طباعة

    الشباب ومجتمع المعرفة مفاهيم.. أفكار.. تجارب

08:40 25 أبريل 2018 الكاتب :   د. مصطفى جمعة

 

 

عدم مواكبة التغييرات الهائلة في موجات التقنيات العالمية جعل «نوكيا» تتراجع من صدارة الشركات إلى ذيلها

أثرياء العالم الآن هم المبتكرون ملاّك المعرفة وليسوا ملاك الأراضي والصناعات الثقيلة

مؤسس «فيسبوك» نموذج للنجاح المتوالي حيث أصبح أصغر ملياردير في العالم وعمره 23 عاماً

حجم العلم والمعارف كان يتضاعف في الزمن القديم كل ألف سنة والآن كل 73 يوماً

ليست المعرفة مجرد معلومات مبثوثة في الكتب والمراجع وإنما هي إلهام وتخييل للمخترعين

كيف يمكننا تغيير تحديات واقعنا العربي والإسلامي للفوز بأكبر قدر من المكاسب؟

 

لكي نفهم جيداً مصطلح «مجتمع المعرفة»، دعونا نستعرض قصة الهاتف «نوكيا» الشهير، وكيف كان مثالاً معبراً عن دور المعرفة صعوداً أو هبوطاً، فقد تأسست شركة «نوكيا» مبكراً في النصف الثاني من القرن التاسع عشر (عام 1865م)، في دولة فنلندا، وكانت متخصصة في صناعة الورق والاتجار به، ثم تحولت في مسيرتها الطويلة إلى تصنيع المطاط، ثم توليد الطاقة الكهربائية، وصولاً إلى إنتاج الأسلاك ومعدات الاتصالات والإلكترونيات، حتى تخصصت في عقد التسعينيات من القرن العشرين في تصنيع الهاتف النقال الذي حمل اسمها، وانتشر في العالم بشكل هائل، حتى أصبحت تستحوذ على 40% من حصة السوق العالمية في العام 2007م، واشتهرت فنلندا الدولة به (في مقابل 25% لشركة «موتورولا»، و14% لشركة «إريكسون»).

توقع محللون تضاعف حجم مبيعاتها في السوق في غضون ثلاثة أو أربعة أعوام، ولكنها تراجعت، حتى باتت في ذيل قائمة الشركات، لأن القائمين عليها لم يواكبوا معرفياً التغييرات الهائلة في موجات التقنيات العالمية، ولم يتوافر لهم الإبداع والتخيل العلمي وتلمّس حاجات المستهلكين وذائقتهم، وهو ما انعكس سلباً في القرارات الخطأ التي اتخذها «ستيفن إيلوب»، الرئيس التنفيذي للشركة، الذي شغله في أكتوبر 2010م؛ فمع كل يوم قضاه «إيلوب» على رأس الشركة كانت القيمة السوقية للشركة تنخفض بنحو 23 مليون دولار يومياً، ليكون واحداً من أسوأ الرؤساء التنفيذيين في التاريخ، والسبب ببساطة اقتصاره على نظام تشغيل وحيد، دون ابتكار(1).

إذن، المشكلة أساسها المعرفة والقدرة على الإبداع، وهذا ما يدفعنا لشراء هاتف نقال لا تتجاوز قيمة تصنيعه من معادن وبلاستيك وزجاج وأسلاك بضعة دولارات، ومع ذلك ندفع فيه مئات الدولارات ونحن راضون، بل ونركض خلف الجديد منه والسبب أن نشتري معرفة وتقنية وإبداعاً، ومعلوم أن «بيل جيتس» يربح في الثانية الواحدة 226 دولاراً، وقيمة شركاته (مايكروسوفت) تتجاوز ما تملكه دول الخليج النفطية ومعها اليمن والأردن مجتمعة، كل بضاعته برامج حاسوبية أساسها المعلومة والتخيل والإضافة!

ولنعلم أن  أثرياء العالم لم يصبحوا ملاك الأراضي والصناعات الثقيلة كما كان في الماضي، وإنما هم الآن المبتكرون ملاّك المعرفة المبتكرة، ويكفي أن أرباح شركة «سامسونج» في العام الواحد 327 مليار دولار.

