د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لاشك أن من يؤتى الحكمة ورجاحة العقل فقط أعطي خيراً كثيراً، والدليل على ذلك في قول الحق سبحانه وتعالى في كتابة العزيز ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً﴾ (البقرة: 269)، وذلك لأن الحكمة في ترزق صاحبها الخير الكثير، ومن ذلك الخير الكثير أنها تميزه بالصبر، وتمنحه الوقار، وتجلب له الرضا والسعادة.

وتوضح هذه القصة الواقعية التي أوردتها في كتابي "عائلة العثمان مدرسة السفر الشراعي في الكويت ص 179 – 187" مثالاً ونموذجاً لصاحبها النوخذة عبداللطيف سليمان العثمان رحمه الله، وتبين حكمته وسعة صدره ورجاحة عقله.

وتبدأ قصة الشاب عبداللطيف العثمان مع القيادة والملاحة البحرية عندما أتم الثامنة عشرة، حيث أصبح حينها نوخذة يقود سفينة صغيرة للقطاعة في الخليج العربي، ويرجع الفضل الأول في تدريبه وتعليمه فنون الملاحة البحرية وقيادة السفن إلى خاله النوخذة عبدالعزيز بن عثمان رحمه الله الذي تبناه ورعاه أفضل رعاية حتى اطمأن أن تلميذه أصبح قائداً ماهراً فسلمه قيادة سفنه "موافج" و"تيسير" ولعل رحلات النوخذة عبداللطيف على البوم "تيسير" من الرحلات التاريخية الموفقة، فقد قاد هذه السفينة بكفاءة ومهارة، ووصل بها إلى معظم موانئ الهند الغربي، وكان خلال رحلاته هذه يدرب أقاربه فنون الملاحة وقيادة السفن الشراعية، حتى أصبح هؤلاء من نواخذة الكويت المتميزين، وكانت السفينة "تيسير" مدرسة آل العثمان البحرية الذي اشتهر اسم عائلتهم الكريمة بين أهل الكويت باسم "العثمان النواخذة" تمييزاً لهم عن بقية العائلات الأخرى المشتركة معهم باسم "العثمان".

يصف المرحوم عبداللطيف محمد ثنيان الغانم النوخذة عبداللطيف العثمان بأنه "رجل حكيم ومتأن وذو شخصية متميزة"، ويصف الأستاد (بالدال) صانع السفينة الخشبية، علي عبدالرسول النوخذة عبداللطيف بأنه "حكيم ويحرص على سلامة البحارة والسفينة، ويقود سفينته بتعقل ومهارة"، كما يصف أحد بحارته أخلاقة بأنها طيبة، "فإذا ما أراد أن يصدر أمراً بتغيير اتجاه الشراع (الخايور)، فإنه يقف أمام "القائم" ثم "يتنحنح" وكأنه يستعد للكلام فيعرف البحارة ما يريده ويستعدون للعمل، فلا هو ممن يكثر الكلام والمزاح، ولا هو ممن يحيط نفسه بعزلة عن البحارة"، وهو نوخذة ومعلم يعرف أصول الملاحة وأسرارها.

ويروي هذه القصة النوخذة عبداللطيف العثمان رحمه الله، في المقابلة التلفزيونية التي أجريت معه عام 1966م، وفيها ما يدل على أنه راوية جيد للتاريخ ومحدث لبق يجيد فنون الحوار فيقول: "كنا في طريق عودتنا من أحد رحلاتنا البحرية مع صديقي محمد ثنيان الغانم، فالتبس الأمر على قبطان الباخرة، وهو بالقرب من البحرين، فلاحظت ذلك وهمست في أذن صديقي محمد ثنيان، فما كان من محمد ثنيان إلا أنه أرسل من يقول للقبطان أنه مخطئ في مساره، ولما وصل التحذير للقبطان أرسل في طلبي شخصياً، وعندما تحدثنا معاً أدرك القبطان أنه مخطئ، وثبتت صحة ما قلته له بعد ذلك".

يضيف النوخذة عبداللطيف أنه لم يكن بوده أن يتدخل في شؤون القبطان، لكن صديقه محمد ثنيان أصر على ذلك وطلب منه أن يذهب للقبطان للتباحث بهذا الشأن.

