د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الثلاثاء, 16 أكتوبر 2018 15:47

جاسم محمد الوزان.. مثال للمروءة

جاء ديننا الإسلامي الحنيف ليقر ويؤكد الأخلاق الفاضلة، التي من أفضلها وأجلها مكانة ومنزلة المروء والشهامة.

وتتجلى أبهى صور المروءة والشهامة في الإسلام في موقف النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته الشريفة من عمه أبي طالب، قال ابن إسحاق: "كان من نعمة الله على عليِّ بن أبي طالب، ومما صنع الله له، وأراده به مِن الخير -أن قريشًا أصابتهم أزمةٌ شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس عمه- وكان من أيسر بني هاشم: "يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناسَ ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه، فلنخفِّف عنه من عياله، آخُذُ من بنيه رجلاً، وتأخذ أنت رجلاً، فنكلهما عنه"، فقال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا له: إنَّا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما -قال ابن هشام: ويقال: عقيلاً وطالباً- فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّاً، فضمَّه إليه، وأخذ العباس جعفراً فضمه إليه، فلم يزل عليٌّ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله تبارك وتعالى نبيّاً، فاتَّبعه علي رضي الله عنه، وآمَن به وصدَّقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه" (ابن هشام. "السيرة النبوية" . ج1 . ص246.)

وتوضح هذه القصة الواقعية مثالاً ونموذجاً لصاحبها التاجر جاسم محمد العلي الوزان رحمه الله تعالى، وهو من تجار الكويت المعروفين، وقد عرف عنه مروءته وشهامته، وحرصه على فعل الخير ومد يد العون لكل محتاج.

يروي السيد طلال الوزان في كتابه "جاسم محمد على الوزان: صانع الجودة (1929 – 1989)" ص 89 .

عن جده التاجر جاسم محمد الوزان رحمه الله تلك القصة قائلاً: ذكر شقيقه الحاج عبدالوهاب محمد الوزان نقلاً عن أحمد عيسى الوزان عندما كان في زيارة له في إحدى المستشفيات بعد عملية جراحية: "لا أنسى أخاك جاسم، خدمني خدمة لا أحد عملها لي، ذهبت إليه عندما كان دكانه في السوق القديم ويبيع بالمفرق، جلست عنده وقلت له: ولد عمي، أريد مساعدة منك، أنا تعبت من النقل على الحصن (جمع حصان)، أريد سيارة نقل، وكان أخوك جاسم مشغولاً جداً بالبيع مع الناس، ومع طول الانتظار ذهبت عنه، ولا أرى إلا واحداً يناديني:  (ولد عمي! ولد عمي أحمد!) التفت إلا وهو أخوك جاسم يقول (لماذا ذهبت؟! لا عليك اذهب اشتر السيارة وهذه نقودها)".

وهكذا أصحاب النجدة والمروءة يندفعون دفعاً نحو المكرمات؛ ومنها إغاثة الملهوفين، وقضاء حاجات الآخرين، فمن كَثُرَتْ نعم الله عليه كَثُرَتْ حوائج الناس إليه، فإن قام بما يجب لله فيها عرضها للدوام والبقاء، وإن لم يقم فيها بما يجب لله عرضها للنضوب والزوال.

وهكذا ضرب التاجر جاسم محمد الوزان رحمه الله تعالى مثالاً طيباً في المروءة والشهامة، كما قدم مثالاً يحتذى به في الكرم والجود، كما ظهر جلياً من بين ثنايا تلك القصة الرائعة حرصه على إغاثة الملهوف وإعانة المحتاج، وذلك من قبيل شكر الله تعالى على نعمه، فبالشكر تدوم النعم، وبالإحسان تتجلى أسمى آيات الكرم، وهكذا تحلى أهل الكويت الكرام بالشهامة والكرم والعطاء، فأصبحوا قدوة حسنة يحتذى بها في بذل الخير والبر والإحسان.

رحمهم الله جميعاً رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته.

 WWW.ajkharafi.com

إن نعمة الأمن من أعظم النعم التي رزقنا الله إياها، بل إنها تفوق في الفضل نعمة الرزق، ولذلك قُدمت عليها في الآية الكريمة، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (البقرة: 126)، فبدأ سبحانه وتعالى بالأمن قبل الرزق لسببين أساسيين:

الأول: أن استتباب الأمن سببٌ رئيسٌ للرزق، فإذا شاع الأمن واستتبَّ ضرب الناس في الأرض، وهذا مما يدر عليهم رزق ربهم ويفتح أبوابه لهم.

الثاني: لأنه لا يطيب طعام ولا يُنتفع بنعمة ولا برزق إذا فقد الأمن.

وقد تمتع أهل الكويت الكرام بأسواق مليئة بالأمن والأمان ولله الحمد، وهذا من فضل الله على هذا البلد الطيب، ومن كرم الله بأهلها المحسنين الطيبين.

