د. علي الصلابي

د. علي الصلابي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

- المصالحة يجب أن تكون بلسماً لمعالجة الجروح وإزالة الألغام الاجتماعية التي زرعها النظام السابق 

 - البعدان القبلي والجهوي تستثار فيهما النعرات التي تحجب حقائق الأشياء وتشوش على صوت العقل 

 - لا بد من أطر قانونية تنصف المظلوم وتجبر الضرر حتى لا يتحول المجتمع إلى ثقافة الغابة

 

يتبادر إلى بعض الأذهان أن مشروع المصالحة الوطنية التي نريد هو معالجة لما حدث أثناء ثورة السابع عشر من فبراير في ليبيا، متناسين أن هذه الثورة وما حدث فيها نتاج منطقي للظلم والفساد والاستبداد الذي عشش طوال الأربعة عقود الماضية، ولم يكن وليد اللحظة، ولا يمكن اختزاله في حادث معين أو قضية بعينها.
لقد شوه النظام السابق جهاد الأبطال الذين صنعوا الاستقلال، وشوه نضالاً وحراكاً ثقافياً واجتماعياً كان من أسس هذا الاستقلال، وشوه النظام نخبة ثقافية، وأودعها السجون حقبة السبعينيات، واستولى على أموال الموسرين بحجة تصفية البرجوازية، وصادر الممتلكات الخاصة وحارب الناس في قوت أولادهم، وانبرى يُطلق الأوصاف المقيتة لكل معارضيه، وأدخل البلد في حروب لا طائل من ورائها، ذهب جراءها آلاف الضحايا من أبناء هذا الشعب، وجنى الوطن من ورائها فقداً لعدد كبير من أبنائه بالإضافة إلى قائمة طويلة من اليتامى والمتضررين.
كما أعدم معارضيه على رؤوس الأشهاد، وزج بالآلاف من أبناء الشعب في السجون والمعتقلات ليواجهوا أقذر أساليب الكبت والتعذيب، وشرد آلاف الأسر من ورائهم في الداخل بقانون العقوبات الجماعية الذي هدم بموجبه حتى البيوت، أما من تمكنوا من الهجرة القسرية، فقد قام بملاحقتهم قتلاً وتهديداً ورصداً وتشويهاً، وحارب الناس في قوتهم وسهل سبل الفساد حتى صار الشعار «رزق حكومة»، «واخنب واهرب» و»اللي ما تأخذه، يأخذه غيرك».
ولم تكن هذه الانتهاكات تنفذ من رأس النظام مباشرة، بل استخدم فيها أذرعاً من أبناء الشعب، معتمداً في التغرير على تجاذبات قبلية وجهوية، وأطماع شخصية استجاب لها السذج وضعاف النفوس، ومعتمداً على الضيق في فرص العمل والكسب الذي نتج عن سياساته المتقلبة ونظرياته المزعومة، حتى ألجأ قطاعاً عريضاً من الموظفين والعاطلين والشباب بل وحتى من المتقاعدين والنساء المطلقات إلى العمل ضمن جهاز الأمن الداخلي في كتابة التقارير والوشاية بالمواطنين من أجل لقمة العيش، ليحصد الوطن جراء ذلك جرحاً غائراً بأياديه! فمن وقع عليهم الانتهاك هم من أبنائه، ومن مارس هذا الانتهاك من أبنائه أيضاً، وقد يتذبذب البعض بين الصنفين حيناً من الزمن.

