ما مستقبل المشهد السياسي في فرنسا؟

10:14 15 ديسمبر 2015 الكاتب :   د. محمد الغمقي

أبرز نتائج الدورة الثانية للانتخابات الجهوية أو المناطقية في فرنسا التي تمت الأحد 13 ديسمبر تمثل في فشل حزب "الجبهة الوطنية" اليميني المتطرف في الحصول على الأغلبية في أي جهة من جملة 13 جهة، بعد الفوز الكاسح في الدورة الأولى لهذه الانتخابات قبل أسبوع بأغلب المناطق مقابل منطقتين لليسار وثلاث مناطق لليمين.

كيف يمكن تفسير هذا التحوّل في ظرف أسبوع؟ وما تداعيات النتائج النهائية لهذه الانتخابات على مستقبل المشهد السياسي في فرنسا خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية عام 2017م بعد 18 شهراً؟

صدمة سياسية

اتفق المراقبون على أن الدورة الأولى للانتخابات على مستوى الجهات الكبرى في فرنسا مثلت صدمة سياسية بسبب حصول حزب اليمين المتطرف بزعامة مارين لومان على نسبة وصفت بـ "التاريخية"، حيث استطاع هذا الحزب إقناع عدد من الفرنسيين بخطابه الشعبوي التي يمكن تلخيصها في "إذا كانت فرنسا تعيش أزمة على كل المستويات، فإن السبب يعود بالدرجة الأولى إلى الأجانب وتحديداً الشريحة الإسلامية التي يستحيل عليها التكيف والاندماج في قيم المجتمع الفرنسي، وتسعى مقابل ذلك إلى فرض رؤيتها على بقية المجتمع وأسلمته وتطبيق الشريعة عليه".

ويرفع هذا الحزب حلولاً تدعو إلى الحد من الهجرة وإعطاء الأولوية للفرنسي في العمل والسكن والمساعدات الاجتماعية، وتكثيف السياسة الأمنية في مجال مراقبة "الأجانب"، والتخلي عن اتفاقية تشينجن المتعلقة بحرية تنقل الأشخاص والبضائع داخل الفضاء الأوروبي، والتركيز على البعد الوطني ومصالح البلد وسيادة الوطن بالدرجة الأولى وعدم الخضوع للضغوط الأوروبية وإكراهات العولمة.

صعوبة رفع تحدّي الخطاب الشعبوي

وتجد هذه المطالب آذاناً صاغية في ظل الأزمة الاقتصادية والأمنية الحالية، تضاف إلى الأزمة السياسية بسبب عجز الأحزاب التقليدية من يمين ويسار عن تقديم بدائل سياسية مقنعة.

والنتيجة نجاح حزب الجبهة الوطنية في كسب أصوات حوالي 7 ملايين صوت ناخب خلال هذه الانتخابات بنسبة 40% من مجموع الأصوات، مقابل حوالي 29% لليسار، و27% لليمين، وبالتالي فإن رصيد هذا الحزب يجمع بين صنفين من الناخبين: المؤيد لأطروحاته والمنتقد بل المعارض للسياسات الراهنة.

وهنا يتجلى التحدّي الذي تواجهه النخبة السياسية للحزبين التقليديين في السلطة والمعارضة، أمام صعوبة الحدّ من امتداد شعبية الحزب اليميني المتطرّف، وذلك بسبب ارتفاع سقف مطالبه التعجيزية من باب القضاء على البطالة وتوفير الأمن والسيطرة الكاملة على الحدود من ناحية وشعبوية خطابه بربط المشكلات بمسألة الهجرة والحضور الإسلامي من ناحية أخرى.

أزمة بدائل سياسية

هناك قناعة بأن السياسة بمواصفاتها وتطبيقاتها الحالية لم تعد جذابة لشريحة مهمة من الجماهير في الغرب بسبب اقترانها بالفضائح والبحث عن المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة، وتحتاج عملية استعادة الثقة في القيادات السياسية التقليدية إلى خطاب واضح ومبسط حول التحديات المستقبلية، ومراجعات كبرى في المناهج السياسية بالعودة إلى المبادئ والقيم وتنزيلها على الواقع، ولكن الجميع يعلم أن الأزمة السياسية الحالية عميقة؛ لأنها تنم عن عجز بيّن في تقديم بدائل سياسية.

أصبح التوظيف السياسي لصعود اليمين المتطرف عبر التهويل في التخويف من أخطاره أو محاولة السير في ركبه وتبني بعض أطروحاته هو حصان طروادة للبقاء في السلطة بالنسبة للأحزاب التقليدية في ظل هشاشة الأيديولوجية السياسية.

صراع الأحزاب

بالنسبة لليسار وعلى رأسه الحزب الاشتراكي الحاكم، يشدد على التمسك بمبادئ الجمهورية الفرنسية، وأهمها العلمانية والأخوة والعدالة والنظر إلى المجتمع الفرنسي بكل مكوناته، ويندد بخطاب حزب اليمين المتطرف القائم على الكراهية للآخر المختلف حضارياً حتى وإن لم يكن أجنبياً بما يهدد السلم الاجتماعي، وأما بالنسبة لليمين التقليدي المعارض فقد انطلقت عملية التنافس على أشدها بين أقطاب حزب الجمهوريين استعداداً لاختيار مرشح الحزب للرئاسيات وخاصة بين ساركوزي، الرئيس الفرنسي السابق والرئيس الحالي لهذا الحزب، وآلان جوباي، وزير سابق والرئيس الحالي لبلدية منطقة بوردو بالجنوب الغربي الفرنسي.

ويرى العديد من المراقبين أن جوباي هو الأكثر حظوظاً ليكون المرشح عن اليمين التقليدي وأساساً حزب الجمهوريين لخوض معركة الانتخابات الرئاسية القادمة.

هولاند يوظف مكاسبه السياسية

في انتظار ما سيتمخض عنه هذا الصراع السياسي بين الأحزاب التقليدية وداخلها، يستعدّ الرئيس الفرنسي الحالي هولاند للشوط الأخير من دورته الرئاسية الحالية، مستفيداً من الرصيد الشعبي الذي نجح في اكتسابه في المرحلة الأخيرة من خلال استغلال الأحداث الدامية في باريس من ناحية، والبروز بصفة "الحصن الآمن" للمجتمع، مستعملاً خطاباً حربياً، ومتخذاً جملة من الإجراءات الأمنية والعسكرية والدستورية التي كان لها وقعها على الضمير الجمعي للفرنسيين، ومن خلال استغلال "قمة المناخ" من ناحية أخرى، والتي أصرّ على انعقادها في موعدها، ووصف نتائجها بالنجاح الباهر لكل البشرية في حماية البيئة على مدى الأجيال القادمة.

عدد المشاهدات 1195

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top