"نبع السلام" دبلوماسية تركية جريئة بمواجهة تحديات وجودية

15:39 26 أكتوبر 2019 الكاتب :   محمد صادق أمين (*)


شكل التوجه التركي نحو الخروج من دائرة العجز والانكفاء على الذات مطلع الألفية الجديدة، بقيادة حزب "العدالة والتنمية" الحاكم، تحدياً لشروط الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، والتي بموجبها أخرجت تركيا من المعادلة الدولية بعد إسقاط الخلافة العثمانية عام 1924م.
فالنمو المتسارع للاقتصاد، والسعي الدؤوب للاعتماد على الذات، خصوصاً في مجال الصناعات العسكرية، والنأي بتركيا عن دائرة التبعية الدبلوماسية للمواقف الغربية متمثلة بحلف شمال الأطلسي "الناتو" في بعض الملفات؛ خصوصاً المرتبطة بالشرق الأوسط، جلب عداوة الغرب الذي سعى بكل جهده لإجهاض الطموح التركي.
وتشير تقارير غير رسمية إلى دعم بعض دول "الناتو" لانقلاب تموز 2015م الفاشل في هذا الإطار، وليس بعيداً عن ذلك، إثارة القلاقل في الخاصرة الجنوبية الرخوة لتركيا، بدعم التوجهات الانفصالية لأكراد سوريا، بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يتبع حزب العمال الكردستاني، المصنف كمنظمة "إرهابية" في أوروبا وأمريكا، حيث يشكل إقامة كيان كردي شبيه بإقليم كردستان العراق، فرصة لإقامة دولة "كردستان الكبرى" التي يطالب بها الأكراد في العالم، بعد أن حرمتهم منها اتفاقية "سايكس بيكو" أسوة بشعوب المنطقة، وهو ما يعني تفتيت أربعة دول دفعة واحدة هي؛ تركيا والعراق وسوريا وإيران، في طبخة يرى مراقبون أنها محاولة لإعادة تقسيم الشرق الأوسط وفق المصالح الأمريكية.


دبلوماسية فاعلة
سعت الدبلوماسية التركية، للخروج من دائرة الانغلاق على الذات؛ التي رسخها مؤسس الدولة كمال أتاتورك، إلى دائرة الفعل الإقليمي سعياً للتحول إلى قوة فاعلة في النظام الدولي.
وقد أدرك صانع القرار التركي مبكراً مع خروج الثورة السورية عن مسارها، أن دعم إقامة كيان في الشمال السوري، محاولة لتعطيل مساعي أنقرة في هذا الإطار، فكانت عملية "نبع السلام" خطوة جريئة كسرت جمود الدبلوماسية التقليدية القائمة على عدم اجتياز الحدود، والمغامرة محسوبة العواقب.
فمنذ عام 2002م ومع وصول حزب "العدالة والتنمية" إلى السلطة بدأت الدولة التركية بإعادة صياغة ذاتها من خلال مجموعة خطوات بنيوية، أدت إلى ولادة ما يمكن أن نصطلح عليه بـ"الجمهورية التركية الثانية"، وارتكزت دبلوماسيتها الجديدة على جملة أمور؛ أهمها:


