احتفال «ترمب» بالعيد اليهودي «الحانوكاه».. الدلالات والأبعاد

09:34 14 يناير 2018 الكاتب :   أ.د. فرست مرعي

 

 

الصهيونية تبالغ في الاحتفال بـ»حانوكاه» رغم أنها تؤكد انفصال اليهود ورفضهم التفاعل مع الحضارات الأخرى

احتفال «ترمب» بالعيد جاء بعد يوم واحد فقط من إعلانه القدس عاصمة أبدية وموحدة للكيان العبري

بينما يؤكد «ترمب» تمسك اليهود بعقيدتهم الدينية يحاول سلخ المسلمين من عقيدتهم المتمثلة بالقرآن والسُّنة

«ترمب» بحكم عقيدته البروتستانتية الإنجيلية مطّلع عن كثب على عقيدة وتاريخ اليهود

قرار الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لـ»إسرائيل» توطئة لتخريب «الأقصى» وإقامة «الهيكل»

 

 

بعد يوم واحد من توقيع الرئيس الأمريكي «دونالد ترمب» قرار الاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لـ»إسرائيل»، وتحديداً في 7 ديسمبر الماضي، جرى في منزل اليهودي «جارود كوشنر»، صهر الرئيس الأمريكي «ترمب»، احتفال رسمي بالعيد اليهودي «الحانوكاه» (عيد الأنوار)، بحضور أسرة الرئيس الأمريكي وبعض الساسة الأمريكيين، ومنهم نائب الرئيس الأمريكي، بالإضافة إلى الحاخام اليهودي الأمريكي «سولوفيتشك»، القائد الروحي العاشر لليهود منذ الثورة الأمريكية.

ألقى الرئيس الأمريكي «دونالد ترمب» كلمة بمناسبة الاحتفال بهذا العيد استهلها بقوله: «الليلة نحتفل بالقصة المذكورة ببيوت اليهود بأمريكا وحول العالم، قصة بدأت قبل أكثر من ألفي عام حيث قرر طاغية أن يعاقب احتفال اليهود بعيدهم بالموت، فدنس المعبد اليهودي بما في ذلك أقدس الأقداس؛ لكن عدداً من اليهود انتفضوا وهزموا جيشاً عظيماً وسريعاً استعادوا حريته؛ لكن معجزة المكابيين لم تنتهِ، فأثناء إعداد المعبد وجدوا مقدار زيت يكفي إضاءة مصباح لليلة واحدة، لكنهم سرعان ما اندهشوا عندما وجدوا أن المصباح استمر في التوهج طوال ثمانية أيام، وهذه علامة على وجود الرب في منزله، وإشارة لإيمان ومرونة اليهود، لديكم إيمان ولديكم مرونة، معجزة «الحانوكاه» هي معجزة «إسرائيل»، أحفاد إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، تحملوا اضطهاداً وظلماً لا يصدق».

وقال الحاخام «سولوفيتشك» في معرض جوابه على كلمة الرئيس «ترمب»: «إذا ذهبت للقدس اليوم سترى أنه بخلاف معظم يهود العالم الذين ينيرون الشموع داخل بيوتهم، فإنهم في القدس ينيرون الشموع كما كان يحدث في الأصل بالخارج بجوار أبواب بيوتهم، وما يمثله ذلك هو فكرة يهودية أمريكية أيضاً، وهي أنه عندما يغادر أهل الإيمان بيوتهم ويذهبون للميدان العام؛ فإنهم يأخذون معهم عقيدتهم وهويتهم الدينية، ولا يتركونها عند الباب عندما يخرجون إلى العالم، التبريكة التي نقرؤها هي التي تقال طبقاً للتعاليم اليهودية عندما نتلقى بشارات سعيدة».

واختتم الحاخام كلامه قائلاً: «يا ملاذي العظيم، يا خلاصي، إن الثناء عليك سعادة، أعد بناء بيت عبادتك وهناك سأقدم هدية الشكر، وعندما تكون قد أعددت الذبح للعدو المرتد ثم سأكمل غناء الترنيمة: تفاني المذبح».

عيد «الحانوكاه»

«الحانوكاه» كلمة عبرية تعني التدشين؛ أي بناء الهيكل اليهودي الثاني، الذي بناه «يهودا المكابي» سنة 160ق.م، وكان الهيكل الأول الذي بناه وفق معتقدهم نبي الله سليمان عليه السلام قد دمره الملك الكلداني البابلي «نبوخذ نصر» عام 586 أو 587ق.م.