المصالحة الوطنية
إن الانتهاك لدى البعض لم ينته بمجرد موت رأس النظام وهروب أعوانه المقربين وكتائبه، بل كل من مارس الانتهاك بطريق مباشر أو غير مباشر، لا بد أن يقع في دائرة استرداد الحقوق، وليس المقام لمناقشة هذه الرؤية ومدى أحقية هذا الرأي، ولكن يجب التأكيد على أن مشروع المصالحة الوطنية لا بد أن يكون البلسم الذي نعالج به -بعد توفيق الله سبحانه وتعالى- هذه الجروح، ونزيل به الألغام الاجتماعية التي خلفها نظام الظلم والفساد والاستبداد بين أبناء المجتمع الواحد.
إن مشروع المصالحة الوطنية يجب أن ينحو إلى شخصنة القضايا قدر الاستطاعة والممكن، بحيث لا تكون القضية قضية قبيلة معينة ضد قبيلة أخرى، أو قضية جهة ضد جهة أخرى، أو منطقة ضد منطقة أخرى، بل قضية فرد أو أفراد ضد فرد آخر أو أفراد آخرين.
إننا يجب أن نجرد القضايا من البعد القبلي والجهوي؛ لأنهما بعدان تستثار فيهما الحميات والنعرات التي تحجب حقائق الأشياء وتشوش على صوت العقل والمنطق والإنصاف، يجب أن ينحو مشروع المصالحة إلى تحديد المسؤولية الفردية فيما وقع ويقفل الطريق على كل ما من شأنه أن يخرق النسيج الاجتماعي للمجتمع الليبي.
ما حدث خلال العقود الأربعة الماضية يفوق الوصف، وبعض الجرائم لا يتخيلها العقل السوي وتأباها النفوس المتزنة؛ فما ذنب أطفال صغار يتم حرمانهم من حقوقهم المدنية حتى من لقمة العيش لجرم اقترفه أبوهم أو أحد أفراد أسرتهم، هذا إذا سلمنا بالجرم؟! ما ذنب أسرة يهدم عليها بيتها وتشرد في الشارع بلا مأوى ولا حتى سقف يظلهم لمخالفة اقترفها أحد أبنائهم، هذا إذا سلمنا بالمخالفة؟! كيف يستسيغ المنطق أن يمثل بجثث المعارضين وتنبش قبورهم؟!
ولكن على بشاعة ما حدث وفظاعته، فإن سفينة الأمان في المجتمع يجب ألا تخرق بأيادي العابثين، والمصالحة الوطنية يجب ألا تخول أحداً -كائناً من كان- أن يسترد حقه أو مظلمته بشكل فردي، مهما كان حجم الظلم الذي وقع عليه، بل لا بد من أطر قانونية تنصف المظلوم وتجبر الضرر وترد الحقوق، حتى لا يتحول المجتمع إلى ثقافة الغابة التي يأخذ فيها كلٌ حقه بيده.
بل إن مشروع المصالحة يجب أن يذهب أبعد من ذلك، بأن يعتبر كل فعل يمارس بذريعة استرداد الحقوق خارج الأطر القانونية، جريمة يعاقب صاحبها مهما كان بشاعة الظلم والانتهاك الذي وقع عليه، وهذا ليس استخفافاً بالانتهاكات ولا تهميشاً للمظلومين، بل حتى لا يتحول المجتمع إلى مجتمع أدغال، ولأن ظاهرة استرداد الحقوق بشكل فردي ودون أطر قانونية، إذا فتح بابها، فإن المئات ستسول لهم أنفسهم الاعتداء على الأعراض والممتلكات بحجة استرداد الحقوق، وحينها يُفقد الأمن الذي هو الأساس الذي تقوم عليه الدولة، ونقع في عين ما كان يعاب على النظام البائد.

 

(*) كاتب ومؤرخ إسلامي ليبي

الأربعاء, 01 أغسطس 2018 13:12

الرضا بالقضاء والقدر

تقدير الله تعالى وقضائه في الأمور منوط بإرادته وتقدير آجال خلقه وأوقات وأماكن القضاء والقدر. ويمكن إدراك معنى الرضا بالقضاء والقدر من خلال قياسها بالميزان الإلهي الحق ووصايا النبي الكريم لأمته.

الفكرة الأولى: القَدر في الميزان الإلهي

يطلق القدر على الحكم والقضاء أيضًا، ومن ذلك حديث الاستخارة "فاقْدُرُه ويسرّه لي". والمعنى الشرعي للقضاء والقدر: هو تقدير الله تعالى الأشياء في القدم، وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة وكتابته سبحانه لذلك ومشيئته لها ووقوعها على حسب ما قدرها جلّ وعلا و خلقه لها. ومراتب القدر أربع،: كما هو ظاهر في التعريف: العلم، الكتابة، المشيئة، الخلق والتكوين.

أما أدلة القرآن على وجوب الإيمان بالقدر، فهو في قوله سبحانه وتعالى:" إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ" (القمر: 49). وفي قوله جل وعلا: "سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا" (الأحزاب، آية 38)؛ أيّ قضاء مقضيًا، وحكمًا مبتوتًا وهو كظل ظليل، وليل أليل، وروض أريض في قصد التأكيد.

والأدلة من السنة النبوية على وجوب الإيمان بالقدر في حديث جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه.

