د. علي الصلابي

د. علي الصلابي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

كانت القسطنطينيَّة قبل فتحها عقبةً كبيرةً في وجه انتشار الإِسلام في أوربا، ولذلك فإِنَّ سقوطها يعني: فتح الإِسلام لدخول أوربا بقوَّةٍ وسلامٍ لمعتنقيه أكثر من ذي قبل. ويعتبر فتح القسطنطينيَّة من أهمِّ أحداث التَّاريخ العالميِّ، وخصوصاً تاريخ أوربا، وعلاقتها بالإِسلام؛ حتَّى عدَّه المؤرِّخون الأوربيُّون، ومن تابعهم نهاية العصور الوسطى، وبداية العصور الحديثة.

وقد قام السُّلطان بعد ذلك على ترتيب مختلف الأمور في المدينة، وإِعادة تحصينها، واتَّخذها عاصمةً للدَّولة العثمانيَّة، وأطلق عليها لقب إِسلام بول؛ أي: مدينة الإِسلام.

ولقد تأثَّر الغرب النَّصرانيُّ بنبأ هذا الفتح، وانتاب النَّصارى شعورٌ بالفزع، والألم، والخزي، وتجسَّم لهم خطر جيوش الإِسلام القادمة من إستانبول، وبذل الشُّعراء، والأدباء ما في وسعهم لتأجيج نار الحقد، وبراكين الغضب في نفوس النَّصارى ضدَّ المسلمين، وعقد الأمراء، والملوك اجتماعاتٍ طويلةً، ومستمرَّةً، وتنادى النَّصارى إِلى نبذ الخلافات، والحزازات، وكان البابا نيقولا الخامس أشدَّ النَّاس تأثُّراً بنبأ سقوط القسطنطينيَّة، وعمل جهده، وصرف وقته في توحيد الدُّول الإيطاليَّة، وتشجيعها على قتال المسلمين، وترأس مؤتمراً عقد في روما، أعلنت فيه الدُّول المشتركة عن عزمها على التَّعاون فيما بينها، وتوجيه جميع جهودها، وقوَّتها ضدَّ العدو المشترك. وأوشك هذا الحلف أن يتمَّ إِلا أنَّ الموت عاجل البابا بسبب الصَّدمة العنيفة النَّاشئة عن سقوط القسطنطينيَّة في يد العثمانيين، والَّتي تسبَّبت في همِّه، وحزنه، فمات كمداً في 25 مارس سنة 1455م.

وتحمَّس الأمير فيليب الطيب دوق بورجونديا، والتهب حماساً، وحميَّةً واستنفر ملوك النَّصارى إِلى قتال المسلمين، وحذا حذوه البارونات، والفرسان، والمتحمِّسون، والمتعصِّبون للنَّصرانيَّة، وتحوَّلت فكرة قتال المسلمين إِلى عقيدةٍ مقدَّسةٍ تدفعهم لغزو بلادهم، وتزعَّمت البابويةُ في روما حروبَ النَّصارى ضدَّ المسلمين، وكان السُّلطان محمَّد الفاتح بالمرصاد لكلِّ تحرُّكات النَّصارى، وخطَّط، ونفَّذ ما رآه مناسباً لتقوية دولته، وتدمير أعدائه، واضطَّر النَّصارى الَّذين كانوا يجاورون السُّلطان محمَّداً، أو يتاخمون حدوده في أماسيا، وبلاد المورة، وطرابزون، وغيرهم أن يكتموا شعورهم الحقيقيَّ، فتظاهروا بالفرح، وبعثوا وفودهم إِلى السُّلطان في أدرنة لتهنئته على انتصاره العظيم.

وحاول البابا بيوس الثَّاني بكلِّ ما أوتي من مقدرةٍ خطابيَّةٍ، وحنكةٍ سياسيَّةٍ تأجيج الحقد الصَّليبيَّ في نفوس النَّصارى شعوباً، وملوكاً، قادةً، وجنوداً، واستعدَّت بعض الدُّول لتحقيق فكرة البابا الهادفة للقضاء على العثمانيِّين، ولمَّا حان وقت النَّفير اعتذرت دول أوربا بسبب متاعبها الدَّاخلية، فلقد أنهكت حرب المئة عام إِنكلترا، وفرنسا، كما أنَّ بريطانيا كانت منهمكةً في مشاغلها الدُّستوريَّة، وحروبها الأهليَّة، وأمَّا إسبانيا فهي مشغولةٌ بالقضاء على مسلمي الأندلس، وأمَّا الجمهوريات الإِيطاليَّة فكانت تهتمُّ بتوطيد علاقاتها بالدَّولة العثمانيَّة مكرهةً، وحبَّاً في المال، فكانت تهتمُّ بعلاقتها مع الدَّولة العثمانيَّة.

وانتهى مشروع الحملة الصَّليبية بموت زعيمها البابا، وأصبحت المجر، والبندقيَّة تواجه الدَّولة العثمانيَّة لوحدهما؛ أمَّا البندقيَّة، فعقدت معاهدةً صداقةً، وحسن جوارٍ مع العثمانيِّين رعايةً لمصالحها، وأمَّا المجر فقد انهزمت أمام الجيوش العثمانيَّة، واستطاع العثمانيُّون أن يضمُّوا إِلى دولتهم بلاد الصِّرب، واليونان، والأفلاق، والقرم، والجزر الرَّئيسيَّة في الأرخبيل. وقد تمَّ ذلك في فترةٍ قصيرة، حيث داهمهم السُّلطان الفاتح، وشتَّت شملهم، وأخذهم أخذاً عظيماً.

وحاول البابا (بيوس الثاني) بكلِّ ما أوتي من مهارةٍ، وقدرةٍ سياسيَّةٍ تركيز جهوده في ناحيتين اثنتين: حاول أوَّلاً أن يقنع الأتراك باعتناق الدِّين النَّصرانيِّ، ولم يقم بإِرسال بعثات تبشيريَّة لذلك الغرض، وإِنَّما اقتصر على إِرسال خطابٍ إِلى السُّلطان محمَّد الفاتح يطلب منه أن يعضد النَّصرانية، كما عضدها قبله قسطنطين، وكلوفيس، ووعده بأنَّه سيكفر عنه خطاياه إِن هو اعتنق النَّصرانية مخلصاً، ووعده بمنحه بركته، واحتضانه، ومنحه صكَّاً بدخول الجنَّة. ولما فشل البابا في خطَّته هذه لجأ إِلى الخطَّة الثَّانية خطَّة التَّهديد، والوعيد، واستعمال القوَّة، وكانت نتائج هذه الخطَّة الثَّانية قد بدأ فشلها مسبقاً بهزيمة الجيوش الصَّليبيَّة، والقضاء على الحملة الَّتي قادها هونياد المجري.

