"التحالف الشيطاني الثلاثي" وخطره على النسيج الاجتماعي في إثيوبيا

11:38 26 ديسمبر 2019 الكاتب :   مفتاح الدين عبدالسلام (كاتب إثيوبي)

سعى منليك الثاني لفرض ثقافة الأمهرا الكنسية واستخدم أساليب الترغيب والترهيب لتحقيق الوحدة الثقافية والدينية

تعمد ملوك الأمهرا لخلق خرافة تاريخية بأنهم ينتمون إلى نبي الله سليمان لاضفاء شرعية دينية على ملكهم

لعبت الكنيسة الأرثدوكسية دورا بارزا في نشر الثقافة الأمهرية في أرجاء البلاد

تحالف ثلاثي لتدمير النسيج الاجتماعي لإثيوبيا وفرض الثقافة الأمهرية الأرثدوكسية من جديد على البلد

المؤرخ مسفن: الأمهرا ظاهرة ثقافية فرضت على الشعوب وليس عرق او اثنية معينة

أحداث حرق المساجد عزز لدى الأمهريين المسلمين شعور التآزر والتكاتف مع بقية المسلمين في القوميات المختلفة

ستكون الانتخابات القادمة ضربة على التحالف اذا أحسنت الشعوب المسلمة اصطفافاتها السياسية بصورة مدروسة

 

 

تتكون إثيوبيا الحالية من عدة اثنيات وقوميات وكان لكل قومية من هذه القوميات كيان مستقل كما أن لها عادات وتقاليد ونظم سياسية واجتماعية مستقلة قبل تأسيس الدولة الإثيوبية الحديثة من قبل الملك منليك الثاني مؤسس الدولة الإثيوبية الحديثة.

وقد سعى منليك الثاني في مسيرة تأسيس إثيوبية الحديثة إلى إذابة الفوارق الاثنية والدينية وخصائص الشعوب المختلفة في بوتقة واحدة، وحاول بكل ما يملك من قوة فرض ثقافة الأمهرا الكنسية على الشعوب الإثيوبية  واستخدم أساليب الترغيب والترهيب لتحقيق الوحدة الثقافية والدينية.  

وتعمد الأمهريون الخلط بين مفهوم الأمهرا كقومية والأرثدوكسية كطائفة دينية لإضفاء القدسية على ثقافتهم دون أي أساس ديني أو تاريخي، بل تعمد ملوك الأمهرا إلى خلق خرافة تاريخية تقول بأنهم ينتمون إلى نبي الله سليمان لاضفاء شرعية دينية على ملكهم.

 الثقافة الأمهرية الأرثدوكسية

وتنظر الكثير من الشعوب الإثيوبية الى الثقافة الأمهرية الأرثدوكسية التي فرضت على إثيوبيا إبان حكم الأباطرة بعين الريبة بل يذهب البعض أكثر من ذلك ويعتبرها بمثابة ثقافة استعمار، وهذا الشعور لدى الشعوب الإثيوبية نابع من ممارسات الطبقة الحاكمة التي سعت إلى فرض ثقافة الشمال الكنسية الأمهرية ومحو ماعدا ذلك من الثقافات الأخرى، وقد لعبت الكنيسة الأرثدوكسية دورا بارزا في نشر الثقافة الأمهرية في أرجاء البلاد لدرجة انه يصعب التمييز بين الأمهرا كإثنية وبين الأرثدوكسية كطائفة دينية، وحتى في التعبيرات الشعبية لدى الكثير من الشعوب الإثيوبية فإنه يطلق لفظ الأمهرا على كل من يدين بالأرثدوكسية المسيحية مهما كان انتمائه العرقي.

وقد قاومت الشعوب الإثيوبية تلك المساعي التي استهدفت هويتها وخصوصياتها ونشأت حركات تحررية عديدة في جنوب البلاد وشرقها وكان للمسلمين الدور البارز في مواجهة تلك المساعي التي استهدفت الهوية الإسلامية بصورة أخص  فقد نشأت في أقصى الشمال المعروف حاليا بدولة ارتيريا حركات تحررية انفصالية كانت منطلقاتها الحفاظ على الخصوصية الثقافية الإسلامية تحولت لاحقا إلى حركة وطنية استوعبت التعددية  الثقافية والدينية للاريتريين، وكانت محاولات مشابهة في شرق البلاد وجنوبها، حيث خاض المسلمون في اوروميا والصومال  كفاحا مريرا مع الأباطرة للحفاظ على هويتهم الاسلامية .