أولاً: داخلياً
من مسلمات قوة الدول في محيطها الإقليمي؛ الاعتماد على بنية سياسية واقتصادية واجتماعية مستقرة داخلياً، لتكون بحالة استقرار تؤهلها لممارسة فعل دبلوماسي دولي مؤثر.
وقد اتخذ حزب العدالة والتنمية مجموعة خطوات على الصعيد الداخلي، أدت بمجملها إلى شكل من أشكال الاستقرار، ساعد الدولة في بناء رؤية دبلوماسية قوية، وهي:
1-معالجة مشكلة الهوية التركية
فتركيا كانت تعاني من مشكلة ضياع الهوية منذ تأسيس دولتها الحديثة، فهي تنكرت للخلفية العثمانية الإسلامية على أمل بناء صورة لتركيا المعاصرة القائمة على الرؤية الغربية، وفي المحصلة لم تحصل على الاعتراف الغربي الكامل بهذه الصورة، حيث استمر الغرب في التعامل معها على أنها وريثة الدولة التي انتهكت كبريائهم ذات يوم، كما أنها لم تتمكن من نزع الخلفية الثقافية الإسلامية من نفوس المجتمع التركي، الأمر الذي ساهم في تشكيل شخصية ازدواجية.
تمكنت تركيا الحديثة من تجاوزها عبر ترسيخ مفهوم عدم التعارض بين الهويتين، فإحياء الإرث العثماني يرافقه تمسك بمعاصرة الشخصية التركية، وهذه الحالة الجديدة انعكست في دبلوماسية وافقت بين التوجه نحو الاتحاد الأوربي، والحفاظ على العمق الاستراتيجي الممتد في العالمين الإسلامي والعربي، دون تعارض بينهما.
2-التركيز على إقامة دعائم البنية الاقتصادية والتنمية البشرية، وهو ما ترجم في سياسة نشطة للصعود إلى مصاف الدول الصناعية الكبرى، وانعكس في نمو مطرد على شكل طفرات في البنى التحتية، وفي ارتفاع دخل المواطن التركي، ما جعل الدولة تقف على أرضية صلبة في مقاربتها الدبلوماسية الخارجية.
3-رفع مستوى الإنفاق الدفاعي، والسعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي، والتحول الى الصناعات العسكرية، الأمر الذي ساعد على تحول الجيش التركي لقوة عسكرية ضاربة، ومؤهلة للاستقلال عن الاحلاف المكبلة، مثل حلف "الناتو".
4-إدارة الأزمة الكردية بأسلوب جديد؛ يعتمد مقاربة إحلال السلام والوصول إلى تفاهمات مع المكون الكردي، واستعمال أدوات التنمية المناطقية، ورفع مظاهر الإقصاء والتهميش والعزل، التي جعلت القضية الكردية ورقة بيد اللاعبين الدوليين والإقليميين.
ورغم تعثر المشروع الكلي للوصول إلى سلام دائم، إلا أن هذه السياسة آتت أكلها نسبياً، وقللت من فرص استخدام هذه القضية التي استنفدت موارد الدولة التركية منذ تأسيسها.


ثانياً: خارجياً
استقرار البناء الداخلي النسبي، أهل صانع القرار التركي لوضع استراتيجية دبلوماسية، أرى أنها تعتمد رؤية التحول للعب دور إقليمي في عالم متعدد الأقطاب بحلول عام 2030م، آخذاً بنظر الاعتبار التفاعلات الدولية والإقليمية؛ وأهم ركائزه:
1-اعتماد الدبلوماسية الإيقاعية في التعامل مع العامل الدولي، بعدم الاعتماد على طرف دولي واحد، وحصر خيارات التحالف بهذا الطرف، ومن خلال اعتماد رؤية متوازنة تقلّبت حركة العلاقات والتحالفات شرقاً وغرباً بحسب ما تقتضيه المصلحة، وبما يحقق الهدف من خلال مساومة الأطراف الدولية على مصالحها في الإقليم والعالم، وهو أمر غير معتاد في معظم دول العالم الإسلامي، التي تتخذ من الولاء المطلق والرهان على أحد الفاعلين الدوليين دون الآخر، كما كان الحال مع تركيا التي ربطت نفسها بحلف "الناتو".
2-التعامل مع المحيط الإقليمي والدولي على أساس براغماتي، وليس على أساس أيدلوجي.
فرغم أن تركيا وظفت الهوية الإسلامية والعمق التاريخي العثماني في صناعة قوتها وإضفاء الشرعية على هذا الاستحقاق، إلا أنها تعاملت في الغالب مع مختلف القضايا، خصوصاً الفرعية بدرجة عالية من البراغماتية، ووضعت موازنة بين المصالح والمفاسد.
3-الاعتماد على الدبلوماسية الناعمة في طريق تحقيق مفردات القوة، هذه الرؤية جعلت الدبلوماسية التركية لا تعتمد على الوسائل التقليدية في رسم وممارسة فعلها الدولي، فأنشأت دبلوماسية متعددة الأوجه شارك فيها مؤسسات الفكر والرأي، والمنظمات غير الحكومية، ومؤسسات الإغاثة، حيث شاركت جميع هذه الدوائر المؤسسات التقليدية للخارجية التركية في صناعة مفردات القوة الدبلوماسية.
فساهمت المسلسلات التركية على سبيل المثال، في مد جسور ثقافية مع مجتمعات الشرق الأوسط، مثل مسلسلي (أرطغل والسلطان عبدالحميد) .
وعلى الصعيد الإنساني، ساهمت المنظمات غير الحكومية في إرساء صورة تركيا الدولة القوية، القادرة على مد يد العون لشعوب المنطقة، ومن أهم تلك المؤسسات وكالة التعاون والتنسيق التركية "تيكا"، وكذلك الهلال الأحمر التركي، ورئاسة إدارة الطوارئ، ولا ننسى الدور الكبير والفاعل لمنظمة (أي ها ها)، وعبر هذه المنظمات غير الحكومية بدأت تركيا بالتدخل الإنساني في أغلب مناطق الأزمات في العالم.


