وثائق تكشف حجم نفوذ طهران بالعراق وشبهات حول توقيت التسريب

15:31 19 نوفمبر 2019 الكاتب :   تقرير - محمد صادق أمين:

لا يمكن اعتبار الحديث عن النفوذ الإيراني في العراق كشفاً للأسرار، بل هو تحصيل حاصل وحديثه تدركه العقول البصيرة دون كثير عناء أو جهد في التحليل.

إلا أن تسريب وثائق حجمها 700 صفحة تعود للمخابرات الإيرانية، عبر وسائل إعلام أمريكية في توقيت تشهد فيه الساحات العراقية احتجاجات جماهيرية تطالب بإسقاط النظام ووضع حد للنفوذ الإيراني، هو الذي يثير علامات الاستفهام مقرونة بعلامات التعجب.

الوثائق المسربة التي نشرها موقع "الإنترسبت" الأمريكي، الإثنين 18 نوفمبر الجاري، بالاشتراك مع صحيفة "التايمز" البريطانية، قال: إنه تحقق من صحة الوثائق، ولكنه لا يعلم من سرّبها، وأشار إلى أنه تواصل مع المصدر عبر برقيات وصفها بـ"المشفرة" ونقل عن المصدر المجهول قوله: إنهم "يريدون إعلام العالم بما تفعله إيران في بلدي العراق".

إذاً؛ وبناء على تصريح المصدر، فإن الهدف من التسريب سياسي، وأن التوقيت اختير بعناية، وأن القائم بالتسريب طرف عراقي حيث كشف مستندات تعود ملكيتها لوزارتي الداخلية والأمن الإيرانية، إلى جانب منظمة الاستخبارات التابعة للحرس الثوري، التي تعد هيئة مستقلة تأسست عام 2009 بتعليمات من المرشد علي خامنئي، والسؤال الذي يطرح هنا هو؛ كيف لمصدر عراقي أن يصل إلى هذا الكم من الوثائق والمعلومات السرية في بلد تحاط به مثل هذه المستندات بحراسة وتكتم شديدين؟ ولعل من وسائل حماية مثل هذه المعلومات السرية محدودية من يمكنه الوصول إليها، وبالتالي سهولة التعرف على أي جهة تقوم بتسريبها.

ولعل السيناريو الأقرب للمنطق والقابل للتصديق هو أن هذه المستندات إن كانت صحيحة يكون مصدرها المخابرات الأمريكية، التي تمكنت سابقاً عبر الهجمات السيبريانيّة من الوصول إلى برنامج إيران النووي المحصن بشدة، وتمكنت عبر هذا الاختراق من تفجير بعض أجهزة الطرد المركزي في مفاعلاتها النووية، وهو ما يطرح فرضية أن يكون الوصول للوثائق أمراً سهلاً، وأن الإشارة إلى المصدر بهذه الطريقة ما هي إلا محاولة لتضليل أجهزة الأمن الإيرانية، لتبتعد عن فرضية اختراق وسائطها الإلكترونية التي قد تؤدي في حال صحة الفرضية إلى فقدان الأمريكيين وسيلة اختراقهم بهذا التسريب.

تغلغل في مفاصل الدولة

كشفت الوثائق التي هي عبارة عن مئات التقارير والبرقيات التي كتبها ضباط في المخابرات الإيرانية، عملوا في العراق بين عامي 2014 و2015، عن الجهود الجبارة التي بذلها الجواسيس الإيرانيون للتغلغل في مفاصل الدولة العراقية، ووصلت إلى حد اختيار قادة البلد، إلى جانب التجسس على الخطط الأمريكية في التعامل مع الحدث العراقي، والتأثير على الجواسيس الذين يعملون لصالح الولايات المتحدة، ودفعهم لتغيير ولائهم والعمل لصالح إيران.