وأمَّا آثار هذا الفتح المبين في المشرق الإِسلاميِّ؛ فنقول: لقد عمَّ الفرح، والابتهاج المسلمين في ربوع آسيا، وأفريقيا، فقد كان هذا الفتح حلم الأجداد، وأمل الأجيال، ولقد تطلَّعت له طويلاً، وها قد تحقَّق، وأرسل السُّلطان محمَّد الفاتح رسائل إِلى حكَّام الدِّيار الإِسلاميَّة في مصر، والحجاز، وبلاد فارس، والهند، وغيرها، يخبرهم بهذا النَّصر الإِسلاميِّ العظيم. وأذيعت أنباء الانتصار من فوق المنابر، وأقيمت صلوات الشُّكر، وزُيِّنت المنازل، والحوانيت، وعلِّقت على الجدران، والحوائط الأعلام، والأقمشة المزركشة بألوانها المختلفة.

يقول ابن إِياس صاحب كتاب «بدائع الزُّهور» في هذه الواقعة: «فلمَّا بلغ ذلك، ووصل وفد الفاتح؛ دُقَّت البشائر بالقلعة، ونودي في القاهرة بالزِّينة، ثمَّ إِنَّ السُّلطان عيَّن برسباي أمير آخور ثاني رسولاً إِلى ابن عثمان يهنِّئه بهذا الفتح».

وندع المؤرِّخ أبا المحاسن بن تغري بردي يصف شعور النَّاس، وحالهم في القاهرة عندما وصل إِليها وفد الفاتح، ومعهم الهدايا، وأسيران من عظماء الرُّوم، قال: «قلت: ولله الحمد والمنَّة على هذا الفتح العظيم، وجاء القاصد المذكور، ومعه أسيران من عظماء إستانبول، وطلع بهما إِلى السُّلطان (سلطان مصر إِينال) وهما من أهل القسطنطينيَّة، وهي الكنيسة العظيمة بإستانبول، فسرَّ السُّلطان، والنَّاس قاطبةً بهذا الفتح العظيم، ودُقَّت البشائر لذلك، وزُيِّنت القاهرة بسبب ذلك أيَّاماً، ثمَّ طلع القاصد المذكور وبين يديه الأسيران إِلى القلعة في يوم الاثنين خامس وعشرين شوَّال بعد أن اجتاز القاصد المذكور، ورفقته شوارع القاهرة، وقد احتفل النَّاس بزينة الحوانيت، والأماكن، وأمعنوا في ذلك إِلى الغاية، وعمل السُّلطان الخدمة بالحوش السُّلطاني من قلعة الجبل...»

وهذا الَّذي ذكره ابن تغري بردي من وصف احتفال النَّاس، وأفراحهم في القاهرة بفتح القسطنطينيَّة ما هو إِلا صورةً لنظائر لها قامت في البلاد الإِسلاميَّة الأخرى. وقد بعث السُّلطان محمَّد الفاتح برسائل الفتح إِلى سلطان مصر، وشاه إِيران، وشريف مكَّة، وأمير القرمان، كما بعث بمثل هذه الرَّسائل إِلى الأمراء المسيحيِّين المجاورين له في المورة، والأفلاق، والمجر، والبوسنة، وصربيا، وألبانيا، وإِلى جميع أطراف مملكته.

_______

المراجع:

1- د. علي محمد الصلابي. الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، الطبعة الأولى 2003م ص. ص (94-96).

2- يلماز أوزنتونا، تاريخ الدولة العثمانيَّة، ترجمه إِلى العربيَّة عدنان محمود سلمان، د. محمود الأنصاري، المجلَّد الأوَّل، منشورات مؤسَّسة فيصل للتَّمويل، تركيا، إِستانبول 1988م.ص (384).

3- محمَّد فريد بك، تاريخ الدَّولة العليَّة العثمانيَّة، تحقيق الدُّكتور إِحسان حقِّي، دار النَّفائس، الطَّبعة السَّادسة، 1408هـ/1988م. ص (164).

4- جمال الدِّين أبي المحاسن يوسف بن تغري بردي، النّجوم الزّاهرة في ملوك مصر والقاهرة، الهيئة المصريَّة العامَّة للتَّأليف والنَّشر، 1391هـ/1971م. ص.ص (16-71).

خير ما يتصدى به المؤمن الموحد للملحدين القرآن الكريم الذي يحوي إشارات في كل العلوم

بعض الإشارات القرآنية كانت جديدة على المخاطبين بالقرآن أول مرة لا يعرفون أسرارها 

ليس كل ما يقال في الساحة العلمية حقائق فبعضها فرضيات وأخرى مازالت في طور النظرية 

انكشاف الحقائق العلمية التي يحتويها القرآن للبشر جيلاً بعد جيل جانب من جوانب استمرارية الرسالة



 

حمَلتْ آيات الإعجاز في القرآن الكريم معانيَ كثيرة دالة على حقيقة الوحدانية لله عز وجل، وسمو رسالة الإسلام ودورها في سعادة وخير الإنسانية جمعاء، ولكن واقع الحال الذي تعيشه الأمة جعل الانحرافات والقال والقيل في عقيدة دين الإسلام تكثر لدى ضعاف النفوس وأصحاب الهوى وأتباع السلطان، فكثر التنطع والتكفير والتحريف من جهة، والإلحاد وقول الباطل وتشتيت العقائد لدى البعض من جهة أخرى.
فلماذا ظهر الإلحاد؟ وكيف اختلطت الأفكار والعقائد على أصحابها في زماننا؟ وكيف تمثلت قيم العبودية والوحدانية والربوبية لله سبحانه وتعالى في آيات القرآن الكريم؟