نجاح «فيسبوك»

لنا في قصة “فيسبوك” نموذج للنجاح المتوالي، ففي العام 2003م أسس “مارك زوكربيرج” “فيسبوك” بالاشتراك مع كل من “داستين موسكوفيتز”، و”كريس هيوز”، وكلهم تخصصوا في دراسة علوم الحاسب، وكانوا رفقاء في سكن جامعة هارفارد بالولايات المتحدة، وكانت الفكرة بسيطة، واقتصرت عضوية الموقع بداية على طلبة جامعة هارفارد، إلا أنها تمددت بعد ذلك لتشمل الكليات الأخرى في مدينة بوسطن وجامعة آيفي ليج وجامعة ستانفورد، ثم اتسعت دائرة الموقع لتشمل أي طالب جامعي، ثم طلبة المدارس الثانوية، ثم انتشرت في العالم، وضمت آلاف المبرمجين المبدعين، ووصلت العضوية لعدة مليارات من سكان العالم.

أصبح “زوكربيرج” أصغر ملياردير في العالم وعمره 23 عاماً فقط، أما قيمة شركة “فيسبوك” العالمية فتقدر بأكثر من 200 مليار دولار، ويكفي أن الشركة اشترت تطبيق “واتساب” بمبلغ 19 مليار دولار عام 2014م، وكان عدد مشتركي “واتساب” فقط 500 مليون مشترك، وساعتها سخر بعض المستثمرين من “زوكربيرج”، نظراً لعظم المبلغ المدفوع، ولكن انظر إلى ما فعله مع “واتساب”؛ فقد طوّره من مجرد برنامج للرسائل الكتابية إلى اتصالات صوتية ومرئية وبريد متكامل، وتجاوز ملياراً و200 مليون مشترك، فانظر كم ستكون قيمته السوقية الآن، علماً أن ثمن المشترك العضو في “واتساب” 100 دولار، وحتى الآن التطبيق مجاني، بلا إعلانات ولا أنشطة ترويجية، فقط هو ثروة هائلة من المعلومات التي تباع لمن يريد معرفة توجهات المستخدمين الفكرية والسياسية والاجتماعية والتجارية.

المعرفة مفتاح الثروة

نحن إذن نعيش «مجتمع المعرفة» أو الثورة المعلوماتية، التي هي حالة الإبداع الفكري والعلمي والتقني، المبنية على التقدم المعرفي الهائل، الذي تعكسه ملايين المبتكرات والاختراعات، التي تتضاعف كل يوم(2)، ولكي تتضح الصورة أكثر فإن حجم العلم والمعارف كان يتضاعف في الزمن القديم كل ألف عام، وبدءاً من القرن السادس عشر بات يتضاعف كل مائة عام، ومع القرن التاسع عشر صار يتضاعف كل خمسين عاماً، ثم مع النصف الثاني من القرن العشرين، صار يتضاعف كل عشرة أعوام، ومع القرن الحادي والعشرين، باتت العلوم والمعارف تتضاعف كل 73 يوماً(3)، أي خمس مرات في العام الواحد، ليتسيد مفهوم أن «المعرفة قوة».

لقد كان الاقتصاد التقليدي معتمداً على إنتاج الموارد الطبيعية واستثمارها، في مجالات: الزراعة والصناعة والمناجم والتجارة.. إلخ، ولكن الثورة المعرفية أعطتنا رؤية مختلفة، فالمهم امتلاك المعرفة والقدرة على إنتاجها وتطبيقها، وستكون بعدها مالكاً للثروة، ويكفي أن دولاً كانت تعاني من شح الموارد الطبيعية مثل اليابان وكوريا الجنوبية، لكنهما امتلكتا ثروة بشرية ماهرة متقنة، وطاقات إبداعية متخيلة، فحولتا التراب إلى ذهب، وتربعتا على عرش الاقتصاد العالمي؛ لتكونا سبباً في تحول جذري ليعتمد الاقتصاد العالمي على ما يسفر عنه الإبداع المعرفي في البحوث المدنية والتكنولوجية، في تقديم الجديد من السلع والخدمات وتطوير طرق الإنتاج حيث تقدر المعرفة العلمية والتكنولوجية في بعض الدول بنحو ٨٠% من اقتصادها، فبات من الضروري ربط مجتمع المعلومات بتطوير نظم التعليم لتتيح فرصاً للفرد كي يتعلم ليعرف، ويتعلم ليعلّم، ويتعلم ليتعايش، ويتعلم ليبدع، ويتعلم لينتج(4).

