د.أشرف دوابة

د.أشرف دوابة

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الثلاثاء, 05 سبتمبر 2017 14:13

ابن خلدون والزيادة السكانية

يخرج علينا بين حين وآخر من يحصر مشكلات التنمية في البلدان الإسلامية في الزيادة السكانية، ويعتبرها من أهم أسباب التخلف والعائق أمام التنمية، خاصة من تولوا أمر بعض البلاد في الدول النامية عامة والإسلامية خاصة، وفشلوا فشلاً ذريعاً في التقدم ببلادهم نحو أي تنمية، فصارت الزيادة السكانية شماعة يعلقون عليها فشلهم وسوء إدارتهم وفسادهم، والإرادة للإصلاح الغائبة عن ذهنهم، تحت سكرة السلطة وقوة البطش.

وقد فطن ابن خلدون في مقدمته إلى قيمة القوة السكانية وقدرتها على تحقيق التنمية، واعتبرها من مقوماتها ودلالتها؛ فالزيادة السكانية في نظره تؤدي إلى زيادة درجة العمران، وقلتها في بداية الدولة تعيق التنمية وفي نهايتها تضعفها، فقد ذكر ابن خلدون أن «الترف (الرفه) يزيد الدولة في أولها قوة إلى قوتها، والسبب في ذلك أن القبيل إذا حصل لهم الملك والترف كثر التناسل والولد والعمومية، فكثرت العصابة واستكثروا أيضاً من الموالي والصنائع وربيت أجيالهم في جو ذلك النعيم والرفه، فازدادوا بهم عدداً إلى عددهم وقوة إلى قوتهم بسبب كثرة العصائب حينئذ بكثرة العدد»‏.

كما ذكر أن «عظم الدولة واتساع نطاقها وطول أمدها على نسبة القائمين بها في الكثرة والقلة»، وأضاف أيضاً: «ألا ترى إلى الأمصار القليلة الساكن كيف يقل الرزق والكسب فيها أو يفقد؛ لقلة العمال الإنسانية، وكذلك الأمصار التي يكون عمرانها أكثر يكون أهلها أوسع أحوالاً وأشد رفاهية».

خرافات «مالتوس»!

وبذلك نظر ابن خلدون لقيمة الزيادة السكانية كقوة تنموية قبل أن تظهر خرافات «مالتوس» بمئات السنين؛ ففي القرن الثامن عشر ظهرت نظرية الاقتصادي الإنجليزي الشهير «مالتوس» في السكان، التي ادعى فيها أن العالم لا بد أن يشهد كل ربع قرن ما يشبه المجاعة، وذلك نتيجة ميل سكانه للزيادة وفق متوالية هندسية، بينما يميل الغذاء إلى الزيادة بحسب متوالية عددية، ومن ثم فإن وجود فجوة بين السكان والموارد الغذائية أمر لا مفر منه، وازدياد هذه الفجوة اتساعاً بمرور الزمن أمر لا فكاك عنه.

وقد توصل «مالتوس» لحل ينافي الفطرة الإنسانية لهذه المشكلة من خلال مطالبته بالعزوف عن الزواج أو تأجيله بهدف الحد من الزيادة السكانية، وإلا فإن الطبيعة ستحصد الرؤوس الزائدة من خلال الأمراض والأوبئة نتيجة سوء التغذية، أو بالحروب نتيجة للتصارع على الموارد الغذائية.

وقد تبنت المؤسسات الدولية تلك النظرية لتخفيض عدد السكان في الدول النامية، في الوقت الذي حرصت فيه على تحفيز الزيادة السكانية في الدول الغربية، التي تعاني أصلاً من انخفاض في معدل المواليد كنتيجة حتمية للانحرافات الخلقية، والله تعالى خلق كل نسمة وتكفل برزقها، قال تعالى: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ {6}) (هود).

