أزمة دبلوماسية بين كينيا والصومال.. سحابة عابرة أم بداية قطيعة؟

13:41 19 فبراير 2019 الكاتب :   وكالات

تفجرت أزمة دبلوماسية مؤخراً بين كينيا والصومال، ويخشى مراقبون أن تشكل بداية قطيعة بين البلدين، فيما يأمل آخرون أن تكوم مجرد سحابة عابرة.

فتيل الأزمة اشتعلت شرارته الأولى، أول أمس السبت، باستدعاء نيروبي سفيرها لدى الصومال وطلبت من سفير الأخيرة المغادرة؛ بحجة "طرح مقديشو عطاءات تنقيب عن النفط والغاز" في منطقة بحرية متنازع عليها بين الجانبين.

صعدت نيروبي مباشرة الأزمة؛ حيث وصف بيان نشره سكرتير الشؤون الخارجية بوزارة الخارجية الكينية، ماشاريا كامو، في اليوم نفسه، خطوة الصومال بأنها "غير قانونية" وترتقي لـ"عمل عدواني"، مهددا بالرد على تلك الخطوة.

فندت مقديشو اتهامات عبر بيان رسمي حمل توقيع وزير الخارجية الصومالي أحمد عيسى عود.

إذ نفى البيان طرح عطاءات للتنقيب عن النفط في منطقة بحرية متنازع عليها مع نيروبي خلال مؤتمر النفط حول الصومال الذي عقد في لندن يوم 7 فبراير الجاري، مؤكدا أن مقديشو غير عازمة على طرح مثل تلك العطاءات قبل أن تفصل محكمة العدل الدولية في النزاع حول المنطقة البحرية المذكورة.

وشدد على أهمية العلاقات التاريخية بين الشعبين، وأنه لا يمكن قطعها نتيجة خلاف سياسي بينهما.

وتعد هذه الأزمة الدبلوماسية الراهنة الأولى من نوعها منذ عقود بين الصومال وكينيا؛ حيث لم يسبق أن تطورت جميع "المناوشات" الدبلوماسية السابقة إلى مستوى طرد السفراء؛ ما يشكل منعطفا جديدا في آفاق التعاون الدبلوماسي المستقبلي بين مقديشو ونيروبي.

دبلوماسية هادئة

في رد دبلوماسي جاء عكس التوقعات، تبنى الصومال قرارا دبلوماسيا هادئا عبر فيه عن تمسكه ببقاء العلاقات السياسية بين الشعبين الصومالي والكيني، وعدم الإفراط في قطع حبل العلاقات نتيجة عرض طارئ، وعدم الانزلاق إلى أزمات دبلوماسية أخرى قد تصعّد المواقف السياسية بين البلدين.

يأتي ذلك في وقت توقع فيه محللون في الصومال أن يكون رد حكومة بلادهم حاسما، من ذلك وقف استيراد نبتة "القات" المخدرة المهمة للاقتصاد الكيني، أو تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي بين البلدين.

كما تكهنوا أيضا بأن تطلب مقديشو من الاتحاد الإفريقي سحب القوات الكينية من البلاد، قبل أن يتفاجأ الرأي العام بلغة خطاب مختلفة تبنته البلاد، وصفت بأنها "سياسة مهادنة لكينيا".

من يتضرر أكثر؟

سؤال يبدو بديهيا في خضم الأزمة الدبلوماسية الراهنة. من سيخسر أكثر في حال تصاعد الخلاف؟

المحلل الصومالي أنور ميو رأى أن "الصومال سيدفع فاتورة أكبر حال استمرار هذا الخلاف الدبلوماسي؛ حيث أنّ الصوماليين يشكّلون قوّة تجارية كبيرة في كينيا، وينخرطون في عقود طويلة الأجل، فضلاً عن احتضان كينيا لعدد معتبر من الصوماليين على أرضها".

كما حذر ميو من أنّ هذا الأزمة ستنال من جهود الدولتين في القضاء على حركة "الشباب" الصومالية المسلحة.

ولفت، في حديث لـ"الأناضول"، إلى أن "العلاقات بين البلدين كانت تتجه من سيء إلى أسوأ منذ تفجير فندق بنيروبي مطلع العام الجاري، وهو ما عكسه اتهام كينيا الصومال بأن الأسلحة المستخدمة في الهجوم تحمل رموزاً وبصمات أسلحة الحكومة الفيدرالية في مقديشو".

رصيد سياسي

أما محمود عبدي، مدير مركز "هرجيسا" للدراسات (موقع يعنى بشؤون القرن الإفريقي)، فيرى أن اتخاذ الصومال موقفا دبلوماسيا هادئا يمكنه من إظهار نضج سياسي ودبلوماسي.

وأضاف عبدي، لوكالة "الأناضول"، أن الموقف سيضيف رصيدا آخر للحكومة الفيدرالية الصومالية أمام المجتمع الدولي، ويمكن اعتبار هذه الأزمة فرصة لإظهار قدرة الحكومة على إدارة بوادر الأزمة بصورة تجعلها أقوى.