وهكذا ضرب النوخذة عبداللطيف سليمان العثمان مثالاً رائداً يحتذى به في الاحترام واللياقة والأدب، والذكاء والفراسة الممتزجين بالحكمة والتواضع، وهكذا كان ديدن أهل الكويت الكرام في ذلك الوقت، كانوا أصحاب حكمة وتواضع، وأصبحوا قدوة حسنة يحتذى بها في حسن التعامل وطيب المعاشرة.

رحمهم الله جميعاً رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته. 

 WWW.ajkharafi.com

إن الدِّين الإسلاميُّ هو الدِّين الخاتم الصالح لكلِّ زمان ومكان، ومن ثم فالنِّظام الاقتصاديُّ في الإسلام نظامٌ ربَّانيُّ المصدر، فالوحي الإلهي - ممثلًا في القرآن والسُّنة - هو مصدر هذا النِّظام، ويأتي بعد ذلك مصادر التَّشريع الأُخرى كالإجماع، والقياس، والاجتهاد، كما أن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية فيها من المرونة ما يجعلها تتَّسع للأساليب المختلفة، والوسائل المتجدِّدة، التي تحقق النفع للناس، وتوفر سبل الخير لهم، والمتأمل والمدقق لهذا الدين العظيم يجد أنه جاء بمنهج شامل لعلاج كل المشكلات والأزمات، وعلى رأسها المشكلات الاجتماعية والاقتصاديَّة.

ومن أهم مميزات النظام الاقتصادي في الإسلام الجَمْعُ بَيْنَ الثَّبَاتِ وَالتَّطَوُّرِ؛ ففي الاقتصاد الإسلاميِّ "أمور ثابتة لا تتغير مهما تغيَّر الزَّمان والمكان، كالأصول الاقتصاديَّة الَّتي وردت بنصوص القرآن والسُّنَّة، وهناك أمور متطوِّرة، وهي كيفيَّة إعمال وتطبيق هذه الأصول الإلهيَّة بحسب متطلِّبات الزَّمان والمكان مُحَمَّد شَوْقِي الفَنْجَرِيُّ – "المذهب الاقتصاديُّ في الإسلام" (ص 95).

كما يتميَّز نظام الاقتصاد الإسلاميُّ عن غيره من الأنظمة المختلفة بعدَّة خصائص فريدة ومتميِّزة تجعله صالحًا لكلِّ زمان ومكان، ومن أهم هذه الخصائص المرونة والابتكار وإتاحة الفرصة للإبداع والتجديد، ما دام ذلك في حدود الشرع والدين، فنجده كذلك يوازن بين المصلحة الخاصَّةِ، والمصلحة العامَّةِ "فكلٌّ منهما في نظر الإسلام أصلٌ يُرَاعَى" مُحَمَّد شَوْقِي الفَنْجَرِيُّ – "المذهب الاقتصاديُّ في الإسلام" (ص 97).

وتوضح هذه القصة الواقعية من كتابي "الباذل بصمت ناصر عبدالمحسن السعيد مثالاً ونموذجاً لصاحبها التاجر ناصر عبدالمحسن السعيد رحمه الله (ص 46)، وتبين حنكته ورجاحة عقله، وكيف أنه كان مبدعاً على المستوى الاقتصادي، وصاحب نظرة ثاقبة للمستقبل القريب والبعيد.

وتبدأ قصة التاجر "عندما بلغ سن الرشد وأحس بالمسؤولية تطلع إلى فرصة عمل مناسبة يستقل فيها بنفسه، فدخل في أواسط العشرينيات من القرن الماضي (وكان في حوالي العشرين من عمره) مجال الغوص على اللؤلؤ، وخاض لجج البحار، وواصل الليل بالنهار ليثبت نفسه كفاءته وجدارته وينال شرف السعي وراء الرزق الحلال، وكانت تجارة اللؤلؤ رابحة في أواسط العشرينات، فزاول التاجر ناصر السعيد رحمه الله هذه التجارة، وقد منَّ الله سبحانه وتعالى عليه بالرزق الوفير والخير الكثير نتيجة لأمانته وصدقه وكرمه وإحسانه.

وأما عن إبداعه الاقتصادي ذي البعد الاجتماعي، فقد كان التاجر ناصر السعيد رحمه الله صاحب مبادرة اجتماعية لم يسبقه إليها أحد – حسب علمي المتواضع.

