عملية “نبع السلام” التركية.. بين الميدان وطاولة التفاوض

16:53 02 نوفمبر 2019 الكاتب :   د. سعيد الحاج (*)

  

تركيا مزجت بين العمل الميداني والجهد التفاوضي لتحقق مكاسب مهمة بالشمال السوري 

خلو الاتفاق التركي الروسي من مصطلح «المنطقة الآمنة» والاستعاضة عنه بـ»منطقة عملية نبع السلام» أمر ذو دلالة 

روسيا النظام حققا مكاسب مهمة في مقدمتها الانسحاب الأمريكي الجزئي من المنطقة و»قسد» 

عدم النص على مصير إدلب في الاتفاق يوحي بوجود مخطط روسي مختلف لها

 

 

 

سريعاً جداً بدأت عملية «نبع السلام» التركية في شمال سورية، وسريعاً جداً انتهت، أو هذا هو المتوقع، لتجمع بين الأداء الميداني للقوات المسلحة التركية والمعارضة السورية المتعاونة معها، والتفاوض مع الأطراف الفاعلة وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا.

على مدى السنوات الماضية، مثلت مواجهة مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) الانفصالي في الشمال السوري أولوية أنقرة في القضية السورية؛ ولهذا الهدف أنجزت أولاً عملية "درع الفرات" التي قطعت التواصل الجغرافي بين "الكانتونات الكردية" في الشرق والغرب، ثم عملية "غصن الزيتون" التي قضت على سيطرة وحدات الحماية الكردية على عفرين شمال غربي سورية.

ومنذ تلك اللحظة، تمركزت قوة وحدات الحماية، أو باسمها الجديد قوات سورية الديمقراطية (قسد)، في المناطق الواقعة شرقي نهر الفرات، حيث قدمت لها الولايات المتحدة الدعم والتسليح والتدريب؛ بما شكل جيشاً شبه نظامي يتكون من عشرات الآلاف من مقاتلي التنظيم، فإذا ما أضيف لذلك الاتساع الجغرافي للمنطقة والمقدر بحوالي ثلث الأراضي السورية، وغناها بالماء ومواد الطاقة، يمكن القول: إنها باتت تملك البنية التحتية والمقدرات التي يمكن أن تحولها لكيان سياسي؛ ما جعل التركيز التركي ينصبّ على تقويض تلك الإمكانات.

عملية «نبع السلام»

أطلقت أنقرة العملية في التاسع من أكتوبر 2019م لتحقيق هدفين رئيسين معلنين؛ هما إبعاد مسلحي وحدات الحماية عن الحدود التركية، وإنشاء منطقة آمنة في الشمال السوري لتأمين انتقال مليون إلى مليوني لاجئ سوري -من المقيمين على الأراضي التركية- إليها.

وكان الهدف التركي النهائي من العملية إنشاء المنطقة الآمنة على كامل المساحة الممتدة على طول الحدود التركية - السورية إلى الشرق من مناطق «درع الفرات»، وبطول 470 كلم، وعمق 30 كلم، لكن وزير الخارجية التركي «مولود تشاووش أوغلو» تحدث لاحقاً عن مرحلة أولى من العملية تشمل المنطقة بين مدينتي رأس العين وتل أبيض بنفس العمق.

تقدمت العملية، التي شاركت بها فصائل معارضة سورية توحدت تحت اسم «الجيش الوطني السوري»، تقدمت سريعاً في خط حدودي يمتد بين تل أبيض ورأس العين وصولاً لعمق 30 كلم، وبما يصل إلى مساحة 3500 كلم مربع تقريباً، مستفيدة من انسحاب القوات الأمريكية ومسلحي «قسد» منها.

رغم المسوغات التي ساقتها تركيا، وفي مقدمتها حقها في الدفاع عن نفسها ومكافحة الإرهاب وغيرها، فإن العملية وُوجهت بحالة عارمة من الرفض والتحفظ من مختلف الأطراف المشتبكة مع الأزمة السورية، ولم يؤيدها إلا عدد قليل جداً من الدول، ولعل الضغوط الأكبر التي مورست على أنقرة بسبب العملية كانت أمريكية، بما فيه ذلك الحزمة الأولى من العقوبات الأمريكية على تركيا التي فتحت الباب على التفاوض بخصوص مسار العملية ومصير المنطقة.

من الميدان للطاولة

لم تكتف الولايات المتحدة بفرض عقوبات «رمزية» كحزمة أولى ضد تركيا، وإنما هددت بعقوبات إضافية رادعة تحرك لها الكونجرس، وأرسل «ترمب» لنظيره التركي رسالة تتخطى كل حدود الدبلوماسية المتعارف عليها، لكنها كذلك لم توصد باب التفاوض مع أنقرة.

كان اجتماع الوفد الأمريكي برئاسة نائب الرئيس «مايك بنس»، والوفد التركي برئاسة «أردوغان»، شاقاً وطويلاً، لكنه أفضى إلى تفاهمات بخصوص العملية التركية ومصير «قسد»، فقد تعهدت الولايات المتحدة بخروج مسلحي الأخيرة من «المنطقة الآمنة» التي باتت تعني المنطقة بين رأس العين وتل أبيض بعمق 30 - 32 كلم، في المقابل ستعلق أنقرة عمليتها لمدة 120 ساعة أو 5 أيام لتسهيل الانسحاب، مع تعهد بوقف العملية نهائياً بعد أن يتم الانسحاب وتؤكده أنقرة، بينما تمتنع واشنطن عن فرض أي عقوبات جديدة عليها، ثم تلغي العقوبات التي فرضتها.

