قراءة في جذور النفسية اليهودية ـــــ الصهيونية

06:29 06 يوليو 2012 الكاتب :  

وصف الكاتب والصحفي البريطاني اليهودي «آرثر كوستلر» (1905 - 1983م)، النفسية اليهودية بالشذوذ، وهو شذوذ نتج ما بين شعور بالدونية وعقيدة الشعب المختار.

وصف الكاتب والصحفي البريطاني اليهودي «آرثر كوستلر» (1905 - 1983م)، النفسية اليهودية بالشذوذ، وهو شذوذ نتج ما بين شعور بالدونية وعقيدة الشعب المختار.

ولكي لا نُتَّهم بالعداء للسامية أو لليهودية كفكر مستقل من حق الإنسان أن ينتمي له على مبدأ { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ {17}}(الحج)، وقوله تعالى: { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ {6}‏ }(الكافرون)، فقد وضعنا الصهيونية رديفاً لوصف «كوستلر»، لنكون أكثر واقعية.لقد بنى «كوستلر» رأيه على قراءته المتعمقة للعهد القديم - التوراة - والتاريخ اليهودي وتأثيراتهما على النفسية اليهودية.

فالصهاينة يشتكون من ماضٍ حزين مسطَّر في كتبهم «المقدسة»، وهو ماضٍ هامشي يقول عنه «جوستاف لوبون»: إنه لم يترك أي بصمة حضارية متميزة، ولا يمكن لمسه بأي صورة من الصور في الأرض التي يدَّعون أن الرب قد وعدهم بها، وفي هذه الأجواء تنمو العصبية والحقد والطائفية، وهي كلها نتائج لجهل مصطنع ومتعمد، وإن كانت في أكثر الناس ذكاءً وعلماً! عند ذلك يتحول التاريخ إلى مهزلة خاصة، إذا كان ذلك يخدم غرضاً سياسياً.

فـ«مناحيم بيجن»، رئيس وزراء «إسرائيل» الأسبق، وبطل مجازر «دير ياسين»، وفي أثناء التوقيع على معاهدة «كامب ديفيد»، التفت إلى الرئيس المصري الأسبق «أنور السادات»، وهو يشير إلى الرئيس الأمريكي الأسبق «كارتر» مشيداً بجهده في صياغة المعاهدة، قائلاً: «إنه يفوق جهد أجداده في بناء الأهرامات»! ومن المعروف أن بناء الأهرامات سابق على عصر دخول بني إسرائيل لمصر (حوالي 1720ق.م)، بأكثر من ألف عام، حيث بني أول هرم في عصر الفراعنة القدماء حوالي عام 2861ق.م، وأن «الإسرائيليين» سكنوا منطقة الدلتا الحالية لمدة أربعة قرون ذاقوا فيها الأمرين على أيدي الفراعنة، وتكاد تكون المنطقة الوحيدة في مصر الخالية من الأهرامات، ولو كانت لهم القدرة على بناء الأهرامات لبنوها في فلسطين، لكنهم عندما عادوا لفلسطين حوالي عام 1290ق.م كانوا بدواً رحلاً ولم تقم لهم قائمة سياسية بالمعنى الحقيقي إلى مجيء داود عليه السلام حوالي عام 1010ق.م.. تقول التوراة: «فحتى ذلك الحين لم يتمدن الإسرائيليون ولم يكن لإسرائيل ملك، فكان كل واحد يعمل ما يشاء»(القضاة: 16، 17)، وأن سليمان عليه السلام (930 - 970ق.م) هو الذي بنى الهيكل مستعيناً بـ«حيرام» ملك صور، حيث يقول له سليمان: «لأنك تعلم أنه ليس بين قومي من يمهر في قطع الأخشاب مثل الصيدونيين»(الملوك الأول: 6 - 5».

وفي مكان آخر يتحدث في نفس السفر عن الأحجار التي اُستخدمت في البناء، «فنحتها بناؤو سليمان بمساعدة بنائي حيرام وأهل جبيل وهيؤوا الأخشاب والحجارة لتشييد الهيكل» (الملوك الأول: 18 - 5).

فإذا كان «الإسرائيليون» بعد خروجهم من مصر بثلاثة قرون لا يجيدون قطع الأخشاب ولا نحت الحجارة، فكيف بنوا الأهرامات؟!