وهذا ما سوف نستعرضه في ذكر هذه القصة الواقعية التي رواها العم عبدالعزيز محمد الحمود الشايع في كتابه "أصداء الذاكر" (عبدالعزيز محمد الشايع، "أصداء الذاكرة" ص 42-43)، حيث يذكر فيها مهام عمله حينما كان يحصل في سوق الكويت القديم قائلاً: كنت أثناء جولتي الأسبوعية على محلات تجار التجزئة أحمل كيساً مصنوعاً من القماش أضع فيه الروبيات (جمع روبية وهي عملة هندية متداولة في الكويت قديماً وقيمتها تعادل 75 فلساً) المعدنية التي أحصلها من التجار تجاه حقوقنا لديهم من التعاملات التجارية السابقة، ففي ذلك الوقت لم تكن الأنواط النقدية الورقية قد ظهرت بعد، وكان الجميع حولي يعلمون ماذا أحمل في كيسي الذي كانت تزداد حمولته كلما خرجت من أحد المحلات باتجاه المحل الآخر، لكنني كنت أشعر بمنتهى الأمان، فقد كانت الحياة كلها آنذاك في الكويت بسيطة وآمنة والجميع يشعر بالأمان حتى وهو يمشي في الشارع محملاً بالأموال، ومازلت أتذكر أن محلات الذهب، أيام تجارة الذهب، كانت تبقى مفتوحة حتى عندما كان أصحاب هذه المحلات يقومون بعمليات تحويل الذهب إلى أسياخ (وزنها 10 تولات أي ما يعادل 115 جراماً تقريباً) من أجل تسهيل تصديرها والتعامل معها، فقد كانت تلك العملية تتم أمام أنظار الناس بشكل مباشر وبكل إحساس بالأمان والاطمئنان، وكان من الطبيعي رؤية سبائك الذهب وهي موضوعة أمام أبواب المحلات المفتوحة، والصرافين يضعون الأموال أمامهم ويعدونها من دون أي خشية من أن تغري تلك العملية أي ضعيف نفس للقيام باختطافها أو سرقتها، خصوصاً وأن أبواب محلات الذهب كانت مصنوعة من الخشب الذي يسهل كسره ومن دون أي حماية أو حراسة أبداً.

ويستطرد العم عبدالعزيز الشايع قائلاً: ولا أتذكر أي حادثة سرقة يمكن اعتبارها استثناءً لهذا الجو المشبع بالأمن، وكانت سبائك الذهب تنقل بأيدي الأشخاص بشكل مكشوف في الطريق العام بكل أمان، فكان من المناظر المألوفة في شوارع الكويت آنذاك رؤية أحد صبيان المحلات هو يحمل بين يديه سبائك ذهبية وهو يمشي في الشارع دون أن يلفت ذلك المشهد انتباه أحد.

وهكذا يتضح من هذه المشاهد الجميلة التي رواها لنا العم عبدالعزيز الشايع كيف كان عليه الحال في أسواقنا القديمة من أمن وأمان، لا سيما في محلات الذهب والعملات التي عادة ما تحتاج في وقتنا الحاضر إلى تأمين وحراسة.

ولقد عكست هذه المشاهد بالفعل زمناً جميلاً، وجيلاً رائعاً من الآباء والأجداد عاشوا في سلام داخلي مع النفس فانعكس ذلك على المجتمع بأسره، فكان مجتمعاً آمناً مطمئناً بسيطاً متحاباً، تمتع فيه الجميع بالأمن والأمان وراحة البال.

تحدثنا في مقالات سابقة عن  حق الجار، وذكرنا أن من أهم الحقوق التي جاءت بها شريعتنا الإسلامية الغراء حق الجار، وأكدت الشريعة أيضاً على حسن معاملة الجار وفضل الإحسان إليه، ومن ذلك قول المولى سبحانه وتعالى موصياً بحق الجار: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾ (سورة النساء: الآية 36)، فهذه وصية ربانية واضحة بالإحسان إلى الجار بعد الإحسان للوالدين واليتامى والمساكين، وفي السنّة النبويّة المطهّرة حديث عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ" (رواه البخاري: برقم 5669، ومسلم: برقم 6854).

وقد ضرب أهل الكويت الكرام أروع الأمثلة تطبيقاً لهذا الأمر الإلهي، والتوجيه النبوي الكريم، وتجلت صور رائعة لحسن الجوار والمعاملة الحسنة للجار، فيظهر المعدن الأصيل لأهل هذا البلد المعطاء في حب الخير للجار، والفزعة من أجله، وحسن التعامل معه.

وتوضح هذه القصة الواقعية من كتاب "محسنون من بلدي" (الجزء الأول - ط2 - الكويت: بيت الزكاة، 2001م - ص 129-133 – مستشار التحرير د. عبدالمحسن عبدالله الجارالله الخرافي) مثالاً ونموذجاً لبطلها التاجر محمد بن مدعج المدعج، وكان أحد التجار المعروفين بالإحسان إلى الجار في عصره، كما عرف عنه الجود والكرم، والإحسان إلى الفقراء والمساكين.

أما عن قصة إحسانه إلى جيرانه وحسن معاملتهم ففيها من العبرة والعظة ما هو جدير بالذكر، وفيها أن التاجر محمد بن مدعج المدعج اشتهر بحسن الجوار وحسن المعاملة وعرف أيضاً بنخوته العربية وأخلاقه الكريمة، وفي هذا يروي الشيخ عبدالله النوري في كتابه "خالدون في تاريخ الكويت" قصة تدل على الاحترام المتبادل بينه وبين المواطنين فقال: علم السيد محمد المدعج أن السيد علي السيد سليمان الرفاعي اشترى بيتاً مجاوراً لبيته، فقام بزيارته في متجره، ولما رآه السيد علي قام مرحباً به قائلاً: "أهلاً بقدومك يا بو مدعج وعسى حاجتك عندنا ونقضيها"، وهذه العبارة معروفة عند الكويتيين عندما يزورهم ذو المكانة الذي لم يتعود زيارتهم، فقال: "لقد سمعت أنك اشتريت البيت المجاور لبيتي، فهل ستسكنه؟ وهذا الذي أريده وأتمناه، أم أنك ستستثمره مأجوراً وهذا ما أخافه لأني أخاف من جار السوء، وأرجو إن كان الثاني أن تبيعني البيت بالفائدة التي تريد".

