د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الإثنين, 29 فبراير 2016 07:56

المجتمع المنتج.. واقع وطموحات!

إنّ البلدانَ في هذا العصر إمّا متطورة وذات قدرة إنتاجية عالية، أو مستهلكة متخلفة، ولا يتعلق موضوع الفارق بين بلد منتج وآخر مستهلك بتوافر الثروات الطبيعية من عدمهِ، وإن كان ذلك يشكل عاملاً أساسياً نحو التطور عند توافرها مع حصول عوامل أخرى معه، ولا يمكن أن نطلق على أيِّ دولةٍ بأنها متطورة مع افتقارها للقدرة الإنتاجية.

ويحدد المختصون في المجال الاقتصادي عوامل شيوع السمة الاستهلاكية لمجتمع ما بأسباب عدة، منها انعدام التخطيط العصري، وقلة الوعي لدى السكان، والافتقار لرأس المال، ويضاف إلى ذلك عامل أساسي هو انعدام الاستقرار السياسي والأمني.

ويبقى العامل الأخير أهم تلك العوامل؛ لأن ما يعزز إمكانية النهوض لأي مجتمع بشكل فاعل هو وجود عاملين أساسيين بالدرجة الأولى؛ هما التخطيط، وتوفير رأس المال، وفي حالة الاضطراب الأمني لا يجنح الممولون بالمغامرة بأموالهم في بلد غير مستقر، وكثير من دول العالم التي حققت إنجازات ضخمة في هذا المجال، كانت فيما مضى مثقلة بالفقر؛ فاليابانيون الذين يمثلون الآن ذروة التقدم التقني وغزارة الإنتاج كان بلدهم إبان القرن التاسع عشر يمر بمجاعة مرعبة، حملت الكثير من أبناء ذلك البلد بالهجرة إلى أمريكا الجنوبية، في حين ذكر التاريخ لما بعد ذلك القرن وتحديداً أوائل القرن الماضي بأن أحد العوامل غير المباشرة للحربين الأولى والثانية هو غمر الأسواق الغربية بالبضاعة اليابانية ذات الجودة العالية مع غزارة الإنتاج.

إن معظم دول العالم المتقدم لديها خطط تنمية موارد بشرية شاملة، وتضع أهدافاً تنموية تتضافر لتحقيقها جميع القطاعات بصورة متكاملة، والتي من أهدافها تعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.

ومما يجدر ذكره في هذا السياق الإشارة إلى موضوع غاية في الأهمية، وهو المجتمعات المنتجة؛ إذ هي مجتمعات تتضافر فيها جهود كل أبنائها للمساهمة بصورة إيجابية في عملية التنمية، وذلك من خلال إيجاد فرص عمل لأبنائها، بل قادرة على خلق أفكار تتبلور إلى أعمال ومشاريع حية، وذلك باستغلال موارد المجتمع المحلية المتوافرة.

المجتمعات التي تمر بأزمات اقتصادية أو نكبات نتيجة ظواهر طبيعية غالباً ما تعود إلى ما تمتلكه من رصيد موارد طبيعية حباها الله تعالى، فيتم استثمار ذلك، إلى جانب توظيف كل إمكانات المجتمع البشري للخروج من الأزمة.

إن تبني إستراتيجية تطوير قائمة على متطلبات المستهلك هو الطريقة الوحيدة لمتابعة مسيرة الابتكار، وقبل تقديم أي منتج جديد أو استهلال أي مشروع جديد، بغض النظر عن طبيعته، من الضروري أن يخصص الباحثون وقتاً لفهم احتياجات العملاء بالتفصيل، ودون شك، فالعملاء هم الجهة التي ستستخدم هذا المنتج وتقرر مدى نجاحه، لذا فمن المنطقي أن نأخذ متطلباتهم وتطلعاتهم في عين الاعتبار، وأن نجعلها محور ارتكاز لمجمل عملية تطوير واستعمال المنتج، وهذا الأمر يشمل قنوات لا حصر لها، تبدأ بالحصول على المواد الأولية، وتمر بمزايا وتأثيرات المنتج، وتنتهي بطرائق التخلص منه، لا بل إنها تصل إلى حد معرفة المعايير الجمالية التي تفضلها شريحة العملاء المستهدفة واعتمادها في مراحل تصميم عبوته وغلافها، وتعيين مقومات تجربة التسوق التي يفضها العملاء لتحديد المكان الأمثل لعرض المنتج، وضمان رؤية أكبر عدد من أفراد شريحة العملاء المستهدفة له، فضلاً عن توفير قنوات مناسبة ليعبر العملاء عن آرائهم بالمنتج عبرها.