فهو عيد يهودي يستمر ثمانية أيام من الخامس والعشرين من كسلو (الذي يقابل ديسمبر)، والعيد بحكم توقيته يمكن اليهود وبالذات الأطفال من الاحتفال بعيد يهودي في نفس الفترة التي يحتفل فيها المسيحيون بعيد الميلاد، والمناسبة التاريخية لهذا العيد هي دخول «يهودا المكابي» (167 - 160ق.م)، ابن «ماتيوس الحشموني» مدينة أورشليم وإعادته للشعائر اليهودية في الهيكل، ويقال: إن «يهودا المكابي» حينما دخل الهيكل وجد أن الزيت الطاهر (أي الذي يحمل ختم كبير الكهنة) لا يكفي إلا ليوم واحد، وكان من الضروري أن تمر ثمانية أيام قبل إعداد زيت جديد كما تنص التوراة، فحدثت المعجزة واستمر الزيت في الاحتراق لمدة ثمانية أيام بدلاً من يوم واحد، ولذلك صمم لهذا اليوم شمعدان خاص من تسعة فروع، ولأن هذه المناسبة تؤكد انفصال اليهود ورفضهم للاندماج والتفاعل مع الحضارات الأخرى؛ فإننا نجد أن الصهيونية تبالغ في الاحتفال به.

ويحتفل بالعيد في «إسرائيل» على أنه عيد ديني قومي، فتوقد الشموع في الميادين العامة، وتنظم مواكب من حملة المشاعل، وأثناء الاحتفال يصعد آلاف الشبان إلى قلعة «ماساداه»، وهي مقطع صخري مرتفع يقع في صحراء القدس بالقرب من الشاطئ الغربي للبحر الميت، ويمثل هذا المقطع الصخري بقايا مدينة حصينة يهودية يعود تاريخها إلى الهيكل الثاني، وهو يعتبر رمزاً للصمود البطولي وحب الحرية لمحاربي يهودا، وتبلغ مساحة قمة الجبل التي توجد فيها القلعة حوالي 80 دونماً، وطولها حوالي 600 متر، وعرضها يتراوح بين 130 – 240 متراً.

وترتفع عن سطح البحر 462 متراً، وتفصل بين هذه القمة ومجموعة الجبال المحيطة بها أودية عميقة، وكان «يوناتان الحشموني» قد بنى عليها حصناً عام 42ق.م، وزاد «هيرودوتس» من تحصينها وأقام لنفسه هناك قصراً فاخراً، وقد تمركز في قلعة «ماساداه» آخر المحاربين الذين ثاروا على الرومانيين، وقد حاصر الرومان القلعة مدة 3 سنوات، وعندما فقدوا الأمل انتحر المحاصرون وعددهم 960 شخصاً كان يقودهم «أليعيزر بن بائير»، وذلك يوم 15 أبريل 73م، وقد قصت النسوة والأولاد الذين اختبؤوا بقناة مياه ونجوا من الموت عملية الانتحار الجريئة، وفي العهد الروماني البيزنطي (70 - 635م) سكن هذا الجبل رهبان حيث أقاموا عليه كنيسة صغيرة.

في عام 1954م أقيم من جديد «طريق الأفعى» إلى الجبل، وفي عام 1955م قام سلاح المهندسين «الإسرائيلي» بإعادة ترميم القلعة، وجرت في المكان حفريات أثرية واسعة اكتشفت فيه خزانات مياه وأرزاق ومقر «هيرودوتس» وكُنَيس وقصاصات من كتاب التوراة وعملات وغير ذلك، وفي عام 1970م تم شق طريق إلى الموقع الأثري يبدأ من عراد وحتى الجانب الغربي من قمة الجبل، وفي عام 1970م تم تشغيل قطار هوائي من الجانب الشرقي للجبل.

دلالات كلمة «ترمب»

كلمة الرئيس الأمريكي «دونالد ترمب» لها أبعاد ودلالات كثيرة:

أولها: أنها جاءت بعد يوم واحد فقط من إعلانه القدس عاصمة أبدية وموحدة للكيان العبري.

ثانيها: أنه حاول اجتراح ما يسمى بالمعجزات التي حدثت في التاريخ اليهودي (مسألة الزيت المقدس الذي كان يكفي لإضاءة المصباح ليوم واحد، لكنهم سرعان ما اندهشوا عندما وجدوا أن المصباح استمر في التوهج طوال ثمانية أيام، وهذه علامة على وجود الرب في منزله).

