لماذا يطالب محتجو العراق بتغيير الدستور العراقي؟

12:58 07 نوفمبر 2019 الكاتب :   محمد صادق أمين*

تغيير الدستور العراقي مطلب يعني في محصلته النهائية تغيير النظام الذي أرسى قواعده الاحتلال الأمريكي عام 2003

أبرز الفقرات الدستورية الخلافية هي فقرة تغيير نظام الحكم من نظام برلماني إلى نظام رئاسي

المشهداني: أكبر مساوئ النظام الرئاسي هي أنه يعطي قوة كبيرة لشخص واحد

 

وصلت التظاهرات العراقية إلى ذروتها يوم الجمعة الموافق 1 نوفمبر، ودخلت أسبوعها الثاني على التوالي، حيث شهدت الميادين احتشاداً أكد مراقبون أنه أخذ منحى الاتساع الأفقي والعمودي؛ فأفقياً بلغت الأعداد ذروتها وغصت الميادين بالمحتجين وقدر بعضهم الأعداد بمئات الآلاف.

عمودياً توسع نطاق الاحتجاج ولم يعد مقتصراً على المتظاهرين الذين يصنفهم البعض بـ"العفويين"، بل التحق بهم شرائح مختلفة من المجتمع العراقي، شملت النقابات المهنية مثل نقابة المعلمين الأكبر في العراق، وطلبة الجامعات والمعاهد، وأبناء بعض العشائر؛ حيث يعتبر النظام العشائري العمود الفقري للمجتمع العراقي، وتزايد دخول العشائر إلى صفوف الاحتجاجات يمنحها دفقاً شعبياً كبيراً، كما انضمت بعض منظمات المجتمع المدني التي لم تكن تعلن مشاركتها في الاحتجاجات سابقاً.

مطلب تغيير الدستور

وإذا كانت مطالب التظاهرات عند انطلاقها تمحورت حول؛ القضاء على الفساد وتوفير الخدمات العامة الأساسية وتوفير فرص عمل للخريجين وتحسين الظروف الاقتصادية، فإن سقف تلك المظاهرات سرعان ما ارتفع مع دخولها الأسبوع الثاني واكتسابها زخماً وقوة ميدانية.

وتناقلت وسائل التواصل الاجتماعي، التي هي بوابة المحتجين ووسيلتهم للتجمع والتحشيد ونقل الأخبار، جانباً من المطالب الجديدة مرتفعة السقف شملت تعديل الدستور الذي أقر عام 2005م، وبسبب الثغرات التي فيه تعزى الكثير من الإشكالات التي تواجهها العملية السياسية في العراق، إلى جانب مطالب أخرى منها؛ استقالة الحكومة وإجراء انتخابات جديدة، وتغييرات في قانون الانتخابات، بالإضافة إلى مساءلة جميع المسؤولين ومحاكمتهم.

ظروف كتابة الدستور

تغيير الدستور العراقي مطلب يعني في محصلته النهائية تغيير النظام الذي أرسى قواعده الاحتلال الأمريكي عام 2003، بشكل قانوني بدل اعتماد العمل الثوري القائم على مواجهة أدوات النظام وأذرعه إلى جانب الدولة العميقة.

وقد استجابت السلطات العراقية لهذا المطلب سريعاً وشكلت لجنة لتعديل الدستور، بعد أن مارست الأمم المتحدة ضغطاً بهذا الاتجاه، حيث كثفت المبعوثة الأممية إلى العراق، جنين هينيس بلاسخارت لقاءاتها مع السياسيين في البلاد بخصوص ذلك، وهذا ما أكّده رئيس الجمهورية برهم صالح، وأشار إلى أنه يعتزم عقد مؤتمر وطني من أجل إعادة النظر في الدستور وفقراته، دون الإشارة إلى موعد محدد أو المواد التي سيعاد النظر فيها.

ولفهم الأسباب التي تدفع للمطالبة بتغيير الدستور أو تعديله، لابد من فهم الظروف التي كتب فيها عام 2005، حيث تم التصويت عليه باستفتاء شعبي في أكتوبر 2005، ودخل حيّز التنفيذ بعد عام من إعلان موافقة الأغلبية عليه.

وتشكلت لجنة كتابته من 55 عضواً، هم 28 عضواً من قائمة الائتلاف العراقي الموحد (الشيعية)، و15 عشر عضواً من التحالف الكردستاني، وثمانية أعضاء يمثلون القائمة العراقية بزعامة إياد علاوي، وأربعة أعضاء يمثلون التركمان والآشوريين والمسيحيين واليزيديين، وقد كتب الدستور على عجل وهو أحد المآخذ التي يأخذها عليه معارضوه، في المقابل تبرر اللجنة التي كتبت الدستور هذه العجلة بالقول؛ إن "قانون الدولة المؤقت" الذي كتب في مجلس الحكم الذي كان الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر يرأسه لم يكن يحمل الصفة القانونية والدستورية، لأنه لم يأخذ شرعيته من الشعب، فكان بمثابة دستور مؤقت، ما أدى إلى الإسراع بكتابة الدستور لمنع حصول فراغ تشريعي؛ خصوصاً أن قانون إدارة الدولة يحدد عام 2005 موعداً ملزماً لكتابته.

ميدانياً؛ كان العراق يعيش فترة الحرب الطائفية التي أعقبت تفجير مرقدين في مدينة سامراء شمال العراق، إبان فترة حكم رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، المتهم من قبل خصومه بإشعال حرب طائفية استهدفت اجتثاث السنة وتهجيرهم من مناطقهم عبر استخدام أدوات الدولة والمليشيات الخارجة عن القانون.

