د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

التاجر الحكيم هو الملم بمجريات الأمور، يفهم ما يدور حوله من أحداث، وعلى دراية واعية بأحوال السوق من حوله، فهو يحلل ويراقب بعين بصيرة، لكي يأخذ القرارات السليمة والصحيحة في أوقاتها المناسبة، وعندما يتمتع التاجر بتلك الحكمة وذلك الإلمام، ويزينهما بحب الخير للناس والحرص على النصيحة؛ فقد فاز بحظ وافر من الخير والصلاح.

وتوضح هذه القصة الواقعية وهي رواية د. يعقوب يوسف جاسم الحجي، الباحث في التراث البحري الكويتي، مثالاً ونموذجاً لصاحبها التاجر خالد عبداللطيف الحمد رحمه الله، وتبين قيمة النصيحة التي أسداها لرفيقه التاجر محمد عبدالمحسن الخرافي رحمه الله، حيث كان حريصاً على نفعه وعدم الإضرار بالصالح العام في ذات الوقت.

يقول د. يعقوب الحجي: "في لقاء لي مع المرحوم خالد عبداللطيف الحمد عام 1994 قال لي: أنا سبق أن نصحت محمد عبدالمحسن الخرافي ألا تدخلوا سوق الأسهم (المناخ) حيث إنكم من كبار التجار بالكويت، تتوافر لديكم السيولة والإمكانات المادية الكبيرة، وبذلك تستطيعون التحكم في معظم مجريات السوق، بل سيكون باستطاعتكم التحكم في معظم الأحداث والمعاملات، وتفرضون السيطرة على السوق، وهذه ليست من أصول التجارة ولا من أساسيات العمل بها، وبالفعل تجاوب التاجر محمد عبدالمحسن الخرافي لي، وطاوعني في النصيحة فسلم هو وأخوته من أزمة المناخ، وشكروا لي هذه النصيحة فيما بعد".

ويستطرد التاجر خالد عبداللطيف الحمد رحمه الله كلامه قائلاً: "وكنت أثناء كلامي ونصيحتي للتاجر محمد عبدالمحسن الخرافي أستشهد بما فعلته عندما كنت عضواً في بنك الكويت الوطني، حيث لم أقم وقتها بفتح أي اعتمادات خاصة لي، فبالرغم من حقي في ذلك، وإمكانية فتح تلك الاعتمادات بسهولة، فإنني آثرت السلامة وفضلت المصلحة العامة على مصلحتي الخاصة، وذلك حتى أكون حكماً عدلاً في الخصومات التي ترد إلى البنك بين الأعضاء".

وهكذا ضرب لنا التاجر خالد عبداللطيف الحمد رحمه الله نموذجاً يحتذى به في الحكمة وحب الخير للآخرين وبذل النصيحة لهم، وهكذا كان أهل الكويت من أبناء هذا الجيل الفريد، كانت قلوبهم مليئة بالخير والإخلاص والحب الصادق لوطنهم ولأبناء جلدتهم، فكان النجاح حليفهم، والتوفيق من الله نصيبهم، وأصبحوا قدوة حسنة يحتذى بها، ويذكرون بالخير في كل المواقف، رحمهم الله جميعاً رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته.

 WWW.ajkharafi.com

قبل البداية، عندما أوردت في مقال سابق عصامية التاجر خالد عبداللطيف الحمد في بداية نشاطه التجاري وتكوين نفسه، وردني تفاعل كريم من الأديب الأريب حمد عبدالمحسن الحمد، الرئيس الأسبق لرابطة الأدباء، موضحاً أن هذه العصامية والنجاح فيها هما امتداد طبيعي وإعادة لنجاح وتاريخ أجداده من العائلة التي كانت تجارتها تبدأ من الزلفي بنجد وبين الكويت ونجد والعراق عموماً والزبير خصوصاً، وهو رئيس القوافل التجارية من نجد للكويت والعراق في زمنه.