فعدد السكان لا يمكن النظر إليه على أنه عبء ومصيبة، بل هو نعمة يجب أن تُشكر، ومصدر قوة يجب أن تُستغل، والله تعالى كفل أرزاق العباد وطلب منهم الأخذ بالأسباب والمشي في مناكب الأرض، وخلق لهم فماً واحداً، في الوقت الذي أنعم عليهم بيدين لهما القدرة على إطعام هذا الفم من رزق الله بالعمل والإنتاج، كما أنه إذا كان يولد في كل عام مئات الآلاف من البشر، إلا أنه في الوقت نفسه تولد كل عام مئات الأفكار والمخترعات، وتزيد أفق المعرفة فيتسع العالم وتزيد موارده من تلك الأفكار التي لو أحسن استغلالها لتكشفت ينابيع متجددة ومتعددة من الثروات.

إن زيادة السكان تعني من جهة المزيد من الأيدي العاملة؛ ومن ثم إمكانية التخصص وتقسيم العمل؛ وبالتالي المزيد من الإنتاج والمزيد من الفائض الاقتصادي، ومعنى ذلك تحقق حلول معقولة لنظرية العرض، كما أنها تعني من جهة أخرى المزيد من الطلب؛ ومعنى ذلك حل مشكلة الطلب.

وكم من دول فقيرة في الموارد ولكنها استخدمت ما لديها من قوة عاملة في بناء نهضتها؛ فعلى سبيل المثال اليابان - التي بلغت صادراتها بجودتها الآفاق - تفتقر إلى الموارد الطبيعية، ولكنها أجادت استخدام مواردها البشرية، فمساحتها تبلغ 380 ألف كيلو متر مربع، ونسبة 20% من الأراضي اليابانية غير قابلة للاستغلال على الصعيد الاقتصادي، وبقية الأرض تشكلها الجبال، وعدد سكانها يتسم بالكثافة حيث يبلغ 118 مليون نسمة، ومع ذلك وصلت إلا ما وصلت إليه من تقدم وتنمية.

الإثنين, 07 أغسطس 2017 12:28

نحو جهاد اقتصادي لتحرير "الأقصى"

 

شهدت الأيام القليلة الماضية مزيداً من الاعتداء السافر للكيان الصهيوني على المسجد الأقصى، أولى القبلتين ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم، وثالث المساجد التي تشد إليها الرحال، وقد كان هذا الاعتداء من نوع آخر من خلال فرض إجراءات لدخول المسجد الأقصى عن طريق بوابات إلكترونية، وهنا برز الدور البطولي للمرجعيات الدينية بالقدس، وكذلك أهل القدس الذين أبوا الصلاة داخل المسجد الأقصى مروراً بتلك البوابات، فرابطوا خارج المسجد الأقصى مصلين حوله، واستشهد منهم من استشهد في ظل خذلان عربي وتواطؤ دولي، وكان من نتيجة ثباتهم أن استجاب المحتل لطلباتهم وفتح «الأقصى» عزيزاً كريماً ودخله أهل القدس كما دخلوه أول مرة مكبرين ومهللين لله رب العالمين.

إن هذه المواقف البطولية يجب أن تعيد للأمة الإسلامية مكانة قضية فلسطين برمتها، هذه القضية التي تحولت من إسلامية إلى عربية ثم تم اختزالها إلى فلسطينية مع أنها قضية دينية بلا منازع.

لقد كشفت الأحداث الجارية في ربوع «الأقصى» خاصة وفلسطين عامة أن أهل فلسطين ما وهنوا وما ضعفوا وما استكانوا، بل بذلوا وما زالوا يبذلون الغالي والرخيص من أجل الدفاع عن «الأقصى» الشريف وأرضهم وديارهم وعرضهم بل وكرامة أمتهم، فقدموا دماءهم وأرواحهم بنفس طيبة هنية، وأموالهم بسخاء منقطع النظير، واستمر العطاء بلا انقطاع.

النصرة الواجبة

إن انتفاضة السكاكين التي ما زالت مستمرة من أجل الأقصى في ظل تلك الظروف العصيبة تبرز قيمة الثقة بالله وحده واليقين بوعده لتلك الفئة المنصورة التي لا يضرها من خالفها أو خذلها أو تآمر عليها، لتذبح الحلم الصهيوني بتقسيم المسجد الأقصى زمانياً بين المسلمين واليهود، ولم يرهب أهل فلسطين ميزان القوى الذي هو بالطبع لصالح الصهاينة، فخرجت السكاكين لتفتك بالصهاينة وترهبهم وتنشر الرعب بينهم مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالرعب مسيرة شهر» (رواه البخاري). 