هذه الأقوال ما هي إلا شعور بالدونية مسطر في كتبهم، وعقدة بالنقص نتيجة وجودهم بين حضارتين عظيمتين في مصر وبلاد الرافدين.

الشعب المختار.. والغطرسة

وأما عقيدة الشعب المختار فقد سيطرت على عقولهم حتى صارت هوساً مقروناً بالغطرسة، وهناك مئات الممارسات والأقوال في هذا المجال.

إن تجمع «الإسرائيليين» في أرض صغيرة (فلسطين)، كان خطأ تاريخياً لا يمكن تقييمه بالسنين ولا بالعقود، في محيط لا يتجانس مع ثقافتهم وتطلعاتهم، ولذلك ففكرهم وممارساتهم تدور حول القوة والغطرسة، التي تغذيها أفكار التوراة نفسها.

يقول «مناحيم بيجن»: إن المبدأ الرئيس لكل «إسرائيلي» يجب أن يكون: «أنا أحارب فأنا موجود»، ويقول «بن جوريون»، أول رئيس وزراء «إسرائيلي»: «سوف نواجه العرب بالقوة، والنتيجة الوحيدة المتوقعة لهذا الصراع هي التي تفرضها القوة»، ويقول الحاخام «مائير كاهانا»: «إن حدود إسرائيل هي حيث يقف الجنود الإسرائيليون»، وهذه الغطرسة كان قد زرعها «هرتزل» في مؤتمر «بازل» عام 1897م بقوله: «سوف نطالب بما نحتاج إليه؛ فكلما ازداد عدد المهاجرين ازدادت حاجتنا للأرض».

ولكن الإيمان بغطرسة القوة لا يحل المشكلات، ولا يحقق الأحلام كما يعتقدون، فكتب «مناحيم بيجن» مرة متبجحاً: «إن عمان ستكون لنا، ولنا كامل الحقوق التاريخية في ضفة الأردن الشرقية، ولكني تنازلت منذ زمن بعيد عن حقي في الحصول على هذه الحقوق، لأنني آخذ بعين الاعتبار أن ظروفاً سياسية قد تفرض تقسيم البلاد بشكل لا يتفق مع حدودها التاريخية والجغرافية وأنني أعتبر ذلك كارثة»!

وأما «عيزرا وايزمن»، وزير دفاع «إسرائيل» الأسبق، ثم رئيسها، فقد كان أكثر وضوحاً وواقعية عندما قال بعد تسليم سيناء لمصر: «حبذا لو بقيت جميع شبه جزيرة سيناء في أيدينا، ولو استطعنا الوصول إلى ضفاف نهري دجلة والفرات، ولكن سيناء لي هي مسألة أمنية»!

وبلغ هوس القوة والإبادة مداه في فكر «أفيجدور ليبرمان»، وزير خارجية «إسرائيل» السابق، عندما دعا في محاضرة أمام طلبة إحدى الجامعات الأمريكية عام 2008م إلى القضاء على غزة بقنبلة ذرية، قائلاً: «شعب إسرائيل لن يكون في أمان ما دامت «حماس» تحكم قطاع غزة، ويجب أن نقتدي بالضبط بما قامت به الولايات المتحدة لحسم الحرب العالمية الثانية مع اليابان».

دوافع توراتية

هناك دوافع إستراتيجية وإمبريالية دفعت إلى قيام «إسرائيل»، لكن هناك أيضاً دوافع توراتية لهذه الأفكار.

فمن المعلوم أن «الإسرائيليين» تعرضوا لنكبات تاريخية، كان أشدها إيلاماً الشتات على أيدي الآشوريين عام 721ق.م بزوال دولة «يهوذا» التي كانت عاصمتها «السامرة»، والشتات الثاني المقترن بزوال «إسرائيل» والهيكل على أيدي البابليين عام 586ق.م.

