د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

توضح هذه القصة الواقعية التي يرويها العم سعود عبدالعزيز الراشد عن والده وأصدقائه رحمهم الله تعالى جملة من الأخلاق الفاضلة التي تحلى بها أهل الكويت في كويت الماضي، حيث يروي قائلاً: كان أهل البادية يأتون إلى الكويت في ذلك العهد القديم يبيعون ما لديهم من بضائع يجدون لها رواجاً عند أهل الكويت، ومن أهم تلك البضائع الدهن والصوف والوبر والأغنام، وكان معظم أهل البادية يتركون أموالهم عند أهل الثقة من تجار الكويت، وفي أحد المواسم ترك أحد هؤلاء أمواله عند الوالد عبدالعزيز الراشد، فأخذ عبدالعزيز الراشد ذلك المبلغ دون أن يعلم مقداره، ونظراً لعدم توافر خزنة (تجوري) لديه في ذلك الوقت، أخذ المال وذهب به إلى صديقه التاجر حمد المديرس، ونظراً لتوافر تجوري لديه قبل أن يحفظ الأموال لديه.

وفي الموسم القادم جاء صاحب المال وطلب المعصب من عبدالعزيز الراشد، فسأله عبدالعزيز الراشد: كم كان فيه؟ قال له الأعرابي: ألف ريال فرنسي، فقال له عبدالعزيز الراشد: تعالَ غداً بعد صلاة المغرب، وكان الوالد قد نسي أنه ترك تلك الأموال أمانة عند صديقه حمد المديرس، فذهب مسرعاً إلى أحد التجار الكويتيين المعروفين، وقال له: أريد أن تقرضني مبلغ ألف ريال فرنسي على أن أستلمها منك غداً قبل المغرب، فوافق ذلك التاجر المعروف ولكن بشرط أن يكون المبلغ مقابل رهن بيت الوالد وليس على سبيل السلف ليضمن جدية السداد، فوافق الوالد على ذلك بدون تردد، وكتب ذلك التاجر كلمة قصيرة في وثيقة البيت تفيد برهنه تحسباً للحياة والممات وحفظاً للحقوق، واحتفظ بالوثيقة عنده في علبة حفظ الوثائق المهمة، وألصق عليها ورقة من الخارج تفيد أن بها وثيقة رهن البيت، وجهز المبلغ لعبدالعزيز الراشد الذي أخذه بدوره وسلمه لصاحبه، فعلى الرغم من أنه لم يتذكر المبلغ ولا يوجد مع صاحب المبلغ دليل على أنه تركه كأمانة عنده فإنه كان حريصاً على شراء سمعته وتوفير المبلغ حتى لو على حساب رهن بيته.

وعقب ثلاثة أشهر من تلك الواقعة جاء حمد المديرس إلى عبدالعزيز الراشد وقال له: لماذا لم تأخذ أمانتك يا أبا سعود، المعصب بالتجوري كما تركته عندنا من العام الماضي، حينها تعجب عبدالعزيز الراشد ورد عليه متعجباً: أي أمانة وأي معصب؟! فقال المديرس: فلوسك التي تركتها أمانة منذ عام، وطلبت منا حفظها لك، حينها تذكر الوالد تلك الأمانة، وذلك المبلغ الذي تركه عنده ذلك البدوي، فأخذ المال وذهب مسرعاً إلى التاجر المعروف ونسي أن يطلب منه فك الرهن على البيت، وشكره على مؤازرته وصبره على ذلك المبلغ.

ولكن القصة لم تنتهِ بعد، فعندما جاء دور بيت الوالد عبدالعزيز الراشد في التثمين، وكان من المعلوم عدم تثمين البيوت المرهونة، فلم يكن التاجر المعروف قد ألغى الرهن من وثيقة التثمين، فلما ذهب الوالد ليوثقها لإثبات أنه دفع مبلغ الرهن، وأن بيته خالص وملكه وليس عليه رهن، فوجئ بأن عبارة الرهن كما هي، ولم يتم إزالتها من الوثيقة، وبالبحث في دفاتر التاجر المعروف ثبت بالفعل أنه استلم المبلغ منذ فترة طويلة، ولكن للثقة المتبادلة وحسن النية عند الوالد لم يطلع على الوثيقة للتأكد من إزالة الرهن منها، وبمجرد مراجعة الحسابات والدفاتر مراجعة سريعة، ثبتت صحة ما يقوله عبدالعزيز الراشد، وأن بيته ليس مرهوناً فقام التاجر بإزالة الرهن بسرعة وانسيابية، وبناءً عليه تمت عملية التثمين بكل سهولة ويسر، وهذا جانب مؤثر آخر لتلك القصة الرائعة، يوضح ما كان عليه هؤلاء التجار من ثقة متبادلة، ودقة في التعامل.