فقال السيد علي: لا، إن زيارتك لي هي الفائدة الكبرى، واعتبر البيت مسجلاً باسمك.

وعلم المرحوم علي العليمي وهو من خيار الناس بما جرى بين السيد علي ومحمد المدعج، وأن ملكية البيت آلت إلى السيد محمد المدعج فذهب إليه قائلاً: إنني أبحث عن دار وجار، وقد وجدت الجار الذي أتمناه والذي هو أفضل من الدار، فهل تبيعني البيت بالفائدة التي تريد؟

فقال محمد المدعج: "اعتبر البيت قد سجل باسمك، ولا أريد عليه فائدة أكثر من جوارك".

وهكذا كان أهل الكويت في الماضي، يتسارعون إلى بذل الخير للغير، ويحرصون على محبة الجار والإحسان إليه والتعامل بالحسنى معه، وكثيراً ما تكررت في كويت الماضي مثل هذه القصص للبحث عن الجار قبل الدار، والبيع بنفس الثمن للجار، وعرض البيوت والأراضي على الجار أولاً قبل عرضها في الأسواق، رغبة وده و الإحسان إليه .

وهكذا كانت حياة التاجر محمد المدعج أحد أبناء هذا الجيل الفريد سلسلة من القيم والمثل الفاضلة والأخلاق العالية، رحمهم الله رحمة واسعة وجعل مثواهم جنات النعيم.

تحدثنا في مقالات سابقة عن حق الجار، وذكرنا أن من أهم الحقوق التي جاءت بها شريعتنا الإسلامية الغراء حق الجار، وأكدت الشريعة أيضاً حسن معاملة الجار وفضل الإحسان إليه، ومن ذلك قول المولى سبحانه وتعالى موصياً بحق الجار: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾ (النساء: 36)، فهذه وصية ربانية واضحة بالإحسان إلى الجار بعد الإحسان للوالدين واليتامى والمساكين، وفي السنّة النبويّة المطهّرة حديث عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ" (رواه البخاري: برقم 5669، ومسلم: برقم 6854).

وقد ضرب أهل الكويت الكرام أروع الأمثلة تطبيقاً لهذا الأمر الإلهي، والتوجيه النبوي الكريم، وتجلت صور رائعة لحسن الجوار والمعاملة الحسنة للجار، فيظهر المعدن الأصيل لأهل هذا البلد المعطاء في حب الخير للجار، والفزعة من أجله، وحسن التعامل معه.

وتوضح هذه القصة الواقعية من كتاب "محسنون من بلدي" (الجزء الأول - ط2 - الكويت: بيت الزكاة، 2001م - ص 129-133 – (مستشار التحرير د. عبدالمحسن عبدالله الجارالله الخرافي) مثالاً ونموذجاً لبطلها التاجر محمد بن مدعج المدعج، وكان أحد التجار المعروفين بالإحسان إلى الجار في عصره، كما عرف عنه الجود والكرم، والإحسان إلى الفقراء والمساكين.

أما عن قصة إحسانه إلى جيرانه وحسن معاملتهم ففيها من العبرة والعظة ما هو جدير بالذكر، وفيها أن التاجر محمد بن مدعج المدعج اشتهر بحسن الجوار وحسن المعاملة وعرف أيضاً بنخوته العربية وأخلاقه الكريمة، وفي هذا يروي الشيخ عبدالله النوري في كتابه "خالدون في تاريخ الكويت" قصة تدل على الاحترام المتبادل بينه وبين المواطنين فقال: علم السيد محمد المدعج أن السيد علي السيد سليمان الرفاعي اشترى بيتاً مجاوراً لبيته، فقام بزيارته في متجره، ولما رآه السيد علي قام مرحباً به قائلاً: "أهلاً بقدومك يا بو مدعج وعسى حاجتك عندنا ونقضيها"، وهذه العبارة معروفة عند الكويتيين عندما يزورهم ذو المكانة الذي لم يتعود زيارتهم، فقال: "لقد سمعت أنك اشتريت البيت المجاور لبيتي، فهل ستسكنه؟ وهذا الذي أريده وأتمناه، أم أنك ستستثمره مأجوراً وهذا ما أخافه لأني أخاف من جار السوء، وأرجو إن كان الثاني أن تبيعني البيت بالفائدة التي تريد".

فقال السيد علي: لا، إن زيارتك لي هي الفائدة الكبرى، واعتبر البيت مسجلاً باسمك.

وعلم المرحوم علي العليمي وهو من خيار الناس بما جرى بين السيد علي ومحمد المدعج، وأن ملكية البيت آلت إلى السيد محمد المدعج فذهب إليه قائلاً: إنني أبحث عن دار وجار، وقد وجدت الجار الذي أتمناه والذي هو أفضل من الدار، فهل تبيعني البيت بالفائدة التي تريد؟

فقال محمد المدعج: "اعتبر البيت قد سجل باسمك، ولا أريد عليه فائدة أكثر من جوارك".