الفكرة الثانية: وصايا نبوية لتدريب النفس على الرضا بالقضاء والقدر:

كان الرسول صلى الله عليه وسلم مربيًا ومزكيًا لنفوس أصحابه، وهي المهمة التي شرفه الله سبحانه بها، وتتجلى هذه التزكية، بأوضح صورها من خلال هذه الوصايا الثلاثة التي تُعد بحق نماذج العلاج النبوي لأمراض النفوس وتدريبها عملياً على التسليم لقضاء الله وقدره والرضا به.

- الوصية الأولى: قوة الإيمان ومجاهدة النفس: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير، أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شئ فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان.

وفي هذا الحديث النبوي يبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن من أراد نيل محبة الله ورضوانه فعليه أن يبادر إلى تقوية إيمانه ومجاهدة نفسه، وطلب القوة في العلم والجسم، وغير ذلك من عناصر القوة النافعة التي تتضافر جميعها لتكوين شخصية المسلم الذي يحبه الله سبحانه

- الوصية الثانية: دعاء الاستخارة: فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن، يقول: إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم إن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فأقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فأصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به، ويسمي حاجته.

وهذه الوصية النبوية تعد تدريبًا عمليًا على توطين النفس ورضاها بالقضاء والقدر، وتسليمها لما يقدر الله، اعتقادًا بأن ذلك هو الأصلح، والأنفع للعبد، فإذا همَّ المسلم بأمر من الأمور المباحة، من سفر أو زواج، أو تجارة أو غير ذلك فعليه أن يبادر إلى العمل بهذه الوصية النبوية، فيدعو بدعاء الاستخارة متذللاً أمام ربه، متواضعاً بين يديه، مستسلمًا لأمره، راضيًا بحكمه، داعياً أن يختار الله له ما فيه الخير في دينه ومعاشه وعاقبة أمره، وأن يصرف عنه هذا الأمر إن كان فيه شر، ثم يعزم على هذا الأمر، فإن انشرح صدره له، ويسر الله طريقه، وهو الخير الذي اختاره الله، وإن جاء الأمر على عكس ذلك، فعليه أن يفرح، لأن الله صرف عنه شرًا واختار له ما يصلحه، ولو لم يدرك الحكمة فلتطمئن نفسه ولا يبقى متعلقاً بهذا الأمر، أو قلقاً من أجله، وبهذه الوصية النبوية، يدرب المسلم نفسه عملياً على الرضا بقضاء الله، والتسليم لأمره، ويجاهد نفسه على مخالفة هواها ويربيها على الالتزام بأمر الله، لأن في ذلك صلاح دنياه وآخرته.

الفكرة الثالثة: القدر خير وشر

لابدَّ هنا من البيان أن تقسيم القدر إلى خير وشر، إنما هو بإضافته إلى الناس والمخلوقات، أما بالنسبة لله عز وجل، فالقدر كله خير وحكمة وعدل ورحمة من الله سبحانه الذي قضى بتقدير المصائب والبلايا وكل ما يكرهه الإنسان لحِكم كثيرة من أبرزها:

- الابتلاء لعباده: واختبارهم وتمحيص الإيمان في قلوبهم وزيادة درجاتهم وثوابهم إذا صبروا، قال تعالى: "وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" (الأنبياء: 35).

- التربية والتأديب: والجزاء المعجل لكي يثوب الإنسان إلى رشده، ويرجع عن خطئه، قال تعالى: "فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ" (النحل: 34).

ما يصيب الإنسان إن كان يسره فهو نعمة بينه، وإن يسوؤه فهو نعمة، لأنه يكفر خطاياه، ويثاب عليه بالصبر. ومن جهة إن فيه حكمة ورحمة لا يعلمها العبد، قال تعالى: "وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لكم" (البقرة: 216). وكلتا النعمتين تحتاج مع الشكر إلى صبر وفي بيان قوله تعالى: "مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ" (النساء: 79). نلاحظ: فرّق سبحانه وتعالى بين الحسنات التي هي النعم، وبين السيئات التي هي المصائب، فجعل هذه من الله وهذه من نفس الإنسان، لأن الحسنة مضافة إلى الله، إذ هو أحسن بها من كل وجه.. أما السيئة فهو إنما يخلقها لحكمة، وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه فإن الرب لا يفعل سيئة قط بل فعله كله حسن وخير.

