تونس و العلامة الفارقة.. فى التاريخ

20:36 15 فبراير 2014 الكاتب :   تونس: عبدالباقي خليفة

سيظل يوم 27 يناير علامة فارقة في تاريخ تونس وبلاد الإسلام والعالم

، فهو اليوم الذي أجمع فيه أغلب التونسيين على دستور توافقي يجد فيه كل تونسي نفسه، وفي نفس الوقت يشعر فيه كل تونسي أنه تنازل لبقية مكونات النسيج السياسي والاجتماعي والفكري في البلاد من أجل السلم الأهلي والتعايش المشترك.

كانت الحالة التي بدا فيها المجلس التأسيسي لحظة المصادقة على الدستور ليلة الإثنين استثنائية وغير مسبوقة في تاريخ تونس، فقد تعانق المتنافسون والمتدافعون وحتى الخصوم، وقد انعكست تلك الروح على الشارع التونسي برمته وتركت بصماتها واضحة على مختلف فئات الشعب، مما يؤكد أن المجتمع ما هو إلا انعكاس لما يجري في القمة، أو على مستوى النخبة، وهو ما يحمل الطيف السياسي الواسع مسؤولية كبيرة في تعديل المناخ العام والتحكم في درجة حرارته وبرودته، في اعتداله وفي طغيانه في سلمه وفي عنفه، وهذا ما يثبته التاريخ وصادقت عليه الأحداث التي عاشتها البلاد وتعيشها منذ الثورة.

التوقيع على الدستور

يوم الإثنين 27 يناير وقَّع كل من رئيس الجمهورية التونسية محمد منصف المرزوقي، ورئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر، ورئيس الحكومة علي العريض، على الدستور، وذلك بعد أقل من 24 ساعة على مصادقة المجلس الوطني التأسيسي، على الدستور بأغلبية 92%؛ أي 200 عضو، في حين عارضه 12 عضواً، وتحفظ 4 أعضاء، ولذلك عدَّ الرئيس المرزوقي ما وصفه بالتوافق العظيم، الذي حصل حول الدستور ونسبة التصويت عليه "عناصر قوة وشرعية لا تسمح لأحد بأن يزايد عليها باعتباره دستور كل التونسيين وبأغلبية توافقية ساحقة وهو يوم انتصار لكل من المعارضة والحكومة والمؤسسات"، وتابع: "إن هذا اليوم سيذكره التاريخ وستحتفل به الأجيال القادمة، فهو عصارة الآلام والآمال وبه اكتمل الانتصار على الدكتاتورية المقيتة"، ونوه المرزوقي بما وصفه الدور العظيم للحكومة بقيادة علي العريض، وقال: إن الدستور يؤكد إدراكنا ووعينا بمسؤولياتنا، وإن المصادقة على الدستور هو انتصار على الدكتاتورية، وهذا الدستور خطوة على طريق عملية بناء شاقة، وترحم على الشهداء، فبفضل الله ثم تضحياتهم الجسيمة جعلت الدستور اليوم بين أيدينا، ولم ينس كل المواطنين الذين شاركوا في الاستشارات الوطنية، والأحزاب والشخصيات السياسية، وجنود الخفاء من إعلاميين وإداريين وعسكريين وأمنيين، فضلاً عن نواب المجلس التأسيسي، وشدد على أن الطريق ما يزال طويلاً وشاقاً.

لحظة إنسانية

رئيس المجلس الوطني التأسيسي، مصطفى بن جعفر، تحدث عن وعود الدستور، والمجلس التأسيسي أوفى بتعهداته بالمصادقة على الدستور، وبتشكيل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وسيواصل المجلس عمله في الأيام القادمة لصياغة القانون الانتخابي.

وتحدث بن جعفر بدوره عما وصفه بالمسار الصعب، ولكن الثورة فرضت خياراتها الكبرى والقطع مع الاستبداد والحكم الفردي، وتكميم الأفواه والممارسات المزدوجة، ظاهرها احترام حقوق الإنسان والمعاهدات الدولية، وخلف الستارة كان عكس ذلك، وواصل قائلاً: كانت ثورتنا لحظة إنسانية رائعة توحدت فيها إرادة الشعب وتدفقت فيها مشاعر عظيمة، فكان نهر الثورة عميقاً وتونس شقت لنفسها طريقاً متسماً بالتسامح والاعتدال وبناء الديمقراطية، حرصها الله، وعن مزايا الدستور قال: دستورنا يحقق الاستقرار الحكومي ويؤسس للتداول السلمي على السلطة، ويقر الهيئات الدستورية، يفتح مجال عمل الأحزاب، وكذلك صحافة حرة وإعلام منظم، وقد نص الدستور على أن القضاء سلطة ثالثة يفصل في النوازل وفي مبادئ العدالة، ويعطي ضمانات المحاكمات العادلة ولا سلطان على القضاة في ممارسة مهامه سوى القانون. 

