طباعة

    دلالات عدم تصويت البوسنة لصالح القدس بالأمم المتحدة

20:15 23 ديسمبر 2017 الكاتب :   مريم تولتش
بكر علي عزت بيغوفيتش

128  دولة صوّتت لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح الذي يدعو الولايات المتحدة إلى سحب اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل، بينما اعترضت 9 دول، وامتنعت 35 دولة عن التصويت لصالح القرار، ومن بين الدول الممتنعة البوسنة والهرسك.

امتناع البوسنة والهرسك عن التصويت يفتح الباب للحديث عن المأزق السياسي الذي يعيشه مسلمو البوسنة «البشناق» نتيجة اتفاقية دايتون التي وصفها الرئيس الراحل علي عزت بيغوفتش بقوله: "إن هذا قد لا يكون سلاماً عادلاً، ولكنّه أكثر عدلاً من مواصلة الحرب".

تلك الاتفاقيّة لا تمنحهم السيادة التي يستحقونها لكونهم أكبر مكوّن في دولة البوسنة، بل تمنحهم ثلث المجلس الرئاسي المكوّن من عضو من مسلمي البوسنة وعضو من كروات البوسنة وعضو من صرب البوسنة، وفي ضوء المادة الخامسة من الدستور البوسني أيضاً يحصل مسلمو البوسنة على ثلث البرلمان، مع أن نسبتهم تصل إلى ٥٢٪، ونسبة الكروات لا تتجاوز ١٥٪ والصرب ٣٣٪، وبالتالي فكلّ القرارات المتعلقة بالسّياسة الخارجية التي هي من صلاحيات المجلس الرّئاسي لابدّ أن تتّخذ بالإجماع بين الرؤساء الثلاثة، وهذا يجعل المواقف السّياسيّة الخارجية لدولة البوسنة أقرب للامتناع عن التّصويت نتيجة صعوبة الوصول للتّوافق وتعقيد الإجراءات الممكن اتّخاذها في حال إصرار أحد الرؤساء الثلاثة على إحالة الموضوع للبرلمان للتّصويت عليه.

لم يصدر توضيح رسميّ لموقف مجلس الرئاسة بالامتناع عن التّصويت، وإن كانت مصادر مقرّبة من عضو مجلس الرئاسة الممثّل للمسلمين «بكر علي عزت بيغوفيتش» ذكرت أنّه كان مع القرار، وأن توصيات وزارة الخارجية البوسنية كانت مع تأييد القرار. ولكن من جانب آخر، نشرت وسائل الإعلام رسالة بعثها رئيس كيان صرب البوسنة ميلوراد دوديك لملادين إيفانيتش، عضو مجلس الرئاسة ممثّلا لصرب البوسنة، يقول فيها:

تقديرًا لحساسية المشاكل الممتدة عبر السنين بين إسرائيل وفلسطين، وفي ضوء قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل البعثة الدبلوماسية للولايات المتحدة إلى القدس، أطلب منكم كعضو صربي في مجلس رئاسة دولة البوسنة، أن تبذلوا كل ما بوسعكم كي لا يدعم سفير البوسنة والهرسك في الأمم المتحدة قرار الجمعية العامة برفض قرار الرئيس الامريكي، جمهورية صرب البوسنة «صربسكا» وإسرائيل لهما علاقات ودية، ونحن نقدر أنه يجب التوقف عن أي عمل دبلوماسي للبوسنة والهرسك يمكن أن يقوض هذه الصداقة. أنا أفهم تماما تعقيدات الوضع في الشرق الأوسط، وأدعو إلى إيجاد حل سلمي للمشاكل بين اسرائيل وفلسطين.

ومعروف عن دوديك أنّه يشكّل الزّعامة الحقيقيّة لصرب البوسنة، ومعروف أيضًا متانة علاقاته مع إسرائيل فهو يكاد يكون الوحيد من الزعماء الأوروبيين الذي أبدى دعماً غير مشروط للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في ٢٠١٤، وفتح الأبواب لرجال الأعمال الإسرائيليين للاستثمار في أراضي كيان صرب البوسنة «صربسكا»، ويحاول بكلّ الطّرق استمالة جانب الولايات المتّحدة التي صنفته ضمن القائمة السوداء لأنشطته السّياسيّة التي تقوّض تطبيق اتفاقية دايتون.

