طباعة

    د. ياسين أقطاي يكتب: تركيا الجديدة.. ومستقبل التحالفات الإقليمية والدولية

20:05 11 يوليو 2018 الكاتب :   د. ياسين أقطاي

عقدت مجموعة التفكير الإستراتيجي التي تشارك بها 22 مؤسسة فكرية من عدة بلدان إسلامية، وكنت شخصيًّا واحدًا من مؤسسيها، ويرأس محمد سالم الراشد، رئيس تحرير مجلة "المجتمع" الكويتية، هذه المجموعة التي تعقد اجتماعات دورية في إسطنبول لمناقشة الأحداث التي يشهدها العالم الإسلامي بغرض تطوير أفكار وخبرات ومقاربات مشتركة بين المسلمين، عقدت اجتماعاً، أمس الثلاثاء، لمناقشة النتائج الدولية للانتخابات التركية الأخيرة.

وكما قلت سابقًا، فإنّ تركيا تحظى حاليًّا بمتابعة الجميع باهتمام أكبر مما نتوقع. وإن الأفكار التي وضعها من ينظرون إلى تركيا بتعاطف كبير، مثل البعض في الداخل، تهدف لإيجاد وإنتاج إستراتيجية مؤثرة ومعقولة من أجل تركيا، فهم يفكرون باسم تركيا ومن أجلها، لكنهم ربما يشعرون بجميع المخاطر والتهديدات التي تواجهها بقلق أكبر من القلق الذي يحمله الأتراك أنفسهم، ويرونها بشكل أفضل ويستطيعون التعبير عنها بأريحية أكبر، ومن جانبي أعتبر قدرتهم على التعبير بأسلوب لطيف عن المخاطر أو التهديدات أو حتى المصاعب الصادرة عن أنفسنا وكثيرًا ما نراها لكن نخشى الاعتراف بها، أعتبرها –في حقيقة الأمر– فرصة في حد ذاتها يمكن استغلالها، فالواحد منا يرى أن وجهة النظر الجماعية هذه يمكن أن تكون مرآة متميزة تعكس عيوبنا.

ألقيت في هذا الاجتماع كلمة حول "تركيا الجديدة ومستقبل التحالفات الإقليمية والدولية"، وأما السؤال الذي كان يوجه دفة هذه الكلمة فكان بشأن ما إذا كنا سنشهد تغييرًا جذريًّا في سياسة تركيا الخارجية مقارنة بالماضي مع انتقالها إلى النظام الرئاسي؟ هل سنشهد نقطة انطلاق جديدة أو مختلفة من نطاق العلاقات المتوترة نسبياً التي تربط دول المنطقة وكذلك الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حالياً بتركيا التي يديرها حزب العدالة والتنمية الذي كان قد بدأ رحلته وهو يحمل فكرة "تصفير المشكلات" أو يبحث عن كيفية تطبيقها؟

لا شك أن هذا السؤال يتطلب ملاحظات طويلة، وأما جوابه فيستلزم إعادة النظر بجميع سياسات تركيا الخارجية؛ إذ يجب تقييم علاقة تركيا بـ"إسرائيل" والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج ومصر وسورية والعراق وروسيا كل على حدة، وربما تكون العلاقات مع العديد من الدول تتطور بشكل مرتبط بالعلاقات مع دول أخرى، فالعلاقات مع مصر تؤثر في العلاقات مع دول الخليج، كما أن المسائل التي تتورط فيها الولايات المتحدة في سورية والعراق تؤثر في علاقته بتركيا، ولهذا من المستحيل أن تعود العلاقات مع أنقرة إلى مجراها الطبيعي طالما لم تغير سياستها هناك.

أولاً: لقد ساهم تبكير الانتخابات قرابة عام ونصف العام في الحيلولة دون ظهور تركيا التي يقودها أردوغان بمظهر "البطة العرجاء"، لتتمكن أنقرة من تحقيق ميزة كبيرة للغاية في السياسة الخارجية، فهذه الوضعية ستضمن قيام الجميع في السياسة الخارجية بعمل حساباته وفق مخاطَب قد حل مشكلة إدارة بلاده لخمس سنوات على الأقل ولا يعاني من أي مشكلات استقرار، ومن هذه الزاوية يمكن أن نرى جيداً إلى أي مدى كان قرار الانتخابات المبكرة صائباً بالرغم من كل المخاطر التي كان ينطوي عليها.