وهكذا كان أهل الكويت في الماضي، يتسارعون إلى بذل الخير للغير، ويحرصون على محبة الجار والإحسان إليه والتعامل بالحسنى معه، وكثيراً ما تكررت في كويت الماضي مثل هذه القصص للبحث عن الجار قبل الدار، والبيع بنفس الثمن للجار، وعرض البيوت والأراضي على الجار أولاً قبل عرضها في الأسواق، رغبة وده و الإحسان إليه.

وهكذا كانت حياة التاجر محمد المدعج أحد أبناء هذا الجيل الفريد سلسلة من القيم والمثل الفاضلة والأخلاق العالية، رحمهم الله رحمة واسعة وجعل مثواهم جنات النعيم.

 

WWW.ajkharafi.com

مشكور يا ابني أو أخي الصغير مشاري ناصر العرادة، لقد بعثت فيَّ الطمأنينة بشكل أكثر من اطمئناني السابق في الجوانب السبعة التالية:

أولاً: طمأنتني على ما كنت أعتقده أن الخير باقٍ في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الكويت تخرج من النماذج المتميزة الكثير، فعلاً الكويت ولادة.

ثانياً: طمأنتني أكثر يا مشاري على أن البوصلة لا تزال تتوجه نحو الرموز القدوة أمام جزء ليس بالبسيط من شبابنا الذين ضاعت من أمام كثير منهم البوصلة باتجاهها الصحيح حين أصبحت قدواتهم خارج الإطار المقبول من الممثلين والمطربين أو ما يسمى "الفاشيونستات"! بل حتى المهرجين أحياناً.

ثالثاً: طمأنتني أكثر يا بومساعد أن محبيك وأهل الكويت عامة أوفياء لك ولكل الشباب المستقيم أمثالك، فها هم لا يزالون يذكرونك بكل خير، وقد تقاطروا على توديعك والصلاة عليك والدعاء لك وأنت تفترش التراب، وقد هيأت نفسي لهذا الفراش واللحاف الترابي، بل وهيأت الأمة لذلك من خلال نشيدك الرائع "فرشي التراب"، الذي جسدت فيه المعاني العظيمة الواردة في الكتاب والسُّنة مع إخوانك المتميزين مثلك.

رابعاً: طمأنتني أكثر أن أحبابنا في الخليج والعالم العربي والإسلامي متواصلون معنا من خلال التميز والإبداع الذي يعبر الحدود والبلاد والقارات، وأن لنا أهل كرام هناك يشاركوننا أفراحنا وأتراحنا في تواصل فوري سريع.

خامساً: طمأنتني أكثر على الشباب المنشدين المتمسكين بثوابتهم بالتزامهم بترسيخ القيم وفي الإطار الشرعي المحافظ، وعدم الحيود عن ذلك الخط المحافظ والذي لم يمنع الإبداع يوماً حيث كل أناشيدك قيمة مؤثرة.

سادساً: طمأنتني أكثر بأن الكويت زاخرة بالنماذج الخيرية التي تحمل صفاتك الكريمة مثلك في تواضعك الجميل ودماثة خلقك وهدوئك، حيث لم يشهد عليك قريب أو بعيد بأنك عاديت أحداً يوماً ما، بل لم تضر أحداً، بل لم تكن ترد الإساءة بمثلها، فضلاً عن برك بوالدتك، وحسن معشرك مع زوجتك وحسن رعايتك لابنتك الوحيدة، وقد شهدت بنفسي طيب معدنك الأصيل عندما تشرفت بالعمل معك حين كنت الأمين العام للأمانة العامة للأوقاف.

سابعاً: طمأنتني أكثر أنت ومن سبقك من شباب الدعوة الراحلين الكرام أنهم وجدوا إخوانهم الأوفياء يظهرون أسمى معاني الوفاء باتباع جنائزهم وتوثيق سيرهم الكريمة وتعهد أهلهم بالزيارة والتواصل معهم ما أمكنهم، وأنهم لم ينصرفوا من قبرك للدعاء لك حتى قبيل غروب الشمس وقد أخفوا دموعهم ليجتهدوا لك بما تستحقه منهم من الدعاء كأبسط مظاهر الوفاء، بل حتى تواترت مآثرك الجميلة على ألسنتهم كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً في شتى وسائل التواصل الاجتماعي، ولعل في كلمة الأخت الفاضلة أم طلال الخضر فيك خير مثال وأجمل مقال.

طبت حياً وميتاً وليفخر بك والدك الأخ الفاضل ناصر العرادة وعائلته الكريمة أنك كنت خير ممثل لهم أمام المجتمع الكويتي والخليجي والعربي والإسلامي، وشرفت بلدهم بنموذج كويتي جميل.

 WWW.ajkharafi.com

لقد حثنا ديننا الإسلامي العظيم على التحلي بالأخلاق الكريمة، ومن أسمى تلك الأخلاق وأفضلها الورع والتقوى والإيثار، وتحري الكسب الحلال بالطرق المشروعة، وقد وردت في القرآن الكريم أكثر من آية فيها توجيه رباني إلى المؤمنين بعدم أكل أموال الناس بالباطل، والحرص على التجارة بالتراضي وسماحة النفس.