ومن الطبيعي أن يكون الأساس الذي قامت عليه الدولة الإثيوبية الحديثة هشا ومتهالكا، نتيجة غياب مقومات التلاحم والترابط الوطني بين مكونات الدولة، حيث أن روح الاثنية والقومية تعلوا على روح الوطنية، بل إن الكثير يعتبر الوطن تهديدا لهويته القومية والدينية.

يسعى البعض عبثا أن يثبت وجود هوية وطنية مشتركة للمجتمع الاثيوبي، لكن الحقيقة الماثلة للجميع والواقع المعاش عكس ذلك حيث أن ما يفرق مكونات المجتمع الاثيوبي أكثر من نقاط الاتفاق، هذا ان وجدت اصلا نقاط اتفاق الا مجرد الأمل والرغبة النابعة من أصحاب النوايا الطيبة للعيش المشترك المبني على احترام خصوصيات الشعوب. 

بعد قرن ونيف من الزمن تحاول إثيوبيا جاهدة التصالح مع الذات وهذا يتجلى بوضوح في الدستور الذي وضع عام ١٩٩١م والذي ينص بوضوح على حق الشعوب في تحقيق مصيرها والحفاظ على خصوصياتها الثقافية والدينية.

 هذا على المستوى النظري خطوة جريئة للمصالحة مع الذات وان كانت الخطوات العملية لم تواكب الرؤية النظرية بالشكل المطلوب.

حرب إعلامية

لم يعجب الأمهريون وأنصار منليك الخطوات الجريئة التي خطتها إثيوبيا للمصالحة مع الذات في العقدين الماضيين، واستشعروا الخطر الذي يهدد ثقافتهم وهويتهم العنصرية والذي قد يودي بتلك الثقافة الهشة المبنية على العنصرية والطائفية إلى الاندثار، وخاصة مع بروز الصحوة الإسلامية ونشء جيل مثقف جديد يعتز بالهوية الإسلامية المناوئة والمنافسة للهوية الكنسية، وظهور معالم الثقافة الإسلامية بصورة واضحة في المدن الاثيوبية الكبرى والمتمثلة في المساجد والمدارس الإسلامية وكذلك في نمط حياة الناس والمناسبات الاجتماعية التي يظهر فيها الفلكلور الإسلامي بصورة واضحة وجلية مما دفع التحالف الشيطاني يحسب ألف حساب لهذا التحدي الثقافي الذي يهدد طموحاتهم التوسعية الساعية لطمس الهوية الاسلامية فعملوا طيلة السنين الماضية على شن حرب إعلامية على الدستور الإثيوبي والذي تضمن مواد دستورية تكفل لجميع الشعوب المحافظة على ذاتها وثقافتها وعادتها. كما عملوا على محاربة الدولة الفيدرالية بحجة أن الفيدرالية التي وضعت على أساس عرقي تهدد استمرارية وحدة الوطن. وذهب بعض المتطرفين منهم الى ابعد من ذلك فعمل على محاربة استقلال كل إقليم بلغته الخاصة التابعة لقومية الإقليم بحجة أن الوحدة الوطنية تكمن في وحدة العناصر الثقافية.

لكن الوقائع على أرض الواقع تجري عكس ما تشتهيه سفن أنصار المعسكر الوحدوي الأمهري الذي يسعى إلى استعادة أمجاد جدهم منليك، حيث أن مساعي المصالحة مع الذات والتي بذلت في عهد حكم الجبهة الثورية الشعبية الديمقراطية - التي تحكم اثيوبيا منذ عقدين - تهدد بصورة مباشرة الثقافة الأمهرية الأرثدوكسية التي فرضت على الشعوب قهرا، وأصبحت الكثير من الاثنيات التي قاربت على الاندثار إبان حكم الأمهريين تسعى اليوم للخروج من أزمة الهوية التي تعيشها منذ قرن نتيجة ذوبان خصوصياتها العرقية تحت وطأة حكام الأمهرا .