تحدي الوجود
كان يمكن لسكوت تركيا على الدعم الأمريكي المعلن لإقامة كيان كردي على حدودها الجنوبية، أن يشكل تحدياً وجودياً للدولة، فالأكراد لايجعلون السعي للاستقلال سراً، بل هو مفردة من أهم مفردات الأدبيات الكردية، وتأسيس كيان في سوريا قابل للتواصل جغرافياً مع إقليم كردستان العراق، سيعني قابلية اتحادهما عند أول فرصة سانحة في عالم وتيرة الأحداث فيه سريعة التقلب.
في المقابل؛ أي عمل عسكري منفرد من قبل أنقرة دون تنسيق مع الفواعل الدولية، سيكون بمثابة مغامرة غير محسوبة العواقب، قد تهدد استقرار تركيا ومكانتها العالمية، ويعرضها للعقوبات الاقتصادية الأممية خصوصاً من الجانب الأمريكي، وهو ما يعني انهياراً لاقتصادها الرأسمالي الذي لايزال مرتبطاً بالنظام الاقتصادي الدولي الذي تسيطر عليه واشنطن.
ولأن الدبلوماسية التركية التي لا تعتمد على المغامرة أخذت هذا الأمر بعين الاعتبار، لذلك لعبت على التناقضات الدولية، والحرب الباردة غير المعلنة بين أمريكا وروسيا، حيث تتمدد الأخيرة في الشرق الأوسط على حساب النفوذ الأمريكي، فوظفت هذا التناقض في خدمة مصالحها.
وعلى صعيد ذي صلة وظف الأتراك الفصام النكد بين إدارة الرئيس دونالد ترمب، والمؤسسات التقليدية في الولايات المتحدة الأمريكية، فحصلت أنقرة على ضوء أخضر من الرئيس الأمريكي لتنفيذ العملية العسكرية، رغم معارضة المؤسسات التقليدية الداعمة لإقامة الدولة الكردية، ورغم توقف العملية العسكرية بعد تحقيق نصف الهدف تحت الضغط الأمريكي، تمكنت أنقرة من بلوغ النصف الثاني الذي لم يتحقق بالتفاهم مع الدب الروسي، الذي خير الأكراد بين الانسحاب بعمق 30 كم التي تطالب بها تركيا لإنشاء المنطقة الآمنة على حدودها، أو تركهم لمواجهة الجيش التركي منفردين بعد تخلي واشنطن عنهم.
وإذا كانت العملية العسكرية التركية تهدف في رؤيتها الأساسية إلى مقاربة إجهاض مشروع الكيان الكردي على حدودها؛ فإن الهدف قد تحقق بنسبة 100%، باستخدام الذراعين العسكري والدبلوماسي.
أما هدف إعادة 2 مليون لاجئ سوري إلى بلادهم، وهو الهدف الثاني المعلن لعملية "نبع السلام"، فعلى الأرجح أن المناورات السياسية التي تجريها أنقرة ستصل إلى هذه الغاية خلال الأسابيع المقبلة، مع الروس القوة المؤثرة على الأرض، ومع شركائها الأوربيين المتوجسين من عودة موجات اللجوء التي سيطرت عليها تركيا على مدار عاميين المنصرمين.

___________________________

(*) باحث في الشؤون الإقليمية.

عدد المشاهدات 1135

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top