وللقضاء والقدر مراتب أعلاها:

  1. العلم من مراتب القدر

الإيمان بعلم الله عز وجل المحيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات، فعلم ما كان وما يكون ومالم يكن لو كان كيف يكون، وأنه علم ما الخلق عالمون قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم وأعمالهم في جميع حركاتهم وسكناتهم وشقاوتهم وسعادتهم ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار من قبل أن يخلقهم ومن قبل أن يخلق الجنة والنار، علم دق ذلك وجليله وكثيره وقليله وظاهره وباطنه وسره وعلانيته ومبدأه ومنتاه، كل ذلك بعلمه الذي هو صفته ومقتضى اسمه العليم الخبير عالم الغيب والشهادة علّام الغيوب. والأدلة من القرآن الكريم كثيرة منها قوله تعالى:" وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ" (الأنعام: 59).

2- الإرادة والمشيئة

إن كل ما يجري في هذا الكون فهو بمشيئة الله، سبحانه وتعالى، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يخرج عن إرادته الكونية شيء. ومن الأدلة في القرآن الكريم: قال تعالى:" إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" (يس: 82). أي: إنما يأمر بالشيء، أمراً واحداً لا يحتاج إلى تكرار. وفي قوله تعالى: "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً" (هود: 118). وورد في الحديث النبوي: عن أبي موسى الأشعري، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة قال: اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء.

  1. الكتابة

وهي أن الله تعالى كتب مقادير المخلوقات، والمقصود بهذه الكتابة الكتابة في اللوح المحفوظ، وهو الكتاب الذي لم يفرط فيه الله من شيء، فكل ما جرى ويجري فهو مكتوب عند الله وأدلة هذه المرتبة كثيرة نذكر منها:

قوله تعالى:" مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ" (الأنعام: 38)، على أحد الوجهين، وهو أن المقصود بالكتاب هنا اللوح المحفوظ، فالله أثبت فيه جميع الحوادث، فكل ما يجري مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ. وقوله تعالى: "وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ" (يس: 12)؛ أي: جميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين هَهُنا: هو أم الكتاب.

  1. مرتبة الخَلق:

وهو الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ساكن وسكونه، وما من ذرّة في السماوات وفي الأرض إلا والله سبحانه وتعالى خالقها وخالق حركتها وسكونها، سبحانه لا خالق غيره ولا ربّ سواه، كما في قوله تعالى: "قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ* وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ" (الصافات: 95 - 96)؛ أي خلقكم وعملكم، فتكون ما مصدرية، وقيل: إنها بمعنى الذي، فيكون المعنى: والله خلقكم وخلق الذي تعملونه بأيديكم وهو الأصنام. ووردت أدلته في قول البراء بن عازم رضي الله عنه، حيث قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق ينقل معنا التراب وهو يقول:

والله لولا الله ما اهتدينا ولا صمنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا

والمشركون قد بَغَوْا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا

وفي رواية أخرى للبخاري: ولا تصدقنا ولا صلينا، بدل: ولا صمنا ولا صلينا، وبهذه الرواية يستقيم الوزن، قال ابن حجر: وهو المحفوظ. ودليل هذه المرتبة قوله: لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فإنها دليل على أن الله هو خالق العباد وأفعالهم ومنها: الهداية، والصدقة، والصلاة.

تبرز لنا آيات وأحاديث القضاء والقدر عظمة الخالق وحسن تقديره لحياة الخلق ومراتب الميزان الإلهي، فهو المعطي والمانع والغائب والشاهد ومقدر الأقدار لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.

 