ولا يخلو سفْر واحد من الآثار النفسية العميقة لزوال «إسرائيل» التي كانت عاصمتها «أورشليم»، والتي اُعتبرت النكسة الأقسى في التاريخ اليهودي، فتارة يعللونها بغضب الرب عليهم، وتارة باختبار الرب لهم؛ كونهم شعب الله المختار، علماً أن في التوراة إشارات كثيرة حول كون «أورشليم» مدينة يبوسية استولى عليها النبي داود ولم يكن له يد في بنائها، تقول التوراة: «وسار الملك - داؤد - ورجاله إلى أورشليم لمحاربة اليبوسيين سكانها، فقال له هؤلاء وهم يعتقدون أنه لا يقدر أن يدخلها: لا يمكنك أن تدخل إلى هنا فحتى العميان والعرج يصدونك» (صموئيل الثاني: 6 - 9، 5»، والنص التوراتي صريح بأن داود لم يقم ببناء «أورشليم»، بل كانت موجودة حينما مُلِّك على بني قومه، وقبل زمن داود بحوالي ثلاثة قرون تم ذكر «أورشليم» في زمن يشوع فتى موسى، تقول التوراة: «وعندما سمع أدوني صادق ملك أورشليم أن يشوع استولى على «عاي» - مدينة فلسطينية - ودمرها وقتل ملكها كما صنع بأريحا وملكها اعتراه خوف شديد» (يشوع: 1، 10).

توراة على ضفاف دجلة والفرات

والتوراة التي كتبت على ضفاف دجلة والفرات بعد السبي البابلي، لا تجد فيها إشارة لدعوة الله الواحد الأحد، بقدر ما تجد فيها مسألة الأرض الموعودة وما فيها من خيرات ولبن وعسل، والتي سيعيش فيها بنو إسرائيل بعد انتهاء معركة آخر الأيام المسماة «هرمجدون».

تقول التوراة على لسان إسحاق مخاطباً ابنه يعقوب: «هكذا يفكرون بأنبيائهم»، الذي تحايل على والده بعد أن سقاه خمراً وسرق البركة من أخيه عيسو: «فلينعم عليك الرب من ندى السماء ومن خيرات الأرض فيكثر لك الحنطة والخمرة ولتخدمك الشعوب وتسجد لك القبائل» (التكوين: 28 - 29).

ويقول الرب: «ها أنا قد وعدت أن أخرجكم من ضيقة مصر إلى أرض الكنعانيين والحثيين والأموريين والعوزيين والحويين واليبوسيين، هذه الأرض التي تفيض لبناً وعسلاً» (الخروج: 17 - 3)، والرب عندهم يفرق بين مخلوقاته على أساس عنصري، فتقول التوراة: «إن الرب يميز بين المصريين وإسرائيل» (الخروج: 7 - 11»، وتزداد هذه النصوص شراسة بعد توجههم إلى أرض اللبن والعسل، فينقلون على لسان موسى عليه السلام، وفي معرض تشجيعه لقومه بسيرهم تجاه الأرض الموعودة: «الآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال، واقتلوا كل امرأة ضاجعت رجلاً، ولكن استحيوا لكم عذراء لم تضاجع رجلاً» (العدد: 17 - 18، 31).

وعلى هذا الأساس وبعد موت موسى عليه السلام خارج الأرض الموعودة، فإن فتاه يشوع لم يقصر بتطبيق ما سمعه - حسب روايات التوراة - فجاء عن سقوط أريحا بيده ما نصه: «فاندفع الشعب - بنو إسرائيل - نحو المدينة وقضوا بحد السيف على كل من فيها من رجال ونساء وأطفال وشيوخ، حتى البقر والغنم والحمير» (يشوع: 20 - 21، 6).

وأما عن تدمير مدينة «عاي» فقد جاء ما يلي: «رجع المحاربون الإسرائيليون إلى عاي وقتلوا كل من فيها، فكان جميع من قتل في ذلك من رجال ونساء اثني عشر ألفاً، وهم جميع أهل عاي» (يشوع: 24 - 25).

ثم يأتي نص عام ليجعل من الإبادة منهجاً حيث يقول الرب: «أما مدن الشعوب التي وهبها الرب إلهكم لكم ميراثاً فلا تستبقوا فيها نسمة حية بل دمروها عن بكرة أبيها، كمدن الحثيين والأموريين والكنعانيين والعوزيين والحويين واليبوسيين، كما أمركم الرب إلهكم» (التثنية: 16 - 17، 20).

النسل المقدس

وأما فكرة النسل المقدس التي غرزها الكاهن «عزرا» عند إعادة كتابته للعهد القديم بعد السبي البابلي، فهي واضحة في مواضع لا تُحصى، ففي معرض انتقاده لرجال الدين المنغمسين في رجاسات الأمم يقول: «ولم ينفصلوا عنهم لأنهم تزوجوا وأبناؤهم من بناتهم فاختلط النسل المقدس بأمم الأراضي، وقد كان الرؤساء والولاة أول من ارتكب هذه الخيانة» (عزرا: 1 - 2).

