو أن المقاتلين إما أن يكونوا في إطار حكومة يمكن التعامل معها مالياً وسياسياً من خلال تنظيم سلوكها حاضراً ومستقبلاً، وإما أن يكونوا من دول أخرى لا يوجد فيها نظم تهتم بمواطنيها يمكنها أن تزج بمقاتلين في وضع صعب مثل ليبيا.

معاناة المواطن

هذا الانقسام السياسي والتعثر في الحوار انعكس على حياة المواطن من خلال زيادة الأسعار، وارتفاع سعر الدولار بشكل غير مسبوق تجاوز حاجز ثلاثة دنانير ليبية؛ الأمر الذي لم تشهده ليبيا منذ زمن طويل، خاصة مع استمرار الصراع في بنغازي وما يترتب عليه من عمليات نزوح ولجوء.

تقرير «هيومن رايتس ووتش» الذي صدر هذا الشهر أشار إلى الممارسات التي قامت بها مليشيات تابعة للواء حفتر؛ مثل التهجير وحرق البيوت وغيرها من المشاهد التي جعلت التقرير يحث الليبيين على المسارعة في الاتفاق السياسي الذي ينهي الانقسام، ويضع حداً للأزمات الاقتصادية، والمعاناة الإنسانية التي يبدو أنها ستزداد، خاصة بعد تقرير المصرف الليبي المركزي بعدم قدرته على دفع مرتبات المواطنين إذا استمر هذا العجز في الميزانية، خاصة بعد أن قرر الزعيم القبلي في مدينة أجدابيا في وسط البلاد إغلاق بعض موانئ النفط؛ فعلاوة على انخفاض سعر النفط فإن الإنتاج وصل إلى أقل مستوياته بعد هذا القرار من زعيم مليشيا يدعي أنه يريد الحفاظ على موارد البلد!

4 سيناريوهات متوقعة

مراكز الدراسات ترى أن السيناريوهات المتوقعة لليبيا أربعة:

أولها: أن تستمر الحرب الأهلية، وينشأ عن ذلك سيناريوهات لا تقل سوءاً كالتدخل الأجنبي أو انتشار الحرب من ليبيا إلى مصر أو الجزائر، أو انقسام البلد لدولة في الشرق وأخرى في الغرب والجنوب.

ثانيها: سيطرة «تنظيم الدولة» على جزء كبير من البلد، ومن ثم يصبح شمال أفريقيا أشبه بالشرق الأوسط؛ الأمر الذي جعل «جون كيري»، وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، في اجتماعه في الرابع عشر من أكتوبر في فيينا مع نظيره الروسي، يؤكد ضرورة وجود حل لليبيا وسورية واليمن، من خلال الحفاظ على ما تبقى من الدولة قبل أن يستمر «تنظيم الدولة» في التمدد من سورية إلى سيناء إلى النيجر والصومال ومن ثم ليبيا.

ثالثها: يتوقع الحسم لأحد الطرفين، وهذا يبدو أن الواقع قد تجاوزه؛ لأن أغلب الإحصاءات تؤكد أن سنة من الصراع في أي حرب أهلية قد تمنع من هذا الحسم؛ بسبب الإنهاك، وصعوبة الاستمرار بنفس الجذوة (الأمر الذي يتوقع في حالة وجود حرب بالوكالة).

رابعها: السيناريو الأخير وهو الوصول لحكومة توافق، وهذا قد يكون بدعم أممي يضمن وجود مؤسسات تمنع من الانزلاق نحو معركة تكسير عظام كالتي شهدها البلد بعد الثورة، حين تُرك المجال للساسة الليبيين لممارسة السلطة، فتدخلت دول إقليمية ولم تفلح المرحلة الانتقالية؛ لذا فالسيناريو الأخير وهو إنشاء حكومة بدون دعم مؤسسي قد يكون عبارة عن حالة استقرار مؤقتة سرعان ما تنتهي إلى حالة من الفوضى تبدأ من حيث انتهت.

عدد المشاهدات 1185

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top