WWW.ajkharafi.com

الثقة في أبسط معانيها هي الائتمان، فيقال وثق بفلان: ائتمنه وصدّقه، فهو واثق به، وعلى ذلك فالثقة هي نتاج عدة صفات مجتمعة لا بد أن يتحلى بها الفرد ولا سيما التاجر ليكون محل ثقة من الناس، ومن أهم تلك الصفات التي يجب أن تتوافر في التاجر لكي يكون موضع ثقة من جميع من يتعاملون معه: الأمانة والصدق، والسمعة الحسنة والالتزام بالمواعيد والعهود، ويأتي حسن الخلق وحب الخير للآخرين ليتوجا هذه الصفات ويكملاها، وإذا كانت الثقة والسمعة الحسنة مطلبين عامين لكل مسلم، فإن الحاجة إليهما أشد وأكثر إلحاحاً عند التاجر المسلم.

وقد ضرب أهل الكويت الكرام أمثلة رائعة في الحرص على اكتساب ثقة من يتعاملون معهم والحفاظ على السمعة الحسنة في مجتمعهم التجاري، وهذا ما سوف نستعرضه في ذكر هذه القصة الواقعية التي رواها التاجر أحمد محمد البرجس عن والده برجس محمد البرجس، رحمه الله تعالى، والتي توضح حرص التاجر الكويتي على زرع مفهوم الثقة عند أبنائه وإرشادهم إلى أهميتها.

وخلاصة القصة كما يرويها التاجر أحمد محمد البرجس قائلاً: كان والدي التاجر برجس محمد البرجس، رحمه الله، تاجراً ميسور الحال، وكان رحمه الله يتمتع بالكثير من الصفات الحميدة ولله الحمد، وكان ذا مكانة بين أقرانه نظراً لأمانته وصدقه وشفافيته في التعامل، فاكتسب الوالد رحمه الله الثقة والسمعة الحسنة من الجميع.

وقد كان الوالد رحمه الله مثلي الأعلى في العمل التجاري، ولما أردت أن أستقل بعملي الخاص، وأن أخوض التجربة معتمداً على نفسي، استأجرت محلاً بالسوق، وذهبت لوالدي رحمه الله في منزل الأسرة وأبلغته بأنني أريد أن أعمل بالتجارة، وأني استأجرت محلاً في السوق، وطلبت منه العون والنصيحة لتكون بدايتي موفقة، وتكون لي نفس السمعة الطيبة لوالدي في مجال التجارة.

كنت أتحدث مع الوالد رحمه الله ونحن في فناء المنزل، فأمرني والدي بإحضار كأس ماء فذهبت على الفور لأحضر له كأس ماء، وبعدما شرب تعمد رحمه الله أن يترك الكأس لتقع على الأرض وتنكسر، وأنا أشاهد هذا الموقف الغريب من الوالد رحمه الله، ولا أدري لماذا ترك الكـأس لتقع وتنكسر على الأرض، ولكنه لم يترك لي الفرصة للتفكير كثيراً، فطلب مني أن أجمع الكأس وأن أعيدها سليماً كما كانت! فقلت للوالد: مستحيل أن أعيدها يا والدي وقد تهشمت.

فتبسم الوالد كأنه يريد أن يوصل رسالة ما من ذلك الفعل، وأردف قائلاً: هذه هي سمعة التاجر يا بني، إذا انكسرت لا شيء يعوضها، فكان لهذا الموقف أثره الكبير في نفسي، وتعلمت منه الكثير من الدروس والعبر، وجعلت أتذكره طوال حياتي التجارية، وضعته نبراساً أمام عيني، أكرر كلماته وأرويه لكل الأبناء والأصدقاء وكل من يريد أن يدخل في مجال التجارة وأن يتخذها مهنة له.

وهكذا قدم التاجر محمد البرجس، رحمه الله، درساً تربوياً رائعاً، فمن خلال هذا الموقف استطاع أن يرسل رسالة مهمة لكل من يريد أن يعمل بمجال التجارة أن يكون هدفه الأول الحفاظ على سمعته، وأن يكسب ثقة الناس جميعاً ويحافظ عليها؛ لأن ثقة الناس بالتاجر إذا اهتزت سيكون من الصعب بل قد يكون من المستحيل إعادتها مرة أخرى، وهكذا كانت حال آبائنا من أهل الكويت الكرام، كانوا حريصين على غرس الثقة بينهم وبين من يتعاملون معه، حتى أصبحت السمعة الحسنة والمحافظة عليها واحدة من سمات التاجر الكويتي.