ومن دون تخصيص الوقت الكافي للقيام بالأبحاث المطلوبة، فإن عملية الابتكار برمتها هي أشبه بالمغامرة غير المحسوبة، فهي تغدو ابتكاراً لغرض الابتكار لا أكثر، عوضاً عن أن تكون مدفوعة بالاحتياجات البشرية.

إن الابتكار القائم على فهم متطلبات العملاء يحتاج وقتاً ليحرز النجاح، ويحتاج جهداً لتحفيز التعاون، ويحتاج صبراً لمعرفة المهارات الواجب اللجوء إليها في موقف معين، إلا أن النتائج المستدامة تضمن نمواً صحياً يحرز النجاح ويستحوذ استحسان العملاء لكل منتج.

وتمثل النخبة الأكاديمية أو مدرسو الجامعات أهم النخب الفكرية التي تستطيع التأثير ووضع السياسيات والخطط التي يمكن لأي دولة ما أن تنهض بواسطتها، وفي بلادنا للأسف أعتقد أن هذه النخبة المشار إليها لا تقوم بذلك الدور المناط به، وأعتقد أن ذلك يعود إلى العديد من الأسباب.

ومن ذلك: قلة الإنتاج الأكاديمي، أو ممارسة البحث العلمي الذي يفترض أن يميز هؤلاء عن غيرهم، حيث يلاحظ أنه ليس هنالك إنتاج من قبلهم أو أنه قليل، ولا يرتقي إلى ذلك المستوى الذي ينتجه أكاديميو أي جامعة في الخارج، حيث يغيب إنتاجهم ويخفت بريقهم بعد تثبيتهم وحصولهم على تلك الدرجة الوظيفية، وكأن المهمة الرئيسة في دراستهم ومواصلتهم هو الحصول على درجة وظيفية فقط، ومن ثم العزوف عن فكرة ممارسة البحث العلمي وإنتاج أبحاث متواكبة مع التقدم العلمي والتقني والاجتماعي.

في الحقيقة، لقد فاجأني مما رأيته في جامعاتنا وما ينتجه أكاديميونا من دراسات وأبحاث ومقالات، والذي للأسف لا يمكن مقارنته ولا مجابهته مع أي جامعة أخرى في دول مجاورة أو دول غربية، فحريٌّ بأكاديميي الجامعات أن يفتحوا نوافذهم المعرفية واستشعار المستوى الذي هم فيه والدرجات العلمية التي يحملونها، وأن يجسدوا سلوك ودور الباحث العلمي المستمر والمتطور.

ومن هنا، فإن الحاجة ملحة في إعادة النظر في مسألة الالتحاق بالسلك الأكاديمي، وضرورة اعتماد شروط جديدة تتواكب مع الاهتمامات الحديثة، والإلمام بمسألة الإنتاج والبحث، وعدم اقتصار تلك الشروط والمعايير على أوائل الدُّفع أو ما شابه ذلك، فنظرة أغلب الطلاب اليوم هي باتجاه حجم ومقدار إنتاج الشخص الفكري والعلمي والأكاديمي في مجال تخصصه والمجالات المهمة في المجتمع، حتى تتحول تلك الجامعات إلى منتج ليس فقط للمعرفة وإنما منتج للعقول الواعية والنيرة العاقلة.

الثلاثاء, 23 فبراير 2016 12:28

نظرية الطبقة المترفة!

الغاية النهائية من النشاط الإنتاجي في كل مجتمع هو الاستهلاك، ولا يختلف المجتمع الحديث في ذلك عن أي مجتمع سابق، إلا في الأهمية المتزايدة التي بدأت تحتلها ضرورة العمل على زيادة الاستهلاك، والقدرة الهائلة التي توافرت لهذا المجتمع للعمل على تحقيق هذه الزيادة باستمرار وبمعدلات متزايدة دائماً.

إن الاستهلاك أصبح في ذاته قيمة اجتماعية كبرى، ويقاس مركز الفرد الاجتماعي بقدر ما يستهلكه من السلع والخدمات، ومدى قدرته على التغيير المستمر، "الموضة" دائماً في تغيير، حتى يشعر الفرد بحاجته إلى التغيير في استهلاكه، مما يؤدي إلى الاستهلاك المستمر.

