طباعة

    الأزمة التركية الأمريكية.. السياق والدلالات

14:18 01 سبتمبر 2018 الكاتب :   بقلم - د. محمد الخطيب:

الأزمة الاقتصادية والمالية الحاصلة بين تركيا وأمريكا ما هي إلا حلقة في سلسلة من حلقات الصراع الدائر حول قيادة النظام الدولي الذي تشكل بعد التسعينيات من القرن الماضي، وإعادة صياغة الخريطة السياسية عقب ذلك، عن طريق استقلال بلدان أوروبا الشرقية، وحرب يوغوسلافيا، مروراً بسقوط النظام العراقي، والاتفاق مع كوريا الشمالية، وانتهاء بأزمة إيران. 

بموازاة محاولة الولايات المتحدة التحكم في تشكل النظام الدولي الجديد عن طريق تجاوز أزمة إيران؛ تسعى بعض القوى الصاعدة في مزاحمتها للحصول على حصتها من النفوذ في الكعكة الجديدة.
إن جوهر الصراع مع إيران يعود بالأساس إلى كون هذه الأخيرة تحاول خلق فوضى تهدد النظام القائم، مما دفع بـ"ترمب" إلى فرض عقوبات اقتصادية آنية، وأخرى قادمة عليها بعد خروجه من الاتفاق النووي؛ ما أدى إلى تقسيم العالم إلى ثلاثة أقطاب؛ أمريكا، أوربا، وروسيا والصين.
الأزمة التركية ما هي إلا مظهر هذا الصراع الذي أرادت أمريكا من خلاله أن ترسل رسالة إلى أحلافها أولاً، ثم إلى أعدائها ثانياً، مضمونها أنه من سبح خارج فلكها، وحاول دعم إيران في ظل العقوبات، سينال مثل ما تعرضت له تركيا، بل أشد، وقد يتجلى في إغلاق السوق الأمريكية في وجه صادرات هذه الدول من صلب، ألومنيوم، مواد إلكترونية.. مع العلم أن السوق الأمريكية حيوية ومنفتحة؛ ما قد يؤدي إلى أزمة اقتصادية جديدة يخسر فيها الجميع، وهذا ما صرح به "ترمب" في حملته الانتخابية حينما قال: "أمريكا أولاً"، فهو قادر على أن يقلب الطاولة على الجميع، بل حتى على شعبه إن اقتضى الأمر من أجل تحقيق طموحاته في تشكيل نظام دولي جديد.
تركيا من الدول الصاعدة كباقي الدول الأخرى، تحاول الحصول على دور إقليمي أكبر، يليق بمكانتها الاقتصادية والعسكرية، وملء الفراغ خاصة بعد كبح جماح إيران وتقليم أظفارها، ولموقعها الدولي، فهي الوسيط الإستراتيجي الذي يربط بين شنغهاي وأوروبا، وهذه الأزمة المالية ما هي إلا سحابة عابرة، شأنها شأن أزمة القاعدة العسكرية التي بموجبها رفضت تركيا أن تكون منطلقاً للهجوم على العراق، وتخللت ببدء مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي عام 2004م، انتهت بمعارضة اليونان.
بالرغم من هبوط قيمة الليرة التركية، فإنها ستتعافى وتنتهي الأزمة بمفاوضات، وقد أشار إلى ذلك "أردوغان" في مقال له بصحيفة أمريكية، وكل الأتراك من كتَّاب وسياسيين، وقد تمارس "ميركل" دور الوسيط بين تركيا وأمريكا، خاصة وأن "أردوغان" يريد حل ملفات شائكة؛ كقضية "كولن"، وملف الأكراد، وحصته بالتنقيب في البحر المتوسط، وأزمة قبرص، والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
كان هذا هو الدافع لـ"أردوغان" أن يشاكس ويتمرد على "ترمب"، مستغلاً أرضيته الصلبة المتمثلة في قوته الاقتصادية والعسكرية، وقوة جبهته الداخلية، وهو يعلم أنه في الأخير سيتخلى عن إيران، شأنه شأن روسيا والصين، فـ"أردوغان" يريد ثمناً لهذا التخلي، المتمثل في تسوية الملفات السابقة الذكر، وعلى رأسها الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، أما ذريعة الصواريخ "إس 400" الروسية فهي غير مقنعة البتة، فلا ندري إلى من ستوجه هذه الصواريخ، فإذا كانت تركيا عضواً في حلف "الناتو"، فمن الطبيعي أن هذه الأسلحة ستصبح في قبضة هذا الأخير، ومن ثم تفقد نوعيتها، لعل ما تريده أمريكا هو عدم صرف أموال تركيا خارج فلك الحلف، فتركيا باقية في حلف "الناتو" وفي فلك الغرب، إنما بعلاقة احترام، والند للند، دون انبطاح أو تبعية.
"أردوغان" يعي جيداً عدم تخلي أمريكا عن تركيا، ثم إن روسيا وخاصة "بوتين" يعي جيداً أن تركيا لن تغامر بعلاقة مع روسيا على حساب أمريكا، حيث ارتمت تركيا في أحضان روسيا على حساب بريطانيا في عشرينيات القرن الماضي، انتهت بتوقيع اتفاقية "لوزان" المجحفة في حق استقلال تركيا.
ما يسعى إليه "أردوغان" هو تجاوز عتبة "لوزان" عام 2023م، وهذا ما أشار إليه كثيراً في خطاباته، بكون تركيا قوة صاعدة، وتحويل الدولة إلى نظام رئاسي الذي سعى إليه الرؤساء السابقون دون أن يفلحوا في ذلك، عكس "أردوغان" وحزب العدالة والتنمية، الذي نجح في تحقيق هذا المكتسب.
إن مآل هذه الأزمة لا محالة سيكون عبر مفاوضات بين الثلاثي؛ أمريكا وأوروبا وتركيا، على اعتبار أن عهد العسكر قد ولى، وأن تركيا يراد لها أن تكون قوية بأمنها واقتصادها، وأنه من الصعب أن تستمر الأزمة بين الطرفين؛ لأنها انعكست بوتيرة سلبية على الاقتصاد العالمي ومبادئ التجارة الحرة، مما قد نرى انفراجاً على المدى المتوسط.

عدد المشاهدات 5114