كانت بيعة الخلفاء الراشدين على كتاب الله وسنة رسوله متضمنة أهم أسس العدالة والحرية والكرامة والمساواة ومبادئ الحكم الرشيد، ولم يكن الصحابة ليعترضوا ببيعة الخلفاء الراشدين لو لم تكن وفق أصول النظام الإسلامي كما هي مقررة في الشريعة الإسلامية، وتضع لسلطة الحاكم قيوداً وحدوداً شرعية وقد تعرض عدد كبير من الباحثين المعاصرين لأسس العدالة في النظام الإسلامي ومنهم من سماها ضمانات الحكم الإسلامي، مثل محمد أحمد مفتي في كتابه "أركان وضمانات الحكم الإسلامي"، ومنهم عبد الغني بسيوني في كتابه "نظرية الدولة في الإسلام" وقد جعلها في ست ضمانات وهي وجود دستور إلهي. وتقرير المبادئ الدستورية الإلهية والحقوق والحريات العامة، وتقرير مسؤولية الحاكم، والفصل بين السلطات، وخضوع السلطة الحاكمة لرقابة القضاء. وقد جاء في خطبة الصّدِّيق حينما وُلّي الخلافة ما يوضح الحدود والقيود على سلطة الحكام التي تضمن سير العدالة. فقد نص برنامج أبو بكر الصّدِيق رضي الله عنه على النقاط الآتية:
أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم؛ فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة والكذب خيانة. والضعيف فيكم قوي عندي حتى أُرجع عليه حقه إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل. ولا يشيع في قوم قط الفاحشة إلا عمهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. فنص الخطاب التاريخي يتضمن أهم شروط قيام الدولة الصالحة التي يلتزم بها إمام المسلمين. وفي خطاب أبي بكر لنا وقفات منها:
1. أول حاكم بعد الرسول: إن أبا بكر رضي الله عنه هو أول حاكم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، بشر لا يوحى إليه، فبهذه الصفة مؤهل لأن يكون نموذجاً للحكم الرشيد الذي فيه الدروس والعبر والقيم من خلال المجهود البشري الذي يخطئ ويصيب ومسترشد بالقرآن والسنة.
2. التواضع الكبير: إن نص هذه الخطبة يعتبر بمصطلحات وأقوال عصرنا هو البيان الوزاري للسلطة التنفيذية التي تمّت عليه البيعة العامة، وإعطاء الثقة في المسجد بعد البيعة الخاصة في السقيفة في ضوئه3.
3. البيان الوزاري للسلطة: إن قول أبي بكر رضي الله عنه: «وُلّيت عليكم ولست بخيركم» فكل حاكم يجب أن يعلم أنه معرّض للخطأ والمحاسبة وأنه لا يستمد سلطته من أي امتياز شخصي، وهذه العبارة تكفي للرد على جميع من يدّعون أن الحكومة الإسلامية يمكن أن تكون لها صفة دينية أو ثيوقراطية.
4. حق الأمة في مراقبة الحاكم ومحاسبته في خطبة أبو بكر الصديق: قال أبو بكر رضي الله عنه: فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. وبالتالي فإن أبو بكر الصّدِّيق يقرّ بحق الأمة وأفرادها في الرقابة على أعماله ومحاسبته عليها، بل وفي مقاومته لمنع كل منكر يرتكبه، وإلزامه بما يتبرونه الطريق الصحيح والسلوك الشرعي، وقد أقر الصّدِّيق في بداية خطابه للأمة أن كل حاكم معرض للخطأ والمحاسبة، وأنه لا يستمد سلطته من أي امتياز شخصي يجعل له أفضلية على غيره، لأن عهد الرسالات والرسل المعصومين قد انتهى، وأن آخر رسول كان يتلقى الوحي انتقل إلى جوار ربه، وقد كانت له سلطة دينية مستمدة من عصمته كنبيٍّ، ومن صفته باعتباره رسولاً يتلقى التوجيه من السماء، ولكن هذه العصمة قد انتهت بوفاته صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم أصبح الحكم والسلطة مُستمدَّين من عقد البيعة وتفويض الأمة للحاكم.
إن الأمة في فقه أبي بكر لها إرادة حية واعية لها القدرة على المناصرة والمناصحة والمتابعة، والتقويم، فالواجب على الرعية نصرة الإمام الحاكم بما أنزل الله ومعاضدته ومناصرته في أمور الدين والجهاد، ومن نصرة الإمام ألا يهان، ومن معاضدته أن يحترم7. ولقد استقر في مفهوم الصحابة أن بقاء الأمة على الاستقامة رهن باستقامة ولاتها، ولذلك، كان من واجبات الرعية تجاه حكامهم نصحهم وتقويمهم، ولقد أخذت الدولة الحديثة تلك السياسة الرائدة للصّدِّيق رضي الله عنه وترجمت ذلك إلى لجان متخصصة ومجالس شورية تمد الحاكم بالخطط وتزوده بالمعلومات. ولعل مع ثورات الشعوب المتطلعة إلى الحرية، والكرامة والعدالة، تنجح هذه الشعوب الثائرة بالقيام بدورها في اختيار الأصلح ومراقبة الحكام ومناصحتهم وتستفيد من تجربة الصّدِّيق الرشيدة في إدارة الحكم.
5. الصدق أساس التعامل بين الحاكم والمحكوم: قال أبو بكر رضي الله عنه: «الصدق أمانة والكذب خيانة». أعلن الصّدِّيق رضي الله عنه مبداً أساسياً تقوم عليه خطته في قيادة الأمة وهو: أن الصدق بين الحاكم والأمة هو أساس التعامل، وهذا المبدأ السياسي الحكيم له الأثر الهام في قوة الأمة حيث ترسيخ جسور الثقة بينها وبين حاكمها، إنه خُلق سياسي منطلق من دعوة الإسلام إلى الصدق. إن شعوب العالم اليوم تحتاج إلى هذا النهج الرباني في التعامل بين الحاكم والمحكوم لكي تقاوم أساليب تزوير الانتخابات وتلفيق التهم، واستخدام الإعلام وسيلة لترويج اتهامات باطلة لمن يعارضون الحكام أو ينتقدونهم، ولابد من إشراف الأمة على التزام الحكام بالصدق والأمانة من خلال مؤسساتها التي تساعدها على تقويم ومحاسبة الحكام إذا انحرفوا، فتمنعهم من سرقة إرادتها وشرفها، وحريتها وأموالها.
