طباعة

أصوات مسيحية تتعالى بضرورة الإصلاح الكنسي العاجل..
    هل يتزلزل الإيمان القبطي بجرائم الرهبان؟

14:05 01 سبتمبر 2018 الكاتب :   تحقيق: ياسين عبدالمنعم

 


- جريمة قتل الراهب إبيفانوس تكشف عن جذور قديمة لصراع حاد بين تيارين قويين داخل الكنيسة

- الراهب القاتل كان سمساراً للأراضي المجاورة للدير ويتحصل على مكاسب مادية من ملاكها البدو 

 - نشطاء: سبب هذه الجرائم خطاب متطرف داخل الكنيسة الأرثوذكسية وتبادل الاتهامات بالهرطقة 

 - وقائع الانتحار والقتل أثارت تساؤلات حول ما يجري داخل الأديرة التي يصفها البعض بدولة داخل الدولة!

 

 

يعتقد كثير من النصارى في مصر بعصمة وقداسة الرهبان، فهم الناس الذين اختاروا اعتزال الدنيا وزينتها –باعتقادهم- ليمنحهم ذلك سمواً على الآخرين، غير أن اعتراف راهب بقتل رئيس دير، ثم توالي اكتشاف ثروات ضخمة لهذا الراهب وآخرين، كرّسوا حياتهم لجمع الأموال من أعمال السمسرة، حطم هذه الأسطورة في قلوب الكثيرين، وهز إيمان معظم الأقباط في قداسة ومعصومية الرهبان.