فقد ابتكر رحمه الله طريقة جديدة لإيصال ما في يده إلى أبنائه وبناته في حياته، ليتمتعوا بها في حياته، لا بعد مماته، وبطريقة حضارية قل نظيرها، خصوصاً وأن بعض الورثة قد يدب بينهم الخلاف الذي قد يصل أحياناً ومع الأسف إلى المحاكم وينشر في الصحف!

لقد أنشأ رحمه الله شركة تجارية عقارية استثمارية، وضع فيها كامل رأسمالها التشغيلي، ولكنه خصص أرباحها لأبنائه وبناته، بنسبة ميراثهم له إذا توفاه الله سبحانه، أي أنه أوصل إليهم ثروته قبل أن يرحل عنهم، ولكن عن طريق استثمار دائم، ليس محفوظاً من الضياع والتشتت فحسب، بل مضاعفاً عدة مرات بالاستثمار وحسن الإدارة.

لقد ضمن لهم – بفضل الله تعالى وتوفيقه – في حياته مصدراً دائماً من بعده يوفر لهم العيش الرغيد، ويؤمنهم أي اختلاف – لا سمح الله.

رحم الله التاجر ناصر عبدالمحسن السعيد، ذلك المبدع اجتماعياً واقتصادياً رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

 

 WWW.ajkharafi.com

"إنما الصبر عند الصدمة الأولى".. عبارة تربوية خالدة مستمدة من مائدة النبوة الحافلة بكل ما هو مفيد.

فالمسلم يتلقى الابتلاء بيقين واحتساب، ولا يتأثر بشكل انفعالي ثم يندم على سخطه من قدر الله تعالى، وهذه امرأة تُصرع (أي يصيبها داء الصرع فتتكشف بعض الأجزاء من جسدها)، فرد عليها المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: "إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك" (رواه البخاري)، كما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر، فقال: "اتقي الله واصبري"، قالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "لم أعرفك"، فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى".

إن مفاجأة المصيبة لها وقع عظيم على القلب والنفس لا يقوى على تحملها لأول وهلة إلا أصحاب اليقين بالله سبحانه.

وثمة موقف تربوي مؤثر يرويه لي والدي عبدالله حمود الجارالله الخرافي رحمه الله عن خاله عبدالمحسن ناصر الخرافي رحمه الله وقد تربى في بيت قريب من بيته، وشهد مجالس الرجال في ديوانه أيام صباه، وقد نقل لي موقفاً مؤثراً شهده بنفسه حين كان الرجال في ديوانه يتبادلون أطراف الحديث، ويتبادلون الأخبار ويتشاورون في الصفقات التجارية، بل أحياناً يتفقون من الغد على البيع والشراء والتراتيب الإدارية التي يحتاجونها في إدارة شؤون تجارتهم.

ولكن المجلس لا يخلو من بعض وسائل التسلية المباحة وكان إحداها لعبة "الدومينو"، وهي لعبة ثنائية اللعب تحتاج إلى التركيز والحفظ وحسن التدبير في ترتيب الأرقام المسجلة على أظهر القطع الخشبية بعدد النقاط المحفورة فيها من 1 إلى 6.

وذات يوم وهو يلعب "الدومينو" مع أحد أصحابه أتى أحدهم مسرعاً ليبلغه خبراً لكارثة مؤسفة لغرق إحدى سفنه، فاستمر في اللعب مما أدهش الرجل القادم بالخبر، والجالسين في الديوان كذلك، فنبهوه لفداحة الخطب ومقدار الخسارة، فقال لهم واثقاً موقناً بقضاء الله وقدره: "ماذا أصنع؟ السفينة غرقت في عرض البحر، وأنا جالس هنا في ديواني، وهذا أمر الله، وهل أستطيع أن أرد أمره؟ والحمد لله على كل حال، والحمد لله أنها في السفينة وليست بالأرواح"، هكذا بكل يقين واحتساب يقدم التاجر عبدالمحسن ناصر الخرافي نموذجاً رائعاً للصبر عند المصيبة وسرعة وحسن احتواء المصيبة وصبره واحتسابه، فلم يجزع أو يسخط فيحبط أجر الإصابة بالمصيبة.

وفي هذا أسوة حسنة للأجيال الصاعدة من تجار اليوم.

