د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إن مفهوم أهل الذكر الوارد في القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43)، لا يقتصر فقط على المرجعية الدينية التي أمر الله سبحانه وتعالى بها في شؤون الدين، بل ينبغي فهمها بشكل عام لتشمل جميع مناحي الحياة حين يكون تقدير التخصص واحترام رأي المتخصصين هو المرجعية الحاسمة في مجالها.

فالطبيب هو صاحب الرأي الحاسم في تطبيب المرض، والقاضي هو صاحب الرأي الحاكم فيما اختلف فيه الخصوم، والمهندس المدني هو صاحب الرأي المطاع في شؤون البناء والإنشاء.. إلخ، وهكذا يحسم الرأي صاحبه ويكون هو المقصود بأهل الذكر في مجاله، ولعل ما يسعف هذا الفهم هو القاعدة الأصولية أن خصوص السبب لا يمنع عموم الحكم.

أما الموقف الذي نعرضه في هذا السياق فهو موقف حاسم حسم فيه كل من التاجر حمد الصالح الحميضي، والشيخ أحمد الخميس موقفاً تجارياً يعتبر وأمثاله دستوراً أشبه بأحد أحكام التمييز في يومنا هذا والتي تؤصل لسوابق قانونية يقيس عليها القضاة أحكامهم.

تبدأ القصة حين كان الإخوة يعملون بجد واستقامة في مجال قطع السيارات، ويتعاملون بكل ثقة مع التجار المتعاملين معهم بحيث يتساهلون في تسليمهم البضائع من قطع الغيار وبكميات كبيرة بسعر الجملة بحيث يبيعونها بالسعر المناسب بالسعر المفرق الذي يجنون من خلاله الربح المناسب والمقبول في مجاله ثم يستوفون حقهم من هؤلاء التجار على سعة من الأمر.

غير أن أحد الذي تعاملوا معهم استغل طيبتهم وأنكر ما عليه من فواتير عدى "كماشة" لا يعدو سعرها الثمين الزهيد!

وليته لم يفعل لأنه اختزل البضائع التي تفوق قيمتها 20 ألف روبية - وكان ذلك يعتبر آنذاك مبلغاً كبيراً من المال - في كماشة الأمر الذي يبعث على السخرية والتندر.

فما كان من أحد الإخوة وهو العم "بو أحمد" إلا أن يشتكيه لدى القضاء بعد أن نفد صبره وطال انتظاره فطلب الشاري المماطل في الدفع من القاضي الشيخ أحمد الخميس أن يحيله إلى لجان التحكيم التجاري، فهي المتخصصة باعتبارها تتكون من ثلاثة أشخاص في العادة، ويكونون من ذوي الخبرة والباع الطويل في العمل التجاري وممارسته، وبالتالي يمثلون لجنة التحكيم التجاري بين المتخاصمين في المسائل التجارية، وذلك باعتبار أن القاضي لا خبرة له في المسائل التجارية بحكم طبيعة عمله وارتباطاته.

فأحالهما القاضي الشيخ أحمد الخميس على لجنة التحكيم التجاري وهي مكونة من ثلاثة من تجار الكويت المشهود لهم بالنزاهة والاستقامة والخبرة التجارية فضلاً عن الحضور الاجتماعي ومعرفة شرائح المجتمع؛ وهم حمد عبدالمحسن المشاري رحمه الله، ومشعان خضير المشعان رحمه الله، وسيد علي سيد سليمان الرفاعي رحمه الله.

ورغم أن الشاري المماطل في الدفع هو الذي طلب من القاضي الشيخ أحمد الخميس إحالته إلى لجنة التحكيم، مؤكداً "أنني لا أريد سواهم حكماً"، لكنه سرعان ما غير رأيه قائلاً: أرجو إحالتنا إلى تجار متخصصين في مجال قطع غيار السيارات باعتبار أن المسألة مختصة بقطع الغيار، وفعلاً كان له ذلك، وأطال القاضي الشيخ أحمد الخميس نفسه معه ليصل معه إلى آخر المشوار ساعياً إلى الحق أينما كان، وليكون الرأي الذي يتم اتخاذه صحيحاً ولا سبيل لأحدٍ إلى التشكيك فيه، وهذا ما يقابل في أيامنا هذه إدارة الخبراء حيث تتوافر الخبرة في المجال التجاري (المحاسبي)، والمجال الهندسي من أجل الإفادة الفنية لهيئة المحكمة فيستنير بها القاضي ويطمئن إلى حكمه بالعدل.

