طباعة

    ذكريات ثورة يناير المصرية.. قمع وفرحة عارمة ودبابة وأحلام ضائعة

09:58 25 يناير 2018 الكاتب :  

كان مترجلاً مع رفيقه في أحد الشوارع المؤدية إلى ميدان التحرير، وسط القاهرة، صبيحة يوم الجمعة ٢٨ يناير ٢٠١١، بخطوة سريعة وحذرة لم يبطئ منها سوى بدافع الفضول لمعرفة ماهية تجمع عدد من الأفراد حول شخص يبدو من هيئته أنه قائدهم.

الحديث الذي أرهف السمع إليه كان لضابط شرطة مرتدياً الزي المدني، وجالساً على طاولة اتخذت من أحد أرصفة الميدان المصري الشهير مقراً لتوزيع المهام والمناطق على عناصر الشرطة، لتغطية الأماكن المتوقع أن تشهد تجمعات ومظاهرات احتجاجية في القاهرة ضد استمرار الرئيس الأسبق حسني مبارك في الحكم.

مواجهات وقمع

محمد العريان (صحفي - ٣٩ عاماً) يقول لوكالة "الأناضول": إن المناطق التي سمع الضابط يكلف بها أفراد الشرطة غطت جميع الميادين الرئيسة في القاهرة؛ ما يعني انتشار المظاهرات على نطاق واسع وهو ما أنار بداخلي "شعاع الأمل الأول لنجاح الثورة"، التي عانت خلال أيامها الثلاث الأولى من قمع وبطش ومواجهات عاتية بين المتظاهرين والشرطة.

وانطلقت الثورة بالتزامن مع احتفالات البلاد بعيد الشرطة، يوم ٢٥ يناير؛ احتجاجاً في جانب منها على انتهاكات الشرطة، غير أن سقف مطالبها ارتفع ليصطدم برأس السلطة، عبر المطالبة بالإطاحة بنظام مبارك (1981 - 2011).

تمر دقائق قليلة على هذا المشهد، وفق العريان، ليفاجأ بانقطاع الاتصالات تماماً، في تلك الجمعة، وعدم إمكانية التواصل مع باقي الرفاق، الذين اعتادوا التحايل على القيود التي فرضتها الأجهزة الأمنية، للمشاركة في المظاهرات، والوصول إلى ميدان التحرير، الذي اعتبروه قبلة الثورة ورمزها الأول.

في يوم ٢٨ يناير 2011، الذي سمي بـ"جمعة الغضب"، قطعت السلطات خدمات الاتصالات الجوالة والإنترنت حتى الساعة الحادية عشرة قبل منتصف الليل، لتعود خدمة الاتصالات الجوالة، بينما ظلت خدمات الإنترنت مقطوعة حتى يوم 2 فبراير ٢٠١١.

إحساس البهجة

وفق العريان، الذي شارك في الثورة المصرية منذ يومها الأول، فإنه في فجر يوم ٢٩ يناير انسحبت الشرطة من المشهد تماماً، ونزل بدلاً منها الجيش بالمدرعات العسكرية، التي قيل آنذاك: إنها تهدف إلى حماية المنشآت الحيوية، وليس قمع المظاهرات.

ويضيف الشاب المصري أن مشاهد تدوين الأطفال على الهيكل المعدني للمدرعات والدبابات عبارات تطالب بإسقاط النظام كانت ولا تزال أكثر المشاهد المبهجة في الثورة المصرية.

ويتابع: "أربعة أيام أخرى تمر على الثورة تتحول فيها المشاركة في مظاهرات واعتصام الميادين أشبه بالتنزه للمصريين في الساحات والميادين، وسط هدوء نسبي في الشوارع، ورغبة واضحة من السلطة في تقديم تنازلات لاسترضاء جماهير الثورة، الذين ازدادت أعدادهم أضعافاً عقب مواجهات "جمعة الغضب".