نستطيع أن نعرف الثقة في أبسط معانيها على أنها: "علاقة قائمة على عدم الشك بنوايا وأخلاق الآخرين"، فيقال: استوثقت من فلان، وتوثقت من الأمر إذا أخذت فيه الوثاقة؛ وأخذ الأمر بالأوثق؛ أي: الأشد الأحكم (ابن منظور، لسان العرب، مادة "وثق"، ج10، ص 371)، وتعد الثقة نموذجاً لتوقع النوايا الحسنة بناءً على معرفة وتعامل مسبق بين الأشخاص بعضهم بعضاً أو بين المؤسسات والأشخاص أو بين المؤسسات بعضها بعضاً، وهي نتيجة لمجموعة من الصفات والخصال الحميدة من أهمها الأمانة والصدق والوفاء والسمعة الحسنة.

وقد ضرب أهل الكويت الكرام ولاسيما من عمل منهم بمهنة التجارة أمثلة رائعة في اكتساب ثقة من يتعاملون معهم والحفاظ على السمعة الحسنة في مجتمعهم التجاري الصغير والكبير، وهذا ما سوف نستعرضه في ذكر هذه المواقف الواقعية إصدار بيت الزكاة "محسنون من بلدي" (مستشار التحرير د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي، ج11، ص 113-127) ، والتي توضح حرص التاجر الكويتي على أن يكون موضع ثقة بين أقرانه، وأن يحكم بينهم بالعدل.

وخلاصة تلك المواقف أن التاجر عبدالعزيز زاحم العثمان الزاحم  بدأ حياته العملية تاجراً صغيراً كغالبية أبناء جيله من التجار، وكانت حياته التجارية في بداياتها في السنوات التي قضاها بين الهند وسواحل أفريقيا مليئة بالقصص والحكايات، بعضها محزن كسنة "الطبعة" التي خسر فيها معظم التجار جزءاً كبيراً من تجارتهم، وكان هو من بينهم، ولكنه بالمثابرة والإصرار عوض ما خسره في السنة التالية بفضل الله تعالى.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن التاجر عبدالعزيز الزاحم اشترك مع أخيه محمد في إدارة أعمال العائلة بعد وفاة والدهم رحمه الله، حيث كان محمد يديرها داخل الكويت، وعبدالعزيز يسافر خارج البلاد ما بين الهند والبصرة وسواحل أفريقيا (زنجبار)؛ حيث كان يستورد المواد الغذائية الأساسية كالأرز والسكر والشاي والهيل والبن، وكانت لسمعة التاجر عبدالعزيز الزاحم الطيبة وثقة التجار به أكبر الأثر في حياته العملية؛ حيث كانت هذه المواد تباع وهي في عرض البحر قبل أن تصل شواطئ الكويت نظراً لصدقه وأمانته وضبطه للعمل وحسن إدارته.

ومما يروى عنه أيضاً في هذا المجال أنه لجأ إليه هو وأخيه محمد مجموعة من التجار في منطقة القبلة لاقتسام أنصبتهم من الذهب الذي استوردوه من الهند بطرق خاصة آنذاك، فكل منهم له وجهة نظر في استحقاقه أكثر من الآخر، فحينها لجؤوا إليه ليحكم بينهم، وذلك نظراً لخبرته ومعرفته لأدوار جميع التجار في كل مرحلة من مراحل التجارة، وقد امتثل الجميع للقسمة التي أقرها هو وأخوه محمد لثقتهم في عدلهما وحكمتهما وخبرتهما.

ونظراً لثقة الجهات الرسمية والدولة به أيضاً، فقد تم اختياره عضواً في أول لجنة تثمين ببلدية الكويت للاستفادة من خبرته الواسعة في تقييم العقار – وكان ذلك تطوعاً منه – لمدة عشر سنوات (ما بين عامي 1956 و1966)، حيث كانت الدولة في تلك الفترة تستملك البيوت والأسواق داخل السور الثالث لتشجيع المواطنين على السكن خارج السور في مناطق السكن النموذجية.

وقد شاركه في هذه اللجنة السادة عبدالله السدحان، وعلي المواش، وأحمد الفهد، وأحمد محمد البحر، رحم الله الجميع وجزاهم خير الجزاء.

وهكذا ضرب لنا التاجر عبدالعزيز الزاحم رحمه الله نموذجاً رائعاً من الأمانة والحكمة، وقد أدت هذه الأمانة وتلك الحكمة إلى اكتساب ثقة الجميع أفراداً ومؤسسات.

رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top