ثانياً: عدم تغيير وزير الخارجية في الوزارة التي أعلنها الرئيس أردوغان يمكن تفسيره بأنه رسالة تريد تركيا إيصالها مفادها أنها ستستمر في انتهاج السياسة ذاتها في السياسة الخارجية خلال المرحلة المقبلة (الأمر ذاته ينطبق على وزارة الداخلية)، فمولود جاويش أوغلو هو شخصية تمثل الفكر الذي تتبناه أنقرة في السياسة الخارجية منذ البداية.

لقد قدمت تركيا، منذ البداية، نموذجاً استثنائياً في السياسة الخارجية يهدف لتحقيق التوازن بين مصالحها الشخصية ومبادئها الإنسانية، فهي من ناحية لم تتخلَّ عن مبادئها من أجل مصالحها، ومن ناحية أخرى ربحت على المستويات كافة من خلال موقفها المبني على المبادئ، وفي نهاية المطاف نقلت هذه السياسة تركيا إلى النقطة الحالية التي لا تعتبر نقطة يمكن الشكوى بحقها في أي تقييم خاص بتركيا، فنتيجة لهذه السياسة الخارجية أصبح الاقتصاد التركي رقم 17 بين أكبر اقتصادات العالم، وهو ما يعني أنه تضاعف 4 أضعاف منذ تولي حزب العدالة والتنمية مقاليد الحكم قبل نحو 16 عاماً.

ترتبط تركيا بعلاقة تحالف مع الولايات المتحدة، لكن ثمة مشكلات كبيرة بين الدولتين، ولا شك أن هذه المشكلات وقعت بسبب واشنطن التي تتعاون مع تنظيمات إرهابية تقاتل ضد حليفتها تركيا، وهو ما أفضى إلى ظهور مشكلة ثقة خطيرة بين الجابين، ستجبر تركيا الولايات المتحدة على تغيير هذا الموقف، وستتاح أمامها خلال العهد الجديد فرصة التعبير عن نفسها بشكل أفضل وتوجيه واشنطن إلى الطريق القويم.

ويجب على الجميع أن يتوقعوا أن تتخلى تركيا عن حقوق أفضل في مجال السياسة الخارجية إذا ما أصرت الولايات المتحدة على موقفها الحالي.

نرى جميعاً أن هناك مخاوف حول تشكل محور معاد لتركيا داخل واشنطن بسبب إقدامها على شراء منظومة صواريخ "إس-400" من روسيا، ولا يمكن للجانب التركي أن يفهم هذا الأمر، فبأي حق يمكن للولايات المتحدة الاعتراض على بحث تركيا عن طريقة جديدة للحصول على منظومة دفاع صاروخي تحتاج إليها في حين لم ترضَ واشنطن بيعها إياها بإصرار وحجج واهية؟ ومن الواضح أن البعض يتصورون صورة معلومة للعلاقات التركية – الأمريكية، لكن تركيا الجديدة ترفض هذه الصورة.

ومن ناحية أخرى، ثمة عدة عوامل تؤثر في علاقة تركيا بدول الخليج، ومن بين هذه العناصر نذكر إيران ومصر وقطر وفلسطين والإخوان و"إسرائيل" والولايات المتحدة، فداخل شبكة العلاقات هذه العلاقات مع جانب تؤثر في العلاقات مع الجانب الآخر، ولهذا من المستحيل المحافظة على علاقات متميزة مع الجميع، فتركيا تهتم بإجراء مع جميع الأطراف من أجل عالم يربح فيه الجميع ويعيشون بسلام وتفاهم.

ولهذا السبب تحديداً يكون على المرء أحياناً أن يفاضل بين الأشياء، كما أنه ليس من السهل أبداً رعاية المصالح مع تجنب انتهاك المبادئ، بيد أن تركيا تسير في هذا الطريق الوعر.

إن تركيا الجديدة ستتميز بنظامها الجديد وفعاليتها على اتخاذ القرار وتطبيقه بسرعة وسلاسة؛ إذ إنها ستحجز لنفسها مكاناً على الساحة الدولية كعنصر مؤثر في السياسة العالمية بفضل قوتها وطموحاتها ومبادراتها المتجددة على الدوام.

عدد المشاهدات 1312