فليست المعرفة مجرد معلومات مبثوثة في الكتب والمراجع، وإنما هي إلهام وتخييل للمخترعين، على اختلاف مستوياتهم وتخصصاتهم، المهم أن يفكروا في كيفية التطوير والإضافة.

ويكفي أن نعلم أن مجتمع المعرفة المعلوماتي يقدم الآن فرصة عمل واحدة بين كل أربع فرص جديدة؛ والإحصائية في ازدياد، ولننظر إلى التجارة الإلكترونية على الإنترنت كانت في العام ٢٠٠٣م حوالي 5 تريليونات دولار، أي حوالي 7.2% من حجم التجارة العالمية، واليوم تضاعفت 3 مرات(5).

الشباب العربي

ويكون السؤال: ماذا عنا في العالم العربي؟

والجواب: إننا في حاجة إلى سيادة مفاهيم جديدة في الاستثمار المعرفي والتحول إلى الاقتصاد الإبداعي في قطاعات من قبيل صناعة التكنولوجيات المتقدمة، والحرفيات الجديدة، وبرمجيات الخدمات التجارية والمالية، وصناعة المنتجات الثقافية والفنية، وكل هذا يتوقف على طاقة البشر الإبداعية أفراداً كانوا أو جماعات، فتلك هي الثروة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين(6).

وهذا يعني توجيه العناية إلى الاستثمار في البشر وليس الحجر، وإيقاف نزيف العقول المهاجرة، فلا بد من تطوير طاقات الشباب وقدراتهم، عبر تسليحهم بفكر مجتمع المعرفة ومهاراته، ودمجهم في مشروعات التنمية المستدامة، في ظل الفجوة المعرفية الهائلة التي تفصلنا عن الدول المتقدمة، التي يمكن أن نتلافاها في حالة وجود الإرادة والتخطيط، وتحويل فكرنا اليومي من سؤال: كيف نتكيف ونتابع منجزات الثورة المعرفية والمعلوماتية؟ إلى سؤال: كيف يمكننا تغيير تحديات واقعنا العربي والإسلامي للفوز بأكبر قدر من المكاسب؟(7)، والتحدي مطروح على الشباب العربي، الذين يشكلون 70% من نسبة سكان العالم العربي.

ومن هنا، فإن الشباب العربي يحتاج إلى فكر جديد، يحقق به ذاته، بعيداً عن الركض خلف الوظيفة الحكومية، وما شابها من فرص عمل تقليدية، أو السعي إلى  الهجرة، فيكفيه أن يبدع في ضوء المتاح من إمكانيات بيئته، المهم التفكير والسعي، والعمل الذي لا يكل، ولا يحقرن من الإنجاز شيئاً وإن صغُر.

وهذا يستلزم التسلح بمهارات التعلم الذاتي مدى الحياة، فالمتعلم يحتاج إلى تنمية ملكاته الشخصية، وإيجاد مصادر المعلومات الملائمة له التي تخدم احتياجاته، ومن الضروري توافر الخبرات اللازمة لمواءمة تعلّم الفرد مع خبراته ومرحلته العمرية، ويمكن أن تضطلع بهذا مؤسسات التعليم التقليدي إلى جانب المكتبات والجمعيات المهنية مع مؤسسات التعليم الذاتي في دعم مجتمع المعرفة الجديد، كما يجب أن يتعلم الشاب كيفية الشراكة في استقاء المعرفة عند السعي إلى استكمال فكرة، أو المضي قدماً في تطبيق نظرية أو تحقيق إستراتيجية، كما أن النجاح في الابتكار يحتم على الأفراد ألا يعملوا وحدهم بشكل فردي، بل عليهم تعلم فنون الشراكة والعمل ضمن فريق من خلال التبادل المعرفي بما يعود على الجميع بالفائدة(8).

يونس وبنك الفقراء

ولنا في قصة العالم البنجالي المسلم محمد يونس، الحائز على جائزة «نوبل»، مثالاً رائعاً في تحويل المعرفة إلى فكرة فردية ثم عمل جماعي، ثم منظومة اجتماعية؛ فقد ولد يونس عام 1940م بمدينة «سيتا جونج»، وهي مركز تجاري لمنطقة البنجال شرقي الهند، وكان الده يعمل في صياغة الذهب، وهو ما جعله يعيش في رخاء نوعي، وقد اهتم الوالد بتعليم أبنائه لأعلى المستويات التعليمية، أم الأم صفية خاتون كان لها أثر كبير في نفس ابنها محمد، لأنها كانت لا ترد سائلاً فقيراً يقف ببابها، فتعلّم يونس أن  الإنسان لا بد أن تكون له رسالة في حياته.