يستكمل في المقال القادم بإذن الله.

WWW.ajkharafi.com

إن الصبر عند المصائب والمحن من سمات المؤمن الحقيقي، فهو يعلم أن كل شيء يصيبه من تقدير المولى سبحانه وتعالى، والمؤمن الصابر المحتسب يعلم يقيناً ما أعده الله سبحانه وتعالى من جزاء حسن وبشرى طيبة لعباده الصابرين، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ {155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ {156}﴾ (البقرة)، وتوضح الآيات الكريمة أن البلاء اختبار من الخالق سبحانه وتعالى للعبد المؤمن في النفس أو المال أو الأهل، والبشرى للصابرين المسترجعين المحتسبين والراضين بقضاء الله، منتظرين ما أعده الله سبحانه وتعالى لهم.

وقد ضرب أهل الكويت وتجارها الفضلاء القدوة الحسنة والنماذج الطيبة في الصبر والاحتساب عند المصائب، وتوضح هذه القصة الواقعية الواردة في سلسلة "محسنون من بلدي" (مستشار التحرير د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي) ج 1 ص 17 – 20، مثالاً ونموذجاً لبطلها التاجر إبراهيم مضف المضف، وكان أحد التجار المعروفين بالشهامة والرجولة في عصره، كما عرف عنه الجود والكرم والصبر عند المصائب والشدائد.

أسند حكام الكويت إلى التاجر إبراهيم مضف المضف مهمة الفصل في الخلافات التي قد تنشأ بين العاملين في البحر من الغواصين والملاحين والربابنة، وكان ذلك شرفاً عظيماً يؤكد رجاحة عقله ومكانته في المجتمع، واستطاع أن يصرف أمور هذه المهمة بمفرده، فينصرف الخصمان وكل منهما راضٍ بما حكم ثقة فيه واعتقاداً بنزاهته حتى قال حاكم الكويت آنذاك الشيخ جابر المبارك رحمه الله: "إننا نعجب أن الخصمين ينصرفان معاً وأحدهما راض والآخر ساخط، إلا أنك يا إبراهيم ينصرف الخصمان منك وهما راضيان بما حكمت..!" (من كتاب خالد سعود الزيد، "سير وتراجم خليجية في المجلات الكويتية"، الطبعة الأولى، ص 81).

وهذه الشهادة العالية كافية بأن تعرف مقام هذا المصلح لدى أمراء البلاد ومواطنيه في وقته.

واشتهر مجلس إبراهيم المضف باستقبال عابري السبيل المارين بالكويت أو القادمين إليها حيث يجدون كرم الضيافة، وحسن المقام، ويجدون حاجتهم دون اللجوء إلى مذلة السؤال، فكان ينفق على الفقراء والمحتاجين في السر والعلانية، وكان مجلسه يضم أهل الصلاح والتقوى من شعب الكويت.

كما عرف إبراهيم المضف بالصبر والجلد عند الشدائد بدافع إيمانه بالله تعالى، فعندما جاء نبأ غرق ولده عبداللطيف وحفيدين له؛ تحلى بالإيمان ولم يجزع من قضاء الله، وأيضاً عندما استشهد أولاده مضف وعثمان في معركة الصريف مارس 1901م ثم استشهد أخوهما مهلهل.

لقد كان إبراهيم المضف في كل مصيبة من هذه المصائب العظمى الثلاث يستقبل المعزين بوجه لا أثر للحزن فيه، وبابتسامة تعبر عن ثقة المؤمن الموقن بأن المصائب لا حول لأحد في دفعها، فخير للمرء أن يصبر ويحتسب فيؤجر من الله سبحانه وتعالى الذي بشر الصابرين المحتسبين بالجزاء والأجر العظيم.

وقد كشفت قصة التاجر إبراهيم مضف المضف أوجه الكرم والجود المتأصلة عند أهل الكويت الطيبين وعند تجارها الكرماء، كما كشفت الجانب الإيماني والوازع الديني والذي يتجلى في صبرهم عند المصائب واحتسابهم الأجر والثواب من رب العالمين.

WWW.ajkharafi.com

 

لقد أمرنا ديننا الإسلامي الحنيف بالاجتهاد والجد والمثابرة، والسعي على الرزق مهما كانت الظروف، ولا بد للمسلم أن يكون طموحاً للأفضل ومتفوقاً في حياته، كما أن الاعتماد على الكسب الحلال كما سنَّ الله عز وجل مجلبة للرزق، وسبباً في وجود البركة، ولا مجال في ديننا الإسلامي الحنيف لأي كسول أو متواكل أو مهمل، فعلى المسلم أن يكون طموحاً مثابراً معتمداً على نفسه في كسب قوته من عمل يده، فالحياة لا تكون أبداً لكسول، ولا يرتفع شأن إلا كل صاحب همة ونشاط وتميز. 

