د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تحدثنا في المقال السابق عن السمعة الطيبة التي يجب أن يتحلى بها الفرد المسلم، لاسيما التجار من أهل الإسلام، وأنها أحد ضروريات ومستلزمات الفطرة السليمة والحنيفية السمحة.

فالسمعة الطيبة والذكر الحسن مطلبان مشروعان وأمران ضروريان في حياتنا جميعاً، وإذا كان المسلم بصفة عامة يحرص عليهما ويريد تحقيقهما، فالتاجر في ذلك أدق وأحرص؛ لأنهما يمثلان بالنسبة له الحصن الحصين والأساس المتين اللذين يضمنان له الاستمرار والنجاح والتميز بين الأقران.

وقد ضرب أهل الكويت الكرام أمثلة رائعة في الحفاظ على السمعة الحسنة، وهذا ما سوف نستعرضه في ذكر هذه القصة الواقعية، والتي توضح حرص التاجر الكويتي على حفظ سمعته.

نروي هذه القصة باختصار وهي عن التاجر يوسف العبدالهادي الميلم رحمه الله نقلاً عن د. عادل محمد العبدالمغني في كتابه "شخصيات كويتية ص 35 – 36، وخلاصة القصة أن أهل البادية كانوا يفدون في مواسم الربيع لبيع منتجاتهم ويشترون حاجاتهم من المواد التموينية من تجار الكويت، وكانوا يودعون أمانات مالية كثيرة لدى التجار لحفظها لهم من الضياع لعدم وجود خزائن (تجوري) لديهم في البادية، وذلك خوفاً من ضياعها عند التنقل من مكان إلى آخر بحثاً عن الكلأ أو الرزق الحلال، وعلى العموم فإن التاجر الكويتي أصبح محل الثقة لدى هؤلاء البدو، فأموالهم تكون في الصون والأمانة حتى يتم طلبها في السنة المقبلة أو لسنوات أخرى عندما يحتاجون إليها.

وفي أحد الأيام من منتصف الثلاثينيات جاء رجل من سكان بادية الكويت ووقف عند باب محل التاجر يوسف الميلم، طالباً الأمانة المالية التي أودعها في السنة الماضية، فنظر التاجر يوسف إلى الرجل متفحصاً في هيئته، ولم يكن قد شاهده من قبل ولم يكن بالتالي قد أودع الأمانة لديه، فأدرك التاجر يوسف الميلم بداخل سريرته وبالفطرة أن الرجل البدوي حتماً قد التبس عليه صاحب المحل لكون البدو لا يفدون إلى المدينة باستمرار، فقال التاجر يوسف: ذكرني كم المبلغ؟ فرد الرجل البدوي: 300 ريال؛ وهو ريال الملكة تريزا ملكة النمسا المعروف في ماضي الكويت بالريال الفرنسي، ويعادل 2.5 روبية فضية.

وفي الحال أخرج التاجر يوسف من الخزانة الحديدة (التجوري) المبلغ وسلمه للرجل الذي شكره ومضى في سبيله، ولم يمض وقت قصير من انصرافه حتى رجع ومعه الجار صاحب المحل الملاصق لمحل التاجر يوسف الميلم، وأعاد المبلغ مع سيل من الاعتذارات، وعبارات طلب المسامحة، والسبب أنه عندما خرج الرجل البدوي شاهد جار التاجر يوسف فتعرف عليه وقال له: "وينك ما تبي فلوسك؟"، فأدرك البدوي أن المبلغ الذي أخذه ليس له، وكان تعليق التاجر يوسف الميلم رحمه الله بأن المال الحلال لا يضيع، وأضاف: كان عليَّ أن أشتري سمعتي بأي ثمن؛ لأني مدرك جيداً بأن ذلك الرجل البدوي ليس له أمانة عندي فلو بينت له بأن لا مبالغ تخصه عندي لكان قد صاح بأعلى صوته بأني قد أكلت حلاله، فماذا ستكون عليه سمعتي بعدها؟ رحمك الله يا أبا عبدالله (يوسف العبدالهادي الميلم)، فقد ضربت أروع الأمثلة في الحفاظ على السمعة الحسنة للتاجر الكويتي في كويت الماضي.