تعريف الإلحاد:
الإلحاد: العُدُول عن الاستقامة والانحراف عنها، وأَلْحَدْتُ: مَارَيْتُ وجَادَلْتُ، وفي قوله تعالى: (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ) (الحج: 25)؛ أَي انحرافاً بظلم، وقد أَلْحَد في الحَرَمِ: تَرَكَ القَصْدَ فيما أُمِرَ به ومالَ إلى الظلم، وألحد في الحرم: أشرك بالله تعالى، وقيل: الإلحاد فيه: الشك في الله، وأصل الإلحاد الميل والعدول عن الشيء، ولاحد فلان فلاناً: اعوج كل منهما على صاحبه ومالا عن القصد، والملتحد: الملتجأ والملجأ، أي لأن اللاجئ يميل إليه، قال تعالى: (وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً {22}) (الجن)، قال الإمام الطبري رحمه الله: «يقول تعالى ذِكْرُه: ومن يرد فيه إلحاداً بظلم نذقه من عذاب أليم، وهو أن يميل في البيت الحرام بظلم، واختلف أهل التفسير في معنى الظلم الذي من أراد الإلحاد به في المسجد الحرام أذاقه الله من العذاب الأليم، فقال بعضهم: ذلك هو الشرك بالله وعبادة غيره به، وقال آخرون: هو استحلال الحرام فيه أو ركوبه، عن ابن عباس، قوله: (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ {25}) يعني أن تستحل من الحرام ما حرم الله عليك من لسان أو قتل، فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك، فإذا فعل ذلك فقد وجب له عذاب أليم، وقال آخرون: بل ذلك احتكار الطعام بمكة، وقال آخرون: بل ذلك كل ما كان منهياً عنه من الفعل».
أما الإلحاد اصطلاحاً فهو إنكار وجود الإله الخالق، أو إنكار تصرفه في مخلوقاته.


القرآن سلاح ضد الإلحاد:
وخير ما يتصدى به المؤمن الموحد للملحدين هو القرآن الكريم، فهو المعجزة الخالدة، ومع أن القرآن الكريم ليس كتاب علوم، ولا كتاب فيزياء أو فلك أو كيمياء أو أحياء، ولكنه مع ذلك يحوي إشارات في كل تلك العلوم، وموضع هذه الإشارات في كتاب الله هو تعريف الناس بقدرة ربهم التي لا تحد وبآيات قدرته في هذا الكون، ليعرفوا أنه لا إله غيره، ولا مدبر غيره، ولا رازق غيره، ولا مهيمن غيره، فيعبدوه وحده بلا شريك ويتبعوا ما أنزل إليهم.


وبعض هذه الوصايا القرآنية كان معلوماً مشاهداً بالنسبة للمخاطبين بها؛ فكان ذكرها لهم، وتذكيرهم بها، مقصوداً به لإزالة الغشاوة التي تغشى على بصائرهم فتجعلهم لا يدركون الدلالة الواضحة التي يجب أن تستمد منها، وهي أنه ما دام الله هو الذي يقدر، وهو على كل شيء قدير، ولا أحد يقدر قدرته، ولا يدبر تدبيره، ولا يهيمن هيمنته؛ فالعبادة ينبغي أن توجه إليه وحده دون الآلهة المزعومة التي لا تخلق، ولا تقدر، ولا تدبر، ولا تهيمن، ولكن بعض هذه الإشارات كانت جديدة على أولئك المخاطبين بالقرآن أول مرة، لا يعرفون أسرارها أو تفصيلاتها، وقال لهم الله في كتابه المنزل: إنهم سيعرفونها ذات يوم، وفي قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) (فصلت: 53)، وقوله عز وجل: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ {93}‏) (النمل)، وقوله تعالى: (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ {88}‏) (ص).


أما الذين آمنوا فقد أخذوا هذه الإشارات بالتسليم وإن كانوا لا يعرفون كل شيء عنها، ما دامت من عند ربهم الذي آمنوا به وصدقوه، وقال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ) (البقرة: 26)، وفي قوله سبحانه وتعالى: (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا) (آل عمران: 7)، ولكن أجيالاً وراء أجيال كانت تتعرف رويداً رويداً على بعض أسرار هذه الوصايا الإيمانية، فتزيدها المعرفة إيماناً، وإن كانوا مؤمنين مصدقين من قبل.


الإشارات القرآنية.. والعصر الحديث:
وفي عصرنا الحديث هذا الذي اتسعت فيه دائرة العلوم وانكشف فيه كثير من أسرار الكون، تبينت للناس حقائق كثيرة تتعلق بالإشارات القرآنية لم تكن معلومة من قبل، فازداد الناس تعلقاً بتلك الإشارات، وقامت بشأنها أبحاث متخصصة يقوم بها علماء مسلمون في شتى فروع المعرفة، وقامت دعوة تهدف إلى الإكثار من هذه الأبحاث، من أجل إقناع غير المسلمين بالإسلام عن طريق إثبات صدق القرآن، وأنه وحي منزل من عند الله تبارك وتعالى، إذ لم تكن المعلومات الواردة فيه معروفة للبشرية كلها من قبل، فيستحيل أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم هو مؤلف القرآن من عند نفسه كما يزعم المستشرقون وغيرهم من أعداء الإسلام، وهذا دليل في ذاته.


وقد أسلم على هداه بعض الناس بالفعل، ولكن هناك في هذا الاتجاه محاذير، فبعض الناس تدفعهم الحماسة فيتلقفون كل نظرية علمية أو مقولة غربية يظنون فيها تأييداً أو إثباتاً لإشارة من الإشارات الواردة في القرآن، فيسارعون إلى تبنيها، ويفسرون الآيات القرآنية على هداها، وليس كل ما يقال في الساحة العلمية حقائق، فبعضها لا يزيد على فرضيات، وبعضها ما زال في طور النظرية لم يصل إلى حد أن يصبح حقيقة علمية، فإذا ربطنا تفسيرنا للآيات القرآنية ببعض هذه الفرضيات، ثم تبين بعد حين من الوقت أنها لم تكن صحيحة، فإننا نقع من حيث لا ندري في الغلطة التي وقعت فيها الكنيسة بالعصور الوسطى، إذ تبنت أفكاراً علمية كانت سائدة يومئذ ففسرت بها ما جاء في التوراة والإنجيل من إشارات كونية، فلما تقدم العلم وتبين خطأ هذه النظريات كفر الناس بالتوراة والإنجيل، وكذبوا كل ما كان فيهما مما بقي على أصله المنزل، ومما حرف، ومما أسيء تأويله، فجعلوها كلها أكاذيب.