وبحسب إحدى البرقيات المسربة، فإن رئيس الوزراء العراقي الحالي عادل عبدالمهدي كان يعمل في المنفى لصالح إيران خلال فترة حكم صدام حسين، وتشير إلى أنه عمل على بناء علاقة وصفت بـ"الخاصة" عندما كان وزيراً للنفط عام 2014.

ونقل الموقع الأمريكي والصحيفة البريطانية عن مسؤول أمريكي لم يذكرا اسمه، ووصفاه بأنه "رفيع المستوى" قوله: إنه لا يمكن لأي سياسي عراقي أن يصبح رئيساً للوزراء دون مباركة من إيران، معتبراً أن عبدالمهدي وصل إلى رئاسة الوزراء عام 2018، بمباركة طهران وواشنطن؛ فأصبح بذلك مرشحاً توافقياً.

وأشارت البرقية ذاتها إلى أن العديد من الأعضاء الرئيسين في حكومة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي يدينون بالولاء لإيران، وجاء فيها: إن وزراء البلديات والاتصالات وحقوق الإنسان ينتمون إلى منظمة بدر التي يرأسها هادي العامري، وعلى تناغم كامل وموحد معنا.

وأضافت أن وزير المواصلات بيان جبر قريب جداً من الجمهورية الإسلامية، ووزير النفط عادل عبدالمهدي لديه علاقة خاصة معنا، وكذلك وزير الخارجية إبراهيم جعفري.

ووصفت الوثيقة وزيرة الصحة عديلة محمود، العضوة في حزب الدعوة، بأنها موالية للجمهورية الإسلامية "قلبياً"، أما وزير العمل محمد شياع السوداني فهو أقرب من سلفه الصدري، أما وزير الشباب عادل حسين عبطان فهو أفضل لإيران من سابقه الذي كان عضواً بالمجلس الإسلامي الأعلى، وكذلك وزير التعليم العالي حسين الشهرستاني فهو أفضل من سلفه علي الأديب.

وتكشف البرقية فحوى اجتماع سري دعا إليه السفير الإيراني حسن داناييفر في بغداد، جمع كبار موظفي السفارة، إثر تولي العبادي رئاسة الحكومة، خلفاً لنوري المالكي، الحليف الوثيق لإيران، وأثناء الاجتماع وبحسب تقرير "الإنترسبت" أصبح من الواضح أن الإيرانيين ليس لديهم سبب يدعو للقلق بشأن الحكومة العراقية الجديدة، ورغم أنها لم تكن مطمئنة تماماً من العبادي، لكنها تمكنت من زرع العديد من ذوي "العلاقة الخاصة" بها في حكومته.

وأشار تقرير مسرب صادر في يناير 2015 إلى لقاء خاص بين العبادي وضابط بوزارة الاستخبارات، يُعرف باسم "بروجردي"، عُقد في مكتب رئيس الوزراء "بدون وجود سكرتير أو شخص ثالث".

وخلال الاجتماع، تحدث بوروجردي عن الانقسام السني الشيعي في العراق، لاستدراج العبادي إلى الحديث والتعرف أكثر على أفكاره، حيث قال الضابط الإيراني: اليوم يجد السُّنة أنفسهم في أسوأ الظروف الممكنة وفقدوا ثقتهم بأنفسهم فهم متشردون، ومدنهم مدمرة ومستقبلهم مجهول، بينما يستطيع الشيعة استعادة ثقتهم بأنفسهم، وهم يقفون أمام نقطة تحول تاريخية، ويمكن الاستفادة من هذا الوضع، ووفقاً للتقرير، عبّر العبادي عن موافقته لما تحدث به بوروجردي.

السيطرة على الملف الأمني

تشير التقارير المسربة إلى أن أيران سارعت إلى تحقيق أكبر قدر من التغلغل في مفاصل الأجهزة الأمنية العراقية، بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003 بشكل مباشر، وأنها عملت على مراقبة التحركات الأمريكية وخططها في العراق.

