النهضة الحديثة.. والإلحاد

09:27 12 نوفمبر 2017 الكاتب :   د. محمد أحمد عزب

 

 مساحة الشهوات والخوض في محرمات تحجرها الأديان أحد أسباب انتشار الإلحاد

الإلحاد يتبوأ المركز الثالث بعد النصرانية والإسلام في عدد المنتسبين له

بعد النهضة الأوروبية انطبع في ذهن المواطن الأوروبي أن الدين كان العائق الأكبر أمامها

مع بدء البعثات العربية لأوروبا بدأت موجات الإلحاد وتبني الأفكار الغربية تحط رحالها في ديار المسلمين

بعد فشل حملة «لويس التاسع» على مصر اتجه إلى العبث بمناهج التعليم حتى تسرب ذلك للغة القرآن

 

ليس الإلحاد مكتشفاً عصرياً، وليس وليداً للعقلية المعاصرة التي صنعت القنابل وارتادت الفضاء، بل هو قديم ضارب في عصور سابقة، فالزنديق والدهري والملحد مصطلحات لمراد واحد في لغة العرب، وهو الذي لا يتمسك بشريعة، ولا يؤمن بالآخرة، ويقول بدوام الدهر(1).

واضح مما سبق المساحة التي في الإلحاد التي تجعل بعض النفوس تميل إليه، فإنه يوفر مساحة للشهوات والخوض في محرمات تحجرها الأديان على أصحابها؛ وهو ما يفسر وجود الإلحاد وانتشاره، حيث يكثر في أزمنة ضعف الأديان، أو شيوع اتهامها بأنها خرافة أو تناسب العامة، واتهام الأنبياء والمصلحين بالكذب.

كما أن اختلاف المصطلح بين القديم والحديث لا يعني أن القوم اليوم وقفوا على حقيقة كانت مجهولة، أو توصلوا لشيء لم يعرفه الأقدمون، بل هي سلسلة تتكون في كل جيل، وتوجد أحياناً في كل زمان، وقد قال الله في المعاصرين للرسول صلى الله عليه وسلم: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) (الجاثية: 24) فما الإلحاد إلا هذا.

تتوارد الأخبار من شتى البقاع بناء على استبانات تقوم بها مراكز بحثية أن الإلحاد يتبوأ المركز الثالث بعد النصرانية والإسلام، في عدد المنتسبين له(2)، فكيف في عصر اكتشاف الإنسان ضآلة نفسه، واكتشاف الآيات في نفسه وفي الآفاق من حوله أن يتكاثر الرفاق حول ما يجب الفرار منه؟!

سلسلة الانهيار

حين درس القاضي عبدالجبار النصرانية، وأطال البحث فيها، وصل إلى نتيجة عبّر عنها بقوله: «إن الروم ما تنصرت ولا أجابت المسيح، بل النصارى ترومت وارتدّت عن دين المسيح، وعطّلت أصوله وفروعه، وصارت إلى ديانات أعدائه»(3).

لقد عرفت أوروبا مسخاً لا صلة له بدين الله تعالى على يد “شاول الطرسوسي”، الذي أفسد النصرانية بإدخال عادات الأوروبيين وتصوراتهم عن الحياة وعن الذات الإلهية إلى النصرانية، فصارت النصرانية مجموعاً من الوثنيات والتشريعات الرومانية وغيرها.

أتت على النصرانية عوادي الزمن، فتحكَّم رجال الدين والسلطة في شأن العامة والمجتمع، وصارت تصرفات الكنيسة على المستوى الديني والعلمي ضرباً من الشذوذ والنشاز، فأصدرت صكوكاً لغفران الذنوب، وجعلت دراسة الكتاب المقدس حكراً على القسس ومن تختار من غيرهم، ثم انتقم رجال الدين بأسوأ صور الانتقام من بعض العلماء الذين خرجوا على تفسيراتهم للظواهر الكونية في علاقة الأرض بالكون، فأحرقت جثث بعضهم وأحرقت آخرين أحياء، ونفت آخرين عن ديارهم.

من هنا “أصبح عداء الدين المتمثل في الكنيسة ورجالها أمراً لازماً؛ لأن هذا العداء هو أبسط تعبير عن الثورة ضد الذل والمهانة التي تفرضها الكنيسة على الكرامة الإنسانية، كما تفرضها على العقل الذي خلقه الله ليفكر لا ليمتهن”(4).

انبعاث موجة الإلحاد

انطلقت الثورة في أوروبا تحمل شعاراً هو «لن يتحرر الناس إطلاقاً إلا أن يشنق آخر ملك بأمعاء ومصارين آخر قسيس»(5)، انبعث العقل الأوروبي من ثباته، وأصبح أكثر جرأة وأكثر تحرراً، فحدثت اكتشافات علمية مبهجة، وانطبع في ذهن المواطن الأوروبي أن الدين كان العائق الأكبر أمام النهضة.