دلائل الإعجاز:
والقرآن غني بدلائل الإعجاز فيه، سواء الإعجاز البياني الذي تحدى الله به البشر جميعاً، والبلغاء في أولهم، فعجزوا عن الإتيان بمثله، أو بألوان الإعجاز الأخرى، ولا يحتاج أن نلتمس له أسانيد من النظريات المتداولة اليوم، التي قد يظهر بطلانها غداً ولكن لا بأس أن نأخذ الحقائق التي ثبتت صحتها، التي نجدها متوافقة مع ما جاء في المنهج القرآني، أو مفسرة له، ونتخذها دليلاً يضاف إلى الأدلة القائمة من قبل على أن هذا القرآن وحي رباني وهداية للناس أجمعين، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، على ألا نتعسف في ربط تفسير الآيات بكل شاردة وواردة بما يسمى علماً، كما حاول بعضهم أن يفسر قوله تعالى: (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً {14}) (نوح)، بما يتفق مع نظرية التطور، بينما أصحاب النظرية ذاتهم يتشككون اليوم في صدقها، وينحون في تفسير الحياة على الأرض منحى غير منحى «دارون».


إن الله عز وجل ميز القرآن الكريم الذي يحمل كلمته الأخيرة للبشرية كافة بخصائص لا توجد في غيره، فقد كانت الرسالات السابقة محدودة بأقوام، ومحدودة بزمن معين ينتهي بإرسال رسول جديد، بينما هذه الرسالة كانت للبشر كافة، وللزمن كله من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فكانت الكتب المنزلة السابقة تحوي احتياجات الأقوام الذين تنزل عليهم في الزمن المحدد في علم الله، أما القرآن، فقد أنزل الله فيه ما تحتاج إليه البشرية كلها، وفي الزمن القادم كله، فلا عجب أن يختلف عن الكتب السابقة في مبناه ومحتوياته، وإن كان مصدقاً لما فيها، ولكن مهيمناً عليها، قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) (المائدة: 48).
والإعجاز العلمي كان واحداً من جوانب التميز التي تفرد بها، وانكشاف الحقائق العلمية التي يحتويها للبشر جيلاً بعد جيل هو جانب من جوانب استمرارية الرسالة التي نزل بها الكتاب، فهو ليس لجيل واحد تنتهي مهمته بعدها، أو تنقطع صلة الأجيال به، بل هو لكل الناس في كل جيل، يهديهم إلى ربهم، ويوجههم إلى الخير وإلى الحق، ويربيهم على المنهج القويم ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون.

 

المراجع:
1- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مادة لحد.
2- تاج العروس من جواهر القاموس، مادة لحد.
3- جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 18/ 595 وما بعدها.
4- علي محمد الصلابي، المعجِزَةُ الخَالِدَةُ.. الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، براهين ساطعة وأدلة قاطعة، دار المعرفة، ص 14-16.