حصل يونس عام 1965م على منحة من مؤسسات “فولبرايت” الأمريكية لدراسة الدكتوراه، وفى فترة تواجده بأمريكا، ساند موقف بلاده في حربها للاستقلال عن باكستان، ثم عاد لبنجلاديش المستقلة حديثاً عام 1972م، ليصبح رئيساً لقسم الاقتصاد في جامعة شيتاجونج، وليشاهد بعينيه تفاقم معاناة الناس في بلاده، وحدوث مجاعة راح ضحيتها مليون ونصف مليون إنسان، ففكر كيف يستغل علمه الاقتصادي لعلاج الفقر المدقع، فحاول إقناع البنك المركزي والبنوك التجارية لوضع نظام لإقراض الفقراء دون ضمانات، وهو ما دعا رجال البنوك للسخرية منه، زاعمين أن الفقراء ليسوا أهلاً للاقتراض، فاضطر يونس لتنفيذ الفكرة بنفسه، فاقترض قرضاً خاصاً ليبدأ به مشروعه في قرية “جوبرا” بمساعدة طلابه، ومضى في متابعته ودراسته من عام 1976 حتى 1979م، وقد نجح مشروعه نجاحاً باهراً وغيّر حياة 500 أسرة فقيرة.

وفي عام 1979م اقتنع البنك المركزي بنجاح الفكرة وتبنى مشروع “جرامين” (مشروع القرية)، وفي عام 1981م زاد من حجم المشروع ليشمل 5 مقاطعات، وقد أكدت كل مراحل المشروع مدى فاعلية نظام القروض متناهية الصغر في العمل والإنتاج، حتى وصل عملاء البنك “المشروع” عام 1983م إلى 59 ألف عميل، ووصل الآن إلى 8 ملايين عميل، تشكل النساء ما نسبته 98% منهم، وقد طور يونس شبكة ضخمة من البرمجيات والأجهزة الذكية والموظفين والمرشدين المدربين لمعاونته(9).

اعتمدت فكرة يونس على توظيف المعرفة اقتصادياً، وبرؤية إسلامية، بدون ضمانات، وتوجه لكل راغب في العمل والاستثمار في الزراعة وتربية المواشي والطيور، والصناعات والتجارة، وهي مجالات تزيد الإنتاج، ويمكن القيام بها في المنازل، وتجعل الأيدي طالبة الصدقات عاملة منتجة تكفي حاجتها.

إن مجتمع المعرفة يحتاج عقولاً متطلعة لكل جديد في العلم ومهارات الحياة، ونفوساً ترنو إلى المستقبل، ولا تركن للكسل، وقلوباً متشوقة للنجاح والتميز والعطاء.

الهوامش

(1) انظر تفصيلاً: «نوكيا» قصة غيرّت مسار الصناعة في العالم، http://www.alyaum.com/article/1145116،

وأيضاً من قتل نوكيا؟ بيكا نيكانين وميرينا سالمينين، http://www.aljazeera.net/news/scienceandtechnology/2014/10/16

(2) مجتمع المعرفة: مفاهيم أساسية، د. ربحي عليان، أبحاث المؤتمر(23)، لعلوم المكتبات ومصادر المعلومات، قطر، 2012م، ص2131.

(3) السابق، ص2132.

(4) مجتمع المعرفة العربي ودوره في التنمية، مجلس البحث العلمي، جامعة الملك عبد العزيز، الرياض، 1425هـ، ص (ع).

(5) السابق، ص43.

(6) تقرير عن الاقتصاد الإبداعي: سبل تعزيز التنمية المحلية، منظمة اليونسكو، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2013م، ص15، 16.

(7) تقرير المعرفة العربي: الشباب وتوطين المعرفة، 2014م، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، دبي، ص2، 3.

(8) مجتمع المعرفة العربي ودوره في التنمية، م س، ص46، 47.

(9) للمزيد انظر: تجربة بنك الفقراء، د. مجدى سعيد، الدار العربية للعلوم ناشرون، 2016م.

عدد المشاهدات 2553