وهذا كان حال الكثير من آبائنا في كويت الماضي، يشترون سمعتهم بأي ثمن، وينفقون أموالهم في سبيل الحفاظ رأسمالهم الحقيقي وهو السمعة والذكر الحسن، رحم الله هذه النماذج الطيبة ومن على شاكلتهم، ورزقهم جنات النعيم جزاءً على طيب سيرتهم وحسن سريرتهم.

إن مساعدة المعسر، ومؤازرة المحتاج، وإغاثة الملهوف، تعد من أفضل أعمال البر التي يتقرب بها المسلم إلى الخالق سبحانه وتعالى ويرجى ثوابها في الدنيا والآخرة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً.." (رواه ابن أبي الدنيا في كتاب: قضاء الحوائج، والطبراني وغيرهما، وحسنه الألباني).

وقد ضرب أهل الكويت الكرام حكاماً ومحكومين، حكومة وشعباً، أمثلة رائعة في دعم المعسرين ومساعدة المحتاجين وإعانة الملهوفين.

وفي هذا المعنى تأتي هذه القصة التي يرويها العميد متقاعد فهد عبدالعزيز المخيزيم في كتابه "كويت الماضي" تحت عنوان: أسماء في سجل الشرف، ص95 تحت عنوان "طرفة النوخذة المشهور في بر العدان والمعروف باسم (أبو عنكورة)": في عهد الشيخ أحمد الجابر رحمه الله سُن قانون الغواصين وكان مكوناً من 51 مادة تنظم عمل الغوص بما في ذلك الأمور المالية والسلف (السلف: الدين)  والتسقام: نسبة من المال يدفعها النوخذة إلى بحارته بعد عودتهم كعربون للذين يتفق معهم على صحبته في موسم الغوص للسنة التالية، وإجراءات العمل في سفينة الغوص ومرض البحار ووفاته والديون التي تكون بذمته، وكذلك حالات عجز البحار عن العمل، فكان قانوناً شاملاً وافياً لكل ما يهم ذلك المجال الحيوي ذلك الوقت.

يستطرد العميد فهد المخيزيم قائلاً: وأذكر من المواقف الطريفة التي ما زالت باقية في الذاكرة رغم مرور السنين، أذكر هذه المحاورة التي تمت بين الشيخ أحمد الجابر عليه رحمة الله وأحد نواخذة بر العدان وهو معروف باسم "أبو عنكورة"، ففي أحد مواسم الغوص رزق النوخذة أبو عنكورة قماشة باعها بثمن كبير وكان سهم الحكومة منها مبلغ مائتي روبية وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت، وقام أبو عنكورة بدفع المبلغ المستحق عليه إلى الحكومة، وفي الموسم التالي عاد أبو عنكورة من الغوص خالي الوفاض ولم يجد ما يسد به دينه، فقال لمن معه من الرجال: إنه سيذهب إلى الشيخ أحمد الجابر (حاكم البلاد في ذلك الوقت) ويشكو له الحال، وبالفعل ذهب من فوره إلى مجلس الحاكم، وعندما رآه الشيخ بادره قائلاً: "إيش عندك يا أبو عنكورة"، فرد النوخذة بفطرته وبساطته المعهودة: "لا تعنكر.. غيصكم عليه رادي ميتين روبية"؛ (أي مائتي روبية)، وهو يقصد أن سهمكم عليه مرتجع 200 روبية.

فضحك الحاكم وقال للنوخذة: غيصنا لا يأكل ولا يشرب يا أبو عنكورة (باعتبار أنه شخصية معنوية لا حقيقية)، فقال الرجل بنفس البساطة: "لما أهو لا يأكل ولا يشرب.. إشلون خدتوا عليَّ مائتين روبية؟"، فضحك الأمير وعرف أن النوخذة لم يربح شيئاً من غوص ذلك الموسم، وما كان من الشيخ أحمد الجابر رحمه الله إلا أنه أمر بدفع مبلغ مائتي روبية إلى النوخذة أبو عنكورة ليواجه بها ظروفه المعيشية.

وهكذا جسد لنا الشيخ أحمد الجابر رحمه الله نموذجاً رائعاً لدور الحاكم ودور الحكومة أو السلطة العليا في البلاد في دعم التجار والنوخذة المعسرين، ومساعدة من تصيبهم أزمة أو فاقة أو نائبة من نوائب الدهر.