إن علم التاريخ ليس مجرد تسجيل للوقائع والأحداث بصورة مجردة، إنما تتدخل به الانتماءات الأيديولوجية والفكرية والمنهجية لكل كاتب، ولعل أبرز مثال على هذه التدخلات من الناحية السلبية هو ما فعله المؤرخون بتاريخ الدولة العثمانية. فعند التمعن في تاريخ الدولة العثمانية والأوصاف التي اعتمدها الكتاب في كتابة هذا التاريخ نجد أنهم قد انقسموا إلى فريقين، الأول وهو الأغلب لأنه يمثل المستشرقين الغربيين واليهود والقوميين والعلمانيين الحاقدين على الحكم العثماني، استخدم أساليب العداء والطعن والتشويه والتشكييك فيما قام به العثمانيون من خدمة لأمة الإسلام، أما الفريق الثاني عبَّرَ عن انتمائه للأمة والدولة العثمانية كجزء من الحكومات التي صانت بيضة الإسلام لعهود طويلة.
إذًا، اختلفت الأقلام التي كتبت في التاريخ العثماني بين القراءة المعادية والقراءة الانتمائية، وهذه الروايات التاريخية ليست وليدة الصراع الغربي – الإسلامي في العصور الوسطى أو عصر نشوء القوميات في القرن التاسع عشر فقط، بل اتسعت في مرحلة الصراع المملوكي – العثماني – الصفوي – الصليبي، وقد حفلت تلك الروايات بالتوجس والعداء، وعلى هذا كان التصور الغربي والعربي سلبي تجاه الحكم العثماني.
فمنذ أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، حذر شيخ المؤرخين العرب عبد الرحمن بن خلدون السلطان المملوكي برقوق من عواقب قبول التحالف مع العثمانيين، مرددًا قولته المشهورة: "لا تخشوا على ملك مصر إلا من أولا عثمان". وكذلك مؤرخون عرب ومسلمون حملوا نفس التصور. ووحده المؤرخ ابن تغري بردي المثقف بحسه العالي، الذي دعا الى تحالف عثماني مملوكي ضد المغول بقيادة تيمورلنك، غير أنه في ظل حال الالتباس والتوجس، تم تجاهل رأيه، مما أدى في النهاية الى تحقيق نبوءته، فاجتاح المغول أراضي المماليك والعثمانيين في الشام والأناضول كلها.
أما بالنسبة لآراء الكتاب الأوروبيين من الحكم العثماني، فقد كانت محكومة بمواقف بلادهم من التقدم العثماني في أوروبا، خصوصًا بعد أن سقطت عاصمة الدولة البيزنطية (القسطنطينية) بيدهم، وحولها العثمانيون إلى عاصمة للإسلام (إسلام بول)، فتأثرت نفوس الأوربيين بنزعة الحقد ضد العثمانيين، خاصة الرهبان والبابوات وزعماء الإقطاع الذين أخذوا يغذون الشارع الأوروبي بالأحقاد والدسائس ضد المسلمين في خطاباتهم وكتابتهم، ووصفوهم بالبرابرة والكفرة والوحوش والرعاة. سيما بعد أن حاول العثمانيون السير لضم روما الى حظيرة الدولة الإسلامية، وأرادوا بلوغ ديار الأندلس لإنقاذ المسلمين فيها، وعاشت أوروبا في خوف وفزع وهلع ولم تهدأ قلوبهم إلا بوفاة السلطان محمد الفاتح.
ومع بداية عصر النهضة في أوروبا، لم يستطع وجدان المجتمع الأوروبي أن يتخلص من تلك الرواسب الموروثة تجاه العالم الإسلامي بشكل عام وتجاه الدولة العثمانية بشكل خاص. ولذلك اندفعت قواتهم العسكرية المدعومة بحضارته المادية للانتقام من المسلمين، واستحواذ خيراتهم بدوافع دينية واقتصادية وسياسية وثقافية، وساندهم كتابهم ومؤرخوهم، للطعن والتشويه في الاسلام وتاريخه، فكان نصيب الدولة العثمانية من هذه الهجمة الشرسة كبيرًا.
كما تأثر كثير من مؤرخين العرب بالاتجاهات الأوروبية المادية، ولذلك أسندوا كل ماهو مضيء في تاريخ بلادهم إلى بداية الاحتكاك بهذه الحضارة البعيدة كل البعد عن المنهج الرباني، واعتبروا بداية تاريخهم الحديث من وصول الحملة الفرنسية على مصر والشام وما أنجزته من تحطيم جدار العزلة بين الشرق والغرب. واحتضنت القوى الأوروبية الاتجاه المناهض للخلافة الإسلامية، وقامت بدعم المفكرين في مصر والشام إلى تأصيل الإطار القومي وتعميقه من أمثال البستاني واليازجي وجورج زيدان وأديب إسحاق وسليم نقاش وفرح انطوان وشبلي شميل وسلامة موسى وهنري كورييل وهليل شفارتز وغيرهم، وكان أغلب هؤلاء من حملة التيار التغريبي المسيء لتاريخ الأمة الإسلامية وحضارتها.
وقد شارك بعض المؤرخين السلفيين في المشرق العربي في الهجوم على الدولة العثمانية مدفوعين إلى ذلك بالرصيد العدائي الذي خلّفه دور الخلافة العثمانية ضد الدعوة السلفية في عديد من مراحلها بسبب مؤامرات الدول الغربية الاستعمارية التي دفعت السلاطين العثمانيين للصدام بالقوة الإسلامية في نجد قلب الدعوة السلفية، وكذلك لمساندة الخلافة للاتجاه الصوفي، فضلًا عن أن دولة الخلافة في سنواتها الأخيرة سيطر عليها دعاة الطورانية التركية الذين ابتعدوا بها عن الالتزام بالمنهج الإسلامي الذي تميزت به الدولة العثمانية لفترات طويلة، وشجع كافة المسلمين للارتباط بها وتأييدها والوقوف معها.
وأما المؤرخون الماركسيون فقد شنوا حربًا لاهوادة فيها على الدولة العثمانية، واعتبروا فترة حكمها تكريسًا لسيادة النظام الإقطاعي الذي هيمن على تاريخ العصور الوسطى السابقة، وأن العثمانيين لم يُحدثوا أي تطور في وسائل أو قوى الإنتاج، وأن التاريخ الحديث يبدأ بظهور الطبقة البورجوازية ثم الرأسمالية التي أسهمت في إحداث تغيير في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية في بداية القرن التاسع عشر، والتقوا في ذلك مع المؤرخين الأوربيين من أصحاب الاتجاه الليبرالي وكذلك مع أصحاب المنظور القومي، ممن نادوا بنزعات محلية مدعومة من الماسونية العالمية كأصحاب مشروع وحدة وادي النيل بين مصر والسودان، ودعاة الاتجاهات المحدودة كأتباع الفرعونية في مصر، والآشورية في العراق، والفينيقية في الشام..الخ.
لقد غلبت على الدراسات المذكورة طابع الحقد الأعمى، بعيدة كل البعد عن الموضوعية، وأدى ذلك الى ظهور رد فعل إسلامي للرد على الاتهامات والشبهات التي وجهت للدولة العثمانية، ولعل من أهمها تلك الكتابة المستفيضة التي قام بها الدكتور عبد العزيز الشناوي في ثلاث مجلدات ضخمة تحت عنوان "الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها". ومن الجهود المشكورة في هذا الميدان ما قام به الباحث المتخصص في تاريخ الدولة العثمانية الأستاذ محمد حرب الذي كتب للأمة الإسلامية كتب قيمة مثل "العثمانيون في التاريخ والحضارة" و"السلطان محمد الفاتح فاتح القسطنطينية وقاهر الروم" و"السلطان عبد الحميد آخر السلاطين العثمانيين الكبار". ومن الأعمال القيمة في تاريخ الدولة العثمانية ماقدمه الدكتور موفق بني المرجة كرسالة علمية لنيل درجة الماجستير تحت عنوان "صحوة الرجل المريض أو السلطان عبد الحميد" أو الخلافة الإسلامية، واستطاع هذا الكتاب أن يبين كثيرًا من الحقائق المدعومة بالوثائق والحجج الدامغة، وغير ذلك من الكتاب المعاصرين.
وقد اعتمد مؤرخون منصفون على إعادة كتابة التاريخ العثماني، ومنهم كتاب أتراك وعرب وغربيون، على المخطوطات والوثائق، وعلى سجلات المحاكم الشرعية، وحجج الأوقاف والدفاتر المالية، وسجلات المواني، وسجلات الروزنامة، والعقود التجارية المحفوظة كلها. ولجميع تلك المصادر التاريخية أهمية قصوى فهي تسجل التاريخ العربي اليومي تحت الحكم العثماني. وفضلًا عن ذلك تم الاعتماد على وثائق الأرشيف العثماني بإسطنبول، الذي احتوى على آلاف الوثائق الخاصة بالولايات العثمانية الشرقية والغربية.
وعلى هذا، فقد وصف مؤرخون عرب معاصرون القراءات المتعددة للتاريخ العثماني بأوصاف منصفة وحيادية، فقد قال الباحث المصري محمد عفيفي: "إن صورة الدولة العثمانية تتغير من فترة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى، فصورتهم في مصر تختلف عن صورتهم في الشام". وكذلك الباحث السوري صقر أبو فخر إذ قال: "ليست الدولة العثمانية شريرة، بل كانت دولة عظيمة بلا ريب. ولم ينظر إليها العرب أنها دولة استعمارية، بل اعتبروها دولتهم، وكانوا يسمّون أبناءهم بأسماء مثل "تركي" و"تركية" و"دولت" وغيرها. لكنها مثل أي دولة عظيمة أخرى، مرّت بأطوار من الصعود والهبوط، أو التقدّم والانحطاط، أو التشدّد واللين، أو العدل والاستبداد. لذلك، تخضع دراسة التاريخ العثماني لتلك المتناقضات".
في نهاية المطاف يمكننا القول: نجحت الدراسات التاريخية الحديثة في إزالـة الغـبـار عـن حـقـيـقـة الـواقـع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للدولة العثمانية، مما ساهم في إعادة النظر، بل ودحض فكرة تخلف الشعوب والأمم الخاضعة للحكم العثماني. وغالبية الكتاب ترى أن العثمانيين حكموا المنطقة العربية أربعة قرون، فيها سنوات نهضة وسنوات انتكاسة. وشارك في الدولة العثمانية أجناس متعددة ولغات مختلفة بما فيها العرب الذين شاركوا في الحضارة والسياسة في تلك الفترة. كما أن الصورة القاتمة التي رسمها بعض المؤرخين للحقبة العثمانية خاطئة. فالدولة العثمانية تميزت بالتسامح الديني والثقافي، وكانت الملاذ الآمن والبلد الحضاري لكل الفارين من الاضطهاد الديني والقهر السياسي في أوروبا والممالك الأخرى في العالم آنذاك.