وأوضح أن خطاب الحكومة الفيدرالية وموقفها الهادئ سيلعب دورا كبيرا في منحها غطاءً سياسيا، عبر التركيز على مواطن الضعف السياسي الصومالي الذي ورثته هذه الحكومة، من حيث الوجود العسكري الكيني، وارتباط كيانات صومالية بالقرار السياسي للدولة الجارة، وبقاء مكاتب تمثيلية لعدد من القوى الدولية والمنظمات في نيروبي.

وبالنسبة للخبير، فإن ما تقدم سيعجل بخلق ضغط باتجاه تصحيح الأوضاع لصالح الدولة الصومالية.

وأشار إلى أن الحكومة الصومالية تشهد أوضاعا أمنية غاية في الصعوبة، إلا أن الجانب الكيني عاجز عن التعامل مع الهزات الأمنية بشكل عام، وقد يخلق توتر العلاقات الصومالية الكينية حالة من الترقب لدى المستثمرين الأجانب في كينيا، بما سيؤذن بمشاكل اقتصادية مستقبلية.

أبعاد اقتصادية

ورأى عبدي أن تعويل الموقف الرسمي الصومالي على الامتعاض الشعبي من السلوك الرسمي الكيني غير المتروي، يتيح للحكومة الصومالية طيفا واسعا من القرارات والمطالب المدعومة شعبيا.

وأوضح أن ذلك "قد يؤدي إلى ضغط غير مباشر على الاقتصاد الكيني من حيث انسحاب رؤوس المال الصومالية.

أوراق الضغط هذه بالنسبة للصومال يمكن اعتبارها "قوة ناعمة شعبية"، وفق الخبير الذي اعتبر أنها تشكل "فرصة للحكومة الفيدرالية الصومالية للاستفادة منها، ما سيؤثر سلباً على كافة الأصعدة، في حال تطورت الأزمة الدبلوماسية، ولم تشهد انفراجة قريبة، أو تدخلاً دبلوماسية من الدول المجاورة أو من قبل منظمة إيغاد أو الاتحاد الإفريقي".

مصير قاتم

يكرر القادة الكينيون مع اندلاع أي خلاف دبلوماسي مع الصومال، أن نيروبي تؤوي أكثر من ربع مليون لاجئ صومالي في مخيمات منتشرة في الحدود الكينية الصومالية، كورقة ضغط دبلوماسية لتعديل أي موقف رسمي يصدر من مقديشو.

وقفزت أزمة اللاجئين الصوماليين إلى السطح مجددا؛ حيث أفادت توضيحات مسؤولي الخارجية الكينية بأن تلك المخيمات تمثل "بؤراً للإرهابيين الذين يشنون منها الهجمات على العمق الكيني" .

عبدالله حسن من موقع "الصومال اليوم" يعتبر أن ألأزمة الدبلوماسية بين كينيا والصومال ستؤثر سلبا على الشق الإنساني، إذا لم يتدارك الطرفان الأمر وأخمدا فتيل التوتر باكراً.

وأضاف حسن، أن اللاجئين الصوماليين في المخيمات الكينية سيدفعون فاتورة باهظة في حال تفاقمت الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، وأن مصيرهم سيكون قاتماً، فإما الرحيل نحو المدن الجنوبية في الصومال، أو البقاء تحت سيف التهديدات ولغة الشد والجدب الدبلوماسية بين البلدين.

وبالنسبة له، فإن كل المصالح المتداخلة بين الشعبين، الاقتصادية منها، وغيرها ستترك أثراً سلبياً على الشق الإنساني مستقبلاً، سواء بالنسبة لللاجئين الصوماليين أو المقيمين في المدن الكينية وخاصة نيروبي، وحي "إسلي" الذي يطلق عليه "حي مقديشو الصغير " في كينيا.

فرص الحل

يرى محللون سياسيون أن الرد الدبلوماسي الصومالي الذي اتسم بـ"الهدوء" خفّف من حدة التوتر السياسي، وفتح بابا للمصالحة مجددا بين البلدين. وبناء على ذلك، يُرجح أن تشهد الأيام المقبلة، تحركا سياسيا متبادلا من قبل مقديشو ونيروبي لحل الأزمة السياسية الراهنة.

ويعزز هذا السيناريو تصريحات صدرت عن  الحكومة الكينية، مساء الأحد.

إذ أفادت بأنها لم تطرد سفير الصومال، بل طلبت منه إجراء مشاورات مع حكومته، بعد أن تأخرت حكومة مقديشو على شكوى قدمتها نيروبي حول مزاعم العطاءات النفطية؛ ما رأى فيه مراقبون تغيرا في موقف كينيا، وتداركا لمنع تفاقم الأزمة بين البلدين.

عدد المشاهدات 1541

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top