وإذا كان الاستهلاك ونوعه وتنوعه يحدِّد في العصر الحديث - إلى حد ما - مكانة العائلة الاجتماعية، فإن ذلك لم يكن كذلك دائماً، ففي القديم لم يكن المركز الاجتماعي يتحدد للفرد بمقدار ما يستهلكه، بل إنه من مدعاة السخرية أن يحاول الفرد أن يجاري النبلاء في حياتهم، وأن يحاول أن يستمد مركزه الاجتماعي من زيادة إنفاقه الاستهلاكي.

ولعله، من الطريف أن أول من أشار إلى أهمية الاستهلاك التفاخري هو الاقتصاد الأمريكي فبلن في كتابه "نظرية الطبقة المترفة"، وهو بذلك يشير إلى أن بذور هذا المجتمع الجديد قد ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية القرن الماضي.

ولم ينظر إلى أثر الاستهلاك كقيمة اجتماعية في النظرية الاقتصادية إلا عندما كتب دوزنبري عن "أثر التقليد"، حين بين أن استهلاك الفرد لا يتوقف على ذوقه وما يريده هو، بقدر ما يتأثر بما يستهلكه الآخرون، وبذلك أدخل فكرة التداخل بين أذواق المستهلكين في تحديد ذوق المستهلك، ومعنى ذلك أن الاستهلاك أصبح قيمة اجتماعية، فالفرد لا يستهلك ما يريده فحسب، وإنما يستهلك ما يجد جيرانه وزملاءه يستهلكونه، ومن هنا نفهم الدور التي يقوم به الإعلان في العصر الحديث.

ولذلك، فإن أهم ما نلاحظه في الوقت الحاضر هو اتجاه الاستهلاك إلى الطبقات الوسطى وليس إلى الطبقات العليا، ففي الماضي، كان الحديث عن الأذواق والموضة قاصراً على طبقة محددة من ذوي الدخل المرتفع، أما الآن، فإن المنتجات الحديثة تتجه عادة إلى المستهلك العادي والذي يكوّن الغالبية الكبرى من المستهلكين، وهؤلاء - أي المستهلكون العاديون - يشترون عادة ما يقدم لهم دون نظرة نقدية فاحصة، فهم بطبيعتهم من مقدري الاستهلاك النمطي.

ولذا، فإن الاستهلاك الترفي في العصر الحديث ليس قاصراً على الطبقات العليا، وإنما هو من أهم خصائص الطبقة الوسطى وما دونها، بل لعل الطبقات العليا قد بدأت تميل نحو التعفف عن هذا الاستهلاك النمطي.

إن التقدم الفني الهائل المتاح الآن والمستخدم في أساليب الإنتاج قد وفر القدرة المستمرة على زيادة الإنتاج والإنتاجية مما زاد من فرص الاستهلاك، كما أنّ سيطرة الفنيين على قرارات الإنتاج قد ساعدت على النظر إلى النمو أي زيادة الإنتاج وما يرتبط بها من ضرورة زيادة التصريف، باعتبارها من الأهداف الرئيسة التي يتوخاها مصدرو هذه القرارات.

وقد نجم عن ذلك أن الاستهلاك في المجتمع الحديث قد زاد بشكل لم يكن معروفاً فيما سبق، كما نجمت عنه مجموعة من القيم والقواعد التي تنظم حياة المجتمع في ضوء زيادة الاستهلاك، ومن ذلك - وقد سبقت الإشارة إليه - أن زيادة الاستهلاك قيمة اجتماعية كبرى، ومحور مهم في النشاط الاقتصادي، فزيادة الاستهلاك في حد ذاتها، وبصرف النظر عن الحاجات التي يشبعها هذا الاستهلاك المتزايد، قد أصبحت من قواعد الإنتاج في العصر الحديث، وقد كان لهذه الظاهرة آثار بعيدة على الاقتصاد، كما لها آثار ونتائج خطيرة على السلوك الاجتماعي.

وإذا كان مجتمع الاستهلاك قد أدى إلى الزيادة المستمرة في استهلاك الطبقات المحرومة؛ إلا أنه لم يخل من انتقادات عنيفة مردها إلى نظرته المادية إلى الاستهلاك، وعدم وجود مُثل خلقية وثقافية، الغرض منها تنمية الفرد وقدراته، فهذا المجتمع يجعل من الفرد أداة للاستهلاك، دون أن يجعل منه إنساناً حقيقياً.