المراجع:
1. ثروت البطاوي، الحقبة العثمانية في بلاد العرب.. فتح مبين أم غزو أثيم، رصيف 22، 28 أبريل 2017.
2. زكريا بيومي، قراءة جديدة في تاريخ العثمانيين: التحالف الصليبي الماسوني الاستعماري وضرب الاتجاه الإسلامي.
3. صقر أبو فخر، الدولة العثمانية.. التاريخ والتزوير والاختلاف، العربي الجديد، 30 ديسمبر 2017.
4. علي الصلابي، الدولة العثمانية: عوامل النهوض وأسباب السقوط، دار الروضة، إستانبول.
5. عبد العزيز الشناوي، الدولة العثمانية: دولة إسلامية مفترى عليها.
6. محمد حرب، العثمانيون في التاريخ والحضارة.
7. حاتم الطحاوي، البحث العربي في تاريخ العثمانيين، 7 أغسطس 2014.

 

عهد محمد الأول "جلبي" وابنه مراد الثاني (1413-1455م):

تناولنا في مقالات سابقة سلاطين الدولة العثمانية قبل محمد الفاتح، وآخر هؤلاء السلاطين الأقوياء السلطان بايزيد «الصَّاعقة»، وقد لقب بذلك لأنه كان شجاعاً شهماً كريماً متحمِّساً للفتوحات الإِسلاميَّة، ولذلك اهتمَّ اهتماماً كبيراً بالشؤون العسكريَّة، فاستهدف الإِمارات المسيحيَّة في الأناضول، وخلال عام واحد أصبحت تابعةً للدَّولة العثمانيَّة، فكان بايزيد كمثل البرق في تحرُّكاته بين الجبهتين البلقانيَّة، والأناضوليَّة، لكن السلطان بايزيد وقع في صدام مع تيمورلنك الذي جلس على عرش خراسان عام 1369م، ولأسباب عدة تقدَّم تيمورلنك بجيوشه، واحتلَّ سيواس، وأباد حاميتها الَّتي كان يقودها الأمير أرطغرل بن بايزيد، والتقى الجيشان قرب أنقرة في عام 804هـ/1402م وكانت قوات بايزيد تبلغ 120000 مجاهدٍ لملاقاة خصمه، وزحف تيمورلنك على رأس قوَّات جرارة في 20 يوليو 1402م (804هـ) وانتصر المغول، ووقع بايزيد في الأسر، وظلَّ يرسف في أغلاله حتَّى وافاه الأجل في السَّنة التَّالية.


بعد ذلك تعرَّضت الدَّولة العثمانيَّة لخطرٍ داخليٍّ تمثَّل في نشوب حربٍ أهليَّةٍ على العرش بين أبناء بايزيد، واستمرَّت هذه الحرب عشر سنوات (806 - 816هـ/1403 - 1413م).
كان لبايزيد خمسة أبناء اشتركوا معه في القتال، ونشبت الحرب بين ثلاثة منهم، كانوا يتنازعون بينهم أشلاء الدَّولة الممزَّقة، والأعداء يتربَّصون بهم من كلِّ جانبٍ. صمد العثمانيُّون لمحنة أنقرة بالرَّغم ممَّا عانوه من خلافاتٍ داخليَّةٍ إِلى أن انفرد محمَّد الأوَّل بالحكم في عام 1413م، وأمكنه لمَّ شتات الأراضي الَّتي سبق للدَّولة أن فقدتها، وقد ولد السُّلطان محمَّد الأول عام (781هـ/1379م) وتولَّى أمر الأمَّة بعد وفاة والده بايزيد، وعرف في التَّاريخ «بمحمَّد جلبي».


اشترك أثناء حكمه في 24 حرباً، وأصيب بأربعين جرحاً. واستطاع أن يقضي على الحرب الأهليَّة بسبب ما أوتي من الحزم، والكياسة، وبعد النَّظر، وتغلَّب على إخوته واحداً واحداً حتَّى خلص له الأمر، وتفرَّد بالسُّلطان، وقضى سني حكمه الثَّمانية في إِعادة بناء الدَّولة، وتوطيد أركانها، ويعتبره بعض المؤرخين المؤسِّس الثَّاني للدَّولة العثمانيَّة.
كان السلطان محمَّد الأوَّل محباً للشِّعر، والأدب، والفنون، وقيل: هو أوَّل سلطانٍ عثمانيٍّ أرسل الهدية السَّنويَّة إِلى أمير مكَّة الَّتي يطلق عليها اسم الصُّرَّة، وهي عبارة على قدرٍ معيَّنٍ من النقود يرسل إِلى الأمير لتوزيعه على فقراء مكَّة، والمدينة.
وقد أحبَّ الشَّعبُ العثمانيُّ السُّلطانَ محمَّداً الأوَّل، وأطلقوا عليه لقب: بهلوان «ومعناها: البطل» وذلك بسبب نشاطه الجم، وشجاعته، كما أنَّ له أعماله العظيمة.