ويشدد العريان على أن ظهيرة يوم ٢ فبراير، والملقب بـ"موقعة الجمل"، استعادت بقوة ذكرى أيام الدماء الأولى بعد هدنة استمرت نحو أربعة أيام، من يوم ٢٩ يناير إلى ١ فبراير، لكنها كانت معركة فاصلة في إزاحة النظام السياسي، الذي فقد التعاطف معه نهائياً، بعد سقوط ضحايا جدد في ذلك اليوم.

وفي ذلك اليوم هجم مؤيدون لنظام مبارك، كان بعضهم يركب جمالاً، على المعتصمين في ميدان التحرير، على أمل تفريقهم، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك رغم وقوع اشتباكات دموية.

وبحكم عمله الصحفي تلقى العريان نبأ تنحي مبارك يوم ١١ فبراير داخل مكتبه في إحدى الدوريات المطبوعة، ذائعة الانتشار آنذاك، مفتخراً بصياغته مانشيت (العنوان الرئيس) للتنحي موقعاً عليه اسمه هو وأربعة زملاء آخرين.

ويقول العريان: "حبست أنفاسي حتى استكمل صياغة خبر التنحي واطمئن على ماكيت الجريدة، التي زفت الخبر بمانشيت "الشعب أسقط النظام"، وخرجت مسرعاً مع زملائي نحتفل في ميدان التحرير، ونردد الهتاف الأشهر وقتها: "ارفع رأسك فوق أنت مصري"، والذي كنا جميعاً نشعر بكل كلماته لا نردده فقط".

وبلغ عدد ضحايا الثورة المصرية نحو ٨٤٦ شهيداً، وفق إحصاء رسمي، لكن تقارير حقوقية محلية أفادت بسقوط حوالي ألف شهيد في جميع أنحاء مصر.

واستحوذت الأيام الأربعة الأولى من الثورة على النصيب الأكبر من الشهداء، نظراً لشدة البطش الأمني، قبل أن يتم اقتحام مراكز الشرطة، وإضرام النيران بالعديد منها، في الساعات الأخيرة من يوم ٢٨ يناير 2011.

أحلام ضائعة

بين دموع الفرح وقرارها الابتعاد عن السياسية، تقول هند مجدي، مدربة أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، لـ"الأناضول": إن سعادتها برؤية مئات الآلاف من المصريين في ميادين مصر، يطالبون بإسقاط النظام السياسي وتطبيق الحرية والديمقراطية، جعلها تذرف الدموع.

غير هند (28 عاماً) عادت واعتزلت السياسية بعد أحداث 30 يونيو 2013، قائلة: "أشياء كثيرة تحطمت بداخلي، أهمها الأمل والحلم، فقررت عدم المشاركة في أي فعاليات سياسية حتى يظهر أمل يجدد الدماء في عروقنا".

وفي ذلك اليوم خرجت مظاهرات معارضة لحكم محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً، وأخرى مؤيدة له، قبل أن يطيح الجيش بمرسي، في 3 يوليو 2013، بعد عام واحد من فترة رئاسية مدتها أربع سنوات.

الإطاحة بمرسي حين كان الرئيس الحالي، عبدالفتاح السيسي، وزيراً للدفاع، يعتبرها قطاع من المصريين "انقلاباً"، فيما يراها قطاع آخر "ثورة انحاز إليها الجيش".

وتتابع هند أن "المكاسب التي تحققت بعد الـ18 يوماً للثورة المصرية كانت هائلة (...) الآن لا ميادين ولا نقابات ولا حريات ولا مظاهرات ولا أمل في التغيير".

وبنبرة آسى وحزن شديدين تختم الشابة المصرية بقولها: "كان كلنا سعادة وأمل في أن نصنع حلماً وهدفاً مشتركاً، ونبني البلد ونُحسن من معيشة البسطاء بتحقيق العدالة الاجتماعية ورفع سقف الحريات في المجتمع، لكن ضاعت الأحلام".

عدد المشاهدات 483