وقد أورد الباحث الأستاذ محمد السيف في عدة إصدارات بحثية تاريخية قيمة تفاصيل ذلك التميز التي لا يتسع المقام لها في هذا السياق، حتى إن اسم المحلة التي أسسها جدهم علي الحمد في الزلفي والتي تسمى "العجدة" تظهر في وثائق الأرض القديمة باسم "عجدة علي الحمد"، وهو تراث حافل إذا ما تم ضمه إلى الإنجازات الحالية لعائلة الحمد لكان ذلك إصداراً جديراً بأن يكون إضافة إلى المكتبة الكويتية والعربية.

كما ذكر الباحث الأستاذ محمد السيف في نشرة طويق التي تصدر في الزلفي تاريخ الجد "علي آل حمد"، وهو الجد الثاني للعم خالد العبداللطيف الحمد ما نصه: "ويعد علي آل حمد آخر أبرز رجالات المنطقة في القرن الثالث عشر الهجري، وقد كان رجلاً كريماً سخياً يعطي بلا حدود فأحبه الناس؛ مما دفعهم إلى التوافد عليه وقد كان له تاريخ وسمعة طيبة".

وفي بحث آخر للسيف يذكر عدداً من عائلات الزلفي ممن اشتهروا في التجارة ونقل الحجاج، فيذكر في أول القائمة أسرة الحمد، ومنهم التاجر علي بن حمد بن رشيد، وكذلك ابنه رشيد بن على الحمد، وعلي الحمد هو الجد الثاني للعم خالد الحمد ورشيد العلي الحمد.

إنَّ للنَّصيحة أهميةً عظيمة في ديننا الإسلامي العظيم، فهي عمادُ الدِّين وقوامه، وبِها يَصلح العباد، وتصفو الأنفس، ويعم الخير، ويصلح المجتمع، وقد جاء في الحديث الشريف أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: "الدِّين النصيحة"، قلنا: لِمَن يا رسول الله؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمَّة المسلمين، وعامَّتِهم" (رواه مسلم، برقم 205).

وتجدر الإشارة هنا إلى بيان أن النصيحة ضرورية على وجه العموم، وتزداد ضروريتها وأهميتها إذا طلَبَها منك أخوك المسلم؛ لِحديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: "حَقُّ المسلم على المسلم ستٌّ، قيل: ما هُنَّ يا رسول الله؟ قال: إذا لقيتَه فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجِبْه، وإذا استنصحك فانصَح له، وإذا عطس فحَمِد الله فشمِّتْه، وإذا مرض فعُدْه، وإذا مات فاتَّبِعه" (رواه مسلم، برقم 272)، قوله: "وإذا استنصَحَك"؛ أي: طلب منك النَّصيحةَ، "فانصَحْه"، وهذا دليلٌ على وجوب نصيحة مَن يستنصِحُه، وعدم الغشِّ له.

والأحاديث في هذا الباب كثيرةٌ متعددة، وكلها تحث على ضرورة تقديم النصيحة، وعدم السكوت عنها، بل الحرص عليها، ولاسيما للأهل والأقرباء والأصدقاء والجيران.

يتبع في المقال القادم بإذن الله.

WWW.ajkharafi.com

إن الدين الإسلام هو خاتم الأديان السماوية، ومِن أهم خصائص هذا الدين العظيم أنه نجح في الموازنة الدقيقة بين العبادة وبين العمل، من خلال نصوصه ومبادئه الخالدة، يقول المولى سبحانه وتعالى في محكم التنزيل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {9} فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {10}﴾ (الجمعة)، وهذا السياق الرباني العجيب يجمع بين الكمال في الموازنة بين العبادة والعمل.

والمتأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو خير البشر صلى الله عليه وآله وسلم، يجده صلوات ربي وسلامه عليه خير من عبَدَ الله سبحانه وتعالى حق عبادته، ويجده صلى الله عليه وسلم الزوج الصالح، والقائد الحربي الشجاع، والتاجر الناجح الصادق الأمين.