تزامن انتهاء مهلة الـ120 ساعة مع قمة غير مسبوقة بين «أردوغان»، و»بوتين»، في سوتشي استمرت لأكثر من 6 ساعات، خرجا بعدها بما أسماه الأول «اتفاقاً تاريخياً» بخصوص وحدات الحماية، أقر الاتفاق التركي - الروسي في سوتشي التفاهمات التركية - الأمريكية وبنى عليها، مثبتاً منطقة عملية «نبع السلام» بين تل أبيض ورأس العين بعمق 30 كلم، ومفصلاً في كيفية إدارة المناطق التي تقع إلى الشرق والغرب منها.

خارج منطقة عملية «نبع السلام»، وعلى طول الحدود التركية السورية بعمق 30 كلم، ستضمن الشرطة العسكرية الروسية وحرس الحدود السوري خروج/إخراج مسلحي وحدات الحماية منها، كما ستسيّر القوات التركية والروسية دوريات مشتركة في تلك المناطق -باستثناء القامشلي- حتى عمق 10 كلم.

دلالات وتبعات

غاب عن مواد الاتفاق أي حديث عن عين العرب، وفهم ضمناً بأن أنقرة عدلت عن دخول منبج، إضافة لاستثناء القامشلي من الاتفاق؛ بما يعني وجود ثغرات واضحة في فكرة المنطقة الآمنة على طول الحدود التي كانت تريدها تركيا.

وبهذا المعنى، تكون أنقرة قد حققت الجزء الأهم من أهداف العملية في مرحلتها الأولى فقط، أي إبعاد مقاتلي وحدات الحماية عن حدودها، بينما تكون قد تخلت عن باقي المراحل بشكل شبه نهائي في حال طبق الاتفاق والتزمت به روسيا، كما أنه من المهم الإشارة إلى خلو الاتفاق التركي - الروسي من مصطلح «المنطقة الآمنة» والاستعاضة عنه بمصطلح «منطقة عملية نبع السلام»، وهو أمر لافت وذو دلالة.

في المقابل، حققت روسيا ومعها النظام مكاسب مهمة ولافتة في مقدمتها الانسحاب الأمريكي الجزئي من المنطقة، وإخراج «حليفه» الميداني منها ودفعه للتوافق مع النظام وتسليمه بعض المناطق، وعودة قوات النظام لمناطق خرج منها قبل سنوات بما في ذلك الحدود التركية وبموافقة أنقرة.

ويضاف لكل ذلك الإشارة الواضحة لاتفاقية أضنة بين الحكومتين التركية والسورية عام 1998م وتفعيلها مرة أخرى، وهو أمر يضيف لمشروعية عملية تركيا وتواجدها العسكري على الأرض، لكنه أيضاً يفتح الباب على رفع مستوى التواصل بين أنقرة ودمشق مستقبلاً، وهو المسار الذي تضغط موسكو باتجاهه.

وأما إعادة اللاجئين السوريين وبالأعداد المذكورة في التصريحات الرسمية التركية، فقد بات أمراً صعب المنال بعد الاتفاق، رغم النص عليه بشكل واضح؛ أولاً: من باب مساحة المنطقة المتحصل عليها بالمقارنة مع المخطط لها، وثانياً: لتواجد قوات روسيا والنظام بالقرب منها، وثالثاً: بسبب متطلباتها الدبلوماسية والعسكرية واللوجستية والقانونية التي تحتاج لدعم ومشاركة دوليين ما تزال أنقرة تسعى لهما.

أخيراً، يبقى عدم النص على مصير إدلب في الاتفاق، رغم أنه مخصوص لمصير شرق الفرات، أمراً لافتاً يوحي بوجود مخطط روسي مختلف لها؛ ما يعيد طرح علامات استفهام حول مدى حصول تفاهمات ضمنية غير معلنة بين أنقرة وموسكو بخصوصها.

في المحصلة، مزجت تركيا بين العمل العسكري الميداني والجهد التفاوضي لتحقق مكاسب مهمة لها في المشهد السوري الشمالي، ولكن على قاعدة الدفاع عن الحدود والأمن القومي أكثر من فرض معادلات معينة بخصوص الحل في سورية.

كما أن المكاسب التركية لا تعني بالضرورة مكاسب للمعارضة السورية، رغم حصولها حالياً، على المدى البعيد، فالتفاهمات والاتفاقات بين مختلف الأطراف الدولية والإقليمية تشي بأن مرحلة الصدامات الميدانية تشرف على الانتهاء، وأن الدفع سيكون بشكل ملحوظ وسريع في العملية السياسية انطلاقاً من عمل اللجنة الدستورية وفق معادلات جديدة، وهو تفصيل له استحقاقاته بالتأكيد.

 __________

 (*) محلل سياسي مختص بالشأن التركي.

عدد المشاهدات 1233

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top