6. إعلان التمسك بالجهاد وإعداد الأمة لذلك: قال أبو بكر رضي الله عنه: "وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل". لقد تلقى أبو بكر تربيته الجهادية مباشرة من نبيه وقائده العظيم صلى الله عليه وسلم، تلقاها تربية حية في ميادين الصراع بين الشرك والإيمان، والضلال والهوى، والشر والخير، وأن الأمة تصاب بالذل إذا تركت الجهاد، فلذلك جعل الصّدِّيق الجهاد إحدى حقائق الحكم في دولته. ولذلك حشد طاقات الأمة من أجل الجهاد لكي يرفع الظلم عن المظلومين، ويزيل الغشاوة عن أعين المقهورين، ويعيد الحرية للمحرومين، وينطلق بدعوة الله في آفاق الأرض يزيل كل عائق ضدها.
7. العدل والمساواة بين الناس في خطبة أبو بكر الصديق: قال أبو بكر الصّدِّيق رضي الله عنه: «الضعيف فيكم قوي عندي حتى أُرجع عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله». فإن من أهداف دولة الصّدِّيق الحرص على إقامة مقاصد القرآن الكريم التي تساهم في إقامة المجتمع الإسلامي والحكم الإسلامي، فلا وجود للإسلام في مجتمع يسوده الظلم ولا يعرف العدل. وإن إقامة العدل بين الناس أفراداً وجماعات ودولاً، ليست من الأمور التطوعية التي تترك لمزاج الحاكم أو الأمير وهواه، بل إن إقامة العدل بين الناس في الدين الإسلامي تعد من أقدس الواجبات وأهمها، وقد أجمعت الأمة على وجوب العدل. يقول الفخر الرازي: أجمعوا على أن من كان حاكماً وجب عليه أن يحكم بالعدل، وهذا الحكم تؤيده النصوص القرآنية والسنة.
أما مبدأ المساواة الذي أقره الصّدِّيق في بيانه الذي ألقاه على الأمة، فيُعدُّ أحد المبادئ العامة التي أقرها الإسلام، وهي من المبادئ التي تساهم في بناء المجتمع المسلم وسبق به تشريعات وقوانين العصر الحاضر. وممّا ورد في القرآن الكريم تأكيداً لمبدأ المساواة قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات، آية: 13). وإن الناس جميعاً في نظر الإسلام سواسية، الحاكم والمحكوم، والرجال والنساء، العرب والعجم، الأبيض والأسود، لقد ألغى الإسلام الفوارق بين الناس بسبب الجنس، أو اللون أو النسب، أو الطبقة، والحكام والمحكومون كلهم في نظر الشرع سواء. كما جاءت ممارسة الصّدِّيق لهذا المبدأ خير شاهد على ذلك، وكان رضي الله عنه ينفق من بيت مال المسلمين فيُعطي كل ما فيه سواسية بين الناس، فقد كان توزيع العطاء في عهده على التسوية بين الناس.
لقد قام الصّدِّيق رضي الله عنه، منذ أول لحظة بتطبيق هذه المبادئ السامية، فقد كان يدرك أن العدل عز للحاكم والمحكوم، ولهذا وضع الصّدِّيق رضي الله عنه سياسته تلك موضع التنفيذ وهو يردِّد قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل، آية: 90). وكان أبو بكر يريد أن يطمئن المسلمون إلى دينهم، وحرية الدعوة إليه، وإنما تتم الطمأنينة للمسلمين ما قام الحاكم فيها على أساس من العدل المجرد عن الهوى. والحُكم على هذا الأساس يقتضي من الحاكم أن يسمو فوق كل اعتبار شخصي، وأن يكون العدل والرحمة مجتمعين في حكمه، وقد كانت نظرية أبي بكر في تولي أمور الدولة قائمة على إنكار الذات والتجرد لله تجرداً مطلقاً جعله يشعر بضعف الضعيف وحاجة المجتمع ويسمو بعدله على كل هوى، وينسى في سبيل ذلك نفسه وأبناءه، وأهله، ثم يتتبع أمور الدولة جليلها ودقيقها، بكل ما أتاه الله من يقظة وحذر.
وبناء على ما سبق يرفع العدل لواءه بين الناس، فالضعيف آمن على حقه، وكله يقين أن ضعفه يزول حينما يحكم العدل، فهو به قوي لا يمنع حقه ولا يضيع، والقوي حين يظلم يردعه الحق، وينتصف منه للمظلوم، فلا يحتمي بجاه أو سلطان أو قرابة ذي سطوة أو مكانة. وذلك هو العز الشامخ، والتمكين الكامل في الأرض. ومن أجمل ما قاله ابن تيمية رحمه الله: إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة.. بالعدل تستصلح الرجال، وتستغزر الأموال.
8. إعلان الحرب على الفواحش: قال أبو بكر رضي الله عنه: ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمَّهم الله بالبلاء، والصّدِّيق هنا يذكر الأمة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا». إن الفاحشة هي داء المجتمع العضال الذي لا دواء له، وهي سبيل تحلله وضعفه حيث لا قداسة لشيء، فالمجتمع الفاحش لا يغار ويقر الدنية ويرضاها، إنه مجتمع الضعف والعار والأوجاع والأسقام وحال الناس أدل شاهد. لقد وقف أبو بكر يحفظ قيم الأمة وأخلاقها.