رحم الله الجميع رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته.

لقد سبق أن أوردنا قصة التاجر عبدالله بن خالد الخضير منفرداً في مقالة سابقة، وكذلك قصة التاجر يوسف العبدالهادي الميلم؛ حيث إن حفظ السمعة الحسنة للإنسان المسلم ضرورة تستوجبها الشريعة الإسلامية، كما أن الحرص على السمعة الحسنة بين الناس أمرٌ حسنٌ لا محذور فيه ولا رياء، ومن الأدلة على ذلك قول المولى سبحانه وتعالى في كتابه العزيز على لسان الخليل إبراهيم عليه السلام ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآَخِرِينَ﴾ وفيها دعوة إبراهيم عليه السلام بأن يجعل الله سبحانه وتعالى له ثناءً حسناً، وذكراً جميلاً.

وقد ضرب أهل الكويت الكرام أمثلة رائعة في الحفاظ على السمعة الحسنة، وهذا ما سوف نستعرضه في ذكر هذه القصة الواقعية، والتي توضح حرص التاجر الكويتي على حفظ سمعته.

وخلاصة القصة أن التاجر محمد الروضان رحمه الله وقيل روضان حمود الروضان رحمه الله "محسنون من بلدي" - الجزء السادس إصدار بيت الزكاة، ص 161-162 – (مستشار التحرير د. عبدالمحسن عبدالله الخرافي)، وقد أوردها الشيخ عبدالله النوري رحمه الله في كتابه "حكايات من الكويت" - ص 99-102، وقال معلقاً عليها: إن بطلها روضان حمود الروضان، وقيل: بطلها محمد الروضان، وهو من عائلة الروضان نفسها وابن عم الروضان بن حمود، رحم الله الجميع، كان جالساً ذات يوم مع بعض رفاقه، وبينما هم يتسامرون ويتجاذبون الحديث في جو من الود والصفاء، إذ دخل عليهم أعرابي، وتوجه بحديثه إلى محمد الروضان، طالباً منه أن يرد أمانته التي تركها عنده وقيمتها خمسة آلاف روبية! وكان يمثل مبلغاً كبيراً في ذلك الوقت.

أسقط في يد الرجل وألجمته الدهشة، إذ إنه لأول مرة يرى هذا البدوي، ولم يسبق له أن رآه ولا أن أخذ منه شيئاً، ترى ما الذي حدث؟ لا بد أن في الأمر لبساً، ولا بد أن هذا الرجل قد أخطأ طريقه، فكر محمد الروضان بسرعة، واتخذ القرار، ووجه حديثه للرجل بكل ثقة: "احضر غداً لتستلم أمانتك"!

وبالفعل استطاع محمد الروضان رحمه الله أن يدبر المبلغ بطريقة أو بأخرى، فحضر الرجل، فدفع إليه كيساً به الخمسة آلاف روبية، فأخذها الرجل وانصرف مسرعاً لا يلوي على شيء.

وبينما كان الرجل عائداً من حيث أتى استوقفه رجل في دكان، وسأله: ألست أنت الذي تركت عندي أمانة منذ كذا وكذا؟ فتذكر الأعرابي، وعلم أنه أخطأ في معرفة الرجل، وتذكر أنه فعلاً ترك الأمانة مع هذا الرجل في هذا الدكان وليس لدى محمد الروضان، فقال: نعم، فدفع إليه الرجل وديعته!

وتعجب الرجل مما فعله محمد الروضان وتساءل: كيف يحدث هذا؟ كيف يعطيني مالاً لم أعطه إياه؟ لا بد أن في الأمر سراً!

فعاد مسرعاً إلى محمد الروضان، ودفع إليه نقوده واعتذر عن خطأه أمام الجميع، هنا تعجب رفقاء التاجر محمد الروضان وجلساؤه وتساءلوا في دهشة: لماذا فعلت هذا؟ لماذا أعطيت الرجل مالاً لا يستحقه ولم تأخذه منه أصلاً؟ فأجاب الرجل إجابة تدل على ذكائه وحسن تقديره للأمور، وحرصه على سمعته بين الناس مهما كان الثمن، قال: لو أنكرت ما قاله الرجل، وقلت له: إنك لم تعطني شيئاً – وهذا هو الواقع بالفعل – ربما يصدقني بعضكم، وقد تشكّون فيّ، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم بالعروق، وأنا أحرص على سمعتي بينكم، فتصرفت وقمت بجمع المال بسرعة وأعطيته للرجل! فعجب الناس من رده الشافي ومنطقه البليغ وإجابته المقنعة.