ولما كان المسلمون أمة واحدة يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم – وبغض النظر عن تخاذل الصهاينة العرب - فإن الجهاد أصبح فرض عين على المسلمين كافة لنصرة إخوانهم في فلسطين وتحرير المسجد الأقصى، فالأمة الإسلامية التي يربو تعدادها على المليار وثلاثمائة مليون أمة واحدة تجمعها وحدة  العقيدة والشريعة والقبلة، وكذلك وحدة الآلام والآمال، كما قال الله  تعالى : (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) (الأنبياء:92)، (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات:10)، (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ)  التوبة:71)، وكما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره».

فنصرة وكفالة أهل فلسطين من أول الواجبات على الأمة الإسلامية في المشرق والمغرب بكل ما لديها من قوة، وبكل نوع من أنواع الجهاد لمن قدر عليه بمال أو نفس أو قول أو دعاء؛ تطبيقاً لقوله تعالى: (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ) النساء:75)، (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) (الأنفال:72)، (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة:2).

الجهاد الاقتصادي

وإذا كان إخواننا في فلسطين رجالاً ونساء، شيوخاً وأطفالاً وشباباً، يجودون بأنفسهم وأموالهم وديارهم، ويتقبلون ما يصيبهم بنفس عزيزة أبية، ويقبلون على الموت بقدر إقبال اليهود - أعداء الله وعدوهم - على الحياة، ويصرون على خيار الجهاد لدحر الاحتلال وتحرير المسجد الأقصى مهما كان الثمن، في وقت حيل بين الشعوب المسلمة والجهاد بالنفس معهم، فلا أقل لهذه الشعوب من أن تجود بأموالها للمرابطين في أرض فلسطين، من خلال جهاد كل مسلم ومسلمة جهاداً اقتصادياً يعزون به دينهم، ويذلون به عدوهم، ويطهرون به مالهم، ويشاركون به إخواناً مرابطين في أرض فلسطين في جهادهم.

إن تمكين المرابطين في فلسطين من الجهاد بأنفسهم مرهون بتوافر العدة والعتاد لهم، ولن تتوافر العدة والعتاد إلا بالمال، كما أنه من حق أهل فلسطين علينا ألا تتحول أموالنا إلى رصاص يستقر في قلب كل فلسطيني من خلال شرائنا للبضائع والسلع الصهيونية، ومن هنا تبدو حتمية الجهاد الاقتصادي كضرورة شرعية واقتصادية لمساندة أهل الرباط في فلسطين حتى يتحرر “الأقصى” من خلال الجهاد المالي جنباً إلى جنب مع الجهاد بالنفس.

 

منذ نشأة جامعة الدول العربية في العام 1945م - أي منذ ما يربو على 70 عاماً - والعرب يحدوهم أمل الوحدة المشتركة اقتصادياً، ولكن رغم توالد الأفكار لم يكن لها حظ على أرض الواقع وتحولت إلى حبر على ورق، وسبقنا بها غيرنا تطبيقاً وتنفيذاً، فتأسس الاتحاد الأوروبي في عام 1957م - أي بعد 12 عاماً من تكوين جامعة الدول العربية - رغم الاختلافات اللغوية والثقافية والصراعات التاريخية الدموية بين الدول الأوروبية، وأصبح هذا الاتحاد الكتلة الاقتصادية الأولى في العالم، والكتلة البشرية الثالثة بعد الصين والهند، هذا فضلاً عن تكتلات أخرى مثل تجمعات «النافتا» و»الآسيان» و»الميركوسور».. وغيرها.

ولا شك أن الاتحاد الأوروبي مُني بنكسة كبرى بإعلان بريطانيا الخروج منه بناء على الاستفتاء الذي أجرى يوم 23 يونيو 2016م، وأسفر عن تأييد 51.9% للخروج من الاتحاد مقابل 48.9% طالبوا بالبقاء، وهو الأمر الذي قد يعرض الاتحاد لهزات أخرى بخروج دول أخرى من الاتحاد، ومع ذلك فالاتحاد الأوروبي لا يزال متماسكاً.