اعترف الراهب إشعيا المقاري أمام النيابة بارتكابه، مؤخراً، جريمة قتل الأنبا إبيفانوس، أسقف ورئيس دير الأنبا مقار بوادي النطرون بمصر.
ويرى معنيون بالشأن القبطي أن الجريمة تكشف عن جذور قديمة ترجع إلى صراع حاد وعميق بين تيارين قويين داخل الكنيسة، يهدد بزلزلة الإيمان الأرثوذكسي.
ونفذ الراهب إشعيا الجريمة بمساعدة الراهب فلتاؤس المقاري الذي قيل: إنه حاول الانتحار بعدما تم توجيه الاتهام له، وهناك أكثر من شاهد من داخل دير أبو مقار وخارجه أكدوا أن الراهب كان يهدد رئيس الدير بالقتل لوجود خلافات مسبقة بينهما.
وتداول الأقباط معلومات تفيد أن الراهب القاتل كان "سمساراً" يسوق الأراضي المجاورة للدير، ويتحصل على مكاسب مادية من ملاكها البدو، مشيراً إلى علم الآباء بالدير والأنبا تواضروس بطريرك الكرازة المرقسية بالمخالفات المالية للراهب داخل الدير.
وجرى اتخاذ قرار تجريد الراهب إشعياء من دير أبو مقار أكثر من مرة، ولكن اعتراض الرهبان كان يعرقل تنفيذ القرار.
والراهبان (القاتل والمقتول) من المنتمين لمدرسة شنودة الفكرية، ودخلا الدير في دفعه 2010 "لمحاولة شنودة السيطرة على الدير" بحسب مراقبين أقباط، رصدوا سلسلة من التحريض على الدير وعلى الراهب إبيفانوس، وتزعمت هذه المدرسة خطاب التحريض، وهي مجموعة تطلق على نفسها "حماة الإيمان".
وهناك العديد من المؤشرات على استمرار الصراع القديم المستعر داخل الكنيسة الرسمية، الذي بدأ فترة البابا الراحل شنودة، مع كبير رهبان الأديرة الأب الراحل متى المسكين.
تبعات خطيرة
وتوقع مراقبون للشأن القبطي وقوع تبعات كثيرة لهذه الجريمة داخل الكنيسة، مع تغييرات لقيادات كنسية، خصوصاً من الحرس القديم، ومن رجال الأنبا شنودة، ومن الأسماء المرشحة للإطاحة بهم الأنبا موسى، أسقف الشباب، وسيتم استبدال الأنبا باڤلي أسقف المنتزة بالإسكندرية الفتي المدلل للبابا تواضروس به.
وأرجع نشطاء وقوع مثل هذه الجرائم داخل الأديرة إلى "خطاب متطرف شائع داخل الكنيسة الأرثوذكسية وتبادل الاتهامات بالهرطقة".
وفي بيان لها، ذكرت الكنيسة المصرية عقد اجتماع ناقش انضباط الحياة الرهبنية والديرية في ضوء مقتل الأنبا إبيفانوس، وجاء في البيان أنه بعد الصلاة والمناقشات الواسعة تم إصدار 12 قراراً يتعلق بالرهبنة، منها وقف رهبنة أو قبول إخوة جدد في جميع الأديرة القبطية الأرثوذكسية داخل مصر لمدة عام يبدأ من أغسطس 2018م.
أما الأماكن التي لم توافق البطريركية على إنشائها كأديرة فسيتم تجريد من قام بهذا العمل من الرهبنة والكهنوت والإعلان عن ذلك، مع عدم السماح بأي أديرة جديدة إلا التي تقوم على إعادة إحياء أديرة قديمة، ويتم ذلك من خلال رعاية دير معترف به (عامر).
كذلك تقرر تحديد عدد الرهبان في كل دير بحسب ظروفه وإمكاناته، وعدم تجاوز هذا العدد لضبط الحياة الرهبانية وتجويد العمل الرهباني، مع الاهتمام والتدقيق بحياة الراهب والتزامه الرهباني داخل الدير، واهتمامه بأبديته التي خرج من أجلها، مع حظر الظهور الإعلامي للرهبان، وإغلاق صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وتجريم التورط في أي معاملات مالية. 
وتحددت زيارات الأقباط للأديرة في أوقات محددة من كل أسبوع، والتحذير من زيارة الأماكن غير المعترف بها، وهي مسؤولية الإيبارشيات والكنائس.
دفاع كنسي
من جانبه، استهجن الأنبا يؤانس، أسقف أسيوط وتوابعها، اهتزاز إيمان بعض المسيحيين، وإدانتهم للراهب القاتل، مؤكداً أن سجن الراهب القاتل هو فرصة له للتوبة، وربما تاب القاتل قبل إعدامه ليجد ضحيته الراهب المقتول منتظراً إياه في السماء بعد إعدامه ليشكره المقتول على قتله لأنه منحه ميزة الشهادة فيعانقه القاتل في امتنان على أنه منحه فرصة التوبة في السجن، بحسب كلامه!
وفي عظته الأسبوعية بكنيسة نهضة العذراء -قبل اعتراف الراهب القاتل- دعا الأنبا أغاثون لحماية الإيمان المستقيم، وعدم الاستماع للمهرطقين، مؤكداً أن الرهبان فوق مستوى الشبهات، مطالباً الإعلام بعدم التدخل في شأن الأديرة لخصوصيتها.
ويقول الناشط القبطي باسم الجنابي: إن التكهنات بشأن التحقيقات بدأت منذ أن ذكر أشعياء المقاري (اسمه الحقيقي وائل) اسم أرميا في التحقيقات؛ ما تسبب في استدعائه، وتصل التخمينات إلى أن أجهزة الدولة رصدت الإشاعات بتعذيب أحد الرهبان، ونجحت في التوصل إلى أن الأنبا أرميا هو مصدرها كضربة استباقية للتشكيك في أقوال وائل.
وأثارت وقائع الانتحار أو القتل ومحاولات الانتحار تساؤلات شتى حول ما يجري داخل الأديرة، التي يصفها البعض بدولة دخل الدولة، وأورد موقع "اليوم السابع" المقطع التالي في سياق الحديث عن محاولة الراهب فلتاؤس الانتحار بالدير الذي شهد مقتل رئيس وأسقف الدير: "وفي غرفة الرعاية المركزة، ظهر أحد أفراد أسرته، وأعرب عن قلقه على الراهب، مبدياً عدم تصديقه لمحاولة انتحاره التي اتفق عليها الجميع، ومؤكداً أن الأسرة ستبقى معه في المستشفى خوفاً على حياته، خاصة أنه يعاني من حروق في الساق، على حد تعبير قريبه".
جذور الصراع
ويعود الناشط ميشيل لطيف بهذه الوقائع إلى جذور سابقة، حيث فترة الصراع في السبعينيات بين الأنبا شنودة والأب متى مسكين الذي شغل منصب آخر رئيس لدير أبو مقار، وكان من أهم المنظرين اللاهوتيين، وله كتب كثيرة ومترجمة، وكان دائم الصدام مع شنودة بسبب آراء لاهوتية من جهة، وآراء سياسية من جهة أخرى. 
وللأب متى كتاب مهم جداً اسمه "الكنيسة والدولة"، ينتقد فيه تدخل الكنيسة في السياسة أو توجيهها للأقباط اجتماعياً وسياسياً، وبعد وفاته تحول دير أبو مقار للرهبان التابعين لمتى المسكين، وهو الدير الوحيد في مصر الخارج عن سلطة الكنيسة إدارياً ومالياً، وتتواجد فيه كتب الأب متى المسكين الممنوعة في مكتبات باقي الكنائس والأديرة باعتبارها بدعاً وانحرافات عن الإيمان الأرثوذكسي، طبقاً لرأي شنودة.
والراهب المقتول تلميذ متى المسكين، وكان رئيس الدير من بعده، وكان من أكثر اللاهوتيين ثقلاً؛ إذ قام بتأليف عدة مؤلفات جرى ترجمتها لعدة لغات.
ولفت لطيف إلى أنه بعد موت شنودة وتولي تواضروس اندلع انقسام داخل المجمع المقدس، وبات هناك تيار جديد منفتح على الكنائس الأخرى، كما برز الحرس القديم من رجال شنودة، على رأسهم الأنبا بيشوي (المعروف بتطرفه)، وكذلك الأنبا موسى.
ومنذ أكثر من عام، زار بابا الفاتيكان مصر، وجرى توقيع قرار تاريخي ينص على "وحدة المعمودية"، وهو ما له انعكاسه على الزواج بين الطوائف المختلفة؛ الأمر الذي كان يرفضه شنودة.
وهوجم تواضروس بشدة من الحرس القديم بسبب اتجاه التجديد بالذات من مجموعة "حماة الإيمان" المتطرفة المدعومة من الأنبا موسى، ووصلت الاتهامات لتواضروس بالانحراف عن نهج شنودة والهرطقة، وبرز الخلاف بين تواضروس، وموسى -رغم نفيه علناً- بغياب موسى عن اجتماع المجمع المقدس الأخير بحجة أنه مسافر للعلاج، حسب لطيف.
ويرصد لطيف أن مجموعة "حماة الإيمان" ركزت هجومها خلال الفترة الأخيرة على الأنبا إبيفانيوس (القتيل) ووصفه بالمهرطق.
ويؤكد أن تنفيذ رهبان لجريمة القتل حدث جلل، نظراً لأهمية القتيل، إذ إنها وقعت في مصر لأول مرة في القرن الثالث الميلادي حينما سممت الكنيسة الراهب "أريوس"؛ فخرجت أمعاؤه، وقيل ساعتها: إن لعنة الإله قتلته نتيجة هرطقته، وللأسف أغلب المسيحيين يصدقون ذلك.

  • عنوان تمهيدي: أصوات مسيحية تتعالى بضرورة الإصلاح الكنسي العاجل..
عدد المشاهدات 5027