...............................................................................
المراجع:
1. أبو بكر الصّدِّيق للصَّلاَّبي، ص 127.
2. أبو بكر رجل الدولة، ص 73.
3. الاجتهاد الفقهي المعاصر، ص 150.
4. الأحكام السلطانية للماوردي، ص 201.
5. البداية والنهاية، 6/ 305 ـ 306، إسناده الصحيح.
6. تفسير الرازي، 10/ 141.
7. صحيح الألباني، في ابن ماجه، رقم: 4019.
8. فقه التمكين في القرآن الكريم، ص 455.
9. فقه الشورى والاستشارة، ص 441.
10. نظرية الدولة في الإسلام، ص. ص 176 ـ 187.

إن تحقيق العدالة والمصالحة الوطنية فريضة شرعية وضرورة دينية، والثورات التي تنجح في تحقيق المصالحة الوطنية ستحقق أهدافها وتصل إلى مبتغاها، أما الثورات التي تفشل فإنها ستعجز عن الوصول إلى أهدافها.

والمصالحة الوطنية التي ندعو إليها مستمدة من كتاب الله جل جلاله، والسُّنة النبوية، والتجربة التاريخية الإسلامية والإنسانية، فهي من أولويات العمل الوطني، وهي مسؤولية كافة أبناء الشعب، وأساسها العدل والإنصاف القائم على إعادة الحقوق إلى أصحابها ورد المظالم، وجبر الضرر والاعتراف بحق الضحايا ورد الاعتبار إليهم وتكريس الإحساس بالمواطنة تحقيقًا للسلم والأمن الأهليين.

إن المصالحة الوطنية بين أبناء الشعب الليبي بعد نجاح ثورته الوطنية، ضرورة دينية، وإنسانية، وحضارية، واقتصادية، واجتماعية، وسياسية، ونفسية، وعقلانية، لا يستغنى عنها ليبي ولا ليبية من أجل تأكيد التلاحم بين أبناء الشعب، وترسيخ قواعد الوحدة الوطنية، وإشاعة أجواء المحبة والانسجام بين مكوناته المختلفة. ولمعالجة الآثار التي تركها النظام الدكتاتوري الاستبدادي، وظروف حرب التحرير من الظلم والجور والانتقام، فيجب على أبناء هذا الشعب شيبًا وشبابًا رجالًا ونساء السعي الحثيث والعمل المتواصل الدؤوب للوصول إلى الأهداف والمقاصد السامية والقيم الإنسانية الرفيعة التي خرجت من أجلها الشعوب.