وبحسب الوثائق، عندما أطاحت القوات الأمريكية بصدام، نقلت إيران بسرعة بعضاً من أفضل ضباطها من وزارة الاستخبارات ومخابرات الحرس الثوري إلى العراق.

ونقل تقرير "إنترست" عن شخص منتمي للحرس الثوري، لم تسمه، قوله: إن إيران تعتبر مراقبة النشاط الأمريكي في العراق بعد الغزو الأمريكي أمراً حاسماً لبقائها وأمنها القومي، حيث غلب على اعتقاد قادتها أن طهران ستكون على قائمة واشنطن لتغيير النظام بعد أفغانستان والعراق.

فيما تحدثت الوثائق عن أن العديد من كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين والأمنيين في العراق يقيمون علاقات سرية مع طهران، وتكشف الوثائق أن إيران حاولت تجنيد عملاء سابقين في وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) بعد الانسحاب الأمريكي من العراق عام 2011، والعمل على تجنيد أحد موظفي الخارجية الأمريكية، موضحة أنه كان يمتلك معلومات استخبارية بشأن الخطط الأمريكية في العراق.

دلائل ومؤشرات

بدأ موقع "الإنترسبت" الأمريكي الشهير بالتسريبات المتعلقة بقضايا حساسة في العالم، تقريره باستهلال تحدث فيه عن اللواء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، وكيف أنه وصل إلى بغداد منتصف شهر أكتوبر، بينما كانت المظاهرات في أوجها حيث حاصر المحتجون مؤسسات الدولة الرئيسة، وأشارت إلى أنه جاء لإقناع حليفه في البرلمان العراقي بمساعدة رئيس الوزراء العراقي على البقاء في منصبه، دون الإشارة إلى اسم الحليف؛ فيما تتجه الظنون إلى رئيس البرلمان محمد الحلبوسي الذي يمتلك حق النقض (الفيتو) على القرارات الذي منحه النظام للرئاسات الثلاث، ويغلب على الاعتقاد أنها محاولة للإيحاء بأن الحلبوسي متعاون مع إيران، وأنه ليس المقصود بتصريحات زعيم "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، الذي تحدث عن تورط إحدى الرئاسات الثلاث بمؤامرة أمريكية تستهدف العراق عن طريق المظاهرات، ومعلوم أن الحلبوسي مرتبط بدولة خليجية قريبة من أمريكا، وأن الأخيرة رتبت له لقاءات مع طيف عراقي منوع تحت عنوان "المصالحة العراقية"، وهو ما تمكنت من معرفته المخابرات الإيرانية عبر جواسيسها، وتم تسريب المعلومة على لسان الخزعلي في إشارة إلى علمها بالمخطط الأمريكي الذي تفترض وجوده.

يشار إلى أنه وبعد وقت قصير من تصريح الخزعلي، وجهت وسائل إعلام محلية عراقية لها ارتباطات أمريكية أصابع الاتهام إلى الرئيس العراقي برهم صالح على اعتبار أنه المقصود بهذه التصريحات، وهو ما اعتبره مراقبون حينها محاولة لصرف الأنظار عن الحلبوسي، فالرئيس العراقي ينتمي لتنظيمات الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي أسسه الرئيس العراقي الراحل جلال الطالباني بمساعدة إيرانية، وتدين جميع قياداته بالولاء لإيران.

أخيراً؛ فإن تسريب الوثائق الإيرانية جاء متزامناً مع طلب أمريكي صريح بضرورة إجراء انتخابات مبكرة، وهو المطلب الذي لم يحصل على إجماع داخل العملية السياسية، كما جاء متزامناً مع مطالب أممية وأمريكية وغربية بحماية المتظاهرين والتحقيق في من يقوم بعمليات القتل، وهو ما يعطي زخماً للمتظاهرين في مطالبهم الملحة بضرورة التغيير، وعلى رأس تلك المطالب إخراج العراق من الوصاية الإيرانية.

عدد المشاهدات 1557

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top