كما أن هذا المجتمع في سعيه المستمر لزيادة الإنتاج والاستهلاك، لا يستهدف سوى مزيد من الإنتاج ومزيد من الاستهلاك، فهو جريٌ محموم دون أي هدف ظاهر، بل إن سعي هذا المجتمع لمزيد من الإنتاج والاستهلاك جعله يستخدم الموارد الضخمة وبإمكانات كبيرة للتأثير في أذواق المستهلكين وتوجيههم نحو أكثر وأكثر، وبذلك فإن هذا المجتمع بإمكاناته الضخمة نجح في قصر دور الفرد على مجرد وحدة لاستهلاك ما يقدم له في السوق.

الأحد, 14 فبراير 2016 07:29

أساليب حياتية اقتصادية!

رغم مرور أعوام على مؤتمر الأمم المتحدة التاريخي حول البيئة والتنمية في ريو دي جانيرو، ما زال العالم عاجزاً عن تحقيق هدفه الرئيس "اقتصاد عالمي مستديم بيئياً".

فمنذ قمَّة الأرض عام 1992م ازداد عدد سكان الأرض بما يقرب من 450 مليوناً، وتصاعدت الإطلاقات السنوية من غاز ثاني أكسيد الكربون، وهو الغاز الرئيس من بين غازات البيوت الزجاجية إلى مستويات عالية جديدة، مما يغيِّر التركيبة ذاتها الخاصة بالجو وميزان حرارة الأرض.

يقول كرستوفر فلافن: من أجل المحافظة على التنوُّع البيولوجي على المدى الطويل، نحن بحاجة إلى إبطاء النمو في أعداد البشر، وتقليل الفقر في دول الجنوب، والاستهلاك المفرِط في الشمال، وهما اللذان يدفعان الناس إلى قطع الأشجار عن وجه الأرض.

ففي بداية القرن الماضي، كان سكان العالم 1.6 مليار نسمة فقط، وبحلول نهايته كان عددهم أكثر من 6 مليارات؛ أي: بزيادة قدرها 4.4 مليار أو 300%.

وتنامِي أعداد السكان قوَّة دافعة وراء الكثير من المشكلات البيئية والاجتماعية، ومع تزايد البشر الآن بسرعة قياسية قدرها 88 مليون سنوياً تقريباً، فإن إبطاء سرعة هذا النمو البشري أصبح أولويَّة ملحَّة.

على أنه لا يمكن النظر في موضوع النموِّ السكاني بصورة صحيحة دون الإشارة إلى مستويات استهلاك الموارد في كلِّ دولة على حِدَة.

فهناك ما يَقرُب من 1.5 مليار من الناس في العالم ينتمون إلى طبقة المستهلكين؛ وهم الذين يقودون سياراتهم، ويمتلكون الثلاجات وأجهزة التلفاز، ويتسوَّقون في الأسواق المركزية الكبرى، ويستهلكون الجانب الأكبر من الوقود الأحفوري، والمعادن ومنتجات الأخشاب والحبوب في العالم.

فالمولود الجديد في الولايات المتحدة - على سبيل المثال - يحتاج إلى ضِعفَي ما يطلبه مثلاه في البرازيل أو إندونيسيا من الحبوب، وعشرة أضعاف ذلك من النفط، ويسبِّب هذا المولود تلوُّثاً أكثر بكثير.

وبعملية حسابية يسيرة يظهر أن الزيادة السنوية في عدد سكَّان الولايات المتحدة البالغة 3 ملايين نسمة أو أكثر، تضع من الضغوط على موارد العالم ما يضعه 17 مليوناً من الناس الذي يضافون إلى عدد سكان الهند كل عام.

وما لم تقم الدول الصناعية بتطوير أساليب حياتية أقل كثافة في استخدام الموارد والتقنيات الأقل تلوثاً، سيكون من الصعب تطوير اقتصاد عالمي مستديم؛ سواء استقرَّ عدد سكَّان العالم في خاتمة المطاف عند 12 مليار شخص، أو عشرة، أو حتى ثمانية.

وقد خلصت الدراسات التفصيلية التي أجراها معهد "وبرتال" في ألمانيا إلى أنه عند استخدام المواد بصورة أكثر إنتاجية، سيكون من الممكن في العقود القادمة تخفيض مستويات الطاقة واستهلاك المواد في الدول الصناعية بنسبة واحد إلى أربعة، في الوقت الذي سيجري فيه تحسين مستوى المعيشة بشكلٍ فعلي، ومع ازدياد الطلب الاستهلاكي قامت الكثير من الأعمال التجارية بإعادة صياغة عمليات تصنيعها وتطوير منتجات مستدامة بيئياً.