وقد ضرب أهل الكويت الكرام أمثلة رائعة في حسن التخطيط والتوازن بين الجانب التعبدي الروحي والجانب العملي الحياتي، وهذا ما سوف نستعرضه في ذكر هذه القصة الواقعية التي يرويها التاجر أحمد البرجس عن والده التاجر برجس محمد البرجس رحمه الله قائلاً: "كان والدي التاجر برجس محمد البرجس رحمه الله يجيد التخطيط في أمور حياته كلها، ولا يحب أن يترك الأمور تسير بلا ترتيب أو تنظيم، وكان هذا ديدنه رحمه الله في حياته بصفة عامة، سواء على المستوى الأسري والعائلي البسيط، أو على المستوى الاجتماعي الخارجي العام، كما أن الوالد رحمه الله نجح في إيجاد ذلك التوازن بين الجانبين التعبدي والعملي،  فمن مآثره رحمه الله ومما عرف عنه في هذا الجانب، حرصه على التوازن بين العمل والتجارة من جهة والتفرغ للعبادة في شهر رمضان المبارك من جهة أخرى، فقد كان الوالد رحمه الله يعمل أحد عشر شهراً في العام في مجموعة متوازية من المهن؛ حيث كان يبيع المواد الغذائية من خلال بقالته في السوق، كما كان رحمه الله يسجم البشوت في محل آخر له بالسوق، وهو بذلك يحقق ربحاً ودخلاً ممتازاً والحمد لله، فإذا جاء شهر رمضان الكريم تفرغ للعبادة وترك جميع أعماله التجارية، وأوقف نشاطه المهني وكل ما يشغله عن العبادة.

فكان رحمه الله عندما يدخل علينا رمضان يستعد له استعداداً خالصاً، ويحرص على المكوث في المسجد من قبل صلاة الظهر إلى ما بعد صلاة التراويح، وكنت أذهب إليه في المسجد بين حين وآخر أتفقد أحواله وآتيه بالفطور قبل صلاة المغرب مباشرة، وكنت كثيراً ما أسأل الوالد رحمه الله مستغرباً منه ترك التجارة والعمل في رمضان قائلاً: لماذا يا والدي لا تعمل في شهر رمضان المبارك وهو شهر العمل والإنتاج؟ وكان رحمه الله يجيب عن سؤالي بكلمات لعلها مستوحاة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم فيقول لي: يا بني إن لنفسك عليك حقاً، وإن لبدنك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، فأعطِ كل ذي حق حقه.

وهكذا قدم التاجر برجس محمد البرجس رحمه الله نموذجاً رائعاً في الموازنة بين العمل والعبادة، وكيف يحقق الإنسان ما يطمح إليه من نجاح على المستوى الدنيوي على اختلاف مهنته التي يعمل بها، وبين تعزيز الصلة بخالقه ومولاه من خلال تخصيص وقت للعبادة والتفرغ لأداء الطاعات، وهكذا كان حال آبائنا الكرام في كويت الماضي، حريصون كل الحرص على الموازنة بين القيام بالعبادات والقربات والنجاح في الجانب العملي والدنيوي.

رحم الله الجميع رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته.

 WWW.ajkharafi.com

جاءت دعوة الدين الإسلامي مكملة لمكارم الأخلاق، وداعية إلى بث كريم الخصال وطيب الأعمال في نفوس المسلمين، ومن أهم ما حرصت عليه تلك الدعوة المباركة غرس روح التسامح والرحمة والتواضع والعفو عن الناس. 

وتوضح هذه القصة الواقعية مثالاً ونموذجاً لصاحبها التاجر عبدالمحسن عبدالله السعد رحمه الله تعالى، والتي تبدأ أحداثها في بداية السبعينات من القرن العشرين عندما فكر عبدالمحسن السعد بخوض المجال التجاري، فقرر تأسيس شركة لبيع الأجهزة الإلكترونية وذلك بمشاركة أحد الوافدين العرب، وبالفعل أسس الشركة واستورد البضائع اللازمة وشملت العديد من الماركات العالمية المعروفة، ومن سماحة التاجر عبدالمحسن عبدالله السعد أنه كان من أوائل من تعامل بالبيع بالتقسيط في الكويت، وذلك تسهيلاً على الزبائن، ومراعاة لظروفهم الاقتصادية، وبالمقابل طلب الزبائن كتابة إيصالات أمانة (كومبيالات) تضمن له السداد لاحقاً، فوافق التاجر عبدالمحسن السعد على ذلك الأمر نزولاً على رغبتهم، ورغبة في إتمام العمليات التجارية وحصولهم على ما يشاؤون من البضاعة والأجهزة لديه دون تكلف أو حرج.