آمال الشعوب          

رئيس الوزراء المنتهية ولايته علي العريض أكد 4 أهداف، وهي: العمل من مختلف المواقع من أجل بناء ديمقراطيتنا وتحقيق آمال شعبنا، وليس من حق أحد تعطيل آلة الإنتاج والعمل، ولا ينبغي أن يغيب عنا التمسك بالوحدة الوطنية، والدستور عهد بين كل التونسيين علينا الوفاء به.. وقال العريض: أثبتنا أن توافقنا على الحد الأدنى الممكن من الحق، خير من تقاتلنا على الحد الأقصى منه، وتابع: نعيش لحظة تاريخية متميزة تزدحم فيها المعاني والعبر والاعتزاز بهذا الإنجاز الوطني الكبير، وأضاف: عملنا من مختلف المواقع بروح عالية رغم كثرة التحديات وتوالدها وكثرة المخاطر وتعاظمها، أحياناً من أجل إنجاح تجربتنا وبناء ديمقراطيتنا وتحقيق آمال شعبنا وصياغة تعاقدات اجتماعية وسياسية وثقافية جديدة توسع المشترك بين التونسيين وتدار على أساسها وفي إطارها الاختلافات في الرأي والتقدير.

النخب السياسية         

 وأكد أن النخب وخاصة النخب السياسية قد تختلف في مسائل عديدة، إلا أنه ليس من حقها أن تختلف في القيمة الإستراتيجية للعمل والعلم والتعليم وحق الشباب والأطفال أن تتوافر لهم أسباب تحصيل العلم ومناخات الارتقاء في مدارجه ومسالكه بعيداً عن التجاذبات السياسية، وأشار إلى تراجع حجم المصاعب والمخاطر التي كانت تهدد نجاح المسار الانتقالي وتعاظم حجم الضمانات الملزمة للجميع؛ لأنها جاءت من خلال حوار وطني أنتج توافقات تاريخية بين أغلب الأحزاب والمجتمع المدني.

وأوضح بأن الديمقراطية التونسية الناشئة حية وفاعلة تشق طريقها بثبات نحو الرسوخ والنجاح رغم الصعوبات والاختبارات، وأعرب عن أمله في أن ينصف المؤرخون الثورة التونسية وأن تحظى بتثمين أجيال تونس القادمة.

 تفكيك الفوضى

رئيس الوزراء الجديد مهدي جمعة والذي تتهمه بعض الأطراف بأنه مرشح حزب حركة النهضة، وأنه ناضل ضمن، الاتحاد العام التونسي للطلبة، الذي كان التيار الإسلامي يقوده، أكد أنه واع وفريقه الوزاري بما يجري: واعون بالتحديات ونحن على أتم الاستعداد، وأشار إلى أن اختيار أعضاء حكومته كان على أساس الكفاءة والنزاهة، وأنه خير التقليص من عدد الوزارات لتصبح 21 وزارة، و7 كتّاب دولة فقط، ودافع عن إبقائه للطفي بن جدو على رأس وزارة الداخلية، وكانت عدة أحزاب يسارية وليبرالية قد اعترضت على بقاء بن جدو، الذي تقول عنه: إنه إسلامي.. إبقائي على مهدي جمعة للحفاظ على التوازن الأمني الحاصل، وقد تم تشكيل الحكومة على أساس الاستقلالية والكفاءة، وجدد تعهده بالوقوف على نفس المسافة من كافة الفرقاء السياسيين.

وكانت الجبهة الشعبية التي تضم بعض فصائل اليسار قد اتهمت حكومة مهدي جمعة بأنها، ترويكا ثالثة، وقال حزب العمال أحد عناصر الجبهة اليسارية، في بيان صادر في 26 يناير الجاري.

لطفي بن جدو

 إن الإصرار على تعيين لطفي بن جدو على رأس وزارة الداخلية وتعيين وزراء معروفين بارتباطهم بحركة النهضة مثل وزير الصحة ووزير النقل هو مرور بقوة يجعل من حكومة مهدي جمعة، ترويكا ثالثة، على حد ما جاء في البيان، وهددت الجبهة التي تعرف بأحزاب "صفر فاصل" بأنها لن تبقى مكتوفة الأيدي في مواجهة الحكومة الجديدة، لكن تفكيك ما كان يسمى بـ"الاتحاد من أجل تونس"، وتقارب بقية الأحزاب الممثلة فيه مع حزب حركة النهضة، جعل الجبهة الشعبية معزولة وغير قادرة على فعل شيء يذكر، لا سيما وأن هذا الاتحاد، ومعه الاتحاد العام التونسي للشغل، وعدد من المؤسسات، قد انخرطوا بعد انتخابات أكتوبر 2011م في حرب قذرة ضد حكومة الترويكا لكنهم لم ينجحوا في مساعيهم للانقلاب على المسار الانتقالي الديمقراطي في البلاد، وهو ما ألجأهم لطلب الحوار والتوصل لتوافقات مع الترويكا وبالأخص حزب حركة النهضة، مما سرع عملية إنجاز الدستور والدخول في مرحلة الإعداد للانتخابات القادمة، والتي ستشرف عليها حكومة مهدي جمعة.

 

عدد المشاهدات 645

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top