وفي هذا السياق، تم اقتباس هذه القصة الواقعية (من كتاب فضيلة الشيخ عبدالله النوري رحمه الله "حكايات من الكويت" - من منشورات ذات السلاسل - 1985م - ص 67 – 71) التي تتجسد فيها أسمى معاني الورع والتقوى والإيثار، وفيها أن الحاج تقي وقف على محل الحاج عبدالعزيز يسأله عن كمية القهوة التي عنده قائلاً: هل تبيعني القهوة يا أبا محمد؟ قال عبدالعزيز: بكم؟ فعرض تقي على عبدالعزيز سعراً لها كان يكسب عبدالعزيز ربحاً وهو يرغب بأكثر منه، ولم يجب عبدالعزيز، ودخلا في موضوع آخر ثم تشعب بينهما الحديث وتركا موضوع القهوة.

وقام تقي إلى محله، وكان عبدالعزيز قد نوى البيع على تقي وأضمره في نفسه وتقي لا يعلم بهذا النية لأنها كانت بعد فراقهما، وكانت العادة أن يقول البائع للمشتري: "الله يفتح عليك" ولم يقلها عبدالعزيز.

مرت الأيام ونسي تقي موضوع القهوة، وارتفع سعر القهوة بالسوق ثم زاد السعر وعبدالعزيز لم يتصرف بالقهوة، وراجعه تجار فقال لهم: ليس عندي قهوة، وأرسل عبدالعزيز إلى تقي ليأتيه، وجاء تقي، وقال له عبدالعزيز: شيل قهوتك يا تقي، لكن تقياً فتح عينيه وقال: أي قهوة؟ قال عبدالعزيز: التي اشتريتها من أسبوعين، تذكر تقي الأمر وقال: نعم سمت منك القهوة فلم تبعني ولم تقل لي: "الله يفتح عليك"، قال عبدالعزيز: ولكني نويت البيع لك، قال تقي: ولكني لم أنو الشراء منك، قال عبدالعزيز: شيل قهوتك يا رجل، وقال تقي: ليس لي عندك قهوة، وطال بينهما الجدل وذهب تقي إلى محله وتبعه عبدالعزيز يسأله بالله أن يشيل القهوة خوفاً من أن يجره بقاؤها إلى الحرام، ولم يرض تقي بذلك لأنه لا يرضى أن يدخل الحرام في رزقه فيمحق بركته.

ومع إصرار كلٍّ من عبدالعزيز وتقي على رأيهما وخوفهما من أن يدخل الحرام إلى أي منهما، اتفقا أن يُرفع الأمر إلى الشيوخ، ورفع عبدالعزيز الشكوى إلى الشيخ الأمير عبدالله الصباح رحمه الله.

وحضر المتخاصمان وكل منهما متمسك برأيه، فقال الشيخ: هل ترضون بحكمي، قال عبدالعزيز: قد أتنياك راضيين ولأمرك طائعين، قال الشيخ الأمير: حكمت صلحاً بأن يأخذ تقي نصف القهوة بالثمن الذي نويت يا عبدالعزيز به البيع عليه، وأن يبقى لك نصف القهوة تبيعها لمن تشاء بسعر الوقت الحاضر، وقوما راشدين إن شاء الله، وأطاع كل من عبدالعزيز وتقي أمر الشيخ وربح كل من نصيبه خيراً كثيراً.

وبكى الأمير فاستنكر الحاضرون منه بكاءه وسألوه ما يبكيه قال: ذكرت الكلمة المشهورة "كل عام ترذلون"، أما والله إني لأخاف أشد الخوف من زمان سيأتي لا يعرف فيه الناس حلالاً ولا حراماً يعرفون المنكر وينكرون المعروف، وقال القوم: "نعوذ بالله من ذلك يا طويل العمر".

وهكذا ذهب المال وذهب الرجال وبقي ما هو أعظم وأبقى، بقي الذكر الحسن الذي تتحدث به الأجيال جيل بعد جيل (يقول فضيلة الشيخ عبدالله النوري رحمه الله: قَصَ عليَّ هذه القصة أحمد بن يعقوب المحيميد، وبطلها عبدالعزيز المطوع جد العائلة المعروفة من القناعات، والحاج تقي المشهور بأبي صالح).

 WWW.ajkharafi.com

الثلاثاء, 13 فبراير 2018 14:42

موسى العبدالرزاق مثال للورع

إن ديننا الإسلامي العظيم يدعونا إلى التحلي بمكارم الأخلاق والتمسك بالخصال الحميدة، ووضع للأخلاق قواعد جوهرية يتم على أساسها تربية النفس وتهذيبها وتربيتها، ومن أهم تلك الأخلاق والقيم الورع والتقوى والإيثار، وتحري الكسب الحلال بالطرق المشروعة التي بينها لنا الشرع الحنيف، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ {51}﴾ (المؤمنون)، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كن ورعاً تكن أعبد الناس" (رواه ابن ماجه برقم 4217).

وفي هذا السياق، تم اقتباس هذه القصة الواقعية (من كتاب فضيلة الشيخ عبدالله النوري رحمه الله "حكايات من الكويت" - من منشورات ذات السلاسل - 1985م) التي تتجسد فيها أسمى معاني الورع والتقوى والإيثار، وفيها أن الأخبار جاءت بأن قافلة تجارية قادمة من الشمال، تعد بمئات الإبل تحمل العباء (باللهجة الكويتية: بشت)، وستصل هذه القافلة غداً عند مطلع الشمس.