فقد ذكر بول هوكن، المدير التنفيذي التجاري، في كتابه "علم التبيُّؤ التجاري"، لقد وصلنا إلى نقطة تحوُّل لا تبعث على الاستقرار، نقطة مثقلة بالاحتمالات في مدنيَّتنا الصناعية؛ إذ على أرباب الأعمال التجارية إمَّا أن يأخذوا على أنفسهم عهداً بإصلاح التجارة، أو أن يسيروا بالمجتمع إلى متعهِّد دفن الموتى!

وعندما كانت البشرية تحاول استعادة عافيتها بعد صدمة رؤية صور الأرض من الفضاء الخارجي في عام 1960م، تنبَّأ كينيث بولدنغ، العالِم الاقتصادي، أن نفاذ البصيرة الذي أوحتْ به تلك اللحظة سيؤثِّر نهاية الأمر في الممارسات ذاتها التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة.

فاقتصاد الكاوبوي كان يحدِّد معالم الحضارة الإنسانية بصورة متزايدة، وهو الاقتصاد الذي يستخدم الموارد الطبيعية كما لو كانت باقية دون حدود، هذا الاقتصاد كان يقف على طرف نقيض للحدود البيئية.

وسيأتي اليوم الذي سيحتاج هذا الاقتصاد فيه إلى التحوُّل إلى اقتصاد رجل الفضاء الذي يحترم - بصورة من الصور كما يفعل رواد الفضاء - الحدود البيئية الصارمة، ويحافظ على الموارد، ويُعِيد تدوير النفايات.

وكلَّما تأخَّرت المجتمعات في الشروع في هذا التحول - كما يرى بولدنغ - فإن هناك صعوبة في قدرتها على الحفاظ على مقدراتها الطبيعية.

ورغم أن الدول الصناعية وصلت إلى ما يُشبِه الطريق المسدود على مسار الاقتصاد والقائم على أسلوب الكاوبوي، فإن الدول الأكثر فقراً سارت في أعقابها وعلى منوالها بكلِّ أسف، وهكذا - كما هي الحال في الدول الصناعية - لم يفعل الدعم المقدَّم للموارد الطبيعية في الدول النامية سوى القليل للتصدِّي للمشكلات الاقتصادية المعاصرة، ولما كان دعم الحكومات للموارد الطبيعية نادراً ما كان ناجحاً، ولما كان هذا الدعم قد زاد في الغالب من سوء أوضاع أفقر الفقراء، فإنه بحاجة ليصبح أقلَّ ممَّا هو عليه.

ختاماً أقول:

إن على الدول الفقيرة أن تختار بين اقتصاد الكاوبوي واقتصاد رجل الفضاء، وعليها أن تتحمَّل النتائج والتَّبِعات، أو أن تجني الثمار والفوائد، وما زال الوقت مناسباً والبدائل قائمة، والاختيارات معروضة أمام الجميع.

الثلاثاء, 09 فبراير 2016 12:01

حفارو قبور!

حفارو قبور! إنهم كذلك يسيطرون على العالم من دون أن يردعهم رادع، فيعيدوننا إلى زمن الاستعمار متحكّمين بالدول الفقيرة الآخذة بالتقهقر.

إن النظام العالمي الذي خلّفه الاستعمار المتحكم بفضله خمس سكان الأرض بأربعة أخماس من مواردها، يؤدي كل سنة إلى وفاة 60 مليون كائن بشري من المجاعة أو سوء التغذية.

وللأسف، فإن هذا النظام العالمي يكلف الجنوب؛ دولاً وشعوباً بما يشبه مأساة هيروشيما كل يوم.

هيروشيما! هل يحق لنا تشبيه العالم الثالث بها؟! بالطبع، فكما عانت هيروشيما من لا مبالاة الغرب، وكانت حقلاً لتجاربه، يدفع العالم الثالث اليوم ثمن نمو هذا الغرب وتطوره.

يقول روجيه جارودي في كتابه "نداء جديد إلى الأحياء": لقد أدّت خمسة قرون من الاستعمار إلى نهب ثروات ثلاث قارات، وإلى تدمير اقتصادها، وكذلك إلى المبادلات غير المتكافئة وإلى الديون.