وقد كان التاجر والنوخذة عبدالعزيز بن عثمان رحمه الله مثالاً ونموذجاً يحتذى به في الطموح والكفاح من أجل النجاح وبناء الذات، وقد أصر منذ بداية حياته العملية على أن يكون بحاراً، فبالرغم من حداثة سنه، وعدم توافر خبرات سابقة لديه، فإنه تعلم فنون الملاحة البحرية وأبدع فيها خلال وقت قصير.

وبعد مضي عدة سنوات قضاها الشاب عبدالعزيز بن عثمان ملاحاً على بعض السفن الشراعية مع النوخذة محمد المسجري، ثم مع النوخذة عبدالرحمن العبدالجادر، استطاع أن يأخذ الخبرة الكافية، وبفضل طموحه وتطلعه لمستقبل أفضل وعصاميته في بناء ذاته، استطاع أيضاً أن يصنع عدة سفن وقادها بنفسه، واشترى سفناً أخرى أيضاً ليكمل أسطوله البحري، كما أصر على تعليم أبناء عائلته جميعاً أصول الملاحة والقيادة ليعتمد عليهم في قيادة هذا الأسطول البحري الذي كوّنه معتمداً على المولى سبحانه وتعالى ثم على خبرته وعزيمته ورغبته في التفوق والنجاح.

ومن اللطيف بل من العجيب ذلك العزم وهذا الإصرار على النجاح الذي تجسده هذه القصة الواقعية التي وردت في كتابي "عائلة العثمان: مدرسة السفر الشراعي في الكويت" ص 122 – 123.

للنوخذة عبدالعزيز بن عثمان رحمه الله، فقد ركب البحر متعلماً ومنتبهاً لفنونه وهو عازم على الريادة في مجال صناعة السفن وركوب البحر، ولما طلب منه أهله أن يتزوج ويستقر - إذ لا تعارض بين العمل والزواج – قال كلمته المشهورة: "لن أتزوج حتى أربط "البري"؛ وهو حبل يربط بمؤخرة السفينة، ويثبت بوتد على الأرض من خلفها حتى لا يتحرك مع ارتفاع ماء المد، وفي كلمته هذه كناية عن رغبته في امتلاك سفينة خاصة به؛ الأمر الذي يدل على علو الهمة وشدة العزيمة والاعتماد على النفس وكثير من المعاني السامية.

ومن الألطف والأعجب من ذلك أنه عندما امتلك السفينة عرض عليه الأهل والأحباب الزواج مرة أخرى، ولم يكن قد امتلك حينها البيت الذي يسكن فيه، فأجابهم بكلمة معبرة قائلاً: "ليس قبل أن يكون لي قبر في هذه الأرض"، ومعنى القبر هنا أنه المكان الوحيد الذي لا ينازعه فيه أحد، فكذلك البيت الملك؛ مما يدل على عزة النفس وعصاميتها، فلم يتزوج المرحوم النوخذة عبدالعزيز بن عثمان حتى امتلك السفينة "مساعد"، وأسس البيت عام 1885م تقريباً، وكان ذلك هو تاريخ بداية تأسيس فريج العثمان بمنطقة القبلة.

وهكذا ضرب النوخذة عبدالعزيز بن عثمان رحمه الله نموذجاً يحتذى به من الطموح والاعتماد على النفس وبذل الأسباب في سبيل الوصول إلى النجاح، وهكذا كان أهل الكويت من أبناء هذا الجيل المبارك، امتلأت نفوسهم بالجد والأمل فاجتهدوا وثابروا من أجل تحقيق الطموحات والأهداف، وتوكلوا على الله سبحانه وتعالى وبذلوا الأسباب، وبادروا واجتهدوا، فكان النجاح حليفهم، والتوفيق من الله نصيبهم، رحمهم الله جميعاً رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته.

WWW.ajkharafi.com

تحدثنا في مواضع سابقة عن قيمة الكفاح والاعتماد على النفس، وكيف حثنا ديننا الإسلامي الحنيف على بذل الأسباب والمثابرة والسعي على الرزق ورغب في ذلك؛ لما في ذلك من فضائل جمة، نذكر منها إكرام النفس وعفتها عن سؤال الناس.