وفاته وخليفته:
بعد أن بذل السُّلطان محمَّد الأوَّل قصارى جهده في محو آثار الفتن، فاجأه الموت في سنة 824هـ/1421م في مدينة أدرنة، وأسلم روحه لخالقه، وعمره 43 سنةً.
وخوفاً من حصول ما لا تُحمد عقباه لو عُلم موت السُّلطان محمَّد الأوَّل، اتَّفق وزيراه إِبراهيم، وبايزيد على إِخفاء موته على الجند حتَّى يصل ابنه مراد الثَّاني، فأشاعا: أنَّ السُّلطان مريضٌ، وأرسلا لابنه، فحضر بعد واحد وأربعين يوماً، وتسلَّم مقاليد الحكم. عام (824هـ/1421م) وكان عمره لا يزيد على ثماني عشرة سنةً، وكان محبَّاً للجهاد في سبيل الله، والدَّعوة إِلى الإِسلام في ربوع أوروبا.
كان معروفاً لدى جميع رعيَّته بالتَّقوى، والعدالة، والشَّفقة، استطاع السُّلطان مراد أن يقضي على حركات التَّمرُّد الدَّاخليَّة الَّتي قام بها عمُّه مصطفى، والَّتي كانت تُدعم من قبل أعداء الدَّولة العثمانيَّة، وكان السُّلطان مراد يوجِّه الضَّربات الموجعة لحركات التَّمرُّد في بلاد البلقان، وحرص على تدعيم الحكم العثمانيِّ في تلك الدِّيار، واتَّجه الجيش العثمانيُّ نحو الشَّمال لإِخضاع إقليم ولاشيا، وفرض عليه جزيةً سنويَّةً، واضطرَّ ملك الصِّرب الجديد «ستيف لازار ميتش» إِلى الخضوع للعثمانيِّين والدُّخول تحت حكمهم، وجدَّد ولاءه للسُّلطان، واتَّجه جيشٌ عثمانيٌّ نحو الجنوب، حيث قام بتوطيد دعائم الحكم العثماني في بلاد اليونان.


ولم يلبث السُّلطان أن واصل جهاده الدَّعويَّ، وقام بالقضاء على العوائق في كلٍّ من ألبانيا، والمجر.
واستطاع العثمانيُّون أن يفتحوا ألبانيا عام (834هـ/1431م) وركَّزوا هجومهم على الجزء الجنوبي من البلاد. أمَّا شمالي ألبانيا، فقد خاض العثمانيُّون فيه جهاداً مريراً، وتمكَّن الألبانيُّون الشَّماليُّون من القضاء على جيشين عثمانيِّين في جبال ألبانيا، كما ألحقوا الهزيمة بحملتين عثمانيَّتين متعاقبتين، كان يقودهما السُّلطان مراد بنفسه، وتكبَّد العثمانيُّون خسائر فادحةً أثناء عمليَّة الانسحاب، ووقفت الدُّول النَّصرانية خلف الألبان لدعمهم ضدَّ العثمانيِّين، وخصوصاً من حكومة البندقيَّة، الَّتي كانت تدرك خطورة الفتح العثماني لهذا الإقليم الهامِّ بشاطئيه، وموانئه البحريَّة الَّتي تربط البندقيَّة بحوض البحر المتوسط، والعالم الخارجي، وأنَّهم في استطاعتهم حجز سفن البنادقة داخل بحرٍ مغلقٍ هو بحر الأدرياتيك. وهكذا لم يشهد السُّلطان مراد الثاني استقراراً للحكم العثماني في ألبانيا.


وأمَّا ما يتعلَّق بجبهة المجر؛ فقد استطاع العثمانيُّون في عام (842هـ/1438م) أن يهزموا المجريِّين، ويأسروا منهم سبعين ألف جنديٍّ، وأن يستولوا على بعض المواقع، ثمَّ تقدَّم لفتح بلغراد عاصمة الصِّرب، ولكنه أخفق في محاولته، وسرعان ما تكوَّن حلف صليبيٌّ كبير باركه البابا، واستهدف هذا الحلف طرد العثمانيين من أوربا كليَّةً، وشمل الحلف البابوية، والمجر، وبولندا، والصِّرب، وبلاد الأفلاق، وجنوة، والبندقية، والإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، ودوقية برجنديا، وانضمَّت إِلى الحلف أيضاً كتائب من الألمان، والتّشيك. وأُعطيت قيادة قوات الحلف الصَّليبيِّ إِلى قائدٍ مجريٍّ قديرٍ هو: يوحنَّا هنيادي. وقد قاد هنيادي القوَّات الصَّليبيَّة البرِّيَّة، وزحف جنوباً، واجتاز الدَّانوب، وأوقع بالعثمانيِّين هزيمتين فادحتين عام (846هـ/1442م) واضطرَّ العثمانيُّون إِلى طلب الصُّلح، وأبرمت معاهدة صلح لمدة عشر سنوات في «سيزجادن» وذلك في شهر يوليو عام (848هـ/1444م) تنازل فيها عن الصِّرب، واعترف «بجورج برانكوفيتش» أميراً عليها. كما تنازل السُّلطان مراد عن الأفلاق للمجر، وافتدى زوج ابنته «محمود شلبي» الَّذي كان قائداً عاماً للجيوش العثمانيَّة، بمبلغ 60 ألف دوقية. وقد حُرِّرت هذه المعاهدة باللُّغتين العثمانيَّة، والمجريَّة، وأقسم «لاديسلاسي» ملك المجر على الإِنجيل، كما أقسم السُّلطان مراد بالقرآن على أن تراعى شروط المعاهدة بذمَّةٍ، وشرفٍ.


وحين فرغ مراد من عقد الهدنة مع أعدائه الأوربيِّين، عاد إِلى الأناضول، وفجع بموت ابنه الأمير علاء، واشتدَّ حزنه عليه، وزهد في الدُّنيا، والملك، ونزل عن السَّلطنة لابنه محمَّد، وكان إِذ ذاك في الرَّابعة عشرة من عمره، ولصغر سنِّه أحاطه والده ببعض أهل الرَّأي والنَّظر من رجال دولته، ثمَّ ذهب إِلى مغنيسيا في آسيا الصُّغرى ليقضي بقيَّة حياته في عزلةٍ، وطمأنينةٍ، ويتفرَّغ في هذه الخلوة إِلى عبادة الله، ولم يستمتع السُّلطان طويلاً بهذه الخلوة، والعبادة حيث قام الكاردينال سيزاريني وبعض أعوانه بالدَّعوة إِلى نقض العهود مع العثمانيِّين.