وهكذا اشترى سمعته بماله.

تحدثنا في المقال السابق عن السمعة الطيبة التي يجب أن يتحلى بها الفرد المسلم، لاسيما التجار من أهل الإسلام، وأنها أحد ضروريات ومستلزمات الفطرة السليمة والحنيفية السمحة.

فالسمعة الطيبة والذكر الحسن مطلبان مشروعان وأمران ضروريان في حياتنا جميعاً، وإذا كان المسلم بصفة عامة يحرص عليهما ويريد تحقيقهما، فالتاجر في ذلك أدق وأحرص؛ لأنهما يمثلان بالنسبة له الحصن الحصين والأساس المتين اللذين يضمنان له الاستمرار والنجاح والتميز بين الأقران.

وقد ضرب أهل الكويت الكرام أمثلة رائعة في الحفاظ على السمعة الحسنة، وهذا ما سوف نستعرضه في ذكر هذه القصة الواقعية، والتي توضح حرص التاجر الكويتي على حفظ سمعته.

نروي هذه القصة باختصار وهي عن التاجر يوسف العبدالهادي الميلم رحمه الله نقلاً عن د. عادل محمد العبدالمغني في كتابه "شخصيات كويتية ص 35 – 36، وخلاصة القصة أن أهل البادية كانوا يفدون في مواسم الربيع لبيع منتجاتهم ويشترون حاجاتهم من المواد التموينية من تجار الكويت، وكانوا يودعون أمانات مالية كثيرة لدى التجار لحفظها لهم من الضياع لعدم وجود خزائن (تجوري) لديهم في البادية، وذلك خوفاً من ضياعها عند التنقل من مكان إلى آخر بحثاً عن الكلأ أو الرزق الحلال، وعلى العموم فإن التاجر الكويتي أصبح محل الثقة لدى هؤلاء البدو، فأموالهم تكون في الصون والأمانة حتى يتم طلبها في السنة المقبلة أو لسنوات أخرى عندما يحتاجون إليها.

وفي أحد الأيام من منتصف الثلاثينيات جاء رجل من سكان بادية الكويت ووقف عند باب محل التاجر يوسف الميلم، طالباً الأمانة المالية التي أودعها في السنة الماضية، فنظر التاجر يوسف إلى الرجل متفحصاً في هيئته، ولم يكن قد شاهده من قبل ولم يكن بالتالي قد أودع الأمانة لديه، فأدرك التاجر يوسف الميلم بداخل سريرته وبالفطرة أن الرجل البدوي حتماً قد التبس عليه صاحب المحل لكون البدو لا يفدون إلى المدينة باستمرار، فقال التاجر يوسف: ذكرني كم المبلغ؟ فرد الرجل البدوي: 300 ريال؛ وهو ريال الملكة تريزا ملكة النمسا المعروف في ماضي الكويت بالريال الفرنسي، ويعادل 2.5 روبية فضية.

وفي الحال أخرج التاجر يوسف من الخزانة الحديدة (التجوري) المبلغ وسلمه للرجل الذي شكره ومضى في سبيله، ولم يمض وقت قصير من انصرافه حتى رجع ومعه الجار صاحب المحل الملاصق لمحل التاجر يوسف الميلم، وأعاد المبلغ مع سيل من الاعتذارات، وعبارات طلب المسامحة، والسبب أنه عندما خرج الرجل البدوي شاهد جار التاجر يوسف فتعرف عليه وقال له: "وينك ما تبي فلوسك؟"، فأدرك البدوي أن المبلغ الذي أخذه ليس له، وكان تعليق التاجر يوسف الميلم رحمه الله بأن المال الحلال لا يضيع، وأضاف: كان عليَّ أن أشتري سمعتي بأي ثمن؛ لأني مدرك جيداً بأن ذلك الرجل البدوي ليس له أمانة عندي فلو بينت له بأن لا مبالغ تخصه عندي لكان قد صاح بأعلى صوته بأني قد أكلت حلاله، فماذا ستكون عليه سمعتي بعدها؟ رحمك الله يا أبا عبدالله (يوسف العبدالهادي الميلم)، فقد ضربت أروع الأمثلة في الحفاظ على السمعة الحسنة للتاجر الكويتي في كويت الماضي.

وهذا كان حال الكثير من آبائنا في كويت الماضي، يشترون سمعتهم بأي ثمن، وينفقون أموالهم في سبيل الحفاظ رأسمالهم الحقيقي وهو السمعة والذكر الحسن، رحم الله هذه النماذج الطيبة ومن على شاكلتهم، ورزقهم جنات النعيم جزاءً على طيب سيرتهم وحسن سريرتهم.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top