وهكذا ظهرت سماحة التاجر عبدالمحسن السعد من خلال هذا التعامل السهل السمح واليسير مع الناس، حيث أنه من جميل ما عرف عنه أيضاً في هذا الجانب عطفه ورأفته بعماله ومستخدميه، فكان لا يكلف أحداً من عماله أكثر مما يطيق، بل إن معظم أعماله كان يقوم بها بنفسه، وكان إذا كلَّف أي عامل بالعمل بمنزله للقيام ببعض الأعمال البسيطة في المنزل كان يقدم له الطعام قبل أن يأكل، ويتأكد من إكرامه، بل إنه كان يقدم له الطعام بنفسه قبل أن يتناول هو طعامه، وهذا من كريم أخلاقه ونبل طباعه.    

ومن حسن نية التاجر عبدالمحسن عبدالله السعد وفرط ثقته بشريكه الوافد فقد ترك له الأمور المالية بالشركة، وقد أساء هذا الوافد استغلال تلك المعاملة الحسنة فسرق أموال الشركة وفر هارباً إل بلاده، وبعد هذه الحادثة الأليمة قرر التاجر عبدالمحسن السعد رحمه الله تعالى تصفية نشاطه التجاري.

وفي يوم من الأيام تذكر التاجر عبدالمحسن عبدالله السعد إيصالات الأمانة المحفوظة عنده في الخزينة، والتي كانت قد دعت إليها الحاجة عندما كان يبيع بضاعته بالأقساط، ومن نيته الصالحة وحسن حظ هؤلاء المعسرين أنه عندما تذكرهم وتذكر الكومبيالات المحفوظة لديه عليهم، قال في نفسه: "إذا كنت أرحم ضعف هذه القطط وأرأف بحالهم، فما بال هؤلاء المستضعفين الذين أهلكتهم الديون والقروض، إنهم والله أولى بإسقاط تلك الديون عنهم، وأن تبرأ ذمتهم منها أمامي وأمام الله عز وجل"، ومن جميل المقادير أنه كان حينها يشوي السمك في فناء بيته لحظة أن تذكر تلك الإيصالات، فقام على الفور وأحضر الإيصالات من الخزينة، وأشعل بها النار واستخدمها مع الفحم لشوي ما تبقى من السمك.

وهكذا ضرب التاجر عبدالمحسن عبدالله السعد رحمه الله مثالاً واقعياً يحتذى به في السماحة والتواضع والإحسان إلى الناس والتسامي عن حظ الدنيا وإن كان من حقه ، فآثر التسامح عن حقه والعفو عن المعسرين وأصحاب الديون عن مطالبتهم وإثقال كاهلهم، بل إنه فعل ذلك بوازع إيماني منقطع النظير، وبروح الفضل والجود التي لا تساويها أموال ولا كنوز الدنيا.

وهكذا كان حال الكثير من آبائنا من أهل الكويت الكرام وتجار الكويت كذلك، فقد تواترت القصص العجيبة التي تحكي مآثرهم وتوضح تسامحهم وتواضعهم وحسن معاملتهم للناس كافة، فغلب عليهم الزهد في الدنيا والرغبة في الإحسان إلى الناس، كما ظهرت عندهم روح العفو والصفح عن جميع الخلق، فضربوا أروع الأمثلة في الطهر والنقاء وصفاء القلب، وتعددت محاسنهم وذكر الجميع مآثرهم.

WWW.ajkharafi.com

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top