المروءة والكرم صفتان متلازمتان في أغلب الأحيان، فلا تكاد تجد امرءاً ذا مروءةٍ إلا وهو كريم، ولا تكاد تجد امرءاً كريماً إلا وهو صاحبُ مروءة، ولقد جاء الإسلام بالأخلاق الفاضلة التي تعضد هاتين الصفتين وتؤكدهما، ولما كانت المروءة من مساعي البر، وتمثل طهارة النفس من جميع الأدناس والأرجاس؛ لذا فإنَّ كلَّ آية من كتاب الله تأمر بفضيلة من الفضائل، أو تنهى عن رذيلة من الرذائل فهي تدلُّ على المروءَة، وترشد إلى طريقها، ومن ذلك قول المولى سبحانه وتعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ {199}﴾(الأعراف)، وفيها المروءَة وحسن الأدب ومكارم الأخلاق.

أما الكرم؛ فيقال كَرُمَ فلان أي: أعطى بسهولة وجاد، فهو كريم، وقد كان نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم أكرم الناس، وأجود الناس، وقد وصفه رب العزة سبحانه في كتابه العزيز بالكريم، فقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ {40} وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ {41}﴾ (الحاقة)، والأحاديث الواردة في بيان كرم وجود النبي صلى الله عليه وسلم فكثيرة جداً، والتي تدل على بالغ كرمه وعظيم مروءته وجوده صلوات ربي وتسليماته عليه.

وما أحلى أن يتحلى المسلم بالمروءة والكرم، وهما صفتان جليلتان تحملان النفس على التحلي بمكارم الأخلاق، وهما سببان رئيسان في خلاص صاحبهما من المهالك والعثرات.

وقد ضرب أهل الكويت الكرام أمثلة رائعة تدل على مروءتهم وكرمهم، وهذا ما سوف نستعرضه في ذكر هذه القصة الواقعية الرائعة والتي كان بطلها التاجر علي عبدالوهاب المطوع رحمه الله، وقد وردت هذه القصة في كتاب "محسنون من بلدي"، الجزء الثاني، إصدار بيت الزكاة، ص 161-  167 (مستشار التحرير  د. عبد المحسن عبدالله الجارالله الخرافي)، وتحت عنوان "مروءة وكرم" بما نصه:

"كان المحسن علي عبدالوهاب رقيق القلب، ذا مروءة فريدة، يرق لحال المحتاجين ويبغض استغلال حاجاتهم أو المتاجرة في معاناتهم، وقد حدث يوماً أن اشترى بيتاً، وعندما ذهب لاستلامه سمع بكاء أهل البيت، فسأل عن سبب بكائهم، وعلم أنهم اضطروا إلى بيع البيت لسداد ديونهم التي حل أجلها، فقام يرحمه الله بشراء البيت وسجله مرة أخرى باسمهم بعد أن سدد عنهم ديونهم.

ولم يكتف بهذا الموقف الكريم مع أهل البيت، وإنما ألحق اسم هذه الأسرة بسجل الزكاة عنده، فكانت تتقاضى نصيبها من زكاته إلى أن توفاه الله تعالى".

والأهم من ذلك أن هذه الواقعة ظلت طي الكتمان بينه وبين أهل البيت ولم تُعرف إلا بعد وفاته رحمه الله.

وهذا كان حال الكثير من آبائنا من أبناء الكويت الكرام في ذلك العصر، حيث كانوا أصحاب مروءة وكرم، يصنعون المعروف مع جميع من يتعاملون معه قريباً كان أو غريباً، وهم بذلك يضربون لنا أروع الأمثلة في الالتزام بقول الحق سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {262} ﴾(البقرة)، وتحقيقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ" وعد منهم: "وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ.." (متفق عليه).

رحم الله العم علي عبدالوهاب المطوع وكل أصحاب المروءات الكرام، وأصحاب المواقف الجليلة والأعمال النبيلة من أهل كويت العطاء.