وتوضح هذه القصة الواقعية التي وردت في سلسلة "محسنون من بلدي" ج 6 من إصدار بيت الزكاة (مستشار التحرير د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي) ص63 – 75 مثالاً ونموذجاً لصاحبها التاجر خالد عبداللطيف الحمد رحمه الله، وتبين قيمة الاعتماد على النفس والكفاح من أجل بناء الذات وتحقيق الطموحات.

بدأت قصة الكفاح الحقيقية مع التاجر خالد الحمد بالتحاقه بالعمل عند عائلة "الصقر" كمسؤول عن مخازن الشعير والتمر والأخشاب، وخلالها تعلم أصول التجارة، وبعد أن تعمقت خبراته واتسعت تجاربه وازدادت حنكته طلب منه آل الصقر السفر إلى اليمن، وهناك نهض خالد الحمد بأعمال التجارة المطلوبة منه، وكيلاً عن عائلة الصقر بهمة وكفاءة وإخلاص وتفانٍ، واستطاع خلال فترة قصيرة أن يقيم شبكة علاقات واسعة مع عموم الناس من ناحية والمسؤولين من ناحية أخرى.

وهنا بدأت قصة الكفاح الحقيقية للتاجر خالد الحمد وبداية الاعتماد على الذات، وحان الوقت لأن يضع قدميه على عتبات مجده الخاص، فبعد أن أمضى سنوات في عمله لدى أسرة الصقر، وأسعفته تجربته وخبراته العملية والتجارية، اجتمع يوماً بأخيه يوسف (شقيق خالد الحمد) وقال له: لقد وفقنا الله في العمل لدى عائلة الصقر، وقمنا بواجبنا والحمد لله على أكمل وجه، وحان الوقت بأن نبدأ تجارتنا، وأن نعتمد على أنفسنا، فعندنا كل ما يحتاجه التجار من مقومات وأساسيات العمل، وأصبحت لدينا ولله الحمد شبكة علاقات واسعة مع عموم الناس من ناحية والمسؤولين من ناحية أخرى، فلنبدأ على بركة الله، أنا أستقر في عدن، وأنت تذهب إلى الهند، ونبتغي في ذلك العمل وجه الله تعالى والسعي على الرزق الحلال، فوافقه أخوه يوسف وبدأا مسيرتهما التجارية وكفاحهما لتحمل المسؤولية وبناء الذات.

فكان خالد الحمد يجلب التمر من العراق ويبيعه للحجيج أو يقايضهم بأقمشة، واتسعت تجارته تدريجياً فاشترى بساتين نخيل في العراق ليسد حاجة الأسواق المفتوحة على مصراعيها لتجارته عبر مكاتبه في عدن والهند والصومال.

وتدريجياً امتدت أوجه نشاطه التجارية إلى البن، حيث كان يقوم بتصديره، حتى صار واحداً من كبار تجار البن، ثم عمل في السجاد، فكان يستورد من إيران، وكان يستغل كثرة العابرين من ميناء اليمن لتصريف هذا السجاد من ذلك المنفذ البحري الحيوي.

وأقام يوسف الحمد بمدينة "كايتوارن" الهندية للإشراف على تزويد الأسواق المترامية الأطراف بسائر أنواع التوابل التي تجد رواجاً كبيراً في الهند وتوسعت تجارة خالد الحمد، واتسعت ثروته وبارك الله له فيها.

وبعد أن قضى خالد الحمد شطراً كبيراً من حياته متنقلاً بين الكويت واليمن والحجاز والصومال والحبشة عاوده الحنين إلى أرض الوطن فقرر العودة إلى الكويت نهائياً والإقامة بها، وكان ذلك في بداية العقد الثالث من القرن العشرين.

وهكذا ضرب لنا التاجر خالد عبداللطيف الحمد رحمه الله نموذجاً يحتذى به الكفاح والجد والمثابرة وبذل الأسباب في سبيل الوصول إلى النجاح، وهكذا كان أهل الكويت من أبناء هذا الجيل المبارك، لا يعرفون اليأس ولا الاستسلام، بل كانت قلوبهم مليئة ثقة بالله سبحانه وتعالى أنه لن يخيب ظنهم، ولن يضيع اجتهادهم، فاعتمدوا عليه سبحانه وتعالى وبذلوا الأسباب، وبادروا واجتهدوا، فكان النجاح حليفهم، والتوفيق من الله نصيبهم.

WWW.ajkharafi.com

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top