لقد نقض النَّصارى عهودهم، وحشدوا الجيوش لمحاربة المسلمين، وحاصروا مدينة «فارنا» البلغاريَّة الواقعة على ساحل البحر الأسود، والَّتي كانت قد تحرَّرت على أيدي المسلمين.
وعندما تحرَّك النَّصارى بعث رجال الدَّولة إِلى السُّلطان مراد يستعجلون قدومه لمواجهة هذا الخطر، وخرج السُّلطان المجاهد من خلوته ليقود جيوش العثمانيِّين ضدَّ الخطر الصَّليبي.
وأسرع السُّلطان مراد في السير، فوصل وارنه في نفس اليوم الَّذي وصل فيه الصَّليبيُّون، وفي اليوم التَّالي نشبت المعركة بين الجيشين النَّصرانيِّ، والإِسلاميِّ، وكانت عنيفةً حاميةً، وقد وضع السُّلطان مراد المعاهدة الَّتي نقضها أعداؤها على رأس رمح ليشهدهم، ويشهد السَّماء والأرض على الغدر، والعدوان، وليزيد حماس جنده.


واقتتل الفريقان، ودارت بينهما معركةٌ رهيبةٌ كاد يكون فيها النَّصر للنَّصارى نتيجة حميَّتهم الدِّينيَّة، وحماسهم، إِلا أنَّ تلك الحميَّة، والحماس الزَّائد اصطدم بالرُّوح الجهاديَّة لدى العثمانيِّين، والتقى الملك «لاديسلاس» ناقض العهود مع السُّلطان مراد الوفي بالعهود وجهاً لوجه، واقتتلا، ودارت بينهما معركة رهيبةٌ تمكَّن السلطان المسلم من قتل الملك المجريِّ النَّصرانيِّ، فقد عاجله بضربةٍ قويَّةٍ من رمحه أسقطته من على ظهر جواده، فأسرع بعض المجاهدين، وحزُّوا رأسه، ورفعوه على رمحٍ مهلِّلين مكبِّرين، وفرحين، وصاح أحد المجاهدين في العدِّو: «أيُّها الكفَّار! هذا رأس ملككم».


وكان لذلك المنظر أثرٌ شديدٌ على جموع النَّصارى، فاستحوذ عليهم الفزع، والهلع، فحمل عليهم المسلمون حملةً قويَّةً بدَّدت شملهم، وهزموهم شرَّ هزيمةٍ، وولَّى النَّصارى مدبرين، يدفع بعضهم بعضاً، ولم يطارد السُّلطان مراد عدوَّه، واكتفى بهذا الحدِّ من النَّصر، وإِنَّه لنصرٌ عظيم.
كانت هذه المعركة في سهول قوصوه في 17 أكتوبر (852هـ/1448م) واستمرَّت المعركة ثلاثة أيام، وانتهت بفوز ساحق للعثمانيِّين. وقد أخرجت هذه المعركة بلاد المجر لعشر سنوات على الأقل من عداد الدُّول التي تستطيع النهوض بعملياتٍ حربيَّةٍ هجوميَّة ضدَّ العثمانيِّين.


ولم تفارق السُّلطان مراداً زهادته في الدُّنيا، والملك، فنزل عن العرش مرَّةً أخرى لابنه محمَّد، وعاد إلى عزلته في مغنيسيا كما يعود الأسد المنتصر إِلى عرينه. ثم رجع مرة أخرى إلى الحكم بعد تمرد الانكشارية وبقي على العرش العثمانيِّ إِلى آخر يومٍ في حياته، وقد قضاها في الغزو، والفتح. ثم تولى بعده السُّلطان محمَّد الثَّاني (الفاتح) (833 - 886هـ/1429 - 1481م)، ويعتبر السُّلطان العثماني السَّابع في سلسلة آل عثمان يلقَّب بالفاتح، وأبي الخيرات. حكم ما يقرب من ثلاثين عاماً كانت خيراً وعزَّةً للمسلمين. تولَّى حكم الدَّولة العثمانيَّة بعد وفاة والده في 16 محرم عام 855هـ الموافق 18 فبراير عام 1451م، وكان عمره آنذاك 22 سنة، ولقد امتاز السُّلطان محمَّد الفاتح بشخصيَّةٍ فذَّةٍ، جمعت بين القوَّة، والعدل، كما أنَّه فاق أقرانه منذ حداثته في كثيرٍ من العلوم الَّتي كان يتلقَّاها في مدرسة الأمراء، وخاصَّةً معرفته لكثيرٍ من لغات عصره، وميله الشَّديد لدراسة كتب التَّاريخ، ممَّا ساعده فيما بعد على إِبراز شخصيته في الإِدارة، وميادين القتال، حتَّى إنَّه اشتهر أخيراً في التَّاريخ بلقب محمد الفاتح، لفتحه القسطنطينيَّة، وسنتناول عهده وفتحه القسطنطينية في مقال لاحق إن شاء الله.


المراجع:
1- د. علي محمد الصلابي. الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، الطبعة الأولى 2003م ص (57-67).
2- د. إِسماعيل ياغي، الدَّولة العثمانيَّة في التاريخ الإِسلامي الحديث، مكتبة العبيكان، الطَّبعة الأولى 1416هـ/1996م. ص (46-47).
3- د. سالم الرَّشيدي، محمَّد الفاتح، الإِرشاد، جدَّة، الطَّبعة الثَّالثة، 1989م/1410هـ. ص(37)، ص(45).
4- محمَّد فريد بك، تاريخ الدَّولة العليَّة العثمانيَّة، تحقيق الدُّكتور إِحسان حقِّي، دار النَّفائس، الطَّبعة السَّادسة، 1408هـ/1988م. ص (152).
5- د. جمال عبد الهادي، د. وفاء محمد رفعت جمعة، علي أحمد لبن، الدَّولة العثمانيَّة، أخطاء يجب أن تصحَّح في التاريخ، دار الوفاء، الطَّبعة الأولى، 1414هـ/1994م. ص (38)، ص(33)، ص، (41).
6- السَّلاطين العثمانيُّون، كتاب مصوَّر، طبع في تونس.، ص (41).
7- عبد السَّلام عبد العزيز فهمي، السُّلطان محمَّد الفاتح، فاتح القسطنطينيَّة، وقاهر الرُّوم، دار القلم، دمشق، الطَّبعة الرَّابعة، 1407هـ/1987م، ص (22).

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top