وتوالى ظهور المفكرين الأوروبيين الذين خاضوا في مسائل عديدة دارت كلها حول إقصاء الدين أو اعتباره مرحلة زمنية وسقطت، فظهر «ماركس» بمقولته المشهورة: «الدين أفيون الشعوب»، وجاءت العلمانية تتخذ من فصل الدين عن الحياة والدولة شعاراً لها، لقد ظهر كل فلاسفة عصر النهضة الأوروبية محملين بالفكر الإلحادي داعين إليه ممارسين له مثل «هيوم»، «أوجست كونت»، «فويرباخ»، «جون ديوي»، «برتراند راسل»، «كارل ماركس»، «فرويد».. وأصبح بعضهم يستبعد مفاهيم الدين والغيب من مجال البحث العلمي، بل أصبح الدين عندهم عنواناً على الخرافة، وما هو والوحي إلا وهم أو خداع، والواقع عنده هو مصدر المعرفة اليقينية.

وفي وسط هذا، استغل اليهود الأمر، ووظفوا تلك الأحداث «التي هيأتها لهم حماقة الكنيسة، فنفذوا كل ما في جعبتهم من مخططات الإفساد في الأرض، ونشر الإلحاد الذي هو هدف أساسي من أهدافهم»(6)، وقد جاء في بروتكولات حكماء صهيون: «يجب علينا أن نحطم كل عقائد الإيمان، حتّى لو كانت النتيجة المؤقتة لهذا هي إثمار ملحدين»(7).

بدأت موجات الإلحاد تعم المجتمع الأوروبي، وكان الإلحاد متجاوراً مع نهضة شاملة عمَّت أوروبا، خاصة وقد هيأت له الحياة الجديدة صوراً من الملاذ وإشباع الشهوات كان الدين حائلاً بينها وبينه، فضلاً عن تخلّصه من سلطة رجال الدين، ومشاركته في صناعة القرار بجوار السلطات التي يختارها.

العالم الإسلامي

كانت عوامل الوهن والضعف قد دبت في العالم الإسلامي، وعجز عن مجاراة الحضارة الأوروبية، فجاء من بث في جنباته أن احتذاء السلوك الأوروبي في إزاحة الدين وعدم التدين به هو طريق الخلاص (8).

مع بدء البعثات العربية لأوروبا، بدأت موجات الإلحاد وتبني الأفكار الغربية تحط رحالها في ديار المسلمين، وبدأت الأفكار الأوروبية المنابذة للدين تجد صداها في العالم العربي على طول امتداده، عزز من هذا الفجوة التي حدثت بين العالم العربي والإسلامي والنهضة الأوروبية المنبعثة كالفرس الجامح، كما كان الاستعمار الأوروبي الذي طوق العالم الإسلامي قد مكّن لأذنابه لاقتياد المجتمعات الإسلامية، ووضعهم في مراكز التوجيه، وهنا ننتقل إلى مسألة كانت مؤسسة للإلحاد ومزعزعة للدين.

في أواخر القرن السابع الهجري نزلت حملة “لويس التاسع” على مصر، وفشلت حملته فشلاً ذريعاً، وأيقن “لويس” وهو في أسره أن “المعالنة بالقضاء على الإسلام خطأ، ويوصي قومه باستبطان ذلك وإظهار غيره”(9)، وبدأت خطته في برنامج سار به المستعمرون من خارج ديار الإسلام، حيث بدأ بعد حين العبث بمناهج التعليم، وتقسيمه إلى مدني وديني، ثم نزع الدين منه نزعاً و”يكاد التعليم الثانوي والجامعي أن يقفر كل الإقفار من المعرفة الإسلامية النافعة، وقد نشأ عن ذلك أن قادة المسلمين - وجملتهم من هؤلاء - يحيون مقطوعي الصلات بدينهم، بل قد يضيقون به ويعملون ضده”(10)، ثم تسرب البلاء للغة القرآن فتم إقصاؤها، وصارت لغة المحتل هي لغة العلوم والتخاطب أحياناً، والمقصود بعد موت اللغة العربية - لا قدر الله - أن يوضع القرآن في المتاحف.

من هنا كان العبث يطال المناهج الدراسية بخطط المحتل، حتى نشأ من قال فيهم “زويمر”: إنكم أعددتم نَشْئاً لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي فقد جاء النشء طبقاً لما أراده الاستعمار لا يهتمُّ بعظائم الأمور، ويحب الراحة والكسل، فإذا تعلم فللشهرة، وإذا تبوَّأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهرة يجود بكل شيء.

لقد أسهمت المناهج التعليمية، وموجات الإعلام العاتية، وتصدر المثقفين الذين استنبتهم الغرب على عينه في تحويل مسار الأمة، حتى بدأت تيارات الإلحاد تتسرب داخل المجتمعات العربية والإسلامية، وتربى في حس بعضهم أن الإسلام سبب من أسباب التخلف، وموطن من مواطن البلاء، وهو الذي قال في دستوره للناس : (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ {20} وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ {21}) (الذاريات).

الهوامش

(1) تهذيب اللغة، وتاج العروس، والمطلع، والمغرب، مادة «زندق».

(2) https://www.alarabiya.net/articles/2012/12/19/255962.html

(3) تثبيت دلائل النبوة، ص 168.

(4) مذاهب فكرية معاصرة، محمد قطب، ص 74.

(5) قصة الفلسفة، ول ديورانت، ص 289.

(6) مذاهب فكرية معاصرة، محمد قطب.

(7) البروتكول الرابع عشر.

(8) انظر: مستقبل الثقافة في مصر، طه حسين، ص39.

(9) ظلام من الغرب، ص 117.

(10) المرجع السابق، ص 118.

عدد المشاهدات 424

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top