وممن علم بوصول القافلة مفلح (وهو اسم مستعار تقديراً للخصوصية)، وكان مفلح ذا متربة، ولكنه يتطلع إلى الأعمال ويتمنى لو ملك رأسمال يتاجر به، فتوجه مفلح مساء ذلك اليوم إلى مجلس الشيخ موسى (وهو الوجيه موسى العبدالرزاق)، وموسى هذا ثري وتاجر، وقال مفلح للشيخ موسى: "يا عم، تعرف أنني ذو عسرة، وأتمنى أن أبيع وأشتري، غير أن اليد قصيرة فلو مددت لي يد المساعدة لفعلت معي خيراً وربحت وأربحت، فساعدني يا عم بخمسمائة ريال (وهو من العملات التي استخدمت في الكويت في الماضي العملة الزنجبارية – العمانية - المكونة من الريال الفضي والبيزا النحاسية) أضارب بها، وسأربح إن شاء الله وستربح معي نصيبك في المضاربة"، فضحك موسى واستبشر مفلح وأعطاه كيساً مختوماً فيه خمسمائة ريال.

وبعد صلاة الفجر دخلت القافلة المثقلة بأحمالها سوق المدينة، وانقض الناس عليها يشترون ويشرون، ويربحون ويخسرون، واشترى مفلح وباع كغيره مرتين وثلاثاً وأربعاً وربح خمسمائة ريال. وفي المساء دخل مفلح إلى مجلس العم موسى ومعه صرتان كبيرة وصغيرة.

ووجه كلامه للعم موسى قائلاً: لقد أعنتني يا عم أعانك الله، فاشتريت وبعت وربحت خيراً كثيراً، ثم مد يده إلى الصرة الكبيرة قائلاً: هذا رأس المال وهو لكم، ثم تناول الصرة الصغيرة وقال: وهذا نصف الربح الذي كسبته اليوم وهو حظكم، مد الشيخ موسى يده إلى الصرة الكبيرة وقال: يا مفلح، الكيس ما زال مختوماً بختمنا ولم يُفتح؟ قال مفلح: نعم إنه لم يفتح، قال موسى: إذاً لا نصيب لنا في الربح ما دمت لم تستعمل دراهمنا، قال مفلح: ولكن يا عم، دراهمكم بعثت الثقة في نفسي وملأتني شجاعة، ولولاها ما ابتعت ولا بعت، قال موسى: لا يا ولدي لا أستطيع أن آخذ هذا المبلغ، لأني أخشى أن تكون حراماً، قال مفلح: ولكنها لا تحل لي يا عم، فهي ملك لك لأني أعلم يقيناً في نفسي أن دراهمكم هي التي دفعتني إلى السوق، فخذ حلالك يا عم، قال موسى: حلالي هو هذا الكيس فقط وأشار إلى الكيس الكبير، وقال لغلامه: خذه يا ولدي إلى الخزنة.

ولكن مفلح غضب وأغضب معه الشيخ موسى وطال بينهما الجدل كل واحد منهما يبتعد عن نصف الربح.

وأشار الحاضرون على موسى أن يأخذ هذه الدراهم، ثم يهبها لمفلح على سبيل المكافأة، وبالفعل قدم له نصف الربح كهدية فقبلها مفلح قائلاً: الآن يا عم صح الأمر وأنا شاكر.

 WWW.ajkharafi.com

الخميس, 18 يناير 2018 08:01

جاسم بودي موضع ثقة

تحدثنا في مقالات سابقة عن السمعة الحسنة، وأنها أحد متطلبات ديننا الإسلامي الحنيف، وليس أدل من ذلك من دعاء الخليل إبراهيم عليه السلام ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآَخِرِينَ﴾ (الشعراء: 84)، وفيها دعوته عليه السلام بأن يجعل الله سبحانه وتعالى له ثناءً حسناً، وإذا كانت السمعة الحسنة وأن تكون موضع ثقة عند كل من يحيطون بك مطلباً عاماً لكل مسلم، فإن الحاجة إليهما أشد وأكثر إلحاحاً عند التاجر، فالتاجر لا بد أن يكون موضع ثقة في مجتمعه الصغير والكبير؛ لأن ثقة التجار وثقة الناس أحد أهم عوامل النجاح لكل تاجر، بل يمكن أن نعدها رأسماله الحقيقي، ووجه الصعوبة الحقيقي في الحصول عليها أنها لا تباع ولا تشترى، ولكنها حصيلة ونتاج سنوات من الصدق والأمانة والوفاء بالوعد وحسن التعامل، وما أحلى هذه الثقة عندما يزينها حب الخير للناس وحب الوطن.

وقد ضرب أهل الكويت الكرام أمثلة رائعة في اكتساب ثقة من يتعاملون معهم والحفاظ على السمعة الحسنة في مجتمعهم التجاري الصغير والكبير، وهذا ما سوف نستعرضه في ذكر هذه القصة الواقعية، التي توضح حرص التاجر الكويتي على الأمانة والشرف والنزاهة ليكون موضع ثقة بين أقرانه.

وخلاصة القصة أن التاجر جاسم محمد حمد بودي بدأ حياته العملية تاجراً صغيراً كغالبية أبناء جيله من التجار، وبالصبر والأمانة والمثابرة وبذل المجهود توسعت تجارته، وغدا من كبار التجار في الخليج العربي في زمانه، وأصبح يمتلك محلاً تجارياً في المحمرة بإيران، ومنه كان يصدر التمور إلى الهند وعدن وسواحل غرب أفريقيا، وقد نمت تجارته نمواً كبيراً.