وفي هذا العصر، ناب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، ومنظمات أخرى عن هذا الاستعمار، واستمرت هذه المؤسسات والمنظمات في فرض قوانين السوق الغربية على العالم الثالث، إن هذا اختلال يقوم على الرعب والتحدي والقهر.

ونتيجة لذلك، فقد أصبحت سفينة الأرض التي نركبها جميعاً، وبعد أكثر من خمسة قرون من السيادة الغربية، مهددة اليوم بالغرق، إذا ما بقي الوضع على هذه الحال، واستمر الاتجاه إلى ذلك الغرب.

كتب مالرو - ذات مرة - قائلاً: إن حضارتنا هي الحضارة الوحيدة في التاريخ التي تجيب عن سؤال: ما معنى حياتنا؟! بلا أعرف.

يقول جارودي في كتابه السابق: يضني قلق عظيم في نهاية قرننا هذا ملايين الرجال والنساء، وليس هذا القلق سوى وليد البطالة والشقاء، وانعدام الأمن والعنف، ويعززه شعورنا بأن حياة كل منَّا الخاصة، وتاريخنا المشترك قد فقدا معنيهما، فيكتب الشبان على قمصانهم ليس من مستقبل!

ثم، أليس العالم مهدداً بدخول زمن الانحطاط؛ بسبب سيادة العولمة وتوحيد السوق؟!

إن الانحطاط على مستوى الفرد هو انطواء الفرد الأناني على ذاته، ورفض مسؤوليته تجاه الآخرين، وهو على مستوى الجماعة رغبة السيطرة، فعبادة السوق، وملكية المال المطلقة يؤديان بمجتمعاتنا إلى الانحطاط فالموت.

وقد أصبح الإعلام سوقاً ضخمة أوسع من سوق الصناعة والمال في ما يُسمِّيه الآن كوتاً بالرأسمالية الوساطية، وقد سمح تخصيص مجموعة المحطات الإذاعية أو التلفزيونية بجعل الحدث سلعة، وتكييفه وفقاً لذوق الزبون، وقد أصبح الإعلام داعماً للدعاية التي تتحكم في تمويل البرامج واختيار المقدمين.

فالتلفزيون يتغلب على المدرسة؛ لأنه يعفي الأفراد من جهد التعلُّم، وتمهد متعة مرور الصور الانتقال من الطفولة المتلفزة إلى الشيخوخة السياحية، وكما كتب مارك فومارولي التلفزيون سياحة ثابتة، والسياحة تلفزيون متحرك، وللأسف فلم يقض التلفزيون على المدرسة فحسب، بل قضى أيضاً على السياسة، فمن جهة الطلب ليس شيء أسهل من حكم شعب أُميّ، ومن جهة العرض ليس من وظيفة في السلطة؛ الأعمال أو الفنون من دون مسحة التلفزيون، إنه المجتمع الذي يحكمه السوق، فمظهر المرشح أهم من مشاريعه أو أقواله.

ومِن ثَمَّ، يمكن القول: إن الثقافات الأوروبية تتجه نحو الطابع الأمريكي في الميادين كلها، ولأسباب السيادة الاقتصادية؛ حيث لا تستطيع أسواق أوروبا التلفازية المنافسة، ويبقى المثال الأوضح مثال التلفزيون، الذي يطلق المشاهير والنوابغ بصناعة أمريكية.

إن مشكلاتنا الأساسية: الفقر والمجاعة والتلوث البيئي، والبطالة والهجرة والعنف، والمخدرات والانحراف والحرب، ناتجة عن مشكلة رئيسة، هي تمزيق العالم ما بعد الاستعمار، ويكمن مفتاح علاج مشكلاتنا الاقتصادية في تغيير علاقة العالم الغني مع العالم الثالث تغييراً جذرياً، وبتغيير نموذج النمو الغربي تغييراً جذرياً، وهكذا تتاح لدول العالم الثالث إمكانية إحداث أنماط تطور داخلي، لا تخضع للنماذج المفروضة من صندوق النقد الدولي المسببة للديون والتبعية والبؤس.

وختاماً أقول:  ينبغي ألاّ يُنظر إلى العالم الثالث باعتباره مصباً لفائض إنتاج العالم الغني الذي ينتج بهدف الهدر والتسلُّح، بل ينبغي تحويل صناعات العالم الغربي، وتغيير نمط عيشنا؛ لتلبية حاجات العالم الثالث الأساسية.

وهكذا يخرج العالم الثالث من المأزق؟!

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top