تحدثنا في مقالات سابقة عن الإيثار وحب الخير للغير، وكيف أن ديننا الإسلامي الحنيف رغب في فضيلة الإيثار والعطاء، وحث على السعي في قضاء حوائج الناس، للحصول على الثواب العظيم في الدنيا والآخرة، فما أجمل أن يتصف المرء والمجتمع بالإيثار والعطاء وحب الخير للآخرين، ولقد جاءت الآيات الكريمة في غير موضع من مواضع القرآن الكريم تحث على تلك الفضيلة العظيمة وترغب فيها، وكذلك أكدت عليها السُّنة النبوية المطهرة.

وقد ضرب أهل الكويت الكرام أروع الأمثلة في الإيثار وحب الخير للغير تطبيقاً لهذا الأمر الإلهي والتوجيه النبوي الكريم، وهذا ما سوف نستعرضه في ذكر هذه القصة الواقعية التي وردت في كتاب "محسنون من بلدي"، وهي سلسلة تشمل السير العطرة للمحسنين الكويتيين، الجزء الثاني إصدار بيت الزكاة، ص 23 - 35  (مستشار التحرير د. عبدالمحسن الجار الله الخرافي).

وفيها أن التاجر حسين بن علي بن سيف وشقيقه التاجر شملان رحمهما الله كانا يعملان في تجارة اللؤلؤ امتداداً لمهنة والدهما رحمه الله، وأصبحا من أكبر التجار في هذا المجال (طواويش).

وأما عن إيثار التاجر حسين بن علي آل سيف، ففي شتاء عام 1934م، أيام الضائقة المالية الشديدة في الكويت، بعد كساد تجارة اللؤلؤ، ذهب حسين بن علي آل سيف إلى بيت ابنه يوسف في فريج شملان بجوار مسجد القطامي لزيارته، وكان يوسف من تجار اللؤلؤ، فأعطى أباه مبلغاً من الروبيات الفضية، وضعها له في قطعة قماش (صرة).

وبينما هو عائد بصرة المال إلى بيته، وصل إلى ديوان يقع قبل بيته بقليل، وجد جاره وهو أحد نواخذة الغوص على اللؤلؤ جاساً أمام ديوانه، فسلم عليه فلم يرد السلام، ثم سلم عليه ثانية فتنبه فرد عليه السلام، وقال له: اعذرني يا أبا علي ما انتبهت إليك، أنا أفكر في هذا البيت الكبير (يقصد بيته وفيه عائلته الكبيرة، وهو معرض للبيع في حالته المالية الصعبة هذه) فما كان من المحسن حسين بن علي إلا أن قدم له "الصرة" التي في يده وألح عليه في قبولها حتى تسلمها منه.

ولما وصل إلى بيته وأخبر زوجته بالقصة، قالت له: حسناً فعلت، ولكن كان يجب أن تعطيه نصف المبلغ وتبقي لنا النصف الآخر، نحن بحاجة، فقال لها: هو أحوج مني.

ومن الجدير بالذكر أيضاً أنهم كانوا يطلقون على التاجر حسين بن علي "إمعشي العوسج" (العوسج: شجيرات معروفة شائكة واسمها في اللغة العربية "القتاد" بفتح القاف والتاء)؛ لكرمه الشديد، حيث كان حسين بن علي يحب الخروج للبادية في فصل الربيع، حيث يخيم هناك مدة طويلة، للنزهة والصيد والقنص، وفي إحدى الليالي استيقظ مبكراً قبل الأذان الأول لصلاة الفجر بوقت طويل، وكان الجو غير صاف، فشاهد سواداً ظنه ضيوفاً نزلوا تلك الليلة قرب مخيمه ونصبوا أخبئتهم (البيوت المصنوعة من شعر الغنم "بيوت الشعر")، فأيقظ رجاله وأمرهم بذبح الذبائح وعمل وجبة عشاء لهؤلاء الضيوف، وبعد أن انتهوا من إعداد الطعام ذهبوا به حيث أشار، وإذا بهم لا يجدون إلا شجيرات العوسج، ولهذا السبب أطلق عليه – رحمه الله – لقب "إمعشي العوسج".

ولقد ضرب لنا هذا الجيل الفريد من أهل الكويت الكرام المثل والقدوة الحسنة في العطاء والبذل والسخاء والإيثار، وحب الخير للغير، وتقديم المعونة لكل محتاج.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top