يريد الشعب الليبي اليوم بعد ثورته بسبع سنوات الخروج من نفق الظلم ويلملم جراحه، ويبني مستقبله ويعمر بلاده "داراً داراً، شارعاً شارعاً، زنقة زنقة، مدينة مدينة، قرية قرية"، ويريد أن يحافظ على الحريات العامة وذلك بمراعاة أحكام الشريعة الإسلامية، والمواثيق والمعاهدات الدولية للحقوق والحريات، والقيم والعادات والتقاليد الليبية الأصيلة.

ويتطلع إلى تحقيق طموحاته في الحرية والتنمية والعدالة والشورى، وأن يتأسس اقتصاد حر مستدام قادر على الاندماج في الاقتصاد العالمي، ومتنوع وتنافسي كفيل بأن يلبي احتياجات المواطن الليبي الآنية، والمستقبلية، وتأمين فرص أفضل للجميع ومستوى معيشي مرتفع، مع تقريب الفوارق بين الطبقات، وأن يرى مؤسسة قضائية مستقلة تكون بمثابة صمام الأمان للمجتمع الليبي بكافة مؤسساته وأفراده؛ وضمانة جوهرية لاستقراره وحفظ حقوق أفراده، وهذا لا يمكن بدون عدالة ومصالحة وطنية لتجاوز مرحلة الحرب والآثار التي تركتها.

فالله عز وجل قال في محكم كتابه: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ {9} إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ {10}) (الحجرات)، وقال تعالى: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) (النساء: 128).

وقد كان للملتقى الأول لمجالس الحكماء والشورى بليبيا (من أجل المصالحة الوطنية) في الزاوية جهود مشكورة وبيان ختامي جميل أصدر فيه المجتمعون من العلماء والحكماء مجموعة من التوصيات، من أهمها:

التأكيد على أن الشريعة الإسلامية هي القاعدة الأساسية لأي مصالحة وطنية.

التعجيل بإصدار قانون العدالة الانتقالية وبما يحفظ حقوق الليبيين وتفعيل الأجهزة الأمنية والضبطية والدوائر الجنائية بالمحاكم والتعجيل بإحالة المحتجزين والمتحفظ عليهم إلى القضاء.

ضرورة تقديم كل من سفك دماء الليبيين أو انتهك أعراضهم أو اختلس أموالهم أو شارك أو حرض على ارتكاب هذه الجرائم ضدهم إلى المحاكم.

إنشاء صندوق مالي تموله الدولة لتعويض المتضررين من اعتداءات قوات وأعوان الطاغية، ويشمل التعويض عن الأضرار المادية والمعنوية.

العمل على خلق البيئة المناسبة والظروف الموضوعية الملائمة لتحقيق السلم والأمن الأهليين، وذلك بالإسراع بتأسيس الجيش والأمن الوطنيين وتنظيم حمل السلاح، واستيعاب الثوار فيها وفقاً لرغباتهم وتأهلهم مهنياً، وخلق فرص عمل مناسبة لهم لإدماجهم في المجتمع الجديد الذي ثاروا من أجله.

العمل على وضع ميثاق شرف لوسائل الإعلام بحيث تلتزم هذه الوسائل بالعمل على تعزيز الوحدة الوطنية والابتعاد عن كل ما من شأنه إثارة النعرات القبلية أو الجهوية أو العرقية أو المذهبية.

إعادة النظر ومراجعة السياسة التربوية، والمناهج التعليمية بحيث ترسخ روح الوحدة الوطنية وتسهم في نشر ثقافة التسامح والسلم الاجتماعيين ونبذ العنف وتأكيد ثقافة الحوار بين الأفراد والجماعات وزرع روح المصالحة في أوساط الشباب.

عدم اللجوء إلى ممارسات العقاب الجماعي، كالتهجير وحرق المساكن والحرمان من الخدمات العامة.

وهذه الخلاصات والتوصيات مهمة، وتحتاج لتحقيقها ثقافة واسعة في مفهوم العدالة والمصالحة، وتسعفنا التجربة النبوية في فتح مكة، عندما تمكن من أعداء الدعوة الإسلامية الذين اعترضوا على الوحدانية، وكذبوا باليوم الآخر، واعترضوا على الرسول صلى الله عليه وسلم في رسالته، واعتبروا القرآن الكريم ضرباً من الشعر.

 

المراجع:

1- علي الصلابي، العدالة والمصالحة الوطنية: ضرورة دينية ودنيوية، إستانبول، دار الروضة.

2- آمال نصير، التوبة في ضوء القرآن الكريم، ص 123.

3- أحمد شوقي، دليل حول العدالة الانتقالية، ص 45 – 50.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top