انهيار اتفاق سد النهضة.. ماذا ستفعل مصر مع بدء حجز المياه لملء السد بعد 3 أشهر؟

15:05 23 فبراير 2020 الكاتب :   يوسف أحمد

- مخاوف مصرية من خروج 200 ألف فدان من نشاط الزراعة في الدلتا والصعيد

- إثيوبيا رفضت طلب الربط بين مستوى المياه في سد النهضة مع السد العالي في مصر

- مصر تصر على عدم التنازل عن حصة سنوية لا تقل عن 40 مليار متر مكعب سنوياً من مياه النيل

 

يبدو أننا لسنا بصدد أن نشهد توقيع الاتفاق النهائي بين مصر وإثيوبيا والسودان بشأن سد النهضة بنهاية الشهر الحالي خلافاً لما كان متوقعاً، رغم توصل الدول الثلاثة لاتفاق مبدئي أول الشهر، بعدما أكد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن الاتفاق النهائي سيستغرق "أشهراً"، ولن يوقع بالتالي نهاية فبراير الجاري كما أعلن سابقاً.

فوفقاً لمصادر دبلوماسية مصرية لـ"المجتمع"، رفضت أديس أبابا المقترحات المصرية المتعلقة بربط تشغيل سدها بالسد العالي المصري، ورفضت إعطاء مصر 40 مليار متر مكعب من المياه، وتعاند في نقاط أخرى، ما دفع وزير الخارجية الأمريكي لزيارة إثيوبيا لمحاولة حل المشكلة مع حكومتها مباشرة، ولكنه فشل أيضاً، فأعلن أن المفاوضات ستستغرق أشهراً؛ ما يعني فشلها.

وهو ما عبر عنه وزير الخارجية الإثيوبي، في مؤتمر صحفي مع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، عندما قال: إنه لا تزال ثمة "قضايا عالقة" ينبغي حلها قبل التوقيع النهائي، وقول بومبيو: إنه لا يتوقع الآن أن يجري التوقيع على الاتفاق النهائي بنهاية فبراير، لأن "هناك أموراً كثيرة ينبغي القيام بها أولا"ً.

المسودة الأمريكية

وفقاً لما جرى تسريبه عبر مصادر مصرية في وزارتي الخارجية والري، اعتمدت الصياغة الأمريكية لمسودة الاتفاق النهائي بشأن قواعد تشغيل سد النهضة الإثيوبي وملئه، التي تم تسليمها للدول الثلاث على تقديم تنازلات متبادلة والتركيز على الدمج بين مطالب مصر بكميات مياه محددة خاصة في فترات الجفاف، والمطالب الإثيوبية الخاصة بكميات المياه المطلوب تخزينها بشكل مستديم لضمان توليد الكهرباء من السد لمدة خمس سنوات تالية لبدء التوليد في صيف 2021.

المسودة الأمريكية تعتمد أيضاً على المعيار الرقمي الخاص بكمية المياه المحجوزة والمنصرفة كل عام، وأن تكون الأولوية لمبدأ الاستفادة العادلة من المياه لجميع الأطراف، وذلك بغضّ النظر عن تحديد عدد قطعي من السنوات للملء الأول للخزان، الأمر الذي يبدو إيجابياً للجانب المصري، ومقللاً بشكل نسبي للآثار الضارة التي ستعود بالتأكيد على دولة المصب.

فريق وزارة الخزانة الأمريكية ركز أيضاً على ضمان تمكن أديس أبابا من الملء السريع لبحيرة سد النهضة وبدء إنتاج الكهرباء لبضع سنوات متواصلة، وفي الوقت نفسه تقليل نسبة المساحات المزروعة في مصر التي من المنتظر أن تخرج من الخدمة أو يصعب وصول المياه إليها، إلى 3 آلاف فدان بدلاً من 12 ألف فدان مع الانخفاض المتوقع في منسوب بحيرة ناصر (خزان السد العالي) عن 170 متراً

إذ إن هناك مخاوف مصرية من خروج 200 ألف فدان من نشاط الزراعة في الدلتا والصعيد حال تشغيل السد الإثيوبي، وهو ما بدأته مصر بوقف زراعة الأرز تدريجياً.

مأزق سد النهضة

تتمثل المشكلة في أن موافقة النظام المصري على اتفاقية سد النهضة ألغت عملياً "الفيتو" المصري على بناء سدود على مجرى نهر النيل، كما ألغت حصة مصر السنوية التي كانت تضمنه اتفاقيات عامي 1929 و1959، ما جعل كل دولة من دول أعالي النيل تفكر (مثل إثيوبيا) في بناء سدود على النيل ما سيحرم دول المصب (مصر والسودان) من حصتهما من مياه النيل.

وتنص اتفاقية تقاسم مياه النيل عام 1959 التي وقعت بالقاهرة بين مصر والسودان، وجاءت مكملة لاتفاقية عام 1929 وليست لاغية لها، على 3 بنود مهمة (أصبحت لاغية الآن)، هي:

- احتفاظ مصر بحقها المكتسب من مياه النيل وقدره 48 مليار متر مكعب سنوياً، وكذلك حق السودان المقدر بـ8 مليارات متر مكعب سنوياً.

- توزيع الفائدة المائية من السد العالي والبالغة 22 مليار متر مكعب سنوياً على الدولتين، بحيث يحصل السودان على 20 مليار متر مكعب وتحصل مصر على 7.5 مليار متر مكعب، ليصل إجمالي حصة كل دولة سنوياً إلى 55.5 مليار متر مكعب لمصر، و18.5 مليار متر مكعب للسودان.