وكان التاجر جاسم بودي من الشخصيات التجارية المعروفة بمكانتها الكبيرة بين التجار، بل كان موضع ثقتهم وحبهم جميعاً، ولذلك لم يجد نواخذة الغوص على اللؤلؤ أفضل منه، ليحل محل والده –يرحمه الله– في تحصيل الرسوم التي كان متعارفاً عليها في ذلك الوقت للحاكم من النواخذة، وكانت تسمى "قلاطة الغوص" (حصة البحار في رحلات الغوص بعد خصم ما عليه من الدين، وجمعها "قلاليط"، وتختلف قلاليط البحارة فيما بينهم، فبعضهم له قلاطة والبعض قلاطة وربع، والبعض قلاطتان حسب طبيعة عمله).

وقد قام بهذه المهمة بأمانة وشرف ونزاهة، فكان لديه دفتر خاص يدون فيه ما يدفعه النواخذة طواعية؛ لتسليمه في نهاية موسم الغوص للحاكم، وكان لذلك أكبر الأثر في نفوس النواخذة، فحاز المزيد من ثقتهم وحبهم له.

وأما عن دوره الوطني، فعندما نشبت الحرب العالمية الأولى، انقطعت حركة الملاحة في الخليج العربي، وتوقفت السفن التي تجلب المواد الغذائية من الهند وسواحل أفريقيا وعدن، فتوقف بذلك شريان التجارة مع العالم، وعاشت الكويت أزمة غذائية كبيرة.

وقد كشفت تلك الأزمة معادن أصيلة وقلوب ممتلئة بالرحمة والرأفة بالذين عز عليهم الغذاء والماء فيها، ومن هؤلاء ظهر معدن المرحوم جاسم بودي، عندما رفض أن يتورط في المتاجرة بآلام الناس وأزماتهم، ويذكر له التاريخ، ويشهد له الناس أنه رغم توقف حركة الملاحة استطاع جلب كمية كبيرة من الأرز، بلغت ستة آلاف كيس، ثم قام ببيعها للمحتاجين بقيمة رأسمالها دون أن يكسب روبية واحدة منها، مع أنه كان بإمكانه تحقيق أرباح خيالية من هذه الصفقة.

وهكذا ضرب لنا التاجر جاسم بودي رحمه الله نموذجاً رائعاً من الاعتماد على النفس، والأمانة والنزاهة، كما امتزج ذلك الطموح والنجاح بالإحسان وفعل الخير وحب الوطن.

 

www.ajkharafi.com

تحدثنا في المقال السابق عن أهمية الفراسة في حياة المسلم بصفة عامة، وحياة التاجر بصفة خاصة، ومن الآيات الكريمة التي تدور حول هذا المعنى قول الحق سبحانه وتعالى مخاطباً النبي صلى الله عليه وسلم  ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (سورة محمد: آية30) فالأول: فراسة النظر والعين والثاني: فراسة الأذن والسمع، وقال تعالى ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ (سورة البقرة: آية 273)، وهذه الآيات الكريمة تدل في جملتها على فائدة الفراسة في معرفة أحوال الناس.

  وقد عرضنا قصة للنوخذة عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان رحمه الله تبين فراسته وذكاءه، وفي هذا المقال بإذن الله نعرض قصة أخرى للنوخذة عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان والتي أوردتها في كتابي "النوخذة عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان: ريادة عائلية وتميز إنسان ص 140 – 145 .

    وفيها أن من عجيب فراسة النوخذة عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان ما يرويه النوخذة عبدالله إسماعيل إبراهيم ما شاهده بنفسه عندما زاره النوخذة عبدالوهاب العثمان، وهو يستعد للرحيل من الكويت، في أحد "طرشاته" (سفراته) فسأله: "من الذي ضم هذا البحار؟" ـ مشيراً إلى أحد البحارة ـ فقال له النوخذة عبدالله: "لعله المجدمي فلان".

   وكانت العادة في مواسم السفر أن يعهد إلى المجدمي ـ وهو بمثابة رئيس البحارة ـ أن ينتقي من يشاء ويرشح من يراه مناسباً لتكوين طاقم السفينة بحكم خبرته وسؤاله عن أحوال البحارة ومهارتهم.

   فقال النوخذة عبدالوهاب: "اتركوه .. هذا ما يصلح لكم" هكذا بدون مقدمات، فلم أتردد هذه المرة بقبول كلامه لأنه قد يرى ما لا أرى، ولكني استدركت قائلاً له: "ولكن يا بو عثمان .. أعطيناه السلف ولا يزال في ذمته لنا"، فقال: "الله يعوضكم خير ..اتركوه".

  ويستأنف النوخذة عبدالله إسماعيل: "فامتثلت الأمر، وبشكل طبيعي ضم نواخذة آخرون هذا البحار لما عرض نفسه عليهم، وما هي إلا أيام وتوجهت السفن الكويتية إلى شط العرب لتحميل التمور تمهيداً لنقلها –كالعادة- إلى سواحل الهند الغربية.

   وسرعان ما وصلتنا أخبار ذلك البحار ومشاكله اليومية، وكانت المفاجأة لي بأن ذلك البحار كان شارباً للخمر، وكان يترك السفينة كل ليلة بعد انتهاء تحميل التمور، ويذهب إلى العشار ليعاقر الخمر هناك، ولتحدث المشاكل بعد ذلك كل ليلة".