في ظل هذه الظروف الصعبة تم كتابة الدستور في ستة أشهر دون إجراء أي حوارات مجتمعية، أو توسيع دائرة الاستشارات القانونية، واضطرت لجنة كتابة الدستور للطلب من البرلمان التمديد لها لفترة أسبوع كي تتمكن من استكماله، بعدها توافقت اللجنة على نصه الأخير، وتم عرضه للتصويت ومرَّر بأغلبية بسيطة جداً وبصعوبة كبيرة، وسط اتهامات للقوات الأمريكية بتزوير إرادة الناخبين في محافظات الأنبار والموصل وديالى، حيث كان يمكن لعدم موافقة ثلاث محافظات حسب نص الدستور أن تؤدي إلى تعطيل تمريره، لكنه في نهاية المطاف اكتسب الشرعية القانونية.

هل يمكن تعديل الدستور؟

الظروف التي أسلفنا ذكرها في هذا التقرير، جعلت اللجنة التي أشرفت على كتابة الدستور، وهي لجنة محاصصة سياسية، جعلتها تضع شروطاً تكاد تكون تعجيزية من وجهة نظر مراقبين، لتمرير أي تغيير يمكن أن يمس جوهر الدستور الذي أرسى موازنات معقدة في جمهورية ما بعد الاحتلال الأمريكي.

أبرز الشروط التي وُضعت ضمن الدستور لتعديله أن تحصل الاقتراحات على موافقة الأغلبية المطلقة لأعضاء البرلمان، وأن تُعرض على استفتاء شعبي، وتحصل على أغلبية المصوتين.

الشرط الذي وصفه محللون بـ"اللغم" هو اشتراط عدم اعتراض ثلثي المصوتين في ثلاثة محافظات أو أكثر على النص المعدل، فإن وقع ذلك اعتبرت التعديلات في حكم الباطلة دستورياً، وهو شرط وضعه المكون الكردي باعتبار سيطرتهم على ثلاث محافظات كردية في شمال العراق هي؛ أربيل والسليمانية ودهوك، التي تشكل مجتمعة إقليم كردستان العراق الاتحادي.

تعديل مثير للجدل

تجدر الإشارة إلى أن أبرز الفقرات الدستورية الخلافية، التي تحتاج إلى تعديل هي فقرة تغيير نظام الحكم من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، وهي واحدة من أهم الفقرات المثيرة للجدل، حيث يعترض عليها المكون الكردي، ويبرر سياسيوهم ذلك بالقول؛ إنهم يتخوفون من عودة أشكال الأنظمة الدكتاتورية التي حكمت العراق سابقاً، وخاضت حروباً ضارية معهم في شمال العراق.

وبخصوص تغيير النظام من البرلماني إلى الرئاسي، كتب الصحفي العراقي عمر المشهداني عبر صفحة في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، تحت وسم "هاشتاج" #أقلام_ثورية: إن من يسعى إلى النظام الرئاسي هو الطرف الذي يشعر أن لديه الرمزية، ولكن يخشى أنه لا يستطيع الحصول على الأغلبية في البرلمان؛ ففي تركيا على سبيل المثال مهما تراجعت شعبية حزب العدالة والتنمية الحاكم، فلن يستطيع أحد منافسة الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان.

وأضاف المشهداني؛ أن أول من دعي إلى النظام الرئاسي في العراق كان المالكي، بعد أن حصل لوحده على نحو 800 ألف صوت في الانتخابات التي نافس فيها غريمه أياد علاوي، والذي حصل على نحو 450 الف صوت مع أن قائمته حصلت على عدد مقاعد أكثر في البرلمان.

واعتبر الصحفي العراقي أن من أكبر مساوئ النظام الرئاسي، هي أنه يعطي قوة كبيرة لشخص واحد، في بلد لا تزال الديمقراطية لم تترسخ فيه، فسرعان ما سيعود إلى نظام الديكتاتورية، حسب رأيه.

ويمكن الإشارة إلى أن فقرات أخرى مثيرة للجدل هناك من يطالب بتغيرها أهمها، "قانون المحكمة الاتحادية"، التي شُكلّت بقرار من الحاكم المدني بريمر عام 2004، ولازالت تعمل وفق ذات القرار الذي تشكلت بموجبه في ظل الظرف الاستثنائي الذي أوجده الاحتلال، وقد استخدمت الثغرات في قانون تشكيل المحكمة لتمرير قرارات واعتراضات بتأثير السلطة التنفيذية كما حصل في عهد المالكي.

وكذلك الفقرات التي تتعامل مع ثروات العراق من النفط والغاز وكيفية توزيعها، إلى جانب المادة 140 من الدستور، المتعلقة بملف المناطق المتنازع عليها بين سلطتي بغداد وإقليم كردستان، وقانون الهيئات المستقلة، والصلاحيات الممنوحة لرئيس الوزراء باختيار وزرائه وإقالتهم والمحافظين.

ختاماً؛ لابد من الإشارة إلى أن تعديل الدساتير أو إلغاء فقرات منها أمر طبيعي، وقد مرّت عدد من الدول بهذا الإجراء، ولكن في العراق يحتاج تحقيق مثل هذا التغيير إلى إرادة سياسية واتفاق بين الأحزاب والمكونات التي شكلت النظام الحالي القائم على المحاصصة الطائفية.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (*) كاتب متخصص في الشؤون الإقليمية 

عدد المشاهدات 1594
وسم :

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top