امتناع البوسنة عن التصويت فيما يخص القضية الفلسطينية أمس ليس هو السابقة الأولى في الحقيقة، فقد قامت أيضًا بالامتناع عن التّصويت عام 2011، عندما تم طرح الاعتراف بدولة فلسطين في مجلس الأمن وكانت البوسنة والهرسك من ضمن الدول الـ 15 الأعضاء، ولكن لم يتمّ الإجماع عليه مع أن العضوين المسلم والكرواتي في مجلس الرئاسة كانا مع القرار ولكن العضو الصربيّ رفض القرار بأمر من زعيم صرب البوسنة دوديك.

ويؤشر قرارا الامتناع عن التّصويت إلى المعضلة التي يعانيها مسلمو البوسنة سببها حاجتهم إلى دعم قوة كبرى عالميّة، ففي حين تدعم روسيا الصرب ومن ورائهم صرب البوسنة، وتدعم ألمانيا ومن ورائها الاتحاد الأوروبي الكروات ومعهم كروات البوسنة، تقف الولايات المتّحدة موقف الدّاعم الأبرز لمسلمي البوسنة، فهي التي أوعزت بتدخّل الناتو الجوّي ضد الصرب الذي أوقف عمليّاتهم القتاليّة بعد مجزرة سربرينتسا عام ١٩٩٥، وهي التي ترعى اتفاقية دايتون.

ويتناقض هذان الموقفان بالامتناع عن التّصويت الذي من شأنه ألا يدعم مطالب الفلسطينيين مع الموقفين السّائدين لمسلمي البوسنة رسميّاً وشّعبيّاً، إذ شوهد ممثّل المسلمين البشناق في مجلس الرّئاسة بكر علي عزت بيغوفتش، وهو يتصدّر المسيرة الضّخمة المطالبة بإنهاء العدوان الإسرائيليّ على غزّة، وله مواقف واضحة مؤيدة لحقوق الشّعوب العربيّة، ويشترك في هذا مع عموم مسلمي البشناق الذين تنتابهم مشاعر جارفة تجاه القضيّة الفلسطينية، انطلاقًا من ثوابت إنسانيّة ودينيّة حملوها معهم على مرّ السّنين، فيذكر التّاريخ أن قسماً من المسلمين البشناق يمّموا وجههم صوب فلسطين للهجرة والاستقرار فيها بعد احتلال إمبراطورية النمسا والمجر لبلادهم عام ١٨٧٨، وتفاعلوا مع المجتمع العربيّ وذابوا فيه، وبقي اسم العائلة «بشناق» مذكّرًا بأصولهم وحبّ أجدادهم للأراضي المقدّسة.

وفي سنة ١٩٣١، عُقد في القدس «مؤتمر العالم الإسلامي»، وجاء وفد كبير من أعيان البوسنة والهرسك إلى فلسطين، للمشاركة فيه، يتقدم الوفد الدكتور محمد سباهو (وزير في مملكة يوغوسلافيا) وسالم مفتيش (مفتي سراييفو) ومحمد موغاييش (قاضي المحكمة العليا في سراييفو) والحاج مصطفى مرهميش. وكذلك كتيبة المجاهدين البشناق التي قدِمت بصحبة المفتي أمين الحسيني للدّفاع عن ثرى فلسطين وخاضوا معارك مشهودة، وقدموا مثالا للتضحية والشجاعة، واتقى منهم شهداء قدّر عددهم بـ 220 شهيدًا، وشاركوا في معركة القسطل، وفي معركة يافا، وفي معركة المالكية، ومعركة الشّجرة، ومعركة باب الواد.

----

* المصدر: موقع إضاءات (بتصرف في العنوان).

عدد المشاهدات 643

موضوعات ذات صلة