    فسبحان الله على هذه الفراسة العجيبة التي ألهمها الله تعالى المرحوم النوخذة الكبير عبدالوهاب العثمان، والتي مكنته من معرفة الناس وكشف أسرارهم دون أن تكون له سابق معرفة بهم، والحق يقال أن هذا كان حال الكثير من آبائنا من أبناء الكويت في ذلك العصر، حيث كانوا يتميزون بالفراسة العجبية التي تندهش لها الأسماع، وتعجب من قصصهم الأذهان، وهذا من التوفيق الإلهي لهم، وأحد أهم السمات التى منحها الله تعالى للتجار والنواخذة الكويتيين في ذلك العصر الذهبي لركوب البحر، والتعامل مع أصناف كثيرة من الناس، فكانت تلك الفراسة أحد أهم سماتهم ومقوماتهم للاستمرار والنجاح.

 WWW.ajkharafi.com

لقد برع العرب المسلمون في العديد من العلوم؛ كالطب والهندسة والفلك والحساب وغيرها من العلوم المهمة في حياة الفرد والمجتمع، ومن أهم العلوم التي ازدهرت في العصر الذهبي الإسلامي علم الفراسة، حيث برع المسلمون الأوائل فيه، ورُويت فيه الروايات والقصص العجيبة، وسُطرت فيه الكتب، التي تدل بما لا يدع مجالاً للشك على تفوق العرب المسلمين في هذا العلم.

وقد ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ (الحجر: 75)، ذكر عدد من أهل العلم ومنهم مجاهد رحمه الله أن هذه الآية عن أهل الفراسة، أما في السُّنة النبوية المطهرة ففيها قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: "إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم" (رواه الطبراني في الأوسط، برقم 3086).

وقد تميز أهل الكويت الكرام بالفراسة ومعرفة الناس والحكم عليهم، وهناك العديد من الأمثلة التي وصلت إلينا وتواترت أحداثها تدل على ذلك، وتروي قصص الفراسة لأهل الكويت بصفة عامة ولتجار الكويت بصفة خاصة، ومن هذه القصص تلك القصص الواقعية عن التاجر والنوخذة عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان، التي وردت في كتابي "النوخذة عبدالوهاب عبدالعزيز العثمان: ريادة عائلية وتميز إنسان" (ص 140 - 145).

وفيها أن النوخذة عبدالوهاب العثمان رحمه الله ذهب بصحبة عبدالرازق الياقوت إلى منطقة المعامر في ساحل إيران المقارب لشط العرب لكي يتفقد سفينته وهي تحمل التمور من هناك إلى الهند وأفريقيا، وقد كان نوخذة السفينة هو عبدالله إسماعيل إبراهيم رحمه الله، فسأله النوخذة عبدالوهاب عن تحميل التمر ومحاسبته تجار المنطقة من صفقات التمور.

وقد كان لتجار التمور هناك وكلاء يمثل كل منهم وسيطاً لبيع التمر اسمه "مختار"، فقال النوخذة عبدالله إسماعيل إبراهيم لصاحب السفينة النوخذة عبدالوهاب العثمان: "إنني أتعامل مع المختار حنظل، والمختار سليمان كوكيلين لبيع التمر لصالح التجار مقابل أجرة محددة سلفاً من أولئك التجار، وقد قدر الله أن يكون المختار حنظل –أحد الوكيلين- موجوداً يومها على ظهر السفينة أو قربها خلال عملية التحميل، فلمحه المرحوم عبدالوهاب العثمان مجرد لمحة من بعيد، وقد كانت اللمحة العابرة هي أول مرة يلتقي فيها النوخذة عبدالوهاب بذلك المختار، وسبحان الله العظيم كانت هذه النظرة العابرة كافية بالنسبة للمرحوم عبدالوهاب لكي يتفرس في وجهه فيحذر منه مباشرة ويقول: "اجتنب المختار حنظل فإنه كذاب"! هكذا وبكل ثقة وكأنه قد عرفه عن قرب، فلما سأله النوخذة عبدالله إسماعيل عن السبب رد –بكل ثقة- قائلاً: "عيونه تقول إنه حرامي.. ولا تتردد في تصديق كلامي.."، ثم قال: "لا.. عبدالله أنت نوخذة ولازم تعرف قبلي".

ثم يستأنف النوخذة عبدالله إسماعيل: "ذهبت لشأني فأخذت في تحميل التمر ومواصلة الاستعداد للرحيل، وذهبت ظهر الغد للمختار سليمان، الذي دعاني لتناول وجبة الغداء عنده، ودار الحديث بين الحاضرين عن أحوال سوق التمر، فاشتكى أحد "الفلاليح" (الفلاحين) للمختار سليمان: "الناس يشتكون من الشيخ حنظل"، فرد أحد الجالسين بطرف المجلس –دون أن يتنبه لوجودي ولعلاقتي التجارية المباشرة معه- قائلاً: "يابه.. الشيخ حنظل إذا ما حاسب الحق بيده، لأنه أساسه حرامي".

فقلت في نفسي: سبحان الله العظيم، الذي ألهم النوخذة عبدالوهاب العثمان فراسة عظيمة عرف بها الحرامي من نظرة عينيه، فلما عدنا إلى الكويت أبلغته بصدق فراسته فرد على الفور وكله مزيد من الثقة: "يا عبدالله.. هل عندك شك في ذلك؟".

يستكمل في المقال القادم بإذن الله.

 

WWW.ajkharafi.com

الصفحة 1 من 18
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top