مقومات الوحدة الاقتصادية

إننا في عالم لا يعرف سوى لغة القوة والمصالح، ورغم ما يجمع الدول العربية من قواسم مشتركة - كاللغة والدين والثقافة والتكوين والتاريخ والجغرافيا - لم تجمعهم في واقعهم المعاصر خطوات حقيقية تمكنهم من الوصول للمستوى الطبيعي أو المقبول في مسيرتهم نحو الوحدة الاقتصادية أو التكامل الاقتصادي.

لقد كان أمل الدول العربية في نموذج دول مجلس التعاون الخليجي كنموذج مبدئي للوحدة العربية، رغم ما تعرض له هذا النموذج من عدم التقدم للأمام كثيراً في مجالات السياسة النقدية والمالية والهيكلية وتوقف المفاوضات نتيجة لاختلافات جوهرية بين بعض الدول بذات الشأن، ولكن ما نراه الآن يجعل ذلك الأمر مشكلة هينة.

إن ما تمر به الأمة من مرحلة تنازع واختلاف - تغذيه الصهيوأمريكية باعتبارها المستفيدة من ذلك - هو إنذار لعدم الوقوع في مكايد الشيطان ووعوده، والعودة إلى ميزان العقل وحل المشكلات كلها بالحوار بعيداً عن الصدام، والاستفادة من الدور المحمود لأمير الكويت الشيخ صباح الأحمد في لم الشمل والتأليف بين الإخوة.

إن هذه الأزمة فرصة للوقوف مع النفس وتعزيز إرادة الوحدة الاقتصادية العربية، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، ولكن يجب أن ندرك أنه لن تتحقق تلك الوحدة ما سادت قومية العصبية والفردية وعزل الإسلام كمنهج حياة، وقد فطن المستشرق “جب” Gibb)) إلى سر توحد العرب بقوله عنهم: “إنهم تجمعهم حقيقة تاريخية هي بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وذكرى الإمبراطورية العربية بالإضافة إلى اللسان العربي والإرث الحضاري المشترك”.

الوحدة فريضة إسلامية

لقد كان العرب قبل الإسلام أمة، لكنها ممزقة، لم تعرف للوحدة سبيلاً، وللتكامل مكاناً، ولم تكن العربية وحدها أو القومية وعاء لجمع كلمتهم وتوحيد صفوفهم، ولم يحدث تكاملهم ووحدتهم وتحولهم إلى بنيان مرصوص وجسد واحد إلا في ظل الإسلام، وهذه حقيقة تاريخية، فنجاح مشروع الوحدة العربية اقتصادياً وسياسياً مرتبط بعودة الروح الإسلامية لتسري في القومية العربية، فتهذبها بتعاليم الدين، وتضع مسيرة التكامل في طريقها الصحيح.

إن الإسلام كمنهج حياة جعل من وحدة المسلمين فريضة إسلامية، وقد قامت مناسكه وشعائره من صلاة وصيام وزكاة وحج ونحوها على العمل الجماعي لا الفردي، وعلى ذات الدرب يقوم نظامه الاقتصادي.

كما أن الإسلام دين يربي أبناءه على العزة، ويرفض لهم التبعية الاقتصادية، ويأمرهم بأفضل استخدام ممكن للموارد المتاحة حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد: “لا تسرف في الماء ولو كنت على نهر جارٍ”، وكذلك يرتب الإسلام أولويات الإنتاج في المجتمع وفقاً لحاجات الناس من ضروريات وحاجيات وتحسينات، ويمنح العنصر البشري مكانته بصفته أفضل مخلوق وخليفة الله في أرضه، من خلال حرية الحركة والعمل والتملك وممارسة النشاط الإنتاجي وحمايته من أي تعديات.

لذا فليفر العرب إلى شريعة ربهم، فبها تحل خلافاتهم، وتكون الوحدة سبيلهم، فالاعتصام بحبل الله هو النجاة، ولنا في تجربة الأندلس عبرات وعظات.

يعاني عدد من دول العالم من آثار مدمرة للمجاعة، في عصر بات العالم قرية صغيرة، ولكن هذا العالم ما زال لا يعرف سوى لغة الأقوياء، وأصبحت مصطلحات الرحمة والتكافل نسياً منسياً في قواميسه، في ظل هيمنة منطق القوة، والبحث عن المزيد من المنافع.