- وطلبت مصر الحصول على 40 مليار متر مكعب من مياه النيل الأزرق الذي يمر من سد النهضة بخلاف مياه النيل الأبيض ونهر عطبرة، علماً أن النيل الأزرق إيراده السنوي 50 مليار متر مكعب في السنة، وطلبت من إثيوبيا ألا يزيد الحجز السنوي وراء السد عن 10 مليارات متر مكعب في المتوسط في السنة.

وتخشى القاهرة من مواسم الجفاف ونقص مياه النيل حيث تستهلك مصر أكثر من 70 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، منها 55 مليارًا من مياه النيل و12 مليار متر مكعب من المياه المعاد تدويرها، وقرابة 6 مليارات متر مكعب من المياه الجوفية.

لذلك تريد مصر تأمين آلية لمراقبة تدفق المياه والتأكد من حصولها على الحصة السنوية المتفق عليها، لكن إثيوبيا ترفض أي اقتراح لمراقبة كميات المياه المخزنة سنوياً في سد النهضة أو الكهرباء التي ينتجها لمعرفة حجم المياه، وتعتبره انتهاكًا لسيادتها.

وقد رفضت إثيوبيا طلب مصر الربط بين مستوى المياه في سد النهضة مع السد العالي في مصر، وقالت: إنها ستوافق فقط على حصة سنوية محددة من المياه من النيل الأزرق، وردت مصر بأنها تحتاج إلى تأمين اتفاق بشأن مستوى المياه في بحيرة ناصر الذي يسمح للسد بتوليد الكهرباء الذي حددته مصر عند ارتفاع 165 مترًا فوق مستوى سطح البحر، بينما ترغب إثيوبيا من جهتها في ضبط مستوى الإغلاق عند 156 مترًا.

ولو جرى خفض تدفق المياه من النيل الأزرق لمصر –وفق المقترح الأمريكي- إلى 37 مليار متر مكعب، فسوف ينخفض نصيب مصر والسودان إلى حوالي 74 مليار متر مكعب ومع خصم التدفق في البحر (10 مليارات وفق اتفاق عام 1959)، ينخفض نصيب كل من مصر والسودان معًا إلى حوالي 64 مليار متر مكعب بدلاً من نصيبهما الحالي.

ذلك، فالرأي السائد داخل الأجهزة الأمنية المصرية هو ضرورة عدم توقيع مصر على أي اتفاقية لا تحمي كامل حقوقها في المياه.

وقد مارست الولايات المتحدة ضغوطًا على كلا الجانبين، ووجدت القاهرة نفسها فجأة في موقف تفاوضي ضعيف مع القليل من الدعم الخارجي، وتحت ضغط للموافقة على صفقة أقل مما ترغب، وفقًا لمسؤولين مصريين تحدثوا إلى موقع «مدى مصر».

والضغط الأمريكي على مصر في مفاوضات سد النهضة مرتبط بصفقة الأسلحة المصرية الروسية، والتدقيق الذي تضطر الإدارة الأمريكية لمواجهته بشأن سجل مصر في مجال حقوق الإنسان.

مأزق مصر ليس مع إثيوبيا فقط!

تصر مصر على عدم التنازل عن حصة سنوية تقل عن 40 مليار متر مكعب سنويًا من مياه النيل (تعادل 85% من نصيبها من النيل الأزرق الذي يمر عبر إثيوبيا، وتوفير حصة تعادل 8 مليارات متر مكعب من النيل الأبيض أو الـ15% الباقية)، ولكن إثيوبيا تريد تقليص الحصة إلى 31 مليار متر مكعب، وتقدم واشنطن حلاً وسطاً يصل إلى 37 ملياراً.

وإذا كانت مصر عاجزة حتى الآن عن الاتفاق مع إثيوبيا وهي دولة واحدة من دول حوض النيل، فهل يمكن لها أن تتفق مع 9 دول ينبع منها النيل الأبيض بكل روافده لتحصل على نسبة 15% من مياه النيل الأبيض ودول منابع النيل الأبيض هي أوغندا (أعلنت عن سد جديد تبنيه) وكينيا وتنزانيا وجنوب السودان؟

والأخطر من ذلك أنه بتوقيع مصر على الاتفاقية المعدة من قِبل الولايات المتحدة والبنك الدولي، يتغير الموقف التاريخي لمصر، الذي أصر على التمسك طوال العقود الماضية بحق "الفيتو" الذي منحته لها اتفاقية تقاسم مياه النيل عام 1929، بما يفتح الباب عمليًا أمام دول أخرى في حوض النيل للشروع في إقامة مشروعات مائية ثقيلة، وفقًا لمصدر المنظمة التنموية الدولية.

ووفقًا لدراسة أجريت في عام 2016، بعنوان وسائل الملء التعاونية لسد النهضة الإثيوبي، يسهم النيل الأزرق بنسبة 57% من إجمالي جريان مياه نهر النيل الرئيس، بينما يسهم نهرا النيل الأبيض وعطبرة بنسبة 30% و13% على التوالي، ويبلغ إجمالي التدفق السنوي إلى السودان ومصر، وفقًا للبيانات المتاحة، 85 مليار متر مكعب؛ 26 مليار متر مكعب من النيل الأبيض، و11.1 مليار متر مكعب من نهر عطبرة، و48.3 مليار متر مكعب من النيل الأزرق.

عدد المشاهدات 2089

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top