ثالثها: أنه نسب إلى الطاغية، ويقصد به الملك السلوقي اليوناني «أنطيوخوس الرابع» (174 - 165ق.م)، معاقبة الشعب اليهودي عن طريق منعهم من إقامة شعائرهم الدينية، ومنعهم من الختان، ومن قراءة التوراة، ومن الحفاظ على قدسية يوم السبت، ومن إجبارهم على أكل لحم الخنزير، ومن إلغاء عبادة يهوه في الهيكل بأورشليم، وعبادة الإله زيوس اليوناني.. ونسي نفسه أنه طاغية متكبر حيث إنه يحارب عقيدة دين سماوي يصل عدد معتنقيه أكثر من 1700 مليون من البشر، ويتهمهم بالإرهاب وغيرها من المصطلحات الجاهزة في مطابخ الساسة الغربيين، وأنه لا يحترم عقائدهم ويتنكر لكل القرارات والمواثيق الدولية قبل السماوية!

رابعها: أنه يكيل مسألة ما يسمى بالفكر المستنير أو الليبرالي بمكيالين، فبينما يؤكد تمسك اليهود بهويتهم وعقيدتهم الدينية المبنية على التوراة والتلمود من خلال محاربة اليهود المكابيين بقيادة «يهودا المكابي» لبني جنسهم وقتلهم؛ لأنهم اغترفوا من الفكر اليوناني الهلليني ونبذوا عبادة إله اليهود (يهوه)، وساروا خلف الإله اليوناني (زيوس)، أي أخذوا بقيم الثقافة اليونانية – الهللينية؛ يحاول هو ودعاة التغريب ومن سار في فلكهم سلخ المسلمين من عقيدتهم وتاريخهم المتمثلة في القرآن والسُّنة عن طريق المجيء بإسلام متنور ليبرالي وفق الطراز الأمريكي!

خامسها: يبدو أن «ترمب» بحكم عقيدته البروتستانتية الإنجيلية مطّلع عن كثب على عقيدة وتاريخ اليهود، حيث تطرق في كلمته إلى تلك المعجزة سالفة الذكر.

سادسها: أن «ترمب» تكلم عن مرونة الشعب اليهودي، وأنه يشع ضياءً على العالم، وأن أعداء اليهود من اليونانيين دنسوا المعبد اليهودي، وينسى -أو يتناسى- أن اليهود ومستوطنيهم يدنسون اليوم الأماكن المقدسة الإسلامية بما فيها بيت المقدس، وأنهم يقتلون الفلسطينيين بدم بارد ويدمرون بيوتهم ويحرقون مزارعهم، دون خوف أو وجل، من دون استنكار المنظمات الدولية بل وحتى الشخصيات الدينية اليهودية التي تدعي قيم التسامح والعيش المشترك.

ولو اطلع الباحثون والمراقبون على تعاليم الكتاب اليهودي (التلمود) لوجدوا فيه المئات بل الآلاف من كلمات القتل والذبح والإرهاب، ومن الألفاظ البذيئة والمشينة بحق المسيحيين قبل المسلمين التي يعجز القلم من تردادها، وبالذات تجاه السيد المسيح عليه السلام وأمه الصديقة البتول السيدة مريم.

سابعها: أن الحاخام الأمريكي اليهودي «سيلوفيتشك» يشير في الغناء اليهودي المنسوب للحانوكاه «مائوز تسور» إلى إعادة بناء بيت الرب، يقصد به تخريب المسجد الأقصى وبناء ما يسمى بـ»هيكل سليمان» على أنقاضه، ويبدو أن قرار الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لـ»إسرائيل» توطئة ومقدمة لذلك؟

ثامنها: أن الحاخام المذكور تطرق في نهاية أغنية «الحانوكاه» إلى القول: «وعندما تكون قد أعددت الذبح للعدو المرتد، ثم سأكمل غناء الترنيمة تفاني المذبح.. ثم سأكمل غناء الترنيمة تفاني المذبح»، لو أن أحداً من المسلمين ذكر هذا في كلمة أو خطبة له لأقاموا الدنيا عليه واتهموه بالإرهاب وعدم التسامح!

إن القرار المشؤوم للرئيس الأمريكي المسيحي البروتستانتي «دونالد ترمب» في 6  ديسمبر 2017م الاعتراف بالقدس عاصمة للدولة اليهودية، جاء بعد مائة عام من الوعد المشؤوم الصادر عن وزير الخارجية البريطاني المسيحي البروتستانتي «آرثر بلفور» في 2 نوفمبر 1917م، الخاص بمنح أرض فلسطين لليهود، وكانت «إسرائيل» قد احتلت المسجد الأقصى في 7 يونيو 1967م.

عدد المشاهدات 245

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top