فها نحن أولاء نجد في عدد من البلدان، وفي مقدمتها الصومال واليمن وجنوب السودان ونيجيريا، الناس يموتون باليل والنهار جوعى؛ لما لحقهم من جفاف وحروب، فلم يقف الأمر عند افتراشهم الأرض والتحافهم بالسماء، بل امتد إلى عجزهم عن توفير ما يسد رمقهم والبقاء على قيد الحياة.

إن حجم الأزمة وتلك المأساة يظهر من تحذير الأمم المتحدة من أن العالم يواجه أسوأ أزمة إنسانية منذ عام 1945م، وإطلاقها نداء عاجلاً للمساعدة من أجل تجنب وقوع كارثة، وفي هذا الإطار، قال «ستيفن أوبراين»، مسؤول الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة: إن 20 مليون شخص يواجهون مجاعات في اليمن والصومال وجنوب السودان ونيجيريا، وشددت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) على أن 1.4 مليون طفل قد يموتون جراء الجوع هذا العام.

إن هذه المأساة تضع دول العالم، وفي القلب منها الدول الإسلامية، على المحك، والأمم المتحدة مطالبة بالكف عن الكلام وإبراز جوانب العمل لإنقاذ تلك الأرواح التي تشتكي لربها من ظلم إخوانها من البشر لها وتركها للجوع يفتك بها، كما ينبغي على الدول الإسلامية بما تملكه من إمكانيات ومؤسسات خيرية فتح باب التكافل والرحمة مع الجوعى والوصول إليهم وبذل الجهد لإنقاذهم.

الإسلام والتكافل الاجتماعي

إنه لا يوجد دين على ظهر الأرض حفظ للإنسان كرامته كالإسلام، هذا الدين الذي جعل من أسسه الاقتصادية تحقيق التكافل الاجتماعي ليس بين المسلمين وحدهم بل بين البشر أجمعين، فكيف الحال إذا كان من يموتون من المجاعة في جلهم مسلمين؟!

إن التكافل الاجتماعي ينطلق من مفهوم الاستخلاف الذي جعل ذلك التكافل مبنياً على أسس عقدية وإيمانية وأخلاقية، وقائماً على التكامل والترابط، فيبدأ بالفرد ثم الأسرة ثم المجتمع ثم الإنسانية جمعاء حاضراً ومستقبلاً.

عن جابر رضي الله عنه قال: أعتق رجل من بني عذرة عبداً له عن دبر، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “ألك مال غيره؟”، فقال: لا، فقال: “من يشتريه مني؟”، فاشتراه نعيم بن عبدالله العدوي بثمانمائة درهم، فجاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعها إليه، ثم قال: “ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا.. يقول: فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك” (رواه مسلم).

وعن أبي سعيد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أن لا حق لأحد منا في فضل من كان له فضل زاد” (رواه أبو يعلى).

وعن أبي موسى رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم” (رواه البخاري).

وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما يؤمن من بات شبعان وجاره طاو إلى جنبه” (رواه ابن أبي شيبة).

وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” (رواه مسلم).

وعن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” (رواه مسلم).

وعن سالم عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته” (رواه مسلم).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه” (رواه مسلم).

كما أن التكافل الاجتماعي لغير المسلمين يبدو واضحاً فيما رواه جرير رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء” (رواه الطبراني)، كما مرَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بباب قومٍ، وعليه سائلٌ، شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه، وقال: مِنْ أيِّ أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي، قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسألُ الجزيةَ والحاجةَ والسنَّ، فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منـزله فرضخ له بشيء من المنـزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءَه، فواللهِ ما أنصفناه أنْ أكلْنا شبيبته ثم نخذلُه عند الهَرَمِ!

إن إنقاذ تلك النفوس البشرية المحاطة بالمجاعة والحروب بات من الأهمية بمكان، وفي مقدمة الأولويات لمن كان في قلبه ذرة من إنسانية، وصدق الله العظيم إذ يقول: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) (المائدة: 32).

الصفحة 4 من 5
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top