لقد فرض «عزرا» وأمثاله العزلة على بني إسرائيل، وكان رداً نفسياً على عار السبي والشتات، فالتفتوا لتاريخهم وأمعنوا في تزويره والتطاول على الأنبياء، فيقول أحد أنبيائهم ويدعى «نحميا»: «إياكم أن تزوجوا بناتكم من بنيهم ولا تأخذوا بناتهم لأبنائكم ولا لكم، أليس بمثل هذه أخطأ سليمان ملك إسرائيل، ومع ذلك أغوته النساء الأجنبيات على ارتكاب الإثم» (نحميا: 25 - 26، 3).

والشعور بالدونية أياً كان سببه يدفع الإنسان أو المجموعة الإنسانية الملتفة حول عقيدة ما إلى حب الانتقام، وكذلك الإصابة بالكآبة والسوداوية، والتي عبر عنها النبي أرميا بأشد الأوصاف، وهذا كله نتيجة السبي والشتات بعد خراب أورشليم فيقول: «كلَّت من الدموع عيناي، وأحشائي امتلأت مرارة، كبدي أسكبت على الأرض، الخراب بين شعبي، الأطفال أُغمي عليهم في ساحات المدينة، فاضت أرواحهم في أحضان أمهاتهم، بماذا أصفك وأشبهك يا بنت أورشليم؟ من ينجيك ويعزيك يا عذراء بنت صهيون؟ خرابك كالبحر لا حد له، فمن ذا الذي سيشفيك؟» (مراثي رميا: 11 - 13، 2).

اضطراب فكري: والاضطراب أهم سمات الفكر التوراتي، ومن سمات هذا الاضطراب، إرجاع سبب النكبات لغضب الرب، ثم التعبير عن ذلك بتشبيهات جنسية مثيرة، تقول التوراة: «كيف أسامحك يا أورشليم وبنوك تركوني وحلفوا بإله مزعوم؟ حين أشبعتهم زنوا، وفي بيوت الزواني صرفوا وقتهم وصاروا أحصنة معلوفة سائبة، كلٌ يصهل على أم صاحبه» (أرميا: 7 - 8، 5).

وفي مكان آخر يرد: «وأنت يا أرض إسرائيل زنيت مع عشاق كثيرين، ومع ذلك يقول الرب: ارجعي إليَّ، ارفعي عينيك إلى الزواني، وانظري هل من مكان إلا وضاجعت فيه؟» (أرميا: 1 - 2).

وهذه النصوص تجمع بين الشعور بالدونية النفسية الذاتية، والاستعلاء الشخصي الآتي من تفضيل الرب ومعاقبته لهم في الوقت نفسه كالأطفال المدللين!

لقد اختلطت الأمور على العقلية اليهودية اختلاطاً عجيباً لم يعرف له مثيل لدى باقي الأمم، فصوروا «نبوخذ نصر»، الملك البابلي، الذي أزالهم من الوجود بأشكال شتى: «ونبوخذ نصر ملك بابل عبدي وأجيء بهم إلى هذه الأرض لمحاربة يهوذا وجميع الأمم المجاورة لها» (أرميا: 9 - 12، 25).

هذا التشتت العقلي دفع بالعقلية «الإسرائيلية» للإعجاب بنبوخذ نصر، بعد أن وجدت نفسها ذليلة راكعة أمام قوة عسكرية وحضارية طاغية، فاخترعوا أسطورة فقدان نبوخذ نصر لعقله وعيشه في البرية كالبهائم: «يأكل من العشب، عارياً من ملابسه، وقد طال شعره مثل النسور، وطالت أظفاره مثل براثن الطيور» (دانيال: 31 - 33، 4).

 

وهذه الصورة السوريالية لواحدة من أعظم الشخصيات في التاريخ القديم، تعبير عن تجذر الخرافات والأساطير في الكتب اليهودية «المقدسة»، والتي لم تجد الخلاص أخيراً إلا باستسلام نبوخذ نصر وإيمانه بإله بني إسرائيل (يهوه)، وهي خرافة لا وجود لها، لا تختلف عن اعتقادهم بأنهم بناة الأهرامات!.

عدد المشاهدات 4127

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top