وقد شعر المعسكر الوحدوي الأمهري الأرثدوكسي لاحقا بصعوبة العودة إلى الوراء ورأوا بأن الشعوب ليست على استعداد لتقبل هيمنة ثقافتهم من جديد فبدأوا بالتحرك على مستويات ثلاث ضمن تحالف خطير هدفه تدمير النسيج الاجتماعي لاثيوبيا وفرض الثقافة الأمهرية الأرثدوكسية من جديد على البلد، وهذا التحالف له ثلاث أجنحة: جناح سياسي وديني وثقافي ونتيجة لنواياه الخبيثة آثرت تسميته بالتحالف الشيطاني الثلاثي.

مكونات التحالف:-

- الذراع الأول: الأحزاب السياسية الوحدوية الأمهرية.

الأحزاب السياسية الأمهرية تلك الأحزاب التي تسعى لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء وفرض هيمنة الثقافة الواحدة (الثقافة الأمهرية) على البلد ويطالبون بإلغاء مواد الدستور التي تنص على حق الشعوب في تقرير المصير، كما أنهم يدعون أن الفيدرالية الاثنية تهدد وحدة البلاد ويسعون إلى تأسيس دولة مركزية ذات طابع ثقافي واحد تهيمن عليه الثقافة الأمهرية الارتدوكسية .

ومعظم الأحزاب الأمهرية الوحدوية ترفض الانتظام داخل الأحزاب المبنية على الأسس العرقية والمناطقية لأن ذلك يتعارض مع توجههم الوحدوي الذي ينبذ منطق التعددية القومية والثقافية،  ولكن في الآونة الأخيرة ظهرت أحزاب سياسية  أمهرية مبنية على أساس قومي تناضل من أجل شعب أمهرا كعرق وذلك نابع من استشعارهم خطر تفكك واضمحلال القومية الأمهرية حيث أن الكثير من الاثنيات التي كانت تحسب عليهم بدأت الاستقلال والبحث عن هويتها الأصلية، وهذا قد يهدد القومية الأمهرية بالانقراض، حيث يذهب المؤرخ الأمهري المعروف البروفيسور مسفن استاذ التاريخ في جامعة أديس أبابا بأن الأمهرا ما هي إلا ظاهرة ثقافية فرضت على الشعوب وليس عرق او اثنية معينة، وعليه يمكن تقسيم الأحزاب التي تدور في فلك الأمهريين إلى قسمين:-

     أ- أدعياء الوحدة الوطنية.

     ب- القوميون الأمهريون الجدد.

-  الذراع الثاني: الكنيسة الأرثدوكسية

وليس خافيا على كل متابع للشأن الاثيوبي دور الكنيسة الأرثدوكسية في رسم الخارطة السياسية تاريخيا في اثيوبيا، حيث استمد منها حكام الأمهرا شرعيتهم، وهي في الحقيقة مؤسسة سياسية بحتة تختفي وراء عباءة الكهنة والرهبان، وقد لعبت دورا بارزا في نشر الثقافة الأمهرية حيث أنها تمارس طقوسها الدينية وتعليماتها باللغة الأمهرية في أرجاء البلد بما في ذلك المناطق التي لا تمت بصلة إلى الأمهرا، لدرجة أنها اوهمت الكثير من عامة الأرثوذكسيين بأن اللغة الأمهرية مقدسة.

وتسعى الكنيسة الأرثدوكسية لفرض سيطرة اللغة الأمهرية والثقافة الأمهرية عبر جناحيها :

          أ- رجال الدين.

وهم القساوسة والكهنة الذين يقومون على خدمة الكنائس وإلقاء الدروس والترانيم الدينية،  ويعتمدون على اللغة الأمهرية بصورة رسمية في جميع الكنائس المتواجدة في أرجاء اثيوبيا المترامية الاطراف.

         ب- الجناح الحركي (جمعية القديسين).

وهي جمعية دينية حركية تأسست في الآونة الأخيرة واستقطبت الكثير من الشبان والفتيات،  ولها أجندة سياسية خفية وتعمل بالتعاون مع الكنيسة والأحزاب السياسية الوحدوية.

 - الذراع الثالث: مراكز تزوير التاريخ (علماء التاريخ وأدعياء الثقافة )

يلاحظ المتطلع على تاريخ ملوك اثيوبيا حجم الأساطير والخرافات المدسوسة في التاريخ الاثيوبي، حيث أن الكثير من الكتب التاريخية التي ألفها المؤرخين الاثيوبين تتناول قضايا لا يمكن لعاقل او ناقد أن يتقبلها، وهذا المنهج في تزوير التاريخ تم تعمده وتوجيهه من قبل الساسة وذلك لخلق أساس تاريخي يمكن الارتكاز عليه لخلق دولة مركزية ذات ثقافة موحدة.

يتخوف الكثير من المراقبين من تحركات هذا التحالف لكونه يشكل خطرا على النسيج الاجتماعي المبني على التعددية الاثنية والدينية تحت الدولة الفيدرالية، فهم يسعون إلى إذابة كل الفوارق في بوتقة واحدة، وهذا التوجه يسعى لهضم حقوق أكثر من ثمانين اثنية في اثيوبيا .

لكن في نظري فإن كل المساعي التي يسعى إليها المعسكر الوحدوي الأمهري ضمن هذا التحالف لا يتعدى كونه أضغاث أحلام على المدى البعيد، لكن تأثيره على اللحمة الوطنية والاجتماعية على المدى القريب يسبب شرخا اجتماعيا وسياسيا بين مكونات الوطن الواحد ذات الثقافات والحضارات المتعددة.

وقد يعمق هذا الشرخ حضور العامل الديني بقوة في الفترة الأخيرة وبالاخص الحضور الاسلامي حيث أن الوعي الديني بين المسلمين في اثيوبيا حاليا يفوق التصورات ويعود اليهم الفضل في كسر حاجز الخوف ضد النظام ضمن حراك شعبي تحت شعار "ليسمع صوتنا".

وقد كان هذا الحراك اول اللبنات على طريق التغيير، ولأن للمسلمين نصيب الأسد تاريخيا من الاضطهاد الديني والثقافي من قبل الأباطرة المسيحيين فإن الجيل الحالي منهم لا يمكن أن يتنازل عن هويته الثقافية مهما كانت التحديات ويمكن ملاحظة حجم التحدي الثقافي والاعتزاز بالثقافة الإسلامية بالذات لدى المسلمين الذين ينتمون عرقيا إلى الاثنية الأمهرية فضلا عن الآخرين، فرغم وحدة الهوية القومية الا ان المسلمين من قومية الأمهرا منزعجون من إضفاء الطابع الديني على هويتهم القومية لذا فهم في بوتقة واحدة مع بقية الشعوب الإسلامية ضد توجه التحالف الثلاثي الذي يتخذ من قوميتهم منطلقاً.

ووقوع أحداث حرق المساجد الأربع في إقليم أمهرا من قبل متطرفين ارثدوكسيين  عزز لدى الأمهريين المسلمين شعور التآزر والتكاتف مع بقية المسلمين في القوميات المختلفة وخاصة بعد الهبة الشعبية لنصرتهم والتكاتف معهم مما يرجح اصطفافهم سياسيا ضد بني قومهم مع التيارات السياسية التي تسعى على الحفاظ على المكونات الثقافية والاثنية والدينية واعتبار التعددية ثروة ثقافية في بلد مترامي الاطراف ومتعدد الاعراق وقد توحد الحواضن الإسلامية بما فيهم المسلمون في إقليم امهرا أصواتهم مع التيارات السياسية القريبة من همومهم المشتركة وربما ستكون الانتخابات القادمة ضربة قاضية على "التحالف الشيطاني" اذا أحسنت الشعوب المسلمة اصطفافاتها السياسية